الجمعة، 10 أكتوبر 2025

كتاب : الإحكام في أصول الأحكام المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي/ من اول ج5 الي اخر ج8.


كتاب : الإحكام في أصول الأحكام المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي/ من اول ج5 الي اخر ج8.


كتاب : الإحكام في أصول الأحكام
المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي

وإذ يقول عز و جل مخبرا عنه صلى الله عليه و سلم { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى } فأخبر تعالى عن أن النبي صلى الله عليه و سلم لا ينطق البتة إلا بوحي يوحى إليه وأنه لا يتبع البتة إلا ما يوحي الله تعالى إليه فقط فمن كذب ربه فلينظر أين مستقره
وإذا جوزتم أن يجمع الناس على شرائع يحدثونها لم يوح بها الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه و سلم ولا بينها رسوله صلى الله عليه و سلم والله تعالى يكذب من قال هذا إذ يقول { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } فالدين قد كمل وما كمل فلا مزيد فيه أصلا
وأما تكرار الله تعالى الأمر بطاعة رسوله صلى الله عليه و سلم بعد أمره بطاعة نفسه تعالى وتكراره الأمر بطاعة أولي الأمر بعد أمره بطاعة الرسول صلى الله عليه و سلم وإن كان كل ذلك ليس فيه إلا طاعة ما أمر الله به فقط لا ما لم يأت به الوحي منه عز و جل فوجه ذلك واضح وهو بيان زائد لولا مجيئه لالتبس على بعض الناس فهم ذلك الأمر وذلك أنه لو لم يأمرنا الله تعالى إلا على الأمر بطاعته فقط لتوهم بعض الجهال أنه لا يلزمنا إلا ما قاله تعالى في القرآن فقط وأنه لا يلزمنا طاعة رسوله صلى الله عليه و سلم فيما جاءنا به مما ليس في نص القرآن فلما أمر تعالى مع طاعته بطاعة رسوله صلى الله عليه و سلم ليظهر البيان ولم يمكن أن يمنع من طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما أمرنا إلا معاند له
ولو لم يأمرنا تعالى إلا على الأمر بطاعة أولي الأمر منا لأمكن أن يهم جاهل فيقول لا يلزمنا طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا فيما سمعنا منه مشافهة
فلما أمرنا تعالى بطاعة أولي الأمر منا ظهر البيان في وجوب طاعة ما نقله إلينا العلماء عن النبي صلى الله عليه و سلم فقط فبطل أن يكون لهاتين الآيتين متعلق والحمد لله رب العالمين
فإن قالوا لو كان هذا لما كان قوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } معنى لأن ما جاءنا عن الله تعالى وعن النبي صلى الله عليه و سلم فواجب قبوله اتفق عليه أو اختلف فيه فأي معنى للفرق وبين أمره تعالى بطاعة أولي الأمر ثم أمره بالرد عند الشارع إلى الله ورسوله

قلنا ليس في قوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير 9 وأحسن تأويلا } خلاف لأمره تعالى بطاعة أولي الأمر بل كل ذلك ليس فيه إلا طاعة القرآن والسنن المبلغة إلينا فقط ولكن في قوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } معنى زائد ليس فيما تقدم من الآية وهو نهيه تعالى عن تقليد أحد واتباعه والأمر بالاقتصار على القرآن والسنة فقط ولا مزيد
وأيضا والكل من المسلمين متفقون على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرنا أن نصلي إلى بيت المقدس مدة ثم أمرنا بترك تلك القبلة وبالصلاة إلى مكة فوجب ذلك وأنه عليه السلام لو نهانا عن أن نصلي الخمس وعن صوم رمضان لحرم علينا أن نصليها أو نصومه وهكذا في سائر الشرائع أفهكذا القول عندكم و أمرنا بذلك بعد جميع أهل الأرض فإن قالوا نعم كفروا وإن قالوا لا فرقوا بين طاعته عليه السلام وطاعة أولي الأمر
فإن قالوا هذا محال لا يجوز أن يجمع الناس على ذلك لأنه كفر وضلال قلنا صدقتم وكذلك أيضا محال لا يجوز أن يجمعوا على إحداث شرع لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله صلى الله عليه و سلم برأي أو بقياس ولا فرق فبطل أن يكون لهم في شيء من النصوص المذكورة متعلق بوجه من الوجوه والحمد لله رب كثيرا
وقالوا لو كان الإجماع لا يكون إلا عن نص وتوقيف لكان ذلك النص محفوظا لأن الله تعالى قال { إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون } فلما لم يوجد ذلك النص علمنا أن الإجماع ليس على نص
قال أبو محمد وهذا كلام أوله حق وآخره كذب
ونحن نقول لا إجماع إلا عن نص وذلك النص إما كلام منه صلى الله عليه و سلم فهو منقول ولا بد محفوظ حاضر وإما عن فعل منه عليه السلام فهو منقول أيضا كذلك وإما إقراره إذ علمه فأقره ولم ينكره فهي أيضا حال منقولة محفوظة وكل من ادعى إجماعا علمه على غير هذه الوجوه كلفناه تصحيح دعواه في أنه إجماع لا سبيل إلى برهان على ذلك أبدا بأكثر من دعواه وما كان دعوى بلا برهان فهو باطل فإن لجأ إلى ما لا يعرف فيه خلاف

فهو إجماع قلنا له وهذا تدبير من الكذب والدعوى الأفيكة بلا برهان وتمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب بعد هذا مفرد لبعض قول من قال إن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فكيف وفيما ذكرنا ههنا من أنها دعوى بلا برهان كفاية
قال أبو محمد وإذا قد بطل كل ما اعترضوا به فلنقل بعون الله تعالى على إيراد البراهين على صحة قولنا قال عز و جل { تبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون } فأمرنا تعالى أن نتبع ما أنزل ونهانا عن أن نتبع أحدا دونه قطعا فبطل بهذا أن يصح قول أحد لا يوافق النص وبطل بهذا أن يكون إجماع على غير نص لأن النص باطل والإجماع حق والحق لا يوافق الباطل
وقد ذكرنا قوله تعالى { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } فصح أنه لا يحدث بعد النبي صلى الله عليه و سلم شيء من الدين وهذا باطل أن يجمع على شيء من الدين لم يأت به قرآن ولا سنة ويصح بضرورة العقل أنه لا يمكن أن يعرف أحد ما كلفه الله تعالى عباده إلا بخبر من عنده عز و جل وإلا فالخبر عنه تعالى بأنه أمر بكذا ونهي عن كذا كاذب على الله عز و جل إلا أن يخبر بذلك عنه تعالى من يأتيه الوحي من عند ربه فقط
وصح أيضا بضرورة العقل أن من أدخل في الدين حكما يقر بأنه لم يأت به وحي من عند الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه و سلم فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى وقد ذم الله تعالى ذلك وأنكره في نص القرآن فقال { أم لهم شركاء شرعوا لهم من لدين ما لم يأذن به لله ولولا كلمة لفصل لقضي بينهم وإن لظالمين لهم عذاب أليم }
قال أبو محمد ومن طريق النظر الضروري الراجع إلى العقل والمشاهدة والحس أننا نسأل من أجاز أن يجمع علماء المسلمين على ما لا نص فيه فيكون حقا لا يسع خلافه فنقول له وبالله تعالى التوفيق أفي الممكن عندك أن يجتمع علماء جميع الإسلام في موضع واحد حتى لا يشذ عنهم منهم أحد بعد افتراق الصحابة رضي الله عنهم في

الأمصار أم هذا ممتنع غير ممكن البتة فإن قال هذا ممكن كابر العيان لأن علماء أهل الإسلام قد افترق الصحابة رضي الله عنهم في عصر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اليوم وهلم جرا لم يجتمعوا مذ أن افترقوا فصار بعضهم في اليمن في مدنها وبعضهم في عمان وبعضهم في البحرين وبعض في الطائف وبعض بمكة وبعض بنجد
وبعض بجبل طيىء وكذلك في سائر جزائر العرب
ثم اتسع الأمر بعده عليه السلام فصاروا من السند وكابل إلى مغارب الأندلس وسواحل بلاد البربر ومن سواحل اليمن إلى ثغور أرمينية فما بين ذلك من البلاد البعيدة واجتماع هؤلاء ممتنع غير ممكن أصلا لكثرتهم وتنائي أقطارهم
فإن قال ليس اجتماعهم ممكنا قلنا صدقت
وأخبرنا الآن كيف الأمر إذا قال بعضهم قولا لا نص فيه أتقطع على أنه حق وأنت لا تدري أيجمع عليه سائرهم أم لا أم تقف فيه فإن قال أقطع بأنه حق قلنا حكمت بالغيب وبما لا تدري وحكمت بالباطل بلا شك فإن قال بل أقف فيه حتى يجمع عليه سائرهم قلنا فإنما يصح إذ قال به آخر قائل منهم فلا بد من نعم فيقال لهم فلو خالفهم فعلى قولك لا يكون حقا فمن قوله نعم فيقال له فكيف يكون حقا ما يمكن أمس أن يكون باطلا وهذا حكم على الله تعالى وليس هذا حكم الله وكفى بهذا بيانا
وأيضا فإن اليقين قد صح بأن الناس مختلفون في هممهم واختيارهم وآرائهم وطبائعهم الداعية إلى اختيار ما يختارونه وينفرون عما سواه متباينون في ذلك تباينا شديدا متفاوتا جدا فمنهم رقيق القلب يميل إلى الرفق بالناس ومنهم قاسي القلب شديد يميل إلى التشديد على الناس ومنهم قوي على العمل مجد إلى العزم والصبر والتفرد ومنهم ضعيف الطاقة يميل إلى التخفيف ومنهم جانح إلى لين العيش يميل إلى الترفيه ومنهم مائل إلى الخشونة مجنح إلى الشدة ومنهم معتدل في كل ذلك إلى التوسط ومنهم شديد الغضب يميل إلى شدة الإنكار ومنهم حليم يميل إلى الإغضاء ومن المحال اتفاق هؤلاء كلهم على إيجاب حكم برأيهم أصلا لاختلاف دعاويهم ومذاهبهم فيما ذكرنا وإنما يجمع ذو الطبائع المختلفة على ما استووا فيه من الإدراك بحواسهم وعلموه

ببدائة عقولهم فقط وليست أحكام الشريعة من هذين القسمين فبطل أن يصح فيها إجماع على غير توقيف وهذا برهان قاطع ضروري
وأما الإجماع على القياس فيبطل من قرب لأنهم لم يجمعوا على صحة القياس فكيف يجمعون على ما لم يجمعوا عليه
قال أبو محمد فاعترض فيها بعض المخالفين فقال قد اختلف الناس في القول بخبر الواحد وقد أجمع على بعض ما جاء به خبر الواحد
قال أبو محمد وهذا باطل ومخرقة ضعيفة لأن المسلمين لم يختلفوا قط في وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما اختلفوا في الطريق المؤدية إليه صلى الله عليه و سلم والذين لا يقولون بخبر الواحد
ثم أجمعوا على حكم ما جاء من أخبار الآحاد فإنهم يقولون إنما قلنا به لأنه نقل كافة لا لأنه خبر واحد
فإن قلتم إن من القياس ما يوافق النص قلنا لكم المتبع حينئذ إنما هو النص ولا نبالي وافقه القياس أو خالفه فلم نتبع القياس قط وافق النص أو خالفه وكذلك لا يجوز الإجماع على قول إنسان دون النبي صلى الله عليه و سلم لأنه لا أحد بعده إلا وقد خالفه طوائف من المسلمين في كثير من قوله
وأيضا فإن كان من بعده عليه السلام فممكن أن يصيب وأن يخطىء فاتباع خطأ من أخطأ باطل وأما صواب المصيب في الدين فإنما هو باتباع النص فالنص هو المتبع حينئذ لا قول الذي اتبع النص وإنما يجب اتباع النص سواء وافقه الموافق أو خالفه المخالف
وأيضا فإنه يقال لمن أجاز الإجماع على غير نص من قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبرونا عما جوزتم من الإجماع بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم على غير نص هل يخلو من أربعة أوجه لا خامس لها إما أن يجمعوا على تحريم شيء مات صلى الله عليه و سلم ولم يحرمه أو على تحليل شيء مات رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد حرمه أو على إيجاب فرض مات رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يوجبه أو على إسقاط فرض مات رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أوجبه وكل هذه الوجوه كفر مجرد وإحداث دين بدل به دين الإسلام ولا فرق بين هذه الوجوه وبين من جوز الإجماع على إسقاط الصلوات الخمس أو بعضها أو ركعة منها أو على إيجاب صلوات غيرها أو ركوع زائدة فيها أو على إبطال صوم رمضان أو على إيجاب

صوم شهر رجب أو على إبطال الحج إلى مكة أو على إيجابه إلى الطائف أو على إباحة الخنزير أو على تحريم الكبش كل هذا كفر صراح لا خفاء به
فإن قالوا كل هذه نصوص وإنما جوزنا الإجماع على ما لا نص فيه قلنا وكل ما ذكرنا لا نص فيه وإنما هي شرائع زائدة في دين الله تعالى أو ناقصة منه هذه صفة ما لا نص فيه لا سبيل إلى أن يكون حكم لا نص فيه يخرج من أحد هذين الوجهين
فإن قالوا هذا لا يجوز رجعوا إلى قولنا من قرب ومن أجاز شيئا من هذا كفر وبالله تعالى التوفيق
وهذا أيضا برهان قاطع في إبطال القول بالقياس بالرأي والاستحسان لا مخلص منه
واعلموا أن قولهم هذه المسألة لا نص فيها قول باطل وتدليس في الدين وتطريق إلى هذه العظائم لأن كل ما يحرمه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم إلى أن مات صلى الله عليه و سلم فقد حلله بقوله تعالى { هو لذي خلق لكم ما في لأرض جميعا ثم ستوى إلى لسمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم } وقوله { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر سم لله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بلمعتدين } وكل ما لم يأمر به عليه السلام فلم يوجبه وهذه ضرورة لا يمكن أن يقوم في عقل أحد غيرها وأما كل ما نص يأمر به صلى الله عليه و سلم بالأمر به أو النهي عنه فقد حرمه أو أوجبه فلا يحل لأحد مخالفته فصح أنه لا شيء إلا وفيه نص جلي فصح أنه لا إجماع إلا على نص ولا اختلاف إلا في نص كما ذكرنا ولا قياس يوجب في نص إلا وهو زائد في الدين أو ناقص منه ولا بد
ثم نقول لهم أيضا أخبرونا عن الإجماع جملة هل يخلو من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها بضرورة العقل أما أن يجمع الناس على ما لا نص فيه كما ادعيتم فقد أريناكم بطلان ذلك وأنه محال ذلك وأنه محال وجوده لصحة وجود النصوص في كل شيء من الدين أو يكون إجماع الناس على خلاف النص الوارد من غير نسخ أو تخصيص له وردا قبل موت رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذا كفر مجرد كما قدمنا
أو يكون إجماع الناس على شيء منصوص فهذا قولنا هذه قسمة ضرورية لا محيد

عنها أصلا وإذ هو كما ذكرنا فاتباع النص فرض سواء أجمع الناس عليه أو اختلفوا فيه لا يزيد النص مرتبة في وجوب الاتباع أن يجمع الناس عليه ولا يوهن وجوب اتباع اختلاف الناس فيه بل الحق حق وإن اختلف فيه وإن الباطل باطل وإن كثر القائلون به ولولا صحة النص عن النبي صلى الله عليه و سلم بأن أمته لا يزال منهم من يقوم بالحق ويقول به فبطل بذلك أن يجمعوا على باطل لقلنا والباطل باطل وإن أجمع عليه لكن لا سبيل إلى الإجماع على باطل
قال أبو محمد فإذا الأمر كذلك فإنما علينا صلب أحكام القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ ليس في الدين سواهما أصلا ولا معنى لطلبنا هل أجمع على ذلك الحكم أو هل اختلف فيه لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق
فإن قيل فقد صححتم الإجماع آنفا ثم توجبون الآن أنه لا معنى له قلنا الإجماع موجود كما الاختلاف موجود إلا أننا لم يكلفنا الله تعالى معرفة شيء من ذلك إنما كلفنا اتباع القرآن وبيان رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي نقله إلينا الأمر منا على ما بينا فقط ولأن أحكام الدين كلها من القرآن والسنن لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما إما وحي مثبت في المصحف وهو القرآن وإما وحي غير مثبت في المصحف وهو بيان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال تعالى { بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } وقال تعالى { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى }
ثم ينقسم كل ذلك ثلاثة أقسام لا رابع لها إما شيء نقلته الأمة كلها عصرا بعد عصر كالإيمان والصلوات والصيام ونحو ذلك وهذا هو الإجماع ليس من هذا القسم شيء لم يجمع عليه وإما شيء نقل نقل تواتر كافة عن كافة من عندنا كذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ككثير من السنن وقد يجمع على بعض ذلك وقد يختلف فيه كصلاة النبي صلى الله عليه و سلم قاعدا بجميع الحاضرين من أصحابه وكدفعه خيبر إلى يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر يخرجهم إذا شاء وغير ذلك كثير وإما شيء نقله الثقة عن الثقة كذلك مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنه ما أجمع على القول به ومنه ما اختلف فيه فهذا معنى الإجماع الذي لا إجماع في الديانة غيره البتة ومن ادعى

غير هذا فإنما يخبط فيما لا يدري ويقول ما لا علم له ويقول بما لا يفهم ويدين بما لا يعرف حقيقته
وبالله تعالى التوفيق وبه نعوذ من التخليط في الدين بما لا يعقل
فصل في اختلاف الناس في وجوه من الإجماع قال أبو محمد ثم اختلف الناس في وجوه من الإجماع لا علينا أن نذكرها إن شاء الله تعالى وإن كنا قد بينا آنفا أنه لا حاجة بأحد إلى طلب إجماع أو اختلاف وإنما الفرض على الجميع والذي يحتاج إليه الكل فهو معرفة أحكام القرآن وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقط كما بينا أن أهل العلم مالوا إلى معرفة الإجماع ليعظموا خلاف من خالفه ويزجروه عن خلافه فقط وكذلك مالوا إلى معرفة اختلاف الناس لتكذيب من لا يبالي بادعاء الإجماع جرأة على الكذب حيث الاختلاف موجود فيردعونه بإيراده عن اللجاج في كذبه فقط وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد فقالت طائفة الإجماع إجماع الصحابة رضي الله عنهم فقط وأما إجماع من بعدهم فليس إجماعا وقالت طائفة إجماع أهل كل عصر إجماع صحيح ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة منهم إذا صح إجماع كل عصر ما فهو إجماع صحيح وليس لهم ولا لأحد بعد أن يقول بخلافه
وقالت طائفة منهم أخرى بل يجب مراعاة ذلك العصر فإن انقرضوا كلهم ولم يحدثوا ولا أحد منهم خلافا لما أجمعوا عليه فهو إجماع قد انعقد لا يجوز لأحد خلافه وإن رجع أحد منهم عما أجمع مع أصحابه فله ذلك ولا يكون ذلك إجماعا
وقالت طائفة إذا اختلف أهل عصر في مسألة ما فقد ثبت الاختلاف ولا ينعقد في تلك المسألة إجماع أبدا
وقالت طائفة بل إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما ثم أجمع أهل العصر الذي بعدهم على بعض قول أهل العصر الماضي فهو إجماع صحيح لا يسع أحدا خلافه أبدا وقالت طائفة إذا اختلف أهل العصر على عشرة أقوال مثلا أو أقل أو أكثر فهو اختلاف فيما اختلفوا فيه وهو إجماع صحيح على ترك ما لم يقولوا به من الأقوال فلا يسع أحدا الخروج على تلك الأقوال كلها له أن يتخير منها ما أداه إليه اجتهاده

وقالت طائفة ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع صحيح لا يجوز خلافه لأحد وقالت طائفة ليس إجماعا وقالت طائفة إذا اتفق الجمهور على قول خالفهم واحد من العلماء فلا يلتفت إلى ذلك الواحد وقول الجمهور هو إجماع صحيح وهذا قول محمد بن جرير الطبري
وقالت طائفة ليس هذا إجماعا
وقالت طائفة قول الجمهور والأكثر إجماع وإن خالفهم من هو أقل عددا منهم وقالت طائفة ليس هذا إجماعا
وقالت طائفة إجماع كل أهل المدينة هو الإجماع وهذا قول المالكيين ثم اختلفوا فقال ابن بكير منهم وطائفة معه سواء كان عن رأي أو قياس أو نقلا وقال محمد بن صالح الأبهري منهم وطائفة معه إنما ذلك فيما كان نقلا فقط
وقالت طائفة إجماع أهل الكوفة وهذا قول بعض الحنفيين
وقالت طائفة إذا جاء القول عن الصاحب الواحد أو أكثر من واحد من الصحابة ولم يعرف له مخالف منهم فهو إجماع وإن خالفه من بعد الصحابة رضي الله عنهم وهو قول بعض الشافعيين وجمهور الحنفيين والمالكيين
وقال بعض الشافعيين إنما يكون إجماعا إذا اشتهر ذلك القول فيهم وانتشر ولم يعرف له منهم مخالف وأما إذا لم يشتهر ولا انتشر فليس إجماعا بل خلافه جائز
ثم ههنا أقوال هي داخلة في باب الهوس إن سلم أصحابها من القصد إلى التلاعب بالدين كقول بعض الحنفيين ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وأن اختيارات الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وداود بن علي وسائر العلماء شذوذ خرق الإجماع
وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر وليس لأحد أن يختار وكقول إنسان ذكره أبو ثور في رسالة ورد عليه وكان قوله إنه ليس لأحد أن يخرج عن اختيارات الأوزاعي وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح
قال أبو محمد أصناف الحمق أكثر من أصناف التمر ويكفي في بطلان كل قول من الدين لم يأت به قرآن ولا سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قول الله تعالى { لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون } وقوله تعالى { وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }

فصح أنه لا برهان في الدين إلا ما حده الله تعالى وأن حدود الله ليست إلا في كلامه وبيان رسول الله صلى الله عليه و سلم فقط وأن من لم يأت في قوله في الدين ببرهان من القرآن وأن حكم مستند ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فليس من الصادقين بل هو كاذب آفك ضال مضل وبالله تعالى التوفيق إلا أنه لا بد بحول الله تعالى من بيان شبه هذه الأقوال الفاسدة التي قد عظم خطأ أهلها وكثر اتباعها لعل الله تعالى يهدي بهداه لنا أحدا فيكون خيرا لنا من حمر النعم كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبي ونعم الوكيل
واعلموا أن جميع هذه الفرق متفقة على أن إجماع الصحابة رضي الله عنهم إجماع صحيح وقائلون بأن كل ما اشتهر فيهم رضي الله عنهم ولم يقع منهم نكير له فهو إجماع صحيح فاعلموا أن إجماع هذه الفرق على ما ذكرنا حاكم لنا عليهم وموجب لنا أننا المتبعون للإجماع وأن مخالفينا كلهم مخالفون للإجماع بإقرارهم والحمد لله رب العالمين كما نذكر في الباب المتصل بهذا إن شاء الله تعالى
فصل ذكر الكلام في الإجماع إجماع من هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم أم الأعصار بعدهم وأي شيء هو الإجماع وبأي شيء يعرف أنه إجماع قال أبو محمد قال سليمان وكثير من أصحابنا لا إجماع إلا إجماع الصحابة رضي الله عنهم واحتج في ذلك بأنهم شهدوا التوقيف من رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف وأيضا فإنهم رضي الله عنهم كانوا جميع المؤمنين لا مؤمن من الناس سواهم ومن هذه صفته فإجماعهم هو إجماع المؤمنين وهو الإجماع المقطوع به وأما كل عصر بعدهم فإنما بعض المؤمنين لا كلهم وليس إجماع بعض المؤمنين

إجماعا إنما الإجماع إجماع جميعهم وأيضا فإنهم كانوا عددا محصورا يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم وليس من بعدهم كذلك
قال أبو محمد أما قوله إنهم شهدوا التوقيف من رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو كما قال وهذا إنما هو حجة في أنه لا إجماع إلا عن توقيف ولا شك في أن إجماع الصحابة رضي الله عنهم إجماع صحيح وإنما الكلام في الأعصار بعدهم وقد عارضه مخالفوه بأن قالوا قد يجوز أن يحمل أهل عصر بعدهم على دليل نص قرآن أو سنة فهذا يدخل في التوقيف وأما قوله إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا جميع المؤمنين وإن من بعدهم إنما هو بعض المؤمنين فقول صحيح يعرف صدقه بالعيان والمشاهدة إلا أنه قد عارض مخالفوه في نكتة من هذه الجملة وهو أنه قال إن كان هكذا فإنه مذ ماتت خديجة رضي الله عنها أو بعض قدماء الصحابة رضي الله عنهم فإن الباقين منهم إنما هم بعض المؤمنين لا كلهم أيضا فقل إن الإجماع إنما هو إجماع من أسلم منهم بمكة قبل أن يموت منهم أحد فعارضه بعض أصحابنا بأن قال نعم هذا حق ما جاء قط نص قرآن ولا سنة بتسمية ما اتفق عليه من بقي من بعد من مات إجماعا
قال بعض أصحابنا لا ولكن نقول إن كل من مات منهم رضي الله عنهم فنحن موقنون قاطعون بأنه لو كان حيا لسلم الوحي المنزل من القرآن أو البيان من رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه لم يمت إلا مؤمنا بكل ما ينزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بعده بلا شك وليس كذلك من بعدهم لأنه حدث فيمن بعدهم من لا يقول بخبر الواحد الثقة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا نقطع عليهم بطاعة ما حكم به صلى الله عليه و سلم بخلاف الصحابة الذين من مات منهم فهو داخل في الإجماع بهذه الجملة
فعارضه المخالف فقال إن الأمر وإن كان كذلك فمع ذلك فقد كان يمكن أن يخالف الوحي متأولا باجتهاده كما فعل عمر وخالد وأبو السنابل وغيرهم فإن لم يعتد هذا خلافا لأنه وهم من صاحبه فلا يعتد بخلاف أحد من أهل الإسلام للنص إذا خالفه متأولا باجتهاده لأن كل مسلم كان أو يكون فإنه مسلم لما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم وحكم به وإن خالف بعد ذلك متأولا باجتهاده مخطئا قاصدا إلى الخير في تقديره فقد صار على هذا القول كل حكم إجماعا وبطل الاختلاف
قال أبو محمد وهذا اعتراض غير صحيح ولا يمنع مما أوجبه أبو سليمان من أن

من بعد الصحابة إنما هم بعض المؤمنين لا كلهم لأن كل حكم نزل من الله تعالى بعد موت من مات من الصحابة رضي الله عنهم فلم يكلفوا قط ألا يخالفوا ذلك الحكم لأنه لم يبلغهم وإنما يلزمهم الحكم بعد بلوغه
قال عز و جل { قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } وإنما كان يراعي إجماعهم عليه أو خلافهم له لو بلغهم وليس من بعدهم إذا بلغ الحكم كذلك بل إن اتبعوه لقد أجمعهم عليه ومن خالفه منهم مجتهدا فقد وجب الاختلاف في ذلك الحكم
وأما قوله إن عدد الصحابة رضي الله عنهم كان محصورا ممكنا جمعه وممكنا ضبط أقوالهم وليس كذلك من بعدهم فإنما كان هذا إذا كانوا كلهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل تفرقهم في البلاد وأما بعد تفرقهم فالحال في تعذر حصر أقوالهم كالحال فيمن بعدهم سواء ولا فرق هذا أمر يعرف بالمشاهدة والضرورة
قال أبو محمد وأما من قال إن إجماع أهل كل عصر فهو إجماع كل صحيح فقول الباطل لما ذكرنا من أنهم بعض المسلمين لا كلهم لكنه حق لما ذكرنا قبل من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق إلى أن يأتي أمر الله
قال أبو محمد ونحن إن شاء الله مبينون كيفية الإجماع بيانا ظاهرا يشهد له الحس والضرورة وبالله تعالى التوفيق
فنقول إن الإجماع الذي هو الإجماع المتيقن ولا إجماع غيره لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى لكن ينقسم قسمين أحدهما كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام في أن من لم يقل به فليس مسلما كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وكوجوب الصلوات الخمس وكصوم شهر رمضان وكتحريم الميتة والدم والخنزير والإقرار بالقرآن وجملة الزكاة فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما فإذا ذلك كذلك فكل من قال بها فهو مسلم فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام
والقسم الثاني شيء شهده جميع الصحابة رضي الله عنهم من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه صلى الله عليه و سلم منهم كفعله في خيبر إذ أعطاها يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر
يخرجهم المسلمون إذا شاؤوا
فهذا لا شك عند كل أحد في أنه لم يبق مسلم في المدينة إلا شهد الأمر أو

وصل إليه يقع ذلك الجماعة من النساء والصبيان الضعفاء
ولم يبق بمكة والبلاد النائية مسلم إلا عرفه وسر به
على أن هذا القسم من الإجماع قد خالفه قوم بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم وهما منهم وقصدا إلى الخير وخطأ باجتهادهم فهذان قسمان للإجماع ولا سبيل إلى أن يكون الإجماع خارجا عنهما ولا أن يعرف إجماع بغير نقل صحيح إليهما
ولا يمكن أحدا إنكارهما وما عداهما فدعوى كاذبة وبالله تعالى ومن ادعى أنه يعرف إجماعا خارجا من هذين النوعين
فقد كذب على جميع أهل الإسلام ونعوذ بالله العظيم من مثل هذا
قال أبو محمد نا محمد بن سعيد بن عمر بن نبات نا محمد بن أحمد بن مفرج نا ابن الورد نا أحمد بن حماد زغبة نا يحيى بن بكير نا الليث بن سعد حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال أخبرني أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب الغد حين بايع المسلمون أبا بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد استوى أبو بكر على المنبر ثم استوى يعني عمر فتشهد قبل أبي بكر فقال أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله تعالى ولا في عهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى يدبرنا فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا بما هدي له رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد فهذا عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة جميع الصحابة رضي الله عنهم يعلن ويعترف بأنه يقول القول لم يجده في قرآن ولا في سنة وأنه ليس كما قال
ولا ينكر ذلك أحد من الصحابة ويأمر باتباع القرآن ولا يخالفه في ذلك أحد منهم فصح أن قولنا بألا يتبع ما روي عن أحد من الصحابة إلا أن يوجد في قرآن أو سنة هو إجماع الصحابة الصحيح وأن وجوب اتباع النصوص هو الإجماع الصحيح وهو قولنا والحمد لله رب العالمين وأن من خالف هذين القولين فقد خالف الإجماع الصحيح
وكذلك من قلد إنسانا بعينه في جميع أقواله أو جهل وكده الاحتجاج بجميع

أقوال إنسان بعينه كما فعل الحنفيون والمالكيون والشافعيون خلاف متيقن لجميع عصر الصحابة ولجميع عصر التابعين ولجميع عصر تابعي التابعين أولهم عن آخرهم فنحن ولله الحمد المتبعون للإجماع وهم المخالفون للإجماع المتيقن نسأل الله تعالى أن يفيء بهم إلى الهدى وأن يثبتنا عليه
فصل في من قال إن الإجماع لا يجوز لأحد خلافه وأما من قال إن الإجماع لا يجوز لأحد خلافه فقول صحيح
وضعوه موضع تلبيس وأخرجوه مخرج تدليس وصارت كلمة حق أريد بها باطل وذلك أنهم أوهموا أن ما لا إجماع فيه فإن الاختلاف فيه سائغ جائز
قال أبو محمد وهذا باطل بل كل ما أجمع عليه أو اختلف فيه فهما سواء في هذا الباب فهلا يحل لأحد خلاف الحق أصلا سواء أجمع عليه أو اختلف فيه فإن قيل فهلا عذرتم من خالف الإجماع كما عذرتم من خالف فيم فيه خلاف قلنا كلا لعمري ما فعلنا شيئا مما تقولون ولا فرق عندنا فيما نسبتم إلينا الفرق بينه بل قولنا الذي ندين الله تعالى به هو أنه لا حق في الدين فيما جاء به كلام الله تعالى في القرآن أو بيان رسول الله صلى الله عليه و سلم للوحي المنزل إليه وأنه لا يحل لأحد خلاف شيء من ذلك فمن جهل وأخطأ قاصدا إلى الخير لم يتبين له الحق ولا فهمه فخالف شيئا من ذلك فسواء أجمع عليه أو اختلف فيه هو مخطىء معذور مأجور مرة كمن أسلم ولم يبلغه فرض الصلاة أو كمن أخطأ في القرآن الذي لا إجماع كالإجماع عليه فأسقط آية أو بدل كلمة أو زادها غير عامد لكنه مقدر أنه كذلك فهذا لا إثم عليه ولا حرج
وهكذا في كل شيء ومن عمد فخالف ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم غير مسلم بقلبه أو بلسانه أنه كحكمه عليه السلام فهو كافر سواء كان فيما أجمع عليه أو فيما اختلف فيه قال تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }

وإن خالف ما صح عنده من ذلك بعلمه وسلم له بقلبه ولسانه فهو مؤمن فاسق كالزاني وشارب الخمر وسائر العصاة سواء كان مما أجمع عليه أو مما اختلف فيه
فهذه الحقائق التي لا يقدر أحد على معارضتها لا الأقوال المموهة وبالله تعالى التوفيق
فصل في من قال بمراعاة انقراض العصر في الإجماع وأما من قال بمراعاة انقراض العصر في الإجماع فمن أحسن قول قيل لأن عصر الصحابة رضي الله عنهم اتصل مائة عام وثلاثة أعوام لأن سمية أم عمار رضي الله عنها ماتت في أول الإسلام ثم لم يزالوا يموت منهم من بلغ أجله كأبي أمامة وخديجة وعثمان بن مظعون وقتلى بدر وأحد وأهل البعوث عاما عاما
ومن مات في خلال ذلك إلى أن مات أنس سنة إحدى وتسعين من الهجرة وكان عصر التابعين مداخلا لعصر الصحابة رضي الله عنهم لأنه لما أسلم الاثنا عشر رجلا من الأنصار رضي الله عنهم قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر كاملة لأنهم أسلموا في ذي الحجة في أيام الحج وحملوا مع أنفسهم مصعب بن عمير رضي الله عنه معلما لهم القرآن والدين وبقوا كذلك تمام عام ثم حج منهم سبعون مسلما وثلاث نسوة مسلمات كلهم يعرف اسمه وحسبه وهم أهل بيعة العقبة وتركوا بالمدينة إسلاما كثيرا فاشيا يتجاوز المائتين من الرجال والنساء ثم هاجر صلى الله عليه و سلم في ربيع الأول
فلا شك في أنه قد مات في تلك الخمسة عشر شهرا منهم موتى من نساء ورجال لأنهم أعداد عظيمة وكلهم من جملة التابعين وهم الجمهور إلا من شاهد منهم النبي صلى الله عليه و سلم وهم الأقل
وهكذا كل مسلم ممن أسلم ولم يلق النبي صلى الله عليه و سلم من جميع جزيرة العرب كبلاد اليمن والبحرين وعمان والطائف وبلاد مصر وقضاعة وسائر ربيعة وجبلي طيىء والنجاشي
فكل من لم يلق منهم النبي صلى الله عليه و سلم فهو من التابعين فلم يزل التابعون يموت منهم

الواحد والاثنان والعشرات والمئون والآلاف من قبل الهجرة بسنة وشهرين إلى أن مات آخرهم في حدود ثمانين ومائة من الهجرة كخلف بن خليفة الذي رأى عمرو بن حريث وكمن ذكر عنه أنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه فمن هذا الواهي دماغه الذي يتعاطى مراعاة انقراض أهل عصر مقدار مائة عام وثلاثة أعوام ثم عصر آخر مقدار مائة سنة وثمانين سنة ويضبط أنفاسهم وإجماعهم هل اختلفوا بعد ذلك أم لا فكيف أن يوجب ذلك على الناس لا سيما وأهل ذينك العصرين متداخلان مضى كثير من أهل العصر الثاني قبل انقراض العصر الأول بدهر طويل أكثر من مائة عام وقد أفتى جمهورهم من الصحابة كعلقمة ومسروق وشريح وسليمان وربيعة وغيرهم ماتوا في عصر الصحابة
وهكذا تتداخل الأعصار إلى يوم القيامة
وقد اعترض بعضهم في هذا بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم خيركم القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فقلت بين الأمرين فرق كما بين النور والظلمة لأن الذي تباينت به الأعصار المذكورة هو شفوف في الفضل لا يلحقه الآخرون معروف لمن تأخر من قرن الصحابة على من تقدم من قرن التابعين
وليس كذلك جواز الفتيا لأنه إن لم تجز الفتيا لتابع حتى ينقرض عصر الصحابة لم تجز فتيا من ذكرنا ممن مات من التابعين في عصر الصحابة وهذا باطل أو يقولون إنه يراعي انقراض عصر التابعين مع عصر الصحابة معا ففي هذا مراعاة كل عصر إلى يوم القيامة مع عصر الصحابة لتداخل الأعصار وهذا محال والذي يدخل هذا القول من الجنون أكثر من هذا لأنه يجب على قولهم أنه إذا لم يبق من الصحابة إلا أنس وحده فإنه كان له ولغيره من التابعين أن يرجعوا عما أجمعوا عليه قالها أنس
انسد عليهم هذا الباب وألقيت المعلقة فحرم عليهم من الرجوع ما كان مباحا لهم قبيل ذلك وكفى بهذا جنونا
وليت شعري متى يمكنه التطوف عليهم في آفاقهم بل ألا يزايلهم إلى أن يموتوا ومتى جمعوا له في صعيد واحد ما في الرعونة أكثر من هذا ولا في الهزل والتدين بالباطل ما يفوق هذا ونعوذ بالله العظيم من الضلال


فصل في ما إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما وأما من قال إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما فقد ثبت الاختلاف ولا ينعقد في تلك المسألة إجماع أبدا فإنه كلام فاسد لأن الاختلاف لا حكم له إلا الإنكار له والمنع منه وإيجاب القول على كل أحد بما أمر الله تعالى به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم فقط ولا مزيد فالاختلاف لا يحل أن يثبت ولا يسع أحدا خلاف الحق أصلا لكن من خالفه جاهلا متأولا فهو مخطىء معذور مأجور أجرا واحدا كما ذكرنا آنفا
وفرض على كل من بلغه الحق أن يرجع إليه فإن عانده بقلبه أو بلسانه عالما بالحق فهو كافر وإن عانده بفعله عالما ففاسق كما قدمنا وبالله تعالى التوفيق
فصل في اختلاف أهل عصر ما ثم إجماع أهل عصر ثان وأما من قال إذا اختلف أهل عصر ما ثم أجمع أهل عصر ثان على أحد الأقوال التي اختلف عليه أهل الماضي فليس لأحد خلاف ما أجمع عليه أهل العصر الثاني فقد قلنا في تعذر علم هذا بما قلنا آنفا وسنزيد في ذلك بيانا لا يحيل إن شاء الله تعالى عن ذي لب وقد قلنا إنه لا معنى لمراعاة ما أجمع عليه مما اختلف فيه إنما هو حق أو خطأ والحق في الدين ليس إلا في كلام الله تعالى أو بيان رسول الله صلى الله عليه و سلم الثابت عنه بنقل الثقات مسندا فقط
وهذا لا يسع أحدا خلافه ولا يقويه ولا يزيده رتبة في أنه حق أن يجمع عليه ولا يوهنه أن يختلف فيه والخطأ هو خلاف النص ولا يحل لأحد أن يخطىء لأنه يعذر بتأوله وجهله كما قدمنا أو يكفر بعناده أو بقلبه أو بلسانه أو يفسق بمخالفته بعمله فقط وبالله تعالى التوفيق
ولا سبيل إلى إجماع أهل عصر ما على خلاف نص ثابت لأن خلاف النص باطل ولا يجوز إجماع الأمة على باطل لقول النبي صلى الله عليه و سلم لا تزال طائفة من أمتي على الحق فصح أن هذا القول الذي صدرنا في الباب فاسد


فصل في من قال إن افترق أهل عصر على أقوال كثيرة وأما قول من قال إن افترق أهل العصر على أقوال كثيرة جدا أو أكثر من واحد فإن ما لم يقولوه قد صح الإجماع منهم على تركه فقد قلنا في تعذر معرفة ذلك وحصره ونقول أيضا إن شاء الله تعالى وقد قلنا إنه لا يمكن مع ذلك أن يجمع أهل عصر طرفة عين فما فوقها خطأ على خطأ لإخبار النبي صلى الله عليه و سلم بأنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق فهذه الأقوال كلها متخاذلة غير موضوعة وضعا صحيحا خارجة عن الإمكان إلى الامتناع وما كان هكذا فلا وجه للاشتغال به
قال أبو محمد فموهوا ههنا بأن قالوا قد صح الإجماع من الصحابة رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنع من بيع أمهات الأولاد وكان بيعهم على عهده صلى الله عليه و سلم حلالا وقد صح إجماعهم على جلد شارب الخمر ثمانين جلدة ولم يكن ذلك على عهده صلى الله عليه و سلم وقد صح إجماعهم على إسقاط ستة أحرف من جملة الأحرف السبعة التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم
قلنا كذبتم وأفكتم أما جلد شارب الخمر ثمانين فيعيذ الله تعالى عمر من أن يشرع حدا لم يأت به وحي من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم
ونحن نسألكم ما الفرق بين ما تدعونه بالباطل من إحداث حد لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخمر وبين إثبات حد في اللياطة بقطع الذكر أو في الزنى بجلد مائتين أو بقطع يد الغاصب أو بقلع أضراس آكل الخنزير وما الفرق بين هذا كله وبين إسقاط صلاة وزيادة أخرى وإبطال صوم رمضان وإحداث شهر آخر ومن أجاز هنا فقد خرج عن الإسلام وكفر كفرا صراحا ولحق بالباطنية وغلاة الروافض واليهود والنصارى الذين بدلوا دينهم وإنما جلد عمر الأربعين الزائدة تعزيرا كما صح عنه أنه كان إذا أتي بمن تتابع في الخمر جلده ثمانين وإذا أتي بمن لم يكن له منه إلا الوهلة ونحوها جلده أربعين
ويا معشر من لا يستحي من الكذب أين الإجماع الذي تدعونه وقد صح أن

عثمان وعليا وعبد الله بن جعفر بحضرة الصحابة جلدوا في الخمر أربعين بعد موت عمر
كما حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا إسحاق بن راهويه حدثنا يحيى بن حماد ثنا عبد العزيز بن المختار ثنا عبد الله بن الفيروز الداناج مولى ابن عامر ثنا حصين بن المنذر أبو ساسان قال شهدت عثمان أتى الوليد يشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر والثاني أنه قاءها قال عثمان يا علي قم فاجلده فقال علي يا حسن قم فاجلده فقال الحسن ول حارها من تولى قارها فكأنه وجد عليه فقال علي يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة
فإن كان ضرب الثمانين إجماعا فعثمان وعلي وأبي جعفر والحسن ومن حضرهم خالفوا الإجماع ومخالف الإجماع عندهم كافر
فانظروا فيما تقحمهم آراؤهم
وحاشا للأئمة الصحابة رضي الله عنهم من الكفر ومن مخالفة الحق ومن إحداث شرع لم يأذن به الله تعالى
فإن قيل فما معنى قول علي وكل سنة
قلبا
صدق لأن التعزير سنة فإن قيل إن التعزير عندكم لا يتجاوز عشر جلدات
قلنا يمكن أن يجلده عمر لكل كأس عشر جلدات تعزيرا فهذا جائز وقد تعلل في هذا الخبر بعض من لا يبالي بما أطلق به لسانه في نصر ضلاله فإن ذكر ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني حدثنا أبو إسحاق البلخي ثنا الفربري ثنا عبد الله بن عبد الوهاب ثنا خالد بن الحارث حدثنا سفيان الثوري عن أبي حصين أنه حدث قال سمعت ابن سعد النخعي قال سمعت علي بن أبي طالب قال ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأحد نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يسنه

قال أبو محمد فاعجبوا لعمى هذا الإنسان يعلل حديثا صحيحا لا مغمز فيه بحديث مملوء عللا أولها أن راويه مختلف فيه مرة عمير بن سعيد ومرة عمير بن سعد ومرة نخعي ومرة حنفي
ثم الطامة الكبرى كيف يجعل هذا المفتون حجة شيئا يخبر علي عن نفسه أنه يجد في نفسه ما لا يجد من سائر الحدود فإن كان حقا وسنة فلم يجد في نفسه أذى حتى يؤدي ديته إن مات من ذلك الجلد وهلا وجد في نفسه ممن مات في سائر الحدود وفي هذا كفاية ثم معاذ الله أن يثبت علي في الدين ما لم يسنه عليه السلام ثم لو صح لكان وجهه بينا وهو أنه إنما يجد في الأربعين الزائدة التي جلدوها تعزيرا
ثم نقول لهم لو ادعى عليكم ههنا خلاف الإجماع لصدق مدعي ذلك عليكم لأنكم تقرون أن عمر أول من جلد في الخمر ثمانين وقد كان استقر الإجماع قبله على أربعين فقد أقررتم على أنفسكم بخلاف الإجماع ونسبتم عمر إلى خلاف الإجماع وقد أعاذه الله تعالى من ذلك وأما أنتم فأنتم أعلم بأنفسكم وإقراركم على أنفسكم لازم لكم فإن لجأتم إلى مراعة انقراض العصر لزمكم مثله في جلد عثمان وعلي في الخمر أربعين بعدهم ولا فرق
وأما أمهات الأولاد فكذبه في ذلك أفحش من كل كذب
لأن عبد الله بن الربيع قال ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا فهذا عمل الناس أيام رسول الله صلى الله عليه و سلم وأيام أبي بكر
أنبأنا محمد بن سعيد بن ثابت أنبأنا أحمد بن عون الله أنبأنا قاسم بن أصبغ أنبأنا محمد بن عبد السلام الخشني أنبأنا محمد بن بشار أنبأنا محمد بن جعفر غندر أنبأنا محمد بن سعيد بن الحكم بن عتيبة عن زيد بن وهب
قال انطلقت أنا ورجل إلى عبد الله بن مسعود نسأله عن أم الولد فإذا هو يصلي ورجلان قد اكتنفاه فلما صلى سألاه فقال لأحدهما من أقرأك قال اقرأنيها أبو عبدة أو أبو الحكم المزني

وقال الآخر أقرأنيها عمر بن الخطاب فبكى ابن مسعود حتى بل الحصى بدموعه وقال اقرأ كما أقرأك عمر فإنه كان للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه فلما أصيب عمر انثلم الحصن فخرج الناس من الإسلام وقال وسألته عن أم الولد فقال تعتق من نصيب ولدها
نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق نا سفيان بن عيينة عن الأعمش عن زيد بن وهب
قال مات رجل منا وترك أم ولد فأراد الوليد بن عقبة بيعها في دينه فأتينا ابن مسعود فوجدناه يصلي فانتظرناه حتى فرغ من صلاته فذكرنا ذلك له فقال إن كنتم لا بد فاجعلوها في نصيب ولدها
وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج أنه حدثه قال أخبرنا عطاء بن أبي رباح أن ابن الزبير أقام أم حبي أم ولد محمد بن صهيب في مال ابنها وجعلها من نصيبه ويسمى ابنها خالدا
قال عطاء وقال عباس لا تعتق أم الولد حتى يلفظ سيدها بعتقها
نا أحمد بن محمد الطلمنكي نا محمد بن أحمد بن مفرج نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور نا هشيم أخبرنا مغيرة بن مقسم عن الشعبي عن عبيدة السلماني أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أعتقا أمهات الأولاد قال علي بن أبي طالب فقضى بذلك عمر حتى أصيب ثم قضى بذلك عثمان حتى أصيب فلما وليت رأيت أن أرقهن
قال أبو محمد وهذا قول زيد بن ثابت وغيره فيقال لهؤلاء الذين قد أعمى الله تعالى أبصارهم أتقرون أن عمر هو أول من منع من بيعهن فمن قولهم نعم ويدعونه إجماعا من كل من معه من الصحابة رضي الله عنهم فيقال لهم قد أقررتم أن عمر قد خالف الإجماع بهذا الفعل إذا قلتم إن المسلمين كانوا على بيعهن حتى نهاهم عمر فهل في خلاف الإجماع أكثر من هذا أو كذبتم إذ قلتم إن عمر أول من حرم بيعهم لا بد من إحداهما
وقد أعاذ الله عمر من خلاف الإجماع وأما أنتم فأعلم بأنفسكم وإقراركم بذلك على أنفسكم لازم لكم ثم لو صح لكم أن عمر رضي الله عنه وكل من أجمعوا على ذلك

فصار إجماعا للزمكم أن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن الزبير وزيد بن ثابت خالفوا الإجماع وخلاف الإجماع عندكم كفر فانظروا أي مضايق تقتحمون ومن أي أحواف تتساقطون ولا بد من هذا أو من كذبكم في دعوى الإجماع على حكم عمر بذلك لا مخرج من أحدهما
وأما نحن فدعوى الإجماع عندنا في مثل هذا إفك وكذب وجرأة على التجليح بالكذب على جميع أهل الإسلام ولا ينكر الوهم بالاجتهاد والخطأ مع قصد إلى طلب الحق والخير على أحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا نقول في شيء من الدين إلا بنص قرآن أو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا نبالي من خالف في ذلك ولا نتكثر بمن ولولا وما نا أحمد بن قاسم قال نا أبو قاسم بن محمد بن قاسم نا جدي قاسم بن أصبغ نا مصعب بن محمد نا عبيد الله بن عمر الرقي عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس قال لما ولدت مارية إبراهيم قال النبي صلى الله عليه و سلم أعتقها ولدها مع دلائل من نصوص أخرى ثابتة قد ذكرناها في كتاب الإيصال
ما قلنا إلا ببيع أمهات الأولاد لكن السنة الثابتة لا يحل خلافها وما نبالي خلاف ابن عباس لروايته فقد يخالفها متأولا أنه خصوص أو قد ينسى ما روي وما كلفنا الله تعالى قط أن نراعي أقوال القائلين إنما أمرنا بقبول رواية النافرين ليتفقهوا في الدين المنذرين لمن خلفهم المؤمنين مما بلغهم وصح عنهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
وبالله تعالى التوفيق
وأما دعواهم أن عثمان رضي الله عنه أسقط ستة أحرف من جملة الأحرف السبعة المنزل بها القرآن من عند الله عز و جل فعظيمة من عظائم الإفك والكذب ويعيذ الله تعالى عثمان رضي الله عنه من الردة بعد الإسلام
ولقد أنكر أهل التعسف على عثمان رضي الله عنه أقل من هذا مما لا نكره فيه أصلا فكيف لو ظفروا له بمثل هذه العظيمة ومعاذ الله من ذلك وسواء عند كل ذي عقل إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى ولا فرق وتالله إن من أجاز هذا غافلا ثم وقف عليه وعلى برهان المنع من ذلك وأصر فإنه خروج عن الإسلام لا شك فيه لأنه تكذيب لله تعالى في قوله الصادق لنا { إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون }

وفي قوله الصادق { إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه } فالكل مأمورون باتباع قرآنه الذي أنزله الله تعالى عليه وجمعه
فمن أجاز خلاف ذلك فقد أجاز خلاف الله تعالى وهذه ردة صحيحة لا مرية فيها وما رامت غلاة الروافض وأهل الإلحاد الكائدون للإسلام إلا بعض هذا
وهذه الآية تبين ضرورة أن جميع القرآن كما هو من ترتيب حروفه وكلماته وآياته وسوره حتى جمع كما هو فإنه من فعل الله عز و جل وتوليه جمعه أوحى به إلى نبيه عليه السلام وبينه عليه السلام للناس فلا يسع أحدا تقديم مؤخر من ذلك ولا تأخير مقدم أصلا
ونحن نبين فعل عثمان رضي الله عنه ذلك بيانا لا يخفى على مؤمن ولا على كافر وهو أنه رضي الله عنه علم أن الوهم لا يعزى منه بشر وأن في الناس منافقين يظهرون الإسلام ويكنون الكفر هذا أمر يعلم وجوده في العالم ضرورة فجمع من حضره من الصحابة رضي الله عنهم على نسخ مصاحف مصححة كسائر مصاحف المسلمين ولا فرق
إلا أنها نسخت بحضرة الجماعة فقط
ثم بعث إلى كل مصر مصحفا يكون عندهم فإن وهم واهم في نسخ مصحف وتعمد ملحد تبديل كلمة في المصحف أو في القراءة رجع إلى المصحف المشهور المتفق على نقله ونسخه
فعلم أن الذي فيه هو الحق وكيف كان يقدر عثمان على ما ظنه أهل الجهل والإسلام قد انتشر من خراسان إلى برقة ومن اليمن إلى أذربيجان وعند المسلمين أزيد من مائة ألف مصحف وليست قرية ولا حلة ولا مدينة إلا والمعلمون للقرآن موجودون فيها يعلمونه من تعلمه من صبي أو امرأة ويؤمهم به في الصلوات في المساجد
وقد حدثني يونس بن عبد الله بن مغيث قال أدركت بقرطبة مقرئا يعرف بالقرشي أحد مقرئين ثلاثة للعامة كانوا فيها وكان هذا القرشي لا يحسن النحو فقرأ عليه قارىء يوما في سورة ق { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } فرده عليه القرشي تحيد التنوين فراجعه القارىء وكان يحسن النحو

فلج المقرىء وثبت على التنوين وانتشر ذلك الخبر إلى أن بلغ إلى يحيى بن مجاهد الفزاري الألبيري وكان منقطع القرين في الزهد والخير والعقل وكان صديقا لهذا المقرىء فمضى إليه فدخل عليه وسلم عليه وسأله عن حاله
ثم قال له إنه بعد عهدي بقراءة القرآن على مقرىء فأردت تجديد ذلك عليك فسارع المقرىء إلى ذلك فقال له الفزاري أريد أن أبتدىء بالمفصل فهو الذي يتردد في الصلوات فقال له المقرىء ما شئت فبدأ عليه من أول المفصل فلما بلغ سورة ق وبلغ الآية المذكورة ردها عليه المقرىء بالتنوين فقال له يحيى بن مجاهد لا تفعل ما هي إلا غير منوتة بلا شك فلج المقرىء
فلما رأى يحيى بن مجاهد لجاجه قال له يا أخي إنه لم يحملني على القراءة عليك إلا لترجع إلى الحق في لطف وهذه عظيمة أوقعك فيها قلة علمك بالنحو فإن الأفعال لا يدخلها تنوين البتة فتحير المقرىء إلا أنه لم يقنع بهذا فقال يحيى بن مجاهد بيني وبينك المصاحف فبعثوا فأحضرت جملة من مصاحف الجيران فوجدوها مشكولة بلا تنوين فرجع المقرىء إلى الحق
وحدثني حمام بن أحمد بن حمام قال حدثني عبد الله بن محمد بن علي عن اللخمي الباجي قال نا محمد بن لبانة قال أدركت محمد بن يوسف بن مطروح الأعرج يتولى صلاة الجمعة في جامع قرطبة وكان عديم الورع بعيدا عن الصلاح قال فخطبنا يوم الجمعة فتلا في خطبته { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بلمؤمنين رءوف رحيم } فقرأها بنونين عننتم
قال فلما انصرف أتيناه وكنا نأخذ عنه رأي مالك فذكرنا له قراءته للآية وأنكرناها فقال نعم هكذا أقرأناها وهكذا هي فلج فحاكمناه إلى المصحف فقام ليخرج المصحف ففتحه في بيته وتأمله فلما وجد الآية بخلاف ما قرأها عليه أنف الفاسق من رجوعه إلى الحق فأخذ القلم وألحق ضرسا زائدا قال محمد بن عمر فوالله لقد خرج إلينا والنون لم يتم بعد جفوف مدادها

قال أبو محمد فالأول واهم مغفل والثاني فاسق خبيث فلولا كثرة المصاحف بأيدي الناس لتشكك كثير من الناس في مثل هذا إذا شاهدوه ممن يظنون به خيرا أو علما ولخفي الخطأ والتعمد
فمثل هذا تخويف عثمان رضي الله عنه ولقد عظمت منفعة فعله ذلك أحسن الله جزاءه
وأما الأحرف السبعة فباقية كما كانت إلى يوم القيامة مثبوتة في القراءات المشهورة من المشرق إلى المغرب ومن الجنوب إلى الشمال فما بين ذلك لأنها من الذكر المنزل الذي تكفل الله تعالى بحفظه وضمان الله تعالى لا يخيس أصلا وكفالته تعالى لا يمكن أن تضيع
ومن البرهان على كذب أهل الجهل وأهل الإفك على عثمان رضي الله عنه في هذا أنبأناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني نا إبراهيم بن أحمد البلخي نا الفربري نا البخاري نا أمية هو ابن بسطام نا يزيد بن ربيع عن حبيب بن الشهيد عن ابن مليكة عن ابن الزبير قال قلت لعثمان { ولذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بلمعروف ولله بما تعملون خبير } قال قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها قال يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه
وبه إلى البخاري نا موسى بن إسماعيل نا إبراهيم حدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق
فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى
فأرسل عثمان إلى حفصة أم المؤمنين أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بهما إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف
وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من

القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق
فهذان الخبران عن عثمان إذا جمعا صححا قولنا وهو أنه لم يحل شيئا من القرآن عن مكانه الذي أنزله الله تعالى عليه وأنه أحرق ما سوى ذلك مما وهم فيه واهم أو تعمد تبديله متعمد
نا عبد الله بن الربيع التميمي نا عمر بن عبد الملك الخولاني نا أبو سعيد الأعرابي العزي نا سليمان بن الأشعث نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن الحكم عن مجاهد عن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه و سلم كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال له إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على حرف
فقال أسأل الله معافاته ومغفرته إن أمتي لا تطيق على ذلك ثم أتاه الثانية فذكر نحو هذا حتى بلغ سبعة أحرف فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف قرؤوا عليه فقد أصابوا
وبه إلى سليمان بن الأشعث نا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لففته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم اقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هكذا أنزلت ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا نزلت ثم قال صلى الله عليه و سلم إن القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه
قال أبو محمد فحرام على كل أحد أن يظن أن شيئا أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أمته لا تطيق ذلك أتى عثمان فحمل الناس عليه فأطاقوه ومن أجاز هذا فقد كذب رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله لله تعالى إن أمته لا تطيق ذلك ولم ينكر الله تعالى عليه ذلك ولا جبريل عليه السلام وقال هؤلاء المجرمون إنهم يطيقون ذلك وقد أطاقوه فيا لله ويا للمسلمين أليس هذا اعتراضا مجردا على الله عز و جل مع التكذيب لرسوله صلى الله عليه و سلم فهل الكفر إلا هذا نعوذ بالله العظيم أن يمر بأوهامنا فكيف أن نعتقده

وأيضا فإن الله تعالى آتانا تلك الأحرف فضيلة لنا فيقول من لا يحصل ما يقول إن تلك الفضيلة بطلت فالبلية إذا قد نزلت حاشا لله من هذا
قال أبو محمد ولقد وقفت على هذا مكي بن أبي طالب المقرىء رحمه الله فمرة سلك هذه السبيل الفاسدة فلما وقفته على ما فيها رجع ومرة قال بالحق في ذلك كما تقول ومرة قال لي ما كان من الأحرف السبعة موافقا لخط المصحف فهو باق وما كان منها مخالفا لخط المصحف فقد رفع فقلت له إن البلية التي فررت منها في رفع السبعة الأحرف باقية بحسبها في إجازتك رفع حركة واحدة من حركات جميع الأحرف السبعة أكثر من ذلك فمن أين وجب أن يراعى خط المصحف وليس هو من تعليم رسول الله لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب واتباع عمل من دونه من غير توقيف منه عليه السلام لا حجة فيه ولا يجب قبوله وقد صححت القراءة من طريق أبي عمرو بن العلاء التميمي مسنده إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم { إن هذان لساحران } وهو خلاف خط المصحف وما أنكرها مسلم قط فاضطرب وتلجلج
قال أبو محمد وقد قال بعض من خالفنا في هذا إن الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا عربا يصعب على كل طائفة منهم القراءة بلغة غيرهم فلذلك فسح لهم في القراءة على أحرف شتى من بعدهم كذلك فقلنا كذب هؤلاء مرتين إحداهما على الله تعالى والثانية على جميع الناس كذبا مفضوحا جهارا لا يخفى على أحد
أما كذبهم على الله عز و جل فإخبارهم بأنه تعالى إنما جعله يقرأ على أحرف شتى لأجل صعوبة انتقال القبيلة إلى لغة غيرها فمن أخبرهم بها عن الله تعالى أنه من أجل ذلك حكم بما صح أنه تعالى حكم به وهل يستجيز مثل هذا ذو دين أو مسكة عقل وهل يعلم مراد الله تعالى في ذلك إلا بخبر وارد من عنده عز و جل اللهم عياذك من مثل هذا الترامي من حالق إلى المهالك
ومن أخبر عن مراد غيره بغير أن يطلعه ذلك المخبر عنه على ما في نفسه فهو كاذب بلا شك والكذب على الله تعالى أشد من الكذب على خلقه
وأما كذبهم على الناس فبالمشاهدة يدري كل أحد صعوبة القراءة على الأعجمي المسلم من الترك والفرس والروم والنبط والقبط والبربر والديلم والأكراد وسائر قبائل

العجم بلغة العرب التي بها نزل القرآن أشد مراما من صعوبة قراءة اليماني على لغة المضري والربعي على لغة القرشي بلا شك وأن تعلم العربي للغة قبيلة من العرب غير قبيلته أمكن وأسهل من تعلم الأعجمي للعربية بلا شك والأمر الآن أشد مما كان حينئذ أضعافا مضاعفة فالحاجة إلى بقاء الأحرف الآن أشد منها حينئذ على قول المستسهلين للكذب في عللهم التي يستخرجونها نصرا لضلالهم ولتقليدهم من غلط قاصد إلى خلاف الحق ولاتباعهم وله عالم قد حدروا عنها ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق
وبرهان كذبهم في دعواهم المذكورة أنه لو كان ما قالوه حقا لم يكن لاقتضاء نزوله على سبعة أحرف معنى بل كان الحكم أن تطلق كل قبيلة على لغتها وبرهان آخر على كذبهم في ذلك أيضا أن المختلفين في الخبر المذكور الذي أوردناه آنفا أنهما قرآ سورة الفرقان بحرفين مختلفين كانا جميعا بني عم قرشيين من قريش البطاح من قبيلة واحدة جاران ساكنان في مدينة واحدة وهي مكة لغتهما واحدة وهما عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قريظ بن رزاح بن عدي بن كعب وهشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن كلاب بن مرة بن كعب ويجتمعان جميعا في كعب بن لؤي بين كل واحد منهما وبين كعب بن لؤي ثمانية آباء فقط فظهر كذب من ادعى أن اختلاف الأحرف إنما كان لاختلاف لغات قبائل العرب وأبى ربك إلا أن يحق الحق ويبطل الباطل ويظهر كذب الكاذب ونعوذ بالله العظيم من الضلال والعصبية للخطأ
قال أبو محمد وقال آخرون منهم الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها إنما هي وعد ووعيد وحكم وزادوا من هذا التقسيم حتى بلغوا سبعة معان
قال أبو محمد المقلدون كالغرقى فأي شيء وجدوه تعلقوا به
قال أبو محمد وكذب هذا القول أظهر من الشمس لأن خبر أبي الذي ذكرنا وخبر عمر الذي أوردناه شاهدان بكذبه مخبران بأن الأحرف إنما هي اختلاف ألفاظ القراءات لا تغير القرآن ولا يجوز أن يقال في هذه الأقسام التي ذكرنا أيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا وأيضا فإنهم ليسوا في تقسيمهم هذا بأولى من آخر

اقتصر على مبادىء الكلام الأول فجعل القرآن ثلاثة أقسام فقط خبرا وتقديرا وأمرا بشرع وجعل الوعد والوعيد تحت قسم الخبر ولا هم أيضا بأولى من آخر قسم الأنواع التي في اشخاص المعاني فجعل القرآن أقساما كثيرة أكثر من عشرة فقال فرض وندب ومباح ومكروه وحرام ووعد ووعيد والخبر عن الأمم السالفة وخبر عما يأتي من القيامة والحساب وذكر الله تعالى وأسمائه وذكر النبوة ونحو هذا فظهر فساد هذا وأيضا فإن هذه الأقسام التي ذكروا هي في قراءة عمر كما هي في قراءة هشام بن حكيم ولا فرق فهذا بيان زائد في كذب هذا التقسيم
قال أبو محمد فإن ذكر ذاكر الرواية الثابتة بقراءات منكرة صححت عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم مثل ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } ومثل ما صح عن عمر رضي الله عنه من قراءة { صراط لذين أنعمت عليهم غير لمغضوب عليهم ولا لضآلين } ومن أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يعد المعوذتين من القرآن وأن أبيا رضي الله عنه كان يعد القنوت من القرآن ونحو هذا
قلنا كل ذلك موقوف على من روى عنه شيء ليس منه عن النبي صلى الله عليه و سلم البتة ونحن لا ننكر على من دون رسول الله صلى الله عليه و سلم الخطأ فقد هتفنا به هتفا ولا حجة فيما روي عن أحد دونه عليه السلام ولم يكلفنا الله تعالى الطاعة له ولا أمرنا بالعمل به ولا تكفل بحفظه فالخطأ فيه واقع فيما يكون من الصاحب فمن دونه ممن روى عن الصاحب والتابع ولا معارضة لنا بشيء من ذلك وبالله تعالى التوفيق
وإنما تلزم هذه المعارضة من يقول بتقليد الصاحب على ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى القرآن فهم الذين يلزمهم التخلص من هذه المذلة وأما نحن فلا والحمد لله رب العالمين إلا خبرا واحدا وهو الذي رويناه من طريق النخعي والشعبي كلاهما عن علقمة بن مسعود وأبي الدرداء كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه أقرأهما { ولليل إذا يغشى ولنهار إذا تجلى وما خلق لذكر ولأنثى }

قال أبو محمد وهذا خبر صحيح مسند عن النبي صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد إلا أنهما قراءة منسوخة لأن قراءة عاصم المشهورة المأثورة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم وقراءة ابن عامر مسندة إلى أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهما جميعا { وما خلق لذكر ولأنثى } فهي زيادة لا يجوز تركها وأنبأنا يونس بن عبد الله بن مغيث القاضي قال حدثنا يحيى بن مالك بن عابد الطرطوشي أخبرنا الحسن بن أحمد بن أبي خليفة أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي نا إبراهيم بن أبي داود نا حفص بن عمر الحوضي نا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال اختلفوا في القراءات على عهد عثمان بن عفان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان فقال عندي تكذبون به وتختلفون فيه فما تأبى عني كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا يا صحابة محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس قال فكتبوا قال فحدثني أنهم كانوا إذا تراودوا في آية قالوا هذه أقرأها رسول الله صلى الله عليه و سلم فلانا فيرسل إليه وهو على ثلاثة من المدينة فيقول كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول كذا وكذا فيكتبونها وقد تركوا لها مكانا
قال أبو محمد فهذه صفة عمل عثمان رضي الله عنه بحضرة الصحابة رضي الله عنهم في نسخ المصاحف وحرق ما حرق منها مما غير عمدا وخطأ ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا وهم المالكيون قد صح عن صاحبهم ما ناه المهلب بن أبي صفرة الأسدي التميمي قال ابن مناس نا ابن مسرور نا يحيى نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب حدثني ابن أنس قال أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا { إن شجرة لزقوم طعام لأثيم } فجعل الرجل يقول طعام اليتيم فقال له ابن مسعود طعام الفاجر
قال ابن وهب قلت لمالك أترى أن يقرأ كذلك قال نعم أرى ذلك واسعا فقيل لمالك أفترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله قال

مالك ذلك جائز قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر مثل تعلمون يعلمون قال مالك لا أرى في اختلافهم في مثل هذا بأسا ولقد كان الناس ولهم مصاحف والستة الذين أوصى لهم عمر بن الخطاب كانت لهم مصاحف
قال أبو محمد فكيف يقولون مثل هذا أيجيزون القراءة هكذا فلعمري لقد هلكوا وأهلكوا وأطلقوا كل بائقة في القرآن أو يمنعون من هذا فيخالفون صاحبهم في أعظم الأشياء وهذا إسناد عنه في غاية الصحة وهو مما أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره لكن قاصدا إلى الخير ولو أن أمرا ثبت على هذا وجازه بعد التنبيه له على ما فيه وقيام حجة الله تعالى عليه في ورود القرآن بخلاف هذا لكان كافرا ونعوذ بالله من الضلال
قال أبو محمد فبطل ما قالوه في الإجماع بأوضع بيان والحمد لله رب العالمين
فصل فيمن قال ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع وبسط الكلام فيما هو إجماع وفيما ليس إجماعا قال أبو محمد قد ذكرنا قبل قسمي الإجماع الذي لا إجماع في العالم غيرهما أصلا وهما إما شيء لا يكون مسلما من لا يعتقده كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والبراءة من كل دين يخالف دين الإسلام كجملة القرآن وكالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان
فإنه لا يشك مؤمن ولا كافر في أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا الناس إلى هذه الشهادة وحكم باسم الإسلام وحكمه لمن أجابه إليها وحكم باسم الكفر وحكمه لمن لم يجبه إليه وأن أهل الإسلام بعده عليه السلام جروا على هذا إلى يومنا هذا
ولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه صلى الله عليه و سلم صلى الصلوات الخمس بكل من حضره خمس مرات كل يوم وليلة وصلاها النساء وأهل العذر في البيوت كذلك وصلاها أهل كل محلة وأهل كل قرية وأهل كل محلة في كل مدينة فيها إسلام في كل يوم من عهده عليه السلام إلى يومنا هذا لا يختلفون في ذلك وكذلك الأذان والإقامة والغسل من الجنابة والوضوء

ولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه صلى الله عليه و سلم صام شهر رمضان الذي بين شوال وشعبان في كل عام وصامه كل مسلم بالغ حاضر من رجل أو امرأة معه وفي زمانه وبعده في كل مكان وفي كل عام إلى يومنا هذا ولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه صلى الله عليه و سلم حج إلى مكة في ذي الحجة وحج معه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم عز و جل ثم حج الناس إلى يومنا هذا كل عام إلى مكة في ذي الحجة
وهكذا جملة القرآن لا يشك مؤمن ولا كافر في أنه صلى الله عليه و سلم أتى به وذكر أن الله تعالى أوحاه إليه وكذلك تحريم الأم والابنة والجدة والخالة والعمة والأخت وبنت الأخت وبنت الأخ والخنزير والميتة وكثير سوى هذا
فقطع كل مؤمن وكافر أنه صلى الله عليه و سلم وقف عليه وعلمه المسلمين وعلمه المسلمون جيلا في كل زمان وكل مكان قطعا إلا من أفرط جهله ولم يبلغه ذلك من بدوي أو مجلوب من أهل الكفر
ولا يختلف في أنه إذا علمه فأجاب إليه فهو مسلم وإن لم يجب إليه فليس مسلما وأن في بعض ما جرى هذا المجرى أمورا حدث فيها خلاف بعد صحة الإجماع وتيقنه عليها كالخمر والجهاد وغير ذلك فإن بعض الناس رأى ألا يجاهد مع أئمة الجور
وهذا يعذر لجهله وخطأه ما لم تقم عليه الحجة فإن قامت عليه الحجة وتمادى على التدين بخلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو كافر مشرك حلال الدم والمال لقوله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
فإن قيل فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن فهلا أخرجتم بهذه الأشياء من الإيمان كما أخرجتم من الإيمان بوجود الحرج مما قضى صلى الله عليه و سلم وترك تحكيمه
قلنا لأنه صلى الله عليه و سلم أتى بالزاني والسارق والشارب فحكم فيهم بالحكم في المسلمين لا بحكم الكافر فخرجوا بذلك من الكفر وبقي من لم يأت بإخراجه عن الكفر على الكفر والخروج عن الإيمان كما ورد فيه النص فهذا أحد قسمي الإجماع

والثاني شيء يوقن بالنقل المتصل الثابت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم علمه وفعله جميع من بحضرته ومن كان مستضعفا أو غائبا بغير حضرته كفتح خيبر وإعطائه إياها بعد قسمتها على المسلمين لليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم ولهم نصف ما يخرج منها من زرع أو تمر على أن المسلمين يخرجونهم متى شاؤوا
وهكذا كل ما جاء هذا المجيء فهو إجماع مقطوع على صحته من كل مسلم علمه أو بلغه على أنه قد خالف في هذا بعد ذلك من وهم أو خطأ فعذر لجهله ما لم تقم عليه الحجة وكما ذكرنا قبل ولا فرق فلا إجماع في الإسلام إلا ما جاء هذا المجيء ومن ادعى إجماعا فيما عدا ما ذكرنا فهو كاذب آفك مفتر على جميع المسلمين قائل عليهم ما لا علم له به
وقد قال تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } وقال تعالى ذاما لقوم قالوا { وإذا قيل إن وعد لله حق ولساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما لساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } وقال تعالى { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل لله بها من سلطان إن يتبعون إلا لظن وما تهوى لأنفس ولقد جآءهم من ربهم لهدى } وقال تعالى { وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا }
فصح بنص كلام الله تعالى الذي لا يعرض عنه مسلم أن الظن هو غير الحق وإذ هو غير الحق فهو باطل وكذب بلا شك إذ لا سبيل إلى قسم ثالث وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث
قال أبو محمد فهذا هو الحق الذي لا يحيل عليه من سمعه ثم حدث بعد القرن الرابع طائفة قلت مبالاتها بما تطلق به ألسنتها في دين الله تعالى ولم تفكر فيما تخبر به عن الله عز و جل ولا عن رسوله صلى الله عليه و سلم ولا عن جميع المسلمين قصرا لتقليد من لا يغني عنهم من الله شيئا من أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله الذين قد برئوا إليهم عما هم عليه من التقليد فصاروا إذا أعوزهم شغب ينصرون به فاحش خطأهم في خلافهم نص القرآن ونص حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم

وبلحوا وبلدوا ونطحت أظفارهم في الصفا الصلد أرسلوها إرسالا فقالوا هذا إجماع فإذا قيل لهم كيف تقدمون على إضافة الإجماع إلى من لم يروا عنه في ذلك كله أما تتقون الله قال أكابرهم كل ما انتشر في العلماء واشتهر ممن قالته طائفة منهم ولم يأت على سائر خلاف له فهو إجماع منهم لأنهم أهل الفضل والذين أمر الله تعالى بطاعتهم فمن المحال أن يسمعوا ما ينكرونه ولا ينكرونه فصح أنهم راضون به هذا كل ما موهوا به ما لهم متعلق أصلا بغير هذا وهذا تمويه منهم ببراهين ظاهرة لا خفاء بها نوردها إن شاء الله عز و جل وبه نستعين
قال أبو محمد أول ما نسألكم عنه أن نقول لكم هذا لا تعلمون فيه خلافا أيمكن أن يكون فيه خلاف من صاحب أو تابع أو عالم بعدهم لم يبلغكم أم لا يمكن ذلك البتة فإن قالوا عند ذلك إن قال هذا القول عالم كان ذلك إجماعا وإن قاله غير عالم لم يكن ذلك إجماعا
قلنا لهم قد نزلتم درجة وسؤالنا باق لذلك العالم بحسبه كما أوردناه سواء بسواء فإن قالوا بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم قلنا فقد أقررتم بالكذب إذ قطعتم بأنه إجماع وجوزتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجودا
فإن قالوا بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم قلنا فقد أقررتم بالكذب إذ قطعتم بأنه إجماع وجوزتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجودا
فإن قالوا بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم قلنا فقد أقررتم بالكذب إذ قطعتم بأنه إجماع وجوزتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجودا فإن قالوا بل لا يمكن أن يكون في ذلك خلاف
قلنا ومن أين لكم بأن ذلك العالم أحاط بجميع أقوال أهل الإسلام ونحن نبدأ لكم بالصحابة رضي الله عنهم فنقول بالضرورة ندري يقينا لا مرية فيه بأنهم كانوا عشرات ألوف فقد غزا صلى الله عليه و سلم حنينا في اثني عشر ألف إنسان وغزا تبوك في أكثر من ذلك وحج حجة الوداع في أضعاف ذلك ووفد عليه من كل بطن من بطون قبائل العرب وفودا أسلموا وسألوه عن الدين وأقرأهم القرآن وصلوا معه كلهم يقع عليه اسم الصحابة
ولقد تقصينا من روى عنه فتيا في مسألة واحدة فأكثر فلم نجدهم إلا مائة وثلاثة وخمسين بين رجل وامرأة فقط مع شدة طلبنا في ذلك وتهممنا وليس منهم مكثرون إلا سبعة فقط وهم عمر وابنه عبد الله وعلي وابن عباس وابن مسعود وأم المؤمنين عائشة وزيد بن ثابت والمتوسطون فهم ثلاثة عشر فقط يمكن أن يوجد في فتيا كل واحد منهم جزء صغير

فهؤلاء عشرون فقط والباقون مقلون جدا فيهم من لم يرو عنه إلا فتيا في مسألة واحدة فقط ومنهم في مسألتين وأكثر من ذلك يجتمع من فتيا جميعهم جزء واحد هو إلى أصغر أقرب منه الكبر أفترى سائرهم لم يفت ولا مسألة إلا هذا والله هو الكذب البحت والإفك والبهت ثم ما قد نص الله تعالى في قرآنه من أن طوائف من الجن أسلموا
قال { قل أوحي إلي أنه ستمع نفر من لجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى لرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا } وقال تعالى حاكيا عنهم أنهم قالوا { وأنا منا لصالحون ومنا دون ذلك كنا طرآئق قددا } وأنهم قالوا { وأنا منا لمسلمون ومنا لقاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا }
وصح عن النبي صلى الله عليه و سلم بأنه أخبر بأن وفدا من الجن أتوه وأسلموا وبايعوه وعلمهم القرآن فصح أن منهم مسلمين صالحين راشدين من خيار الصحابة هذا لا ينكره مسلم ومن أنكره كفر وحل دمه فيا هؤلاء هبكم جسرتم على دعوى العلم بقول عشرات ألوف من الناس من الصحابة وإن لم يبلغكم عنهم فيما ادعيتم إجماعهم عليه كلمة أتراكم يمكنكم الجسر على دعوى إجماع أولئك الصحابة من الجن على ما تدعون بظنكم الكاذب الإجماع عليه لئن أقدمكم على ذلك القاسطون من شياطين الجن فانقدتم لهم لتضاعفن فضيحة كذبكم وليلوحن إفككم لكل صغير وكبير ولئن ردعكم عن ذلك رادع ليبطلن دعواكم الإجماع
وهذا لا مخلص منه فإنهم كسائر الصحابة مأمورون منهيون مؤمنون موعودون متوعدون ولا فرق
فإن قالوا إن شرائعهم غير شرائعنا قلنا كذبتم بل شرائعنا وشرائعهم سواء لتصديق الله تعالى لهم في قولهم { وأنا منا لمسلمون ومنا لقاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } والإسلام واحدا إلا ما جاء به نص صحيح بأنهم خصوا به كما خصوا أيضا طوائف من الناس كقريش بالإمامة وبني عبد المطلب بالخمس من الخمس ونحو ذلك

ثم انقضى عصر الصحابة رضي الله عنهم وأتى عصر التابعين فملؤوا الأرض بلاد خراسان وهي مدن عظيمة كثيرة وقرى لا يحصيها إلا خالقها عز و جل وكابل وفارس وأصبهان والأهواز والجبال وكرمان وسجستان ومكران والسودان والعراق والموصل والجزيرة وديار ربيعة وأرمينية وأذربيجان والحجاز واليمن والشام ومصر والجزائر وإفريقية وبلاد البربر وأرض الأندلس ليس فيها قرية كبيرة إلا وفيها من يفتي ولا فيها مدينة إلا وفيها مفتون فمن الجاهل القليل الحياء المدعي إحصاء أقوال كل مفتي في جميع هذه البلاد مذ أفتوا إلى أن ماتوا إن كل واحد يعلم ضرورة أنه كذاب آفك ضعيف الدين قليل الحياء فبطل دعوى الإجماع كما بطل كل محال مدعي إلا حيث ذكرنا قبل فقط
فإن قالوا إنما يقول المرء هذا إجماع عندي فقط قلنا قوله هذا كلا قول لأن الإجماع عنده إذا لم يكن إجماعا عند غيره فمن الباطل أن يكون الشيء مجمعا عليه عند غير مجمع عليه معا
وأيضا فإن قوله هذا إجماع عندي باطل لأنه منهي عن القطع بظنه فمعنى قوله هذا إنما هو أنه يظن إجماع وقد مضى الكلام في المنع من القطع بالظن وقال تعالى { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند لله عظيم } الآية وقال تعالى { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون }
وهذا مالك يقول في موطئه إذ ذكر وجوب رد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه ثم قال هذا ما لا خوف فيه عن أحد من الناس ولا في بلد من البلدان
قال أبو محمد وهذه عظيمة جدا وإن القائلين بالمنع من رد اليمين أكثر من القائلين بردها
ونا أحمد بن محمد بن الجسور نا وهب بن مسرة نا ابن وضاح نا سحنون نا ابن القاسم قال نا مالك ليس كل أحد يعرف أن اليمين ترد ذكر هذا في كتاب السرقة من المدونة

هذا الشافعي يقول في زكاة البقر في الثلاثين تبيع وفي الأربعين مسنة لا أعلم فيه خلافا وإن الخلاف في ذلك عن جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وقتادة وعمال ابن الزبير بالمدينة ثم عن إبراهيم النخعي وعن أبي حنيفة لأشهر من أن يجهله من يتعاطى العلم إلى كثير لهم جدا من مثل هذا إلا من قال لا أعلم خلافا فقد صدق عن نفسه ولا ملامة عليه وإنما البلبلة والعار والنار على من أقدم على الكذب جهارا فادعى الإجماع إذ لم يعلم خلافا
وقد ادعوا أن الإجماع على أن القصر في أقل من ستة وأربعين ميلا غير صحيح وبالله إن القائلين من الصحابة والتابعين بالقصر في أقل من ذلك لأكثر أضعافا من القائلين منهم بالقصر في ستة وأربعين ميلا ولو لم يكن لهؤلاء الجهال الذين لا علم لهم بأقوال الصحابة والتابعين إلا الروايات عن مالك بالقصر في ستة وثلاثين ميلا وفي أربعين ميلا وفي اثنين وأربعين ميلا وفي خمسة وأربعين ميلا ثم قوله من تأول فأفطر في ثلاثة أميال في رمضان لا يجاوزها فلا شيء عليه إلا القضاء فقط
وادعوا الإجماع على أن دية اليهودي والنصراني تجب فيها ثلث دية المسلم لا أقل وهذا باطل
روينا عن الحسن البصري بأصح طريق أن ديتهما كدية المجوسي ثمانمائة درهم وادعوا الإجماع أنه يقبل في القتل شاهدان
وقد روينا عن الحسن البصري بأصح طريق أنه لا يقبل في القتل إلا أربعة كالزنى ومثل هذا لهم كثير جدا كدعواهم الإجماع على وجوب خمس من الإبل في الموضحة وغير ذلك كثير جدا ولقد أخرجنا على أبي حنيفة والشافعي ومالك مئين كثيرة من المسائل قال فيها كل واحد منهم بقول لا نعلم أحدا من المسلمين قاله قبله فاعجبوا لهذا
فقالوا إنما نقول ذلك إذا انتشر القول في الناس فلم يحفظ عن أحد من العلماء إنكار ذلك فحينئذ نقول إنه إجماع لما ذكرنا من أنهم يقرون على ما ينكرون كما نقول في أصحاب مذهب الشافعي وأصحاب مذهب مالك وأصحاب مذهب أبي حنيفة وإن لم يرو لنا ذلك عن واحد منهم وكما نقول ذلك في أهل البلاد التي غلبت عليها الشبه والروافض والاعتزال ومذهب الخوارج أو مذهب مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة وإن لم يرو لنا ذلك عن كل واحد من أهلها
قلنا لهم لم تخلصوا من هذا القول الذي هو حسبكم واحد منهم في كتابكم

وآخرها إلا على كذبتين زائدتين على كذبكم في دعوى الإجماع كنتم في غنى عن اختفائهما إحداهما قولكم إنكم تقولون ذلك إذا انتشر قول طائفة من الصحابة أو من بعدهم فقالوا ههنا فمن هذا نسألكم من أين علمتم بانتشار ذلك القول ومن أين قطعتم بأنه لم يبق صاحب من الجن والإنس إلا علمه ولا يفتي في شرق الأرض ولا غربها عالم إلا وقد بلغه ذلك القول فهذه أعجوبة ثانية وسوأة من السوءات لا يجيزها إلا ممخرق يريد أن يطبق عين الشمس نصرا لتقليده وتمشية لمقولته المنحلة عما قريب ثم يندب حين لا تنفعها الندامة
والكذبة الأخرى قولكم فلم ينكروها فحتى لو صح لكم أنهم كلهم علموها فمن أين قطعتم بأنهم لم ينكروها وأنهم رضوها وهذه طامة أخرى
ونحن نوجدكم أنهم قد علموا ما أنكروا وسكنوا عن إنكاره لبعض الأمر
نا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود نا أحمد بن دحيم بن خليل نا إبراهيم بن حمادة نا إسماعيل بن إسحاق القاضي نا علي بن عبد الله هو ابن المديني نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد نا أبي عن محمد بن إسحاق الزهري محمد بن مسلم بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أنه وزفر بن أوس بن الحدثان أتيا عبد الله بن عباس فأخبرهما بقوله في إبطال العول وخلافه لعمر بن الخطاب في ذلك قال فقال له زفر فما منعك يا ابن عباس أن تشير عليه بهذا الرأي قال هبته
نا حمام بن أحمد نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي ثنا الدبري نا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر فلما استخلف عمر تركهما فلما توفي عمر ركعهما قيل له ما هذه قال إن عمر كان يضرب الناس عليهما
نا جهم نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي الديري نا عبد الرزاق عن معمر أخبرني هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب جاء عمر بن الخطاب بأمة سوداء كانت لحاطب فقال إن العتاقة أدركت وقد أصابت فاحشة وقد أحصنت فدعاها عمر فسألها عن ذلك

فقالت نعم من مرعوش بدرهمين وهي حينئذ تذكر ذلك لا ترى به بأسا فقال عمر لعلي وعبد الرحمن وعثمان أشيروا علي فقال علي وعبد الرحمن نرى أن ترجمها فقال عمر لعثمان أشر فقال قد أشار عليك أخواك قال عزمت عليك إلا أشرت علي برأيك قال فإني لا أرى الحد إلا على من علمه وأراها تستهل به كأنها لا ترى به بأسا فقال عمر صدقت والذي نفسي بيده ما الحد إلا عمن علمه
فضربها عمر مائة وغربها عاما
وبه عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه قال توفي عبد الرحمن بن حاطب وأعتق من صلى من رقيقه وصام وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم يرعها إلا حبلها وكانت ثيبا فذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحدثه فأرسل إليها عمر فسألها فقال أحبلت فقال نعم من مرعوش بدرهمين وإذا هي تستهل به لا تكتمه فصادف عنده علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وعثمان فقال أشيروا علي وكان عثمان جالسا فاضطجع فقال علي وعبد الرحمن قد وقع عليها الحد فقال عمر أشر علي يا عثمان قال قد أشار عليك أخواك قال أشر علي أنت
قال عثمان أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه فأمر بها عمر فجلدت مائة وغربها ثم قال لعثمان صدقت والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه
فهذا ابن عباس يخبر أنه منعته الهيبة من الإنكار على عمر فيما يقطع ابن عباس أنه الحق ويدعو فيه إلى المباهلة عند الحجر الأسود وهذا أبو أيوب رجل صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعي الإنكار على عمر ضربه على الصلاة بعد العصر وبعيد ضربه وهذا عثمان سكت وقد رأي أمرا أنكره في أشنع الأشياء وأعظمها وهو دم حرام يسفك بغير واجب سأله عمر فتمادى على سكوته إلى أن عزم عليه وقد يسكت المرء لأنه لم يلح له الحق أو يسكت موافقا ثم يبدو له وجه الحق أو رأى آخر بعد مدة فينكر ما كان يقول ويرجع عنه كما فعل علي في بيع أمهات الأولاد وفي التخيير بعد موافقته لعمر على كلا الأمرين أو ينكر فلا يبلغنا إنكاره ويبلغ غيرنا في أقصى المشرق وأقصى المغرب أو أقصى اليمين أو أقصى إرمينية

وأما تنظيركم بأهل مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والبلاد التي ظهر فيها وغلب عليها قول ما فهذا أعظم حجة عليكم لأنه لا يختلف اثنان أن جمهور القائلين بمذهب رجل ممن ذكرتم لم يخلو قط من خلاف لصاحبهم في المسألة والمسألتين والمسائل وكذلك لم تخل قط البلاد المذكورة من مخالف لمذهب أهلها ولا أكثر من غلبة مذهب مالك على الأندلس وإفريقية وقد كان طوائف علماء مخالفون له جملة قائلون بالحديث أو بمذهب الظاهر أو مذهب الشافعي
وهذا أمر مشاهد في كل وقت ولا أكثر من غلبة الإسلام على البلاد التي غلب عليها ولله الحمد وإن فيها مع ذلك يهود ونصارى وملحدين كثيرا جدا
فظهر فساد تنظيرهم عيانا وعاد ما موهوا به مبطلا لدعواهم وثبت بهذا حتى لو انتشر القول وعرفه جميع العلماء وإن في الممكن أن يخالفه جمهورهم أو بعضهم ثم هذا عمر قد جلد التي لم يرد عليها الرجم لجهلها وهي محصنة مائة وغربها عاما بحضرة علي وعبد الرحمن وعثمان ولم ينكروا عليه ذلك فإن كان عندهم إجماعا فيقولوا به وليس من خصومنا الحاضرين أحد يقول بهذا وإن كان سكوتهم ليس موافقة ولا رضى فليتركوا هذا الأصل الفاسد المهلك في الدين لمن تعلق به ولا بد من أحدهما بالتلاعب بدين الله عز و جل وقد أريناهم سكوتهم رضي الله عما يقولون به فمن الجاهل المنكر لهذا حتى لو صح لهم أنهم عرفوه فكيف وهذا لا يصح أبد الأبد على ما بينا
فإن قال قائل فإذ هو كما قلتم فمن أين قطعتم بالخلاف فيه وإن لم يبلغكم وهلا أنكرتم ذلك على أنفسكم كما أنكرتموه علينا إذ قلنا إنه إجماع قلنا نعم فقلنا ذلك لبرهانين ضروريين قاطعين
أحدهما أن الأصل من الناس وجود الاختلاف في آرائهم لما قدمنا قبل اختلاف أغراضهم وطبائعهم والثاني لأن الله تعالى بذلك قضى إذ يقول { ولو شآء ربك لجعل لناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين } فصح إن الأصل هو الاختلاف الذي أخبر تعالى أننا لا نزال عليه والذي له خلقنا إلا من استثنى من الأقل
وبرهان ثالث وهو الذي لا يسع أحدا خلافه وهو أن ما ادعيتم فيه الإجماع بالظن الكاذب كما قدمنا لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما أصلا

إما أن تدعوه في أمر موافق لنص القرآن أو السنة الثابتة المسندة فهذا أمر لا نبالي اتفق عليه أم اختلف فيه إنما الغرض أن يؤخذ بالنص في ذلك سواء أجمع الناس أم اختلفوا ولا معنى حينئذ للاحتجاج بدعوى الإجماع عليه والحجة قائمة بالنص الوارد فيه فلا حاجة إلى القطع بالظن الكاذب في دعوى الإجماع البتة وإما أن تدعوه في أمر لا يوافقه نص قرآن ولا سنة صحيحة مسندة بل هو مخالف لها في عمومها أو ظاهرهما لتصححوه بدعواكم الكاذبة في أنه إجماع فهذه كبيرة من الكبائر وقصد منكم إلى رد اليقين بالظنون وإلى مخالفة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم بدعوى كاذبة مفتراة وهذا لا يحل
وإذا كان هذا القسم فنحن نقطع حينئذ ونثبت أنه لا بد من خلاف ثابت فيما ادعيتموه إجماعا لأن الله تعالى قد أعاذ أمة نبيه صلى الله عليه و سلم من الإجماع على الباطل والضلال لمخالفة القرآن وحكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنتم لم تقتنعوا بأن كذبتم على جميع الأمة حتى نسبتم إليهم الإجماع على الخطأ في مخالفة القرآن والسنة الثابتة وهذه من العظائم التي نعوذ بالله العظيم من مثلها وليس ههنا قسم ثالث أصلا لما قد أوردنا من البراهين على أنه لا يمكن وقوع نازلة لا يكون حكمها منصوصا في القرآن وبيان النبي صلى الله عليه و سلم إما باسمها الأعم وإما باسمها الأخص
قال أبو محمد واعلموا أن إقدام هؤلاء القوم وجسرهم على معنى الإجماع حيث وجد الاختلاف أو حيث لم يبلغنا ولكنه ممكن أن يوجد أو مضمون أن يوجد فإنه قول خالفوا فيه الإجماع حقا وما روي قط عن صاحب ولا عن تابع القطع بدعوى الإجماع حتى أتى هؤلاء الذين جعلوا الكلام في دين الله تعالى مغالبة ومجاذبة وتحققا بالرياسة على مقلدهم وكفى بهذا فضيحة
وأيضا قد تيقن إجماع المسلمين على أنه لا يحل لأحد أن يقطع بظنه اليقين فيه فهذا إجماع آخر فقد خالفوه في هذه المسألة نا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي نا ابن مفرج نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال قال رجل لابن مسعود أوصني بكلمات جوامع فقال له ابن مسعود اعبد الله ولا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ومن أتاك بحق فاقبل منه وإن كان بعيدا بغيضا ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان قريبا حبيبا

قال أبو محمد هذه جوامع الحق اتباع القرآن وفيه اتباع بيان الرسول وأخذ الحق ممن أتى به ولئن كان لا خير فيه وممن يجب بغضه وإبعاده وألا يقلد خطأ فاضل وإن كان محبوبا واجبا تعظيمه
نا حمام بن أحمد نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا عبد الله بن يونس المرادي نا بقي بن مخلد نا أبو بكر بن أبي شيبة نا معاوية بن هشام نا سفيان هو الثوري عن جبلة بن عامر بن مطر قال قال لي حذيفة في كلام فأمسك بما أنت عليه اليوم فإنه الطريق الواضح كيف أنت يا عامر بن مطر إذا أخذ الناس طريقا مع أيهما تكون
قال عامر فقلت له مع القرآن أحيا مع القرآن وأموت قال له حذيفة فأنت إذا أنت
قال أبو محمد اللهم إني أقول كما قال عامر أكون والله مع القرآن أحيا متمسكا به وأموت إن شاء الله متمسكا به ولا أبالي بمن سلك غير طريق القرآن ولو أنهم جميع أهل الأرض غيري
قال أبو محمد وهذا حذيفة يأمر بترك طريق الناس واتباع طريق القرآن إذا خالفه الناس
نا أحمد بن محمد الطلمنكي نا ابن مفرج نا أحمد بن فريس نا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن المنصور نا هشيم أخبرنا مغيرة عن الشعبي عن عبيدة السلماني أن عمر بن الخطاب وعليا أعتقا أمهات الأولاد قال عبيدة قال علي فقضى بذلك عمر حتى أصيب ثم ولي عثمان فقضى بذلك حتى أصيب فلما وليت رأيت أن أرقهن
قال أبو محمد هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم ير حكم عمر ثم حكم عثمان المشتهر المنتشر الفاشي والذي وافقهما عليه إجماعا بل سارع إلى خلافه إذ أراه اجتهاده الصواب في خلافه ولعمر الله إن أقل من هذا بدرجات ليقطع هؤلاء المجرمون بأنه إجماع
والسند المذكور قيل إلى سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي نا عبد الملك بن سليمان عن أبي إسحاق السبيعي عن الشعبي قال أحرم عقيل بن أبي طالب في موردتين فقال له عمر خالفت الناس فقال له علي دعنا منك فإنه ليس لأحد أن يعلمنا السنة

فقال له عمر صدقت فهذا علي وعقيل لم ينكرا خلاف الناس ورجع عمر عن قوله إلى ذلك إذ لم يكن ما أضافه إلى الناس سنة يجب اتباعها بل السنة خلافه فلا ينكر خلاف جمهور الناس للسنة
وبه إلى سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رياح قال قلت لابن عباس إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثنا على ما نقول
قال ابن عباس فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ما حكم الله بما قالوا
قال أبو محمد فهذا ابن عباس بأصح إسناد عنه لا يلتفت إلى الناس ولا إلى ما اشتهر عندهم وانتشر من الحكم بينهم إذا كان خلافا لحكم الله تعالى
في مثل هذا يدعي من لا يبالي بالكذب الإجماع وبه إلى سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي زيد
أنه سمع ابن عباس يقول في قول الله عز و جل { يأيها لذين آمنوا ليستأذنكم لذين ملكت أيمانكم ولذين لم يبلغوا لحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة لفجر وحين تضعون ثيابكم من لظهيرة ومن بعد صلاة لعشآء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين لله لكم لآيات ولله عليم حكيم } قال ابن عباس لم يؤمن بهذه الآية أكثر الناس وإني لآمر هذه أن تستأذن علي يعني جارية له
قال أبو محمد وهذا كالذي قبله نا يحيى بن عبد الرحيم نا أحمد بن دحيم نا إبراهيم بن حماد نا إسماعيل بن إسحاق نا علي بن المديني نا سفيان بن عيينة نا مصعب بن عبد الله بن الزبير عن أبي مليكة عن ابن عباس
قال أمر ليس في كتاب الله عز و جل ولا في قضاء رسول الله صلى الله عليه و سلم وستجدونه في الناس كلهم ميراث الأخت مع البنت
فهذا ابن عباس لم ير الناس كلهم حجة على نفسه في أن يحكم بما لم يجد في القرآن ولا في السنة
نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب نا أحمد بن محمد نا محمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا يحيى بن يحيى
قال قرأت على مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من الصحابة يصنعها
فقال وما هن يا ابن جريج قال رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال

السبتية ورأيتك تصبغ بالصفرة ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا أروا الهلال ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية
فقال له ابن عمر أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه و سلم يمس إلا اليمانيين وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه و سلم يهل حتى تنبعث به راحلته
قال أبو محمد فهذا ابن عمر رضي الله عنه بأصح إسناد إليه لم ينكر مخالفته لجميع أصحابه فيما اقتدى فيه برسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أنكر على ابن جريج إخباره بأن أصحابه يخالفونه فصح أنه لم ير أصحابه كلهم قدوة فيما وافق وحدانية رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا هو الحق الذي لا يسع أحدا القصد إلى خلافه
قال أبو محمد ثم هذا أبو حنيفة يقول ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فسمعا وطاعة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم تخيرنا من أقوالهم ولم نخرج عنهم وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال فلم ينكر عن نفسه مخالفة التابعين وإنما لم ير الخروج عن أقوال الصحابة توقيرا لهم
وهذا مالك يفتي بالشفعة في الثمار ويقول إثر فتياه به وإنه لشيء ما سمعته ولا بلغني أن أحدا قاله فهذا مالك لم ير القول بما لم يسمع عن أحد قال به خلافا للإجماع كما يدعي هؤلاء الذين لا معنى لهم وهذا الشافعي يقول في رسالته المصرية ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا
قال حمام بن أحمد ويحيى بن عبد الرحمن بن مسعود قال حمام نا عباس بن أصبغ وقال يحيى نا أحمد بن سعيد بن حزم ثم اتفق عباس وأحمد قالا جميعا نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا عبد الرحمن بن حنبل قال سمعت أبي يقول ما يدعي فيه الرجل الإجماع هو الكذب من ادعى الإجماع فهو كذاب لعل الناس قد اختلفوا ما بد به ولم ينتبه إليه فليقل لا نعلم الناس اختلفوا دعوى بشر المريسي والأصم ولكن يقول لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك
قال أبو محمد صدق أحمد ولله دره وبئس القدوة بشر بن عتاب المريسي

وعبد الرحمن بن كيسان الأصم ولعمري إنهما لمن أول من هجم على هذه الدعوى وهما المرءان يرغب قولهما نا يوسف بن عبد الله النمري نا عبيد الله بن محمد نا الحسن بن سلمون نا عبد الله بن علي بن الجارود نا إسحاق بن منصور قال سمعت إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه وقد ذكر له قول أحمد بن حنبل في مسألة فقال إسحاق أجاد لقد ظننت أن أحدا لا يتابعني عليها فهذا إسحاق لا ينكر القول بما يقع في تقديره أنه لا يتابعه أحد عليه إذا رأى الحق فيما قاله به من ذلك
قال أبو إسحاق فهؤلاء الصحابة والتابعون ثم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود كلهم يوجب القول بما أداه إليه اجتهاده أنه الحق وألا يعلم قائلا به قبله فبمن تعلق هؤلاء القوم ليت شعري بل بالمريسي والأصم كما قال أحمد رحمه الله
قال أبو محمد ولئن كان ما اشتهر من قول طائفة من الصحابة أو التابعين ولم يعرف له خلاف إجماعا فيما في الأرض أشد خلافا للإجماع ممن قلدوه دينهم مالك والشافعي وأبي حنيفة ولقد أخرجنا لهم مئين من المسائل ليس منها مسألة إلا ولا يعرف أحد قال بذلك القول قبل الذي قاله من هؤلاء الثلاثة فبئس ما وسموا به من قلدوه دينهم
وقد ذكر محمد بن جرير الطبري أنه وجد للشافعي أربعمائة مسألة خالف فيها الإجماع
وهكذا القول حرفا حرفا في أقوال ابن أبي ليلى وسفيان والأوزاعي وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زيادة وأشهب وابن الماجشون والمزني وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير ما منهم أحد إلا وقد صحت عنه أقوال في الفتيا لا يعلم أحد من العلماء قالها قبل ذلك القائل ممن سمينا
وأكثر ذلك فيما لا شك في انتشاره واشتهاره
ثم ليعلموا أن كل فتيا جاءت عن تابع لم يرو عن صاحب في تلك المسألة قول فإن ذلك التابع قال فيها بقول ولا يعرف أن أحدا قاله فالتابعون على هذا القول الخبيث مخالفون للإجماع كلهم أو أكثرهم ومخالف الإجماع عند هؤلاء الجهال كافر فالتابعون على قولهم كفار ونعوذ بالله العظيم من كل قول أدى إلى هذا

واعلموا أن الذي يدعي ويقطع بدعوى الإجماع في مثل هذا فإنه من أجهل الناس بأقوال الناس واختلافهم
وحسبنا الله ونعم الوكيل فظهر كذب من ادعى أن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع وبالله تعالى التوفيق
وأعجب شيء في الدنيا أنهم يدعون في مثله هذا أنه إجماع ثم يأتون إلى الإجماع الصحيح المقطوع به المتيقن فيخالفونه جهارا وهو أنه لا شك عند أحد من أهل العلم أنه لم يكن قط في عصر الصحابة رضي الله عنهم أحد أتى إلى قول صاحب أكبر منه فأخذ به كله ورد لقوله نصوص القرآن وكلام رسول الله صلى الله عليه و سلم وجعل يحتال لنصره بكل ما أمكنه من حق أو باطل أو مناقضة
ثم لا شك عند أحد من أهل العلم في أنه لم يكن قط في عصر التابعين أحد أتى إلى قول تابع أكبر منه أو إلى قول صاحب فأخذ به كله كما ذكرنا ثم لا خلاف بين أحد من أهل العلم في أنه لم يكن في القرن الثالث أحد أتى إلى قول تابع أو قول صاحب فأخذ به كله فهذا الإجماع المقطوع به المتيقن في ثلاثة أعصار متصلة ثم هي الأعصار المحمودة قد خالفها المقلدون الآخذون بأقوال أبي حنيفة فقط أو بأقوال مالك فقط أو بأقوال الشافعي فقط وهو عمل محدث مخالف للإجماع الصحيح فلهذا أعجبوا فهو مكان العجب حقا أن يخالفوا الإجماع المتيقن جهارا ثم يدعون الإجماع حيث لا إجماع ونعوذ بالله العظيم من الضلال
فصل في من قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن بعدهم لا يعد خلافا وأن قول من سواه فيمن خالفهم فيه إجماع قال أبو محمد ذهب محمد بن جرير الطبري إلى أن خلاف الواحد لا يعد خلافا وحكى أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي أن أبا حازم عبد العزيز بن عبد الحميد القاضي الحنفي فسخ الحكم بتوريث بيت المال ما فضل عن ذوي السهام وقال إن زيد بن ثابت لا يعد خلافا على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم
قال أبو محمد فيقال لهم ما معنى قولكم لا يعد خلافا أتنفون وجود خلاف فهذا كذب تدفعه المشاهدة والعيان أم تقولون إن الله تعالى أمركم ألا تسموه

خلافا أو رسوله صلى الله عليه و سلم أمركم بذلك فهذه شر من الأولى لأنه كذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه و سلم أم تقولون إن قليل ذلك الخلاف من الضعة والسقوط في المسلمين إما لفسقه وإما لجهله بحيث لا يكون وجود قوله إلا كعدمه ففي هذا ما فيه إذ ينزلون زيد بن ثابت أو ابن عباس أو غيرهما من التابعين الأئمة في هذه المنزلة
ولعمري إن من أنزل عالما من الصحابة رضي الله عنهم أو من التابعين أو من أئمة المسلمين هذه المنزلة لأحق بهذه الصفة وأولى بها ولا يخرج قولكم من إحدى هذه الثلاث قبائح إذ لا رابع لها
فإن قالوا إنما قلنا إنه خطأ وشذوذ قلنا قد قدمنا أن كل من خالف أحدا فقد شذ عنه وكل قول خالف الحق فهو شاذ عن الحق فوجب أن كل خطأ فهو شذوذ عن الحق وكل شذوذ عن الحق فهو خطأ وليس كل خطأ خلافا للإجماع فليس كل شذوذ خلافا للإجماع ولا كل حق إجماعا وإنما نكلمكم ههنا في قولكم ليس خلافا ولكون ما عداه إجماعا فقد ظهر كذب دعواهم وفسادها والحمد لله رب العالمين
قال أبو محمد ووجدناهم احتجوا برواية لا تصح عليكم بالسواد الأعظم ووجدنا من طريق محمد بن عبد السلام الخشني عن المسيب بن واضح عن المعتمر بن سليمان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تجتمع أمة محمد على ضلالة أبدا وعليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ إلى النار
قال أبو محمد المسيب بن واضح منكر الحديث لا يحتج به روى المنكرات منها أنه أسند إلى النبي صلى الله عليه و سلم من ضرب أباه فاقتلوه وهذا لا يعرف ولو صح الخبر المذكور لكان معناه من شذ عن الحق لا يجوز غير ذلك وبما أنبأناه أحمد بن عمر بن أنس العذري نا عبد الله بن الحسين نا عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أبو قلابة نا وهب بن جرير بن حازم قال سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن جابر بن سمرة قال خطبنا عمر بن الخطاب فقال قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم كقيامي فيكم فقال من أحب منكم بحبوحة الجنة فليلتزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد
نا عبد الله بن

ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أخبرني إبراهيم بن الحسن نا حجاج بن محمد نا يوسف بن أبي إسحاق عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن الزبير قال قام عمر بن الخطاب أمير المؤمنين على باب الجابية فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قام فينا كقيامي فيكم فقال يا أيها الناس أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف قبل أن يستحلف ويشهد قبل أن يستشهد فمن سره أن ينال بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإن يد الله فوق الجماعة ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما ألا إن الشيطان مع واحد وهو من الاثنين أبعد من سائته سيئته وسرته حسنته فهو المؤمن
وبه إلى أحمد بن شعيب نا الربع بن سليمان نا إسحاق بن بكر عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر
قال إن عمر بن الخطاب لما قدم الشام قام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قام فينا كقيامي فيكم
فقال أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب فيحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد
وبه إلى أحمد بن شعيب نا إسحاق بن إبراهيم وهو ابن راهويه نا جرير هو ابن عبد الحميد عن عبد الملك بن مالك بن عمر عن جابر بن سمرة قال خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قام في مثل مقامي هذا فقال أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب فيحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد
وبه إلى أحمد بن شعيب نا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه نا جرير هو ابن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قام في مثل مقامي هذا فقال أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف على اليمين قبل أن يستحلف ويشهد على الشهادة قبل أن يستشهد عليها فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن

الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد لا يخلو رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ألا من كان منكم تسوءه سيئته وتسره حسنته فهو مؤمن
قال أبو محمد هذا الخبر لم يخرجه أحد ممن اشترط الصحيح ولكنا نتكلم فيه على علاته فنقول وبالله تعالى نتأيد إنه إن صح فإن ما ذكر فيه من الجماعة إنما هي بلا شك جماعة الحق
ولو لم يكونوا إلا ثلاثة من الناس وقد أسلمت خديجة رضي الله عنها أم المؤمنين وسائر الناس كفار فكانت على الحق وسائر أهل الأرض على ضلال
ثم أسلم زيد بن حارثة وأبو بكر رضي الله عنهم فكانوا بلا شك هم الجماعة وجميع أهل الأرض على الباطل
وقد نبىء رسول الله صلى الله عليه و سلم وحده فكان على الحق واحدا وجميع أهل الأرض على الباطل والضلال وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن زيد بن عمر بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده
قال أبو محمد وذلك لأن زيدا آمن بالله تعالى وحده وجميع أهل الأرض على ضلالة
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل ومن هم يا رسول الله قال النزاع من القبائل وقال صلى الله عليه و سلم الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة وقال صلى الله عليه و سلم إن الساعة لا تقوم إلا على من لا خير فيهم نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن عباد وابن أبي عمر كلاهما عن مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد بن كيسان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء
وبه إلى مسلم نا الفضل بن سهل نا شبابة به سوار نا عاصم هو ابن محمد العمري عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ نا أحمد بن محمد بن الجسور نا محمد بن أبي دليم أخبرنا ابن وضاح أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة نا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء قال النزاع من القبائل

وبالسند المتقدم إلى مسلم نا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تقوم الساعة على أحد يقول لا إله إلا الله
وقال الله عز و جل وذكر أهل الحق فقال { ركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } وقال تعالى { وقال لذي شتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في لأرض ولنعلمه من تأويل لأحاديث ولله غالب على أمره ولكن أكثر لناس لا يعلمون } في سورة يوسف وقال تعالى { وإن تطع أكثر من في لأرض يضلوك عن سبيل لله إن يتبعون إلا لظن وإن هم إلا يخرصون } وقال تعالى { ومآ أكثر لناس ولو حرصت بمؤمنين } وكلام الله تعالى حق وكلام رسوله صلى الله عليه و سلم حق والحق لا يتعارض
وهذه النصوص التي أوردناها هي قرآن منزل أو أثر في غاية الصحة منقول نقل التواتر وكلاهما في غاية البيان فالأقل في الدين هم أهل الحق وأن أكثر الناس على ضلال وعلى جهل وأن الواحد قد يكون هو المصيب وجميع الناس هم على باطل لا تحتمل هذه النصوص شيئا غير هذا البتة فلو صحت تلك الآثار التي قدمنا لوجب ضرورة أنها ليست في الدين لكن في شيء آخر وبالضرورة تدري أنها ليست على عمومها لأن انفراد الرجل وحده في بيته غير منكر وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده
وبرهان كاف قاطع لكل من له أقل فهم في أنه صلى الله عليه و سلم لم يرد قط بالجماعة المذكورة كثرة العدد لا يشك في ذلك لأن النصارى جماعة واليهود جماعة والمجوس وعباد النار جماعة أفترونه صلى الله عليه و سلم أراد هذه الجماعات حاشا لله من هذا فإن قالوا إنما أراد جميع المسلمين قلنا فإن المنتمين إلى الإسلام فرق فالخوارج جماعة والروافض جماعة والمرجئة جماعة والمعتزلة جماعة أفترونه عليه السلام أراد شيئا من هذه الجماعات حاشا له من ذلك
فإن قالوا إنما أراد أهل السنة قلنا أهل السنة فرق فالحنفية جماعة

والمالكية جماعة والشافعية جماعة والحنبلية جماعة وأصحاب الحديث الذين لا يتعدونه جماعة فأي هذه الجماعات أراد صلى الله عليه و سلم وليس بعضها أولى بصحة الدعوى من بعض فصح يقينا قطعا كما أن الشمس طالعة من مشرقها أنه عليه السلام لم يرد قط إلا جماعة أهل الحق وهم المتبعون للقرآن ولما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم من بيانه للقرآن بقوله وفعله
وهذه هي طريق جميع الصحابة رضي الله عنهم وخيار التابعين من بعدهم حتى حدث التقليد المهلك فإذا لا شك في كل هذا وقد بينا أن أمره عليه السلام بلزوم الجماعة إنما أراد يقينا أهل الحق وإن كانوا أقل من أهل الباطل بلا شك لم يرد كثرة العدد قط
فلنتكلم بعون الله تعالى وقوته على ما في تلك الآثار من أن الشيطان مع الفذ أو الواحد وهو من الاثنين أبعد
وقد أوضحنا بما لا إشكال فيه أنه عليه السلام لم يرد بذلك الدين بما لو أوردنا آنفا من النصوص وببرهان آخر وهو قوله وهو من الاثنين أبعد فلو أراد الدين لكان المنفرد بقوله مصاحبا للشيطان فإن استضاف إليه آخر بعد عنه الشيطان فعاد الباطل حقا بدخول إنسان فيه وهذا باطل متيقن ليست هذه صفة الدين بل الباطل باطل وإن دخل فيه آلاف فصح بلا شك أنه لم يرد الدين ولا عموم التوحيد بكل حال فقد صح أنه إنما عنى خاصا من الأحوال بلا شك
فإذا ذلك كذلك فلا يجوز أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه و سلم أنه أراد حال كذلك إلا بنص صحيح عنه بذلك وإن الناسب إليه صلى الله عليه و سلم ما لم يقل كاذب عليه وقد أخبر عليه السلام أنه من كذب عليه فليتبوأ مقعده من النار
فإذا كان الأمر كما قلنا يقينا فقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم النهي أن يسافر المرء وحده وفي تلك الأخبار أنفسها لا ينفرد رجل مع امرأة فإن الشيطان ثالثهما فنحن على يقين من أنه ههنا نهي عن الوحدة وأن الشيطان ههنا مع الواحد فإن كان اثنين فقد خرج عن النهي وبعد الشيطان عنهما فبطل التعلق بتلك الآثار فيما ذهب إليه من ذهب وأن خلاف الواحد لا يعد خلافا
واعلموا أنه لا يمكن البتة للحنفيين ولا المالكيين ولا الشافعيين أن يحتجوا بشيء

من ذلك الأثر لأن خلاف الواحد عندهم خلاف إلا من شذ منهم من مذاهب أصحابه وقد قلنا إننا أخرجنا لكل واحد من أبي بكر ومالك والشافعي مئين من المسائل انفرد كل واحد منهم بقوله فيها عن أن يعرف أحد قبله قاله بذلك القول
وبرهان ضروري أيضا هو أنه قد بينا أن له لو صح ذلك القول عن النبي صلى الله عليه و سلم لعلمنا أنه لم يرد بذلك الدين أصلا لأن اليهود والنصارى والمجوس والملحدين ثم الرافضة والمعتزلة والمرجئة والخوارج جماعات عظيمة فالشيطان بعيد عنهم ومجانب لهم لأنهم أكثر من واحد يأبى الله تعالى هذا وتالله ما عش الشيطان ولا بحبوحته إلا فيهم وبلا شك أن أهل الباطل كلما كثروا فإن الشيطان أقوى فيهم منه مع المنفرد
نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا مؤمل بن إسماعيل البصري نا سفيان الثوري عن عبد الملك بن أبجر عن طلحة بن مصرف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ربع السودان من لا يلبس الثياب أكثر من جميع الناس
فصح بكل هذا يقينا لا مجال للشك فيه أنه لا يرد قط بذلك الدين وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم أثنى في تلك الأخبار على أصحابه وعلى قرن التابعين ثم على القرن الثالث
فإذا أثنى عليهم فهم الجماعة التي لا ينبغي أن تخالف وكل من خالفهم فهو أهل الباطل ولو كانوا أهل الأرض تلك القرون الثلاثة هي التي لم تقلد أحدا وإنما كانوا يطلبون القرآن والسنن فنحن معهم والحمد لله رب العالمين
وكل من قلد إنسانا بعينه فقد خالف الجماعة والحمد لله رب العالمين
قال أبو محمد وقد شغب بعضهم بأن قال لما أجمع نظراء هذا الواحد وعلمنا أنهم مؤمنون يقينا بالجملة وأنهم من الأمة بلا شك ولم نقطع هذا الواحد المخالف لهم بأنه من الأمة وكان واجبا علينا اتباع من نوقن أنهم من الأمة دون من لا نوقن أنه منها
قال أبو محمد وهذا خطأ لأن الله تعالى أمرنا عند التنازع بالرد إلى القرآن والسنة بقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ومخالفة الواحد تنازع في المشاهدة والعيان ولم

يقل تعالى فردوه إلى الأكثر ولا إلى من لم يخالفهم إلا واحد فصار من رد إلى غير القرآن والسنة عاصيا لله عز و جل مخالفا لأمره
وقد حصل لذلك الواحد من ظاهر الإسلام في الحكم كالذي لكل واحد من مخالفيه ولا فرق
قال أبو محمد واحتجوا أيضا بما رويناه من طريق ابن وهب أخبرني أبو فهد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليتبع الأقلون العلماء الأكثرين
قال أبو محمد وهذا مرسل لا خير فيه وباطل بلا شك أول ذلك أنه محال وهو عليه السلام لا يأمر بالمحال لأنه لا يمكن أن يتبع الأقل والأكثر إلا بعد إمكان عد جميعهم وقد بينا أن عد جميعهم لا يمكن البتة بوجه من الوجوه ولا يقدر عليه إلا الخالق وحده لا شريك له
ووجه آخر وهو أن الصحابة رضوان الله عنهم قد أصفقوا أثر موت النبي صلى الله عليه و سلم على ألا يقاتل أهل الردة ولا ينفذ بعث أسامة بن زيد وخالفهم أبو بكر وحده فكان هو المحق وكانوا على الخطأ فإن قالوا قد رجعوا إلى قوله قلنا نعم وهذه حجتنا وإنما سألناكم عن الحال قبل أن يرجعوا إلى قول أبي بكر في ذلك
وقد شغب بعضهم بما روي من أن الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب
قلنا إنما هذا في نص الخبر نفسه في السفر فقط وإلا فالمصلي النافلة وحده على قولهم شيطان ومصلي الفريضة مع آخر شيطانان وفي هذا ما فيه نعوذ بالله العظيم من البلاء
ثم نسألكم هل ذلك الواحد عندكم مخالف للإجماع أم لا فإن قالوا نعم قلنا لهم ومخالف الإجماع عندكم كافر فمن قولهم نعم قلنا لهم فعلى هذا فابن عباس كافر وزيد بن ثابت عندكم كافر إذ أقررتم أنهما خالفا الإجماع وبالله إن نسب ذلك إليهما فهو والله أحق منهما بل هما المؤمنان الفاضلان رضي الله عنهما وإن أبوا من تكفير من خالف هذا النوع من الإجماع تناقضوا وظهر فساد قولهم وبالله تعالى التوفيق

قال أبو محمد أخبرنا عبد الرحمن بن خالد الهمداني نا إبراهيم بن أحمد البلخي حدثنا الفريرى نا البخاري نا عبد العزيز بن عبد الله نا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة قال إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولو آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت حديثا ثم يتلو { إن لذين يكتمون مآ أنزلنا من لبينات ولهدى من بعد ما بيناه للناس في لكتاب أولئك يلعنهم لله ويلعنهم للاعنون إلا لذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم } إلى قوله { إن لذين يكتمون مآ أنزلنا من لبينات ولهدى من بعد ما بيناه للناس في لكتاب أولئك يلعنهم لله ويلعنهم للاعنون إلا لذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم } إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق وإن إخواننا من الأنصار يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه و سلم لشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون
قال أبو محمد ففي هذا أن الواحد قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة وإذا كان عنده من السنة ما ليس عند غيره فهو المصيب في فتياه بهذا دون غيره
قال أبو محمد وبالعيان ندري أن المسلمين أقل من غيرهم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود وذكر عليه السلام الصلاة والسلام أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وواحد إلى الجنة ثم بالمشاهدة ندري أن الصالحين والعلماء أقل من الطالحين والجهال وأن هذين الصنفين هم الأكثر والجمهور وبالمشاهدة ندري أن الزكي من العلماء هم أقل منهم بخلاف قول المخالف وقد ذكر في باب إبطال التقليد قول ابن مسعود لا يقول أحدكم أنا مع الناس
وذكرنا قبل هذا قول حذيفة كيف أنت إذا سلك القرآن طريقا وسلك الناس طريقا آخر وبينا قبل وبعد أن العرض إنما هو اتباع القرآن وما حكم به رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه لا معنى لقول أحد دون ذلك كثر القائلون به أو قلوا وهذا باب ينبغي أن يتقى فقد عظم الضلال به وكثر الهالكون فيه ونعوذ بالله العظيم من البلاء
قال أبو محمد وكلامنا هذا كله تطوع منا وإلا فلو اكتفينا من كل ذلك بما نذكره الآن إن شاء الله تعالى وهو أن نقول لهم إن كل من ادعى في أي قولة كانت

لا نحاشي قولة من الأقوال أن العلماء كلهم أجمعوا عليها إلا واحدا خالفهم فقط أو إلا اثنين أو إلا ثلاثة أو أي عدد ذكروا فإنه كذاب مفتر آفك قليل الحياء لأنه لا سبيل بوجه من الوجوه إلى معرفة ذلك يقينا ولا إلى القطع به أصلا لما قدمنا من تعذر إحصاء عدد المفتين من المسلمين فوضح أن هذه مسألة فارغة ولا حجة للاشتغال بها أو كثرة من ضل بها
فصل في قول من قال قول الأكثر هو الإجماع ولا يعتد بقول الأقل قال أبو محمد في الباب الذي قبل هذا نقض هذه المقالة وفيه ذكرنا كل ما يمكن أن يشغبوا به فأغنى عن إعادته إلا أن هنا سؤالا رائدا وهو أن نقول لهم قلتم المحال وأتيتم في دينكم الباطل والذي لا يمكن وجوده وذلك إلى أنه لا سبيل إلى توفية حكمهم هذا حقه إلا إحصاء عدد جميع من تكلم في تلك المسألة من صاحب وتابع فمن بعدهم ثم يعرف الأثر ولو بواحد وهذا مع أنه محال فهو حمق وقول بلا برهان
وأيضا فما الفرق بينكم وبين من قال قول الطائفة التي هي أفضل وأشهر في العلم أولى وإن كانوا أقل عددا فحصل التعارض وبطل القولان لأنهم بلا دليل وبالله تعالى التوفيق
فصل في إبطال قول من قال الإجماع هو إجماع أهل المدينة قال أبو محمد هذا قول لهج به المالكيون قديما وحديثا وهو في غاية الفساد واحتجوا في ذلك بأخبار منها صحاح ادعوا فيها أنها تدل على أن المدينة أفضل البلاد ومنها مكذوب موضوع في رواية محمد بن الحسن بن زبالة وغيره ليس هذا مكان ذكرها لأن كلامنا في هذا الكتاب إنما هو على الأصول الجامعة لقضايا

الأحكام لا لبيان أفضل البلاد وقد تقصينا تلك الأخبار في كتابنا المعروف بالإيصال في آخر كتاب الحج منه وتكلمنا على بيان سقوط ما سقط منها ووجه ما صح منها بغاية البيان والحمد لله رب العالمين
وبجمع ذلك أنهم قالوا المدينة مهبط الوحي ودار الهجرة ومجتمع الصحابة ومحل سكنى النبي صلى الله عليه و سلم وأحكامها فأهلها أعلم بذلك ممن سواهم وهم شهداء آخر العمل من النبي صلى الله عليه و سلم وعرفوا ما نسخ وما لم ينسخ
ثم اختلفوا فقالت طائفة منهم إنما إجماعهم إجماع وحجة فيما كان من جهة النقل فقط وقالت طائفة منهم إجماعهم إجماع وحجة من جهة النقل كان أو من جهة الاجتهاد لأنهم أعلم بالنصوص التي منها يستنبط وعليها يقاس فإذا هم أعلم بذلك فاستنباطهم وقياسهم أصح من قياس غيرهم واستنباط غيرهم
وقالوا من المحال أن يخفى حكم النبي صلى الله عليه و سلم على الأكثر وهم الذين بقوا بالمدينة ويعرفه الأقل وهم الخارجون عن المدينة مع شغلهم بالجهاد وذكروا قول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم إذ أراد أن يقوم بالموسم الذي بلغه من قول القائل لو قد مات عمر لقد بايعنا فلانا فقال عمر لأقومن بالعشية فلأحذرن الناس من هؤلاء الرهط يريدون يغصبونهم
فقال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس ويغلبون على مجلسك فأخاف ألا ينزلوها على وجهها فيطيروا بها كل مطير فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة فتخلو بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من المهاجرين والأنصار ويحفظون مقالتك وينزلوها على وجهها
نا بهذا عبد الرحمن بن عبد الله نا إبراهيم بن أحمد حدثنا الفربري نا البخاري نا موسى بن إسماعيل نا عبد الواحد نا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عتبة قال حدثني ابن عباس قال قال لي عبد الرحمن بن عوف لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل فقال له إن فلانا يقول لو قد مات عمر فبايعنا فلانا ثم ذكر نصه كما أوردنا
قال أبو محمد هذا كل ما شغبوا به وكله لا حجة لهم في شيء منه على ما تبين إن شاء الله عز و جل

أما دعواهم أن المدينة أفضل البلاد فدعوى قد بينا إبطالها في غير هذا المكان وبينا أن مكة أفضل البلاد بنص القرآن والسنن الثابتة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم وليس هذا مكان الكلام في ذلك لكن نقول لهم هبكم أنه كما تقولون وليس كذلك فأي برهان في كونها أفضل البلاد على أن إجماع أهلها هو الإجماع ألا يستحي من يدري أن كلامه مكتوب وأنه محاسب به بين يدي الله عز و جل من أن يموه هذا التمويه البارد ونحن نقول إن مكة أفضل البلاد وليس ذلك بموجب اتباع أهلها دون غيرهم ولا أن إجماعهم دون إجماع غيرهم ولا أنهم حجة على غيرهم إذ ليس فضل البقعة موجبا لشيء من ذلك
وأيضا فإنه لا يختلف مسلمان في أنه قد كان في المدينة منافقون وهم شر الخلق قال تعالى { وممن حولكم من لأعراب منافقون ومن أهل لمدينة مردوا على لنفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } وقال تعالى { إن لمنافقين في لدرك لأسفل من لنار ولن تجد لهم نصيرا }
وكان فيها فساق كما في سائر البلاد وزناة وكذابون وشربة خمر وقذفة كما في سائر البلاد ولا فرق وأهلها اليوم وإنا لله وإنا إليه راجعون غلاة الروافض الكفرة أفترون لهؤلاء فضلا يوجب اتباعهم من أجل سكناهم المدينة فمن قولهم لا لكن إنما توجب الحجة بالفضلاء من أهل المدينة قلنا لهم ومن أين خصصتم فضلاء المدينة دون فضلاء غيرهم من البلاد وهذا ما لا سبيل إلى وجود برهان على صحته أبدا
وأيضا فالمدينة فضلها باق بحسبه كما كان لم يتغير ولايتغير أبدا وأهلها أفسق الناس فقد بطل أن تكون للبقعة حكم في وجوب اتباع أهلها وصح أن الفاضل فاضل حيث كان والفاسق فاسق حيث كان
وأما قولهم إن أهل المدينة أعلم بأحكام رسول الله صلى الله عليه و سلم ممن سواهم فهو كذب وباطل وإنما الحق أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم العالمون بأحكامه صلى الله عليه و سلم سواء بقي منهم من بقي بالمدينة أو خرج منهم من خرج لم يزد الباقي بالمدينة بقاؤه فيها درجة في علمه وفضله ولا حظ الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله

وأما قولهم إنهم شهدوا آخر حكمه صلى الله عليه و سلم وعلموا ما نسخ مما لم ينسخ فتمويه فاحش وكذب ظاهر بل الخارجون من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم بها منهم سواء كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم ولا فرق والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة فظهر فساد كل ما موهوا به وبنوه على هذا الأصل الفاسد وأسموه بهذا الأساس المنهار
وأما قولهم إن من المحال أن يخفى حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم على الأكثر وهم الباقون بالمدينة وبعلمه الأقل وهم الخارجون عن المدينة فتمويه ظاهر وشغب غث وإنما كان ممكن أن يموهوا بذلك لو وجدوا مسألة رويت من طريق كل من بقي بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم وأفتى بها كل من بقي بالمدينة من الصحابة
وأما ولا يجدوا هذا أبدا ولا في مسألة واحدة وإنما وجد فتيا الواحد والاثنين والثلاثة ونحو ذلك وروايتهم كذلك فممكن أن يغيب حكم النبي صلى الله عليه و سلم عن النفر من الصحابة وبعلمه الواحد والأكثر منهم وقد يمكن أن يكون الذي حضر ذلك الحكم يخرج عن المدينة ويمكن أن يبقى بها ويمكن خلاف ذلك أيضا ولا فرق وإنما تفرق الصحابة في البلاد بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم
وأما قول عبد الرحمن لعمر الذي ذكرنا في تأخير الأمر حتى يقدم المدينة فيخلو بوجوه الناس وأهل الفقه وأهل العلم فوالله ما أدرك مالك من هؤلائك أحدا وإنما أخذ عنهم كما فعل أهل الأمصار سواء ولا فرق وأيضا فما كل قول قاله عبد الرحمن ووافقه عليه عمر رضي الله عنه حجة وقد علم جميع أهل الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يخطب الخطبة التي عهد فيها إلى الناس وجعلها كالوداع لهم وقررهم ألا هل بلغت وأشهد الله تعالى عليهم إلا في الموسم أحفل ما كان في الأعراب وغيرهم ففعل رسول الله صلى الله عليه و سلم أولى من رأي رآه عبد الرحمن وعمر رضي الله عنهما
وبرهان ذلك أنه لو سلك الأئمة هذا الرأي ما تعلم جاهل شيئا أبدا فصح أنه لا بد من مخاطبة الرعاع والجهال بما يلزم علمه والعجب كله أنهم يموهون إجماع أهل المدينة ثم لا يحصلون إلا على رأي مالك وحده ولا يأخذون بسواه وهم أترك الناس لأقوال أهل المدينة كعمر وابن عمر وعائشة وعثمان ثم سعيد بن المسيب والقاسم وغيرهم

ومن عجائب الدنيا التي لا نظير لها أن يتهالكوا على تقاليد رأي ابن القاسم المصري وسحنون التنوفي من إفريقية لأن ابن القاسم أخذ عن مالك ولأن سحنون أخذ عن ابن القاسم المصري عن مالك ولا يرون لأخذ مسروق والأسود وعلقمة عن عائشة أم المؤمنين وعن عمر وعثمان رضي الله عنهما وجها ولا معنى ثم لا يستحيون مع هذا من أهل التمويه بأهل المدينة وإنما ذكرنا من أخذ عن هؤلاء المدنيين تنكيتا لهم وكشفا لتناقضهم وهم أترك خلق الله لإجماع أهل المدينة أجمعوا كلهم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم على إعطاء أموالهم التي قسمها رسول الله صلى الله عليه و سلم على مفتتحي خيبر إلى اليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم يقرونهم ما أقرهم الله تعالى ويخرجونهم متى شاؤوا وبقي كذلك إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه و سلم مدة أربعة أعوام ثم مدة أبي بكر رضي الله عنه إلى آخر عام من خلافة عمر رضي الله عنه
فقال المدعون إنهم على مذهب أهل المدينة
هذا عقد فاسد وعمل باطل مفسوخ تقليدا لخطأ مالك
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور نا وهب بن ميسرة نا ابن وضاح بن يحيى نا مالك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة
نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن حاتم نا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال نحرنا يومئذ تسعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة فهذا إجماع أهل المدينة حقا وعملهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه و سلم وإجماع الصحابة حقا
فقال هؤلاء المنتسبون إلى اتباع أهل المدينة هذا عمل لا يجوز ولا يجزىء تقليدا لخطأ مالك وخلافا لأهل المدينة وتمويها برواية عن ابن عمر قد جاء عنه خلافها
وتركوا عمل أهل المدينة كل من حضر منهم مع عمر في سجوده في { إذا لسمآء نشقت } وسجودهم مع عمر إذ قرأ السجدة وهو يخطب يوم الجمعة فنزل عن المنبر فسجد وسجدوا معه ثم رجع إلى خطبته فقال هؤلاء

المنتمون إلى اتباع أهل المدينة
هذا لا يجوز تقليدا لخطأ مالك في ذلك ولا سبيل إلى أن يوجد عمل لأهل المدينة أعم من هذا وتركوا إجماع أهل المدينة إذ صلوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم آخر صلاة صلاها بالناس فقالوا هذه صلاة فاسدة تقليدا لخطأ مالك في ذلك
والعجب احتجاجهم كلهم في ترك إجماع أهل المدينة على هذا وعملهم برواية الجعفي الكذاب الكوفي عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يؤمن أحد بعدي جالسا
وهذه رواية ليس في رواية أهل المدينة أنتن منها فهل في العجب أكثر من هذا وهم يقولون إن إجماع أهل الكوفة هو الإجماع فإن روايات أهل الكوفة الصحاح مدخولة
حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أخبرنا أبو أيوب بن محمد الوزان نا عمرو بن أيوب نا أفلح بن حميد نا محمد بن حميد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع ناسا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر وابن شهاب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره بالطيب
وقال القاسم أخبرتني عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه و سلم لحرمه حين أحرم ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت ولم يختلف عليه أحد منهم إلا أن عبد الله بن عبد الله قال كان عبد الله رجلا حادا محدا كان يرمي الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله قال سالم صدق
فهذه فتيا أهل المدينة وفقهائها عن سلفهم فقال هؤلاء المدعون إنهم يتبعون أهل المدينة لا يجوز ذلك تقليدا لخطأ مالك واحتجوا برواية كوفية ليست موافقة لقولهم أيضا لكن موهوا بإيرادها
وذكر قيس بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمر بن

عبد العزيز والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وعامل عمر بن الخطاب الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا وكذا ورأى ذلك الزهري
قال أبو محمد فهل يكون عمل يمكن أن يقال إنه إجماع أظهر من هذا أو أفشى منه فقال هؤلاء المموهون باتباع أهل المدينة هذا لا يحل ولا يجوز تقليدا لخطأ مالك في ذلك والعجب أن مالكا لم يدع إجماع أهل المدينة إلا في نيف وأربعين مسألة فاستحل هؤلاء القدر بنفحة وقمحوا جميع آرائه في إجماع أهل المدينة وإنا لله وإنا إليه راجعون على فشو الكذب واختداع أهل الغفلة والاغترار بالباطل
ثم إن المسائل المذكورة التي ذكر مالك أنها إجماع أهل المدينة تنقسم قسمين أحدهما لا يعلم فيه خلاف من أحد من الناس في سائر الأمصار وهو الأقل
والثاني قد وجدنا فيه الخلاف كما هو موجود في غير المدينة
قال أبو محمد ونقول لهم لا يخلو ما ادعيتموه من إجماع أهل المدينة من أن يكون عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه و سلم أو يكون عن اجتهاد وقد تقدم إبطالنا لكل اجتهاد أدى إلى ما لا نص فيه أو إلى خلاف النص
ثم لو صح لهم فمن أين جاز أن يكون اجتهاد أهل المدينة أولى من غيرهم والنصوص التي يقيسون عليها معروفة عند غيرهم كما هي عندهم إذ كتمانها محال غير ممكن ولا فرق بين دعواهم هذه ودعوى غيرهم أو يكون إجماعهم عن توقيف من النبي صلى الله عليه و سلم ولم يبق إلا هذا الوجه فلا يخلو ذلك التوقيف من أن يكون علمه الخارجون من المدينة من الصحابة أو جهلوه أو علمه من علمه من أهل المدينة سائر الناس أو كتموه فإن كان علمه الخارجون من المدينة من الصحابة أو علمه من علمه ممن بقي في المدينة من سائر الناس فقد استوى في العلم به أهل المدينة وغيرهم ضرورة وإن كان من بقي في المدينة كتمه عن سائر أهل البلاد
فهذا محال غير ممكن لأن كل سر جاوز اثنين شائع فكيف ما علمه جميع أهل المدينة بزعمهم وحتى لو صح أنهم كتموه لسقطت عدالتهم قال الله عز و جل { إن لذين يكتمون مآ أنزلنا من لبينات ولهدى من بعد ما بيناه للناس في لكتاب أولئك يلعنهم لله ويلعنهم للاعنون }

ولقد أعاذهم الله من هذا فبطل ضرورة ما ادعوه من إجماع أهل المدينة
وأيضا فإن الإجماع لا يصح نقله إلا بإجماع مثله أو بنقل تواتر وهم لا يرجعون في دعواهم الكاذبة لإجماع أهل المدينة إلا إلى إنسان واحد وهو مالك فهو نقل واحد كنقل غيره من العلماء ولا فرق
وأيضا فيقال لهم أخبرونا هل خص رسول الله صلى الله عليه و سلم بتبليغ أحكام الدين أو بعضها أو حكم واحد منها المقيمين بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم عمن علم الله عز و جل أنهم سيخرجون عن المدينة
فإن قالوا نعم كفروا وكذبوا إذ جعلوه صلى الله عليه و سلم كتم شيئا من الدين عمن يلزمه من علم الديانة كالذي يلزم غيره وصاروا إلى أقوال الروافض من كثب وإن قالوا لا ثبت أن السنن هي بيان الدين في غير المدينة كما هي في المدينة ضرورة ولا فرق
وأيضا فإن من بقي بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجاهدون ويحجون ومن خرج عن المدينة منهم كانوا يفدون على عمر وعثمان فقد وجب التداخل بينهم
وهكذا صحت الآثار بنقل التابعين من سائر الأمصار عن أهل المدينة وبنقل التابعين من أهل المدينة ومن بعدهم عن أهل الأمصار فقد صحب علقمة ومسروق عمر وعثمان وعائشة أم المؤمنين واختصوا بهم وأكثروا الأخذ عنهم وكذلك صحب عطاء عائشة أم المؤمنين وصحب الشعبي وابن سيرين بن عمر وصحب قتادة بن المسيب وأخذ الزهري عن أنس وأخذ مالك عن أيوب وحميد المكي وأخذ عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني وأخذ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس
وأخبرني يوسف بن عبد الله النمري قال نا عبد الوارث بن حسرون نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير بن حرب نا أحمد بن حنبل نا عبد الرحمن بن مهدي سمعت مالك بن أنس يقول قال سعيد بن المسيب إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد فاستوى الأمر في المدينة وغيرها بلا شك

وأيضا فنقول لهم هل تعمد عمر وعثمان رضي الله عنهما أن يبعثا من يعلم أهل البصرة والكوفة والشام ومصر دينهم وأحكامهم أم أغفلا ذلك وضيعاه وعمالهما يترددون على هذه البلاد ووفود هذه البلاد يفدون عليهما كل عام أم لم يتركا ذلك بل علماهم كل ما يجب علمه من الدين ولا بد من أحد هذه الأقسام فإن قالوا تعمدنا كتمان الدين عنهم أو ضيعوا ذلك كذبوا جهارا ونسبوا الخليفتين الفاضلين إلى ما قد نزههما الله تعالى عنه مما هو أعظم الجور وأشد الفسق بل هو الانسلاخ من الإسلام وإن قالوا ما تركا ذلك علماهم كل ما يجب علمه والعمل به من الدين
قلنا صدقتم وقد ثبت بهذا أن أهل المدينة وغيرهم سواء في المعرفة والعلم والعدالة وظهر فساد دعواهم الكاذبة في دعوى إجماع أهل المدينة
أنبأنا محمد بن سعيد بن بنات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة نا أبو إسحاق السبيعي قال سمعت حارثة بن مضرب قال قرأت كتاب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة إني بعثت عليكم عمارا أميرا وعبد الله معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل بدر فخذوا عنهما واقتدوا بهما فإنني آثرتكم بعبد الله على نفسي إثرة
حدثني أحمد بن عمر بن أنس العدوي نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا محمد بن أحمد بن محمد بن الجهم نا إسماعيل بن إسحاق القاضي نا أحمد بن يونس نا قيس بن أشعث عن الشعبي قال ما جاءك عن عمر فخذ به فإنه كان إذا أراد أمرا استشار أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم فإذا أجمعوا على شيء كتب به فهذا تعليم عمر ما عنده من العلم لأهل الأمصار فصار الأمر في المدينة وغيرها سواء
وأيضا فنقول لهم إذا كان إجماع أهل المدينة عندكم هو الإجماع ومن قولكم إن من خالف الإجماع كافر فتكفرون كل من خالف إجماع أهل المدينة بزعمكم أم لا فإن قالوا نعم لزمهم تكفير ابن مسعود وعلي وكل من روي عنه فتيا مخالفة لما يدعون فيه إجماع أهل المدينة من صاحب أو تابع فمن دونهم وفي هذا ما فيه وإن أبوا من

ذلك قلنا لهم كذبتم في الدعوى إن إجماعهم هو الإجماع فارجعوا عن ذلك واقتصروا على أن تقولوا صوابا أو حقا ونحو ذلك
قال أبو محمد وأيضا فلا شيء أظهر ولا أشهر ولا أعلن ولا أبين ولا أفشى من الأذان الذي هو كل يوم وليلة خمس مرات برفع الأصوات في مساجد الجماعات في الصوامع المشرفات لا يبقى رجل ولا امرأة ولا صبي ولا عالم ولا جاهل إلا تكرر على سمعه كذلك ولا يستعمله المسافرون كما يستعمله الحاضرون ولا يطول به العهد فينسى وفي المدينة فيه من الاختلاف كالذي خارج المدينة
صح عن ابن عمر أن الأذان وتر وروي عنه وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قولهما في الأذان حي على خير العمل
نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا علي بن عبد العزيز نا الحجاج بن منهال نا حماد بن سلمة نا أيوب السختياني وقتادة كلاهما عن محمد بن سيرين عن ابن عمر أنه مر على مؤذن فقال له أوتر أذانك نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الديري نا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول الأذان ثلاثا ثلاثا
وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن رجل عن ابن عمر أنه كان إذا قال في الأذان حي على الفلاح قال حي على خير العمل
ومن ادعى أن الصحابة في الكوفة والبصرة ومكة بدلوا الأذان فلكافر مثله أن يدعي ذلك على الصحابة بالمدينة وكلاهما كاذب ملعون وحق صحابة المدينة والكوفة والبصرة جائز واجب فرض سواء على كل مسلم ولا فرق من ادعى ذلك على التابعين بالكوفة والبصرة فالفاسق مثله أن يدعي على التابعين بالمدينة إذ لا فرق بينهم
ومن ادعى ذلك على الولاة بالبصرة والكوفة فلغيره أن ينسب مثل ذلك إلى الولاة بالمدينة فقد وليها من الفساق كالذين ولوا البصرة والكوفة كالحجاج وخالد القسري وطارق وعثمان بن حيان المري وكلهم نافذ أمره في الدماء والأموال والأحكام وموضعهم من الفسق بالدين بحيث لا يخفى فهذا أصل عظيم
ثم الزكاة فالزهري يراها في الخضر ومالك لا يراها وابن عمر لا يرى الزكاة مما أنبتت الأرض إلا في البر والشعير والتمر والزيت والسلت ومالك يخالفه ولا شيء بعد

الأذان بالصلاة أشهر من عمل الزكاة وابن عمر لا يجيز في زكاة الفطر إلا التمر والشعير ومالك يخالفه وقال ابن عمر وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وأبو سليمان وعبد الرحمن بن عوف والزهري وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عدل الناس بصاع شعير في صدقة الفطر مدين من بر وروي ذلك أيضا عن عمر وعثمان وأسماء بنت أبي بكر فخالفهم مالك فصح أنهم أترك الناس لعمل أهل المدينة
وقال بعضهم من خرج عن المدينة اشتغل بالجهاد قلنا لا يشغل الجهاد عن تعليم الدين فقولكم هذا مجاهدة بالباطل وقالوا إن كان ابن مسعود إذا أفتى بفتيا أتى المدينة فيسأل عنها فإن أفتى بخلاف فتياه رجع إلى الكوفة ففسخ ما عمل
قال أبو محمد وهذا كذب إنما جاء أنه أفتى بمسألتين فقط فأمر عمر بفسخ ذلك وعمر الخليفة فلم يمكنه خلافه
نا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود نا أحمد بن دحيم نا إبراهيم بن حماد قال نا إسماعيل بن إسحاق نا حجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عمرو الشيباني أن رجلا سأل ابن مسعود عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها أيتزوج أمها قال نعم فتزوجها فولدت له فقدم على عمر فسأله فقال فرق بينهما قال ابن مسعود إنها ولدت قال عمر وإن ولدت عشرا ففرق بينهما
قال أبو محمد والخلاف في هذا موجود بالمدينة نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عنان نا أحمد بن خالد نا علي بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال إن طلق الابنة قبل أن يدخل بها تزوج أمها وإن ماتت موتا لم يتزوج أمها
نا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود نا أحمد بن دحيم نا إبراهيم بن حماد نا إسماعيل بن إسحاق نا إسماعيل بن أبي أويس نا عبد الرحمن بن أبي الموال عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة أن رجلا من بني ليث يقال له الأجدع تزوج جارية شابة فكان يأتيها فيتحدث مع أمها فهلكت امرأته ولم يدخل بها فخطب أمها وسأل عن ذلك ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فمنهم من رخص له ومنهم من نهاه

قال أبو محمد هذا والمسألة المذكورة منصوصة في القرآن الذي هو عند جميع الناس كما هو عند أهل المدينة لا يمكن أن يدعوا فيها توفيقا حتى خفي عمن هو خارج المدينة لكن من أباح ذلك حمل الأم على حكم الربيبة ومن منع أخذ بظاهر الآية وعمومها وهو الحق فلا مزية ههنا لأهل المدينة على غيرهم أصلا وقد صح أن عمر استفتى ابن مسعود بالبتة وأخذ بقوله وهذا مدني إمام أخذ بقول كوفي وذكر غريبة تضحك الثكالى ويدل على ضعف دين المموه وقلة عقله وهي أنهم ذكروا خبر ابن عمر إذ رأى سعدا وهو يمسح فلم يأخذ بعمله حتى رجع إلى المدينة فسأل أباه
قال أبو محمد وهذا عليهم لا لهم لأن ابن عمر مدني وقد خفي عليه حكم المسح وسعد مدني فلم يأخذ ابن عمر بفعله إلا أن يقولوا إنه لا يجوز أن يؤخذ بقول مدني إلا إذا كان بين جدران المدينة
فهذا حمق لا يقوله من لا مسكة له
وموهوا بما أنبأنا عبد الله بن الربيع قال نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن المثنى نا خالد بن الحارث نا حميد عن الحسن قال قال ابن عباس وهو أمير البصرة في آخر الشهر أخرجوا زكاة صومكم فنظر الناس بعضهم إلى بعض فقال من هنا من أهل المدينة قوموا فعلموا إخوانكم فإنهم لا يعلمون أن هذه الزكاة فرضها رسول الله صلى الله عليه و سلم على كل ذكر أو أنثى حر أو مملوك صاعا من شعير أو تمر أو نصف صاع من قمح
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه أولها أنه خبر ساقط منقطع أخذه الحسن بلا شك من غير ثقة ذلك لأن الحسن لم يكن بالبصرة أيام ابن عباس أميرا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وإنما نزلها الحسن أيام معاوية لا خلاف في هذا
وثانيها أن البصرة بناها عتبة بن غزوان المازني من بني مازن بن منصور أخي سليم بن منصور وهذا بدري من أكابر المهاجرين الأولين الممتحنين في الله تعالى في أول الإسلام سنة أربع عشرة من الهجرة في صدر أيام عمر رضي الله عنه وإنما وليها ابن عباس لعلي في آخر سنة ست وثلاثين بعد يوم الجمل بعد اثنتين وعشرين سنة من بنيانها وسكنها الصحابة والتابعون رضي الله عنهم ووليها أبو موسى الأشعري بعد عتبة بن غزوان والمغيرة بن شعبة وغيرهما أيام عمر وطول أيام عثمان رضي الله عنهما وولي قبض زكاتها

أنس بن مالك في تلك الأيام
فكيف يدخل في عقل من له مسكة عقل أن مصرا يسكنه عشرات الألوف من المسلمين منهم مئون من الصحابة رضي الله عنهم تداوله الصحابة من قبل عمر وعثمان فلم يكن فيهم أحد يعلمهم زكاة الفطر التي يعلمها النساء والصبيان في كل مدينة وكل قرية لتكررها في كل عام في العيد إثر رمضان حتى بقوا المدة المذكورة ليس فيهم أحد علم ذلك وأهل المدينة يعرفونها فكيف يكتم مثل هذا والوفود من البصرة يفدون على الخليفتين بالمدينة
وتالله إن هذه لمصيبة على عمر وعثمان وأهل المدينة أعظم منها على أهل البصرة إذ تعمدوا ترك تعليمهم أو ضيعوا ذلك وكل ذلك باطل لا يمكن البتة وكذب لا خفاء به ومحال ممتنع لما ذكرنا
وثالثها أن المحتجين بهذا الخبر وهم المقلدون لمالك أول مبطل لحكم هذا الخبر فلا يرون ما فيه من نصف صاع قمح مكان صاع شعير في زكاة الفطر أفليس من الرزايا والفضائح والبلايا والقبائح من يموه بخبر يحتج به فيما ليس فيه منه شيء على من لا يراه حجة لو صح لأنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه و سلم ثم المحتج به أول مخالف لما احتج به وأول مبطل ومكذب لما فيه مما لو صح ذلك الخبر لما حل لأحد خلافه لأنه عن النبي صلى الله عليه و سلم نعوذ بالله العظيم من مثل هذا المقال في الدنيا والآخرة
وإذ قد صححوا ههنا رواية الحسن عن ابن عباس فقد نا أحمد بن محمد الطلمنكي نا ابن مفرج نا محمد بن أيوب الرقي نا أحمد بن عروة بن عبد الخالق البزار نا محمد بن المثنى نا يزيد بن هارون نا حميد الطويل عن الحسن البصري قال خطبنا ابن عباس بالبصرة فقال فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد صاع من تمر أو صاع من شعير أو بنصف صاع من بر ومن أتى بدقيق قبل منه ومن أتى بسويق قبل منه
وهم أول عاص لما في هذا الخبر فيا للناس مرة يصححون رواية الحسن عن ابن عباس إذا ظنوا أنهم يموهون به في إثبات باطل دعواهم ومرة يبطلونهم ويكذبونها إذا خالفت رأي مالك فيزورون شاهدهم ويكذبون أنفسهم ألا ذلك هو الضلال المبين
قال أبو محمد وهذا خبر رواه ابن سيرين وأبو رجاء عن ابن عباس وهما حاضران

لولايته فلم يذكروا فيه ما ذكر ابن عباس من القول يا أهل المدينة قوموا علموا إخوانكم فصح أنها زيادة من لا خير فيه
قال أبو محمد فبطل كل ما موهوا به ونحن ولله الحمد على ثقة من أن الله لو أراد أن يجعل إجماع أهل المدينة حجة لما أغفل أن يعين ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم فإذا لم يفعل فنحن نثبت بأنه لم يجعل قط إجماعهم حجة على أحد من خلقه هذا لو صح وجود إجماع لهم في شيء من الأحكام فكيف ولا سبيل إلى وجود ذلك أبدا إلا حيث يجمع سائر أهل الإسلام عليه أو حيث نقل إجماعهم كلهم ورضاهم بذلك الحكم وتسليمهم لهم
وإلا فدعوى إجماعهم كذب بحت على جميعهم ونعوذ بالله العظيم من مثل هذا
قال أبو محمد وهذا مالك يقول في موطئه الذي رويناه عنه من طرق في كتاب البيوع منه في أوله في باب ترجمته العيب في الرقيق قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن باع عبدا أو وليدة أو حيوانا بالبراءة فقد برىء من كل عيب إلا أن يكون علم في ذلك عيبا فكتمه فإن كان علم في ذلك عيبا فكتمه لم تنفعه تبرئته وكان ما باع مردودا عليه
قال أبو محمد والذي عليه العمل عند أصحابه ومقلديه من قوله هو أن حكم الحيوان مخالف لحكم الرقيق وأن بيع البراءة لا يجوز البتة في الحيوان لكنه كالعروض لا يبرأ من عيب فيه علمه أو لم يعلمه
قال أبو محمد فإذا كان عند هؤلاء المجرمين إجماع أهل المدينة إجماعا لا يحل خلافه وهذا مالك ههنا قد خالف ما ذكر أنه الأمر المجتمع عليه عندهم فلا بد ضرورة من أحد حكمين لا ثالث لهما أما إبطال تهويلهم بإجماع أهل المدينة وبخلافه وجواز مخالفته وإما أن يلحقوا بمالك الذي قلدوه دينهم ما يلحق مخالف الإجماع الذي يقر أنه إجماع وهذا صعب ممن خالف ما يقر أنه إجماع وفي هذا كفاية لمن له أدنى عقل ومن أراد الله تعالى توفيقه
قال أبو محمد والقوم كما ترى يموهون بإجماع أهل المدينة فإن حقق عليهم لم يحصلوا من جميع أهل المدينة ومن إجماعهم إلا على ما انفرد به سحنون القيرواني وعيسى بن دينار الأندلسي عن ابن القاسم المصري عن مالك وحده من رأيه

وظنه وكثير من ذلك رأي ابن القاسم واستحسانه وقياسه على أقوال مالك
فاعجبوا لهذه الأمور القبيحة كيف يستحسنها ذو ورع أو من يدري أن الله سيسأله عن قوله وفعله ونعوذ بالله العظيم من الخذلان
فإن موهوا بما روي من عمل قضاة المدينة الذين أدرك مالك فليعلم كل ذي فهم أن النازلة كانت تقع في المدينة وغيرها فلا يقضي فيها الأمير ولا القاضي حتى يخاطب الخليفة بالشام ثم لا ينفذ إلا من خاطبه به فإنما هي أوامر عبد الله والوليد وسليمان ويزيد وهشام والوليد بحسبكم والقليل من ذلك من عهد عمر بن عبد العزيز أقصر مدته
هذا أمر مشهور في كتب الأحاديث
فصل فيمن قال إن الإجماع هو إجماع أهل الكوفة قال أبو محمد إنما نتكلم بما يمكن أن يموه قائله بشغب يخفى على الجهال أو فيما يمكن أن يخفى وجه الحق فيه على بعض أهل العلم لخفاء الدلائل أو لتعارضها وإما ما لا شبه فيه غير الأحموقة والعصبية فلا ولا فرق بين إجماع أهل الكوفة وإجماع أهل البصرة وإجماع أهل الفسطاط هذا إن أرادوا إجماع من كان بها من الصحابة أو من بعدهم من التابعين أو على أن يسمح لهم في العصر الثالث وأما إن نزلنا عن ذلك فلا فرق بين أهل الكوفة وأهل أوقانية وأهل أوطانية وفساونسا
ولو أن امرأ نصح نفسه فأقصر عن التلبيس في الدين وإضلال المساكين المغترين وشغل نفسه بالقرآن كلام الله تعالى وبيان رسوله صلى الله عليه و سلم افترض الله تعالى علينا طاعته وترك التعصب لقول فلان وفلان كان أسلم لمعاده وأبعد له من الفضيحة في العاجلة وما توفيقنا إلا بالله تعالى
فصل في إبطال قول من قال إن قول الواحد من الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع وإن ظهر خلافه في العصر الثاني قال أبو محمد قال بهذا طوائف من المالكيين والحنفيين ثم أقحم هذا الشغب معهم الشافعيون ثم اختلفوا فقالت طائفة سواء انتشر أو لم ينتشر فهو إجماع

وقالت طائفة إنما يكون إجماعا إذا اشتهر وانتشر وأما إذا لم يشتهر ولا انتشر فلا يكون إجماعا
وقالت طائفة إنما يكون إجماعا إذا كان من قول أحد الأئمة الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فقط وانتشر مع ذلك وإلا فليس إجماعا وإن كان من قول غيرهم فلا يكون حجة وإن انتشر
وقالت طائفة ليس شيء من ذلك إجماعا ولكنه حجة
قال أبو محمد فإنما قال من قال منهم هذه الأقوال عند ظفره بشيء منها مع انقطاع الحبل بيده وعدمه شيئا ينصر به خطأه وتقليده ثم هم أترك الناس لذلك إذا خالف تقليدهم لا مؤنة عليهم في إبطال ما صححوا وتصحيح ما أبطلوا في الوقت إنما حسب أحدهم نصر المسأل بينه وبين خصمه في حينه ذلك فإذا انتقلا إلى أخرى فأخف شيء على كل واحد منهم تصحيح ما أبطل في المسألة التي انقضى الكلام وإبطال ما صحح فيها
فقد ذكر الأجهري محمد بن صالح المالكي عن ابن بكير وكل واحد منهم من جملة مذهب مالك ومقلديه أنه كانت أصوله مبنية على فروعه إذا خرج قوله في مسألة على العموم قال من قولي العموم وإذا خرج قوله في أخرى على الخصوص قال من قولي الخصوص
ولقد رأيت لعبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي في كتابه المعروف بشرح الرسالة في باب من يعتق على المرء إذا ملكه فذكر قول داود لا يعتق أحد على أحد وذكر قول أبي حنيفة يعتق كل ذي رحم محرم
فقال من حجتنا على داود قول رسول الله صلى الله عليه و سلم من ملك ذا رحم محرم فهو حر وهذا نص جلي
ثم صار إلى قول أبي حنيفة بعد ستة أسطار فقال فإن احتج بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من ملك ذا رحم محرم فهو حر قلنا هذا خبر لا يصح
ولا أحصي كم وجدت للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيح رواية ابن لهيعة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا كان فيها ما يوافق تقليدهم في مسألتهم تلك ثم ربما أتى بعدها بصفحة أو ورقة أو أوراق احتجاج خصمهم عليهم برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أو برواية ابن لهيعة فيقولون هذه صحيفة وابن لهيعة ضعيف

قال أبو محمد وهذا فعل من لا يتقي الله عز و جل ومن عمله يوجب سوء الظن بباطن معتقده ونعوذ بالله من الخذلان قال الله تعالى { إنما لنسيء زيادة في لكفر يضل به لذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم لله فيحلوا ما حرم لله زين لهم سوء أعمالهم ولله لا يهدي لقوم لكافرين } وقال تعالى { يأيها لذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند لله أن تقولوا ما لا تفعلون } وقال تعالى { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بلإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض لكتاب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في لحياة لدنيا ويوم لقيامة يردون إلى أشد لعذاب وما لله بغافل عما تعملون } فأنكر الله تعالى على من صحح شيئا مرة ثم أبطله أخرى مع أن أقوالهم التي ذكرنا في هذا الباب دعاوى فاسدة بلا برهان ولا استدلال أصلا إلا ما تقدم إفسادنا له من قولهم إنهم لا يقرون على باطل
فقلنا لهم ومن لكم بأنهم لم ينكروا ذلك وسائر ما ذكرنا هنالك
وقد كتبنا في مناقضتهم في هذا الباب وغيره كتابا ضخما تقصينا فيه عظيم تناقضهم وفاحش تضاد حجاجهم وأقوالهم ونذكر هنا إن شاء الله تعالى يسيرا دالا على الكثير إذ لو جمع تناقضهم لأتى منه ديوان أكبر من ديواننا هذا كله نعم وقد تعدوا عقدهم الفاسد في هذا الباب إلى أن قلدوا قول صاحب قد خالفه غيره من الصحابة في قولهم ذلك أو قد صح رجوع ذلك الصاحب عن ذلك القول فاحتجوا به وادعوا إجماعا
فمن ذلك احتجاج المالكيين في التحريم على الناكح جاهلا في العدة يدخل بها أن يتزوجها أبدا احتجاجا بما روي عن عمر في ذلك وقد صح عن علي خلافه وصح رجوع عمر عن القول وكتعلقهم بما روي عن عمر في امرأة المفقودة
وقد خالفه عثمان وعلي في ذلك
وكتعليق الحنفيين بما روي عن ابن مسعود في جعل الآبق وخالفوه في تلك القضية نفسها في تحديد المسافة وكتوريثهم المطلقة ثلاثا في المرض تعلقا بعمر وعثمان وقد خالفهما ابن عباس وابن الزبير وقد اختلف عمر وعثمان في ذلك أيضا
وكخلاف المالكيين والشافعيين عمر بن الخطاب وتقليد الحنفيين له فيما صح عنه

من طريق الشعبي عن شريح أنه كتب إليه أن يحكم في غير الدابة بربع ثمنها وكتقليد المالكيين والحنفيين له في جلده في الخمر أربعين وخالفه الشافعيون في ذلك وقد صح عن عمر وعثمان وعلي وأبي بكر جلد أربعين في الخمر
وكتقليد المالكيين والحنفيين لعائشة أم المؤمنين في ما لم يصح عنها في إنكارها بيع شيء إلى أجل ثم يبتاعه البائع له بأقل من ذلك الثمن وخالفها الشافعي في ذلك وخالفها فيه أيضا زيد بن أرقم
وكتقليدهم عمر في أجل العنين وقد خالفه في ذلك علي ومعاوية والمغيرة بن شعبة وكتقليد الحنفيين والمالكيين عمر في تقويم الدية بالذهب والفضة وخالفه الشافعي وخالفه الحنفيون والمالكيون أيضا في تقويم الدية بالبقر والغنم والحلل وكتقليد المالكيين والحنفيين ما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان في حيازة الهبات وقد خالفهم ابن مسعود وروي الخلاف في ذلك عن أبي بكر
وكتقليد المالكيين والشافعيين لعمر في رد المنكوحة بالعيوب
وخالفوه في الرجوع بالصداق وخالفه في ذلك علي وغيره وكخلاف المالكيين والشافعيين عمر وابن مسعود في قولهما من ملك ذار رحم محرم فهو حر ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة في ذلك
وكخلاف المالكيين والزبير وقدامة بن مظعون وأبا الدرداء وابن مسعود في إباحة نكاح المريض
ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف
وكمخالفة الحنفيين والمالكيين أبا بكر وعمر وخالد بن الوليد وابن الزبير وعثمان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم في القود من اللطمة وكسر الفخذ لا يعرف لهم من الصحابة مخالف كخلافهم في إضعاف القيمة في ناقة المزني ولا يعرف من الصحابة مخالف في ذلك
وكخلافهم عمر في قضائه في الترقوة بحمل وفي ضلع بحمل ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة
ومثل هذا لهم كثير جدا يجاوز المئين من القضايا قد جمعناها والحمد لله في كتابنا الموسوم بكتاب الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس
قال أبو محمد وأما قول من قال منهم إذا كان ذلك من فعل الإمام فهم أترك الناس لذلك مع تعري قولهم من الدلالة ومما حضر ذكره من ذلك احتجاجهم في جلد الشاهد بالزنى والشاهدين والثلاثة إذ لم يتموا أربعة حد القاذف

احتجاجا بجلد عمر أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد بحضرة الصحابة في ذلك المقام نفسه
إذ قال أبو بكرة لما تم جلده وقام أشهد أن المغيرة زنى فأراد عمر جلده فقال له علي إن جلدته فارجم المغيرة فتركه وكلهم يرى جلده ثانية إذا قالها بعد تمام جلده أفلا حياء إذ لا تقوى وهل سمع بأفحش من هذا العمل وأفصح منه ومثل هذا لهم كثيرا جدا
وأما دعواهم وقولهم في الاشتهار والانتشار فطريف جدا وإنما هم قوم أتى أسلافهم كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وعيسى بن أبان ونظرائهم وكمالك وابن وهب وسحنون وإسماعيل ونظرائهم وكالشافعي والمزني والربيع وابن شريح ونظرائهم فاحتجوا لما قاله الأول منهم بمرسل أو رواية عن صاحب نجدها في الأكثر لا تصح أو تصح ونجد فيها خلافا من صاحب آخر أو لا نجد فأشاعوها في أتباعهم فتلقاها الأتباع عنهم وتدارسوها وتهادوها بينهم وأذاعوا عند القلة الآخذة عنهم فتداولوها على ألسنتهم ومجامعهم وفي تواليفهم
وفي مناظرتهم بينهم أو مع خصومهم فوسموها بالانتشار والاشتهار والتواتر ونقل الكواف وهي في أصلها هباء منبث وباطل مولد أو خامل في مبدئه وإن كان صحيحا لم يعرف منتشرا قط
فهذه صفة ما تدعون فيه الانتشار والتواتر كالخبر المضاف إلى معاذ رضي الله عنه في اجتهاد الرأي فما عرفه قط أحد في عصر الصحابة ولا جاء قط عن أحد منهم أنه ذكره لا من طريق صحيحة ولا من طريق واهية ولا متصلة ولا منقطعة ولا جاء قط عن أحد التابعين أنه عرفه ولا ذكره في رواية صحيحة ولا سقيمة لا موصولة ولا مقطوعة حتى ذكره أبو عون محمد بن عبيد الله وحده
وإنما أخذه عن مجهول لا يعرفه أحد عن مثله فيما ادعى وزعم ذلك المجهول أيضا فأخذه عن أبي عون فيما بلغنا رجلان فقط شعبة وأبو إسحاق الشيباني ثم اختلفوا أيضا في كافة لفظه ومعناه على أبي عون فلما ظفر القائلون بالرأي عند شعبة وثبوا عليه وطاروا به شرقا وغربا وكادوا يضربون الطبول حتى عرفه من لا يعرف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كلمة وادعوا فيه التواتر

ومعاذ الله من هذا فما أصله إلا مظلم ولا مخرجه إلا واه ولا منبعثه إلا من باطل وتوليد موضوع مفتعل ممن لا يعرف عمن لم يسم ممن لم يعرف قط في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين ولا ذكره أحد منهم غير أبي عون بن عبيد الله الثقفي وحده كما ذكرنا فهذه صفة جمهور ما يدعون فيه التواتر والانتشار بل صفة جميعه وأتوا إلى المشهور المنتشر الفاشي فخالفوه بلا كلفة ولا مؤنة كصلاة النبي صلى الله عليه و سلم قاعدا بالأصحاب وككونه صلى الله عليه و سلم إمامنا في صلاة ابتدأها أبو بكر وكالمساقاة إلى غير أجل وغير ذلك من حكم عمر في إضعاف القيمة في ناقة المزني على رقيق حاطب وإضعاف عثمان الدية على القاتل في الحرم وغير ذلك كثير جدا
قال أبو محمد وفي كلامنا في الفصل الذي ذكرنا آنفا في كلامنا في الإجماع الذي أبطلنا فيه قول من قال إن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع إبطال لقولهم في هذا الباب لأنه إذا بطل القول بدعوى الإجماع فيما لا يعرف فيه خلاف والقول بدعوى الإجماع فيما يوجد فيه الخلاف العظيم أظهر بطلانا وأفحش سقوطا
قال أبو محمد وليست منهم طائفة إلا وهي تضحك غيرها منهم بهذا الحجر يعني مخالفة الصاحب الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم فإن كان هذا إجماعا ومخالف الإجماع عندهم كافر فكلهم كافر على هذا الأصل الفاسد
إذ ليس منهم طائفة إلا وقد خالفت صاحبا فيما لا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف في أزيد من مائة قضية وتمادوا عليها مع احتجاج بعضهم على بعض بذلك وتنكيثهم لهم أبدا ويلزمهم تكفير فضلاء التابعين بمثل هذا نفسه ولا بد لهم ضرورة من هذا أو من ترك دعواهم في هذا الفصل الإجماع وهذا أولى بهم لأنه ترفيه عن أنفسهم وترك لدعوى الكذب وقصة واحدة تكفي في خلاف الإجماع إذا قامت به الحجة على مخالفه فكيف وقد جمعنا لهم من ذلك مئين من المسائل على كل طائفة من الحنفيين والمالكيين والشافعيين وبالله التوفيق
وأما قول من قال منهم إن قول الصاحب الذي لا يعرف له من الصحابة مخالف حجة وليس إجماعا فهو أيضا عائد عليهم فيما خالفوا فيه الذي لا يعرف له منهم مخالف وسيأتي الرد على هذا القول في باب الكلام في إبطال التقليد إن شاء الله عز و جل وبه نستعين لا إله إلا هو ويكفي من إبطال ذلك أنه لم يأت قرآن ولا سنة

بإيجاب تقليد الصاحب الذي لا يعرف له منهم مخالف لا سيما فيما خالف تلك الرواية عن ذلك الصاحب نص القرآن أو السنة الثابتة وفي هذا خالفناهم لا في رواية عن صاحب موافقة للقرآن أو السنة وإذا لم يأت بذلك قرآن ولا سنة فهو قول فاسد ودعوى باطلة وإنما جاء النص باتباع القرآن وبيان النبي صلى الله عليه و سلم فقط وبأن الدين قد كمل والحمد لله رب العالمين
فصل في من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأما من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل العنبري ومحمد بن الحسن مولى بني شيبان والحسن بن زياد اللؤلؤي
وقول بكر بن العلاء ليس لأحد أن يختار بعد التابعين من التاريخ
وقول القائل ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح الكلابي وعبد الله بن المبارك مولى بني حنظلة فأقوال في غاية الفساد وكيد الدين لا خفاء به وضلال مغلق وكذب على الله تعالى إذا نسبوا ذلك إليه أو دين جديد أتونا به من عند أنفسهم ليس من دين محمد صلى الله عليه و سلم في شيء وهي كما نرى متدافعة متفاسدة ودعاوى متفاضحة متكاذبة ليس بعضها بأولى من بعض ولا بعضها بأدخل في الضلالة والحمق من بعض
ويقال لبكر من بينهم فإذا لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء الأمصار أو من جاء بعد متعقبا عليه وعلى غيره ممن هو أعلم منه بالسنن وأصح نظرا أو مثله كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما
ويقال له أيضا إن قولك هذا السخيف الدال على ضلالة قائله وجهالته وابتداعه ما لم يقله مسلم قبله يوجب أن أشهب وابن الماجشون ومطرف بن عبد الله وأصبغ بن الفرج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعدل وهم أئمتك بإقرارك كان لهم أن يختاروا إلى أن انسلخ ذو الحجة من سنة مائتين فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين

وغابت الشمس من تلك حرم عليهم في الوقت بلا مهلة ما كان مطلقا لهم قبل ذلك من الاختيار فهل سمع بأسخف من هذا الاختلاط وليت شعري ما الفرق بين سنة مائتين وبين سنة ثلاثمائة أو أربعمائة أو غيرها من سني التاريخ
ويقال للحنفيين أليس من عجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والقول في دين الله تعالى بالظن الكاذب والرأي الفاسد والشرع لما لم يأذن به الله تعالى لأبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن واللؤلؤي على جهلهم بالسنن والآثار وفساد رأيهم وقياساتهم التي لم يوفقوا منها إلا لكل بارد متخاذل والتي هي في المضاحك أدخل منها في الجد ويجعلون تلك الأقوال الفاسدة خلافا على القرآن وسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم لا يجيزون الأخذ بالسنن الثابتة للشافعي ولا لأحمد بن حنبل ولا لإسحاق بن راهويه وداود بن علي وأبي ثور ومحمد بن نصر ونظرائهم على سعة علم هؤلاء بالسنن ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم وعلى تبحرهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين وثقة نظرهم
ولطف استخراجهم للدلائل
وأن من قال منهم بالقياس فقياسه من أعذب القياس وأبعده من ظهور الفساد فيه وأجرأه على علته مع شدة ورع هؤلاء وما منحهم الله تعالى من محبة المؤمنين لهم وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم وحلول أبي حنيفة وأصحابه في صدر هذه المنازل
فإن موهوا بتقدم عصر أبي حنيفة وموه المالكيون بتقديم عصر مالك وتأخر عصر من ذكرنا قلنا هذا عجب آخر وقد علمنا وعلمتم أنه لم يكن بين آخر وقت فتيا أبي حنيفة وأول أوقات الشافعي إلا نحو ثلاثين عاما ولم يكن بين آخر فتيا مالك وبين أول فتيا الشافعي إلا عام أو نحوه ولعله قد أفتى في حياة مالك
وقد أفتى الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن واللؤلؤي أحياء وكذلك أفتى المغيرة وابن كنانة وابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن الماجشون أحياء ومات الشافعي وأشهب في شهر واحد ومات الحسن بن زياد بعدهم بنحو عام ومات الماجشون ومطرف بعدهما بأعوام كثيرة
فليت شعري من المبيح لبعضهم ما حجزوه عن بعض ثم لم يكن بين آخر فتيا مالك وأول وقت فتيا أحمد وإسحاق وأبي ثور إلا عشرين عاما أفي مدة عشرين عاما

يغلق باب الاختبار تعالى الله عن قول المجانين وكل هؤلاء أفتى والحسن بن زياد حي
فما الذي أباح للحسن بن زياد ولابن القاسم من الفتيا ما لم يبح لأحمد وإسحاق وأبي ثور وبالله إن بينهم وبين ذينك من التفاوت في العلم أكثر مما بين المشرق والمغرب ثم أفتى داود بن علي ومحمد بن نصر ونظراؤهما مع أحمد وإسحاق وأبي ثور ثم هكذا ينشأ العلماء ويموت العلماء عاما عاما وما هو إلا ليلة ثم جمعة ثم شهر إلى شهر وعام إلى عام حتى يرث الله الأرض ومن عليها فمن حد حدا أو وقف الاختيار عليه ومنعه بعده فقد سخف وكذب واخترع دين ضلالة وقال بلا علم ونعوذ بالله العظيم من مثل هذا
قال الله عز و جل { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } وقال تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } وقال تعالى { تبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون } وقال تعالى { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل لذكر إن كنتم لا تعلمون } فلم يخص عز و جل عصرا من عصر ولا إنسانا من إنسان
فمن خالف هذا فهو مضل داخل في أعداد النوكى لإطلاقه لسانه بالتخليط
والحق في هذا الذي لا يحل خلافه فهو إن خالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ربه تعالى في القرآن وفي السنن المبينة للقرآن لا يحل لأحد أصلا ولا يجوز أن يعد قول قائل كائنا من كان خلافا لذلك بل يطرح على كل حال
وأما خلاف أبي حنيفة ومالك ففرض على الأمة لا نقول مباح بل فرض لا يحل تعديه لأنهما لا يخلو أن في كل فتيا لهم من أحد وجهين لا ثالث لهما أصلا إما موافقة النص من القرآن والسنة الثابتة وإما مخالفة النص كذلك فإن كانت فتياهما أو فتيا أحدهما موافقة نص القرآن أو السنة فالمتبع هو القرآن والسنة لا قول أبي حنيفة ولا قول مالك لأن الله تعالى لم يأمرنا قط باتباعهما فمتبعهما مخالف لله تعالى وإن

كانت فتياهما مخالفة للنص فلا يحل لأحد اتباع ما خالف نص القرآن والسنة وهكذا نقول في كل مفت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم
أنبأنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال قال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي قال ولا على ملة عثمان أنا على ملة النبي صلى الله عليه و سلم
نا يونس بن عبد الله بن مغيث نا يحيى بن عابد نا الحسين بن أحمد بن أبي خليفة نا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي نا يوسف بن يزيد القراطيسي نا سعيد بن منصور نا هشيم عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي قال كان يكره أن يقال سنة أبي بكر وعمر ولكن سنة الله عز و جل وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم
نا حمام بن أحمد نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا عبد الله بن يونس المرادي نا بقي بن مخلد نا أبو بكر بن أبي شيبة نا محمد بن بشر نا عبد الله بن الوليد نا عبيد بن الحسين
قال قالت الخوارج لعمر بن عبد العزيز تريد أن تسير فينا بسيرة عمر بن الخطاب قال عمر بن عبد العزيز قاتلهم الله ما أردت دون رسول الله إماما
فهؤلاء الصحابة والتابعون فيمن تعلق المخالفون فإن موهوا بكثرة أتباع أبي حنيفة ومالك وبولاية أصحابهما القضاء فقد قدمنا أن الكثرة لا حجة فيها ويكفي من هذا قول الله عز و جل { وإن تطع أكثر من في لأرض يضلوك عن سبيل لله إن يتبعون إلا لظن وإن هم إلا يخرصون } وقال { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من لخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا لذين آمنوا وعملوا لصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فستغفر ربه وخر راكعا وأناب } وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء وأنذر عليه السلام بدروس العلم وظهور الجهل
فلعمري لئن كان العلم ما هم عليه من حفظ رأي أبي حنيفة ومالك والشافعي فما كان العلم قط أكثر مما هو منه الآن وهيهات إذا هبطت نجران من رمل عالج فقولا لها ليس الطريق هنالك ولكن الحق والصدق هو ما أنذر به رسول الله صلى الله عليه و سلم من دروس العلم والذي درس هو اتباع القرآن والسنن فهذا هو الذي قل بلا شك وأصحابه هم الغرباء القليلون

جعلنا الله منهم ولا عدا بنا عنهم وثبتنا في عدادهم وأحشرنا في سوادهم
آمين آمين
وأما ولايتهم القضاء فهذه أخزى وأندم وما عناية جورة الأمراء وظلمة الوزراء خلة محمودة ولا خصلة مرغوب فيها في الآخرة وأولئك القضاة وقد عرفناهم إنما ولاهم الطغاة العتاة من ملوك بني العباس وبني مروان بالعنايات والتزلف إليهم عند دروس الخير وانتشار البلاء وعودة الخلافة ملكا عضوضا وانبراء على أهل الإسلام وابتزازا للأمة أمرها بالغلبة والعسف فأولئك القضاة هم مثل من ولاهم من المبطلين سنن الإسلام المحيين لسنن الجور والمكر والقبالات وأنواع الظلم وحل عرى الإسلام وقد علمنا أحوال أولئك القضاة الذين يأخذون دينهم عنهم وكيف كانوا في مشاهدة إظهار البدع من المحنة في القرآن بالسيف والسياط والسجن والقيد والنفي ثم سائر ما كانوا يتشاهدونه معهم على ما استعانوا هم عليه من تسمية أمور ملكهم فمثل هؤلاء لا يتكثر بهم وإنما كان أصل ذلك تغلب أبي يوسف على هارون الرشيد وتغلب يحيى بن يحيى على عبد الرحمن بن الحكم فلم يقلد للقضاء شرقا وغربا إلا من أشار به هذان الرجلان واعتنيا به والناس حراص على الدنيا فتلمذ لهما الجمهور لا تدينا لكن طلبا للدنيا وولاية القضاء والفتيا والتديك على الجيران في المدن والأرياض والقرى واكتساب المال بالتسمي بالفقه
هذا أمر لا يقدر أحد على إنكاره فاضطرت العامة إليهم في أحكامهم وفتياهم وعقودهم ففشا المذهبان فشوا طبق الدنيا
قال الله عز و جل { زين للناس حب لشهوات من لنساء ولبنين ولقناطير لمقنطرة من لذهب ولفضة ولخيل لمسومة ولأنعام ولحرث ذلك متاع لحياة لدنيا ولله عنده حسن لمآب } وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وصار من خالفهم مقصودا بالأذى مطلوبا في دمه أو مهجورا مرفوضا إن عجزوا عن أذاه لمنزلة له عند السلطان أو لكفه للسانه وسده لبابه إذ وسعته التقية والصبر صبر
وكذلك إفريقية كان الغالب فيها السنن والقرآن إلى أن غلب أسد بن الفرات بن أبي حنيفة ثم ثار عليهم سحنون بن أبي مالك فصار القضاء فيهم دولا يتصاولون على

الدنيا تصاول الفحول على الشول إلى أن تولى القضاء بها بنو هاشم الخيار وكان مالكيا فتوارثوا القضاء كما تورث الضياع فرجعوا كلهم إلى رأي مالك طمعا في الرياسة عند العامة فقط
هذا أمر لا يقدر أحد على إنكاره قرب إلينا داء الأمم قبلنا
كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إننا سنركب سنن من قبلنا
فقيل اليهود والنصارى يا رسول الله قال فمن إذا وهذا مما أنذر به رسول الله فهو من معجزات نبوته وبراهينه عليه السلام وهكذا قلدت هاتان الطائفتان أحبارهم وأساقفتهم فحملوهم على آرائهم
قال أبو محمد وتكلموا أيضا في معنى نسبوه إلى الإجماع وهو أن يختلف المسلمون في مسألتين على أقوال فيقوم برهان من النص على صحة أحد تلك الأقوال في المسألة الواحدة
فقال أبو سليمان إنه برهان على صحة قولهم في المسألة الأخرى وخالفه في ذلك ابنه أبو بكر وأبو الحسن بن المغلس وجمهور أصحابنا وقول أبي سليمان في هذه المسألة خطأ لا خفاء به لأنه قول بلا برهان ثم يجب لو صح هذا أن يكون صواب من أصحاب في مسألة برهانا على أنه مصيب في كل مسألة قالها وهذا لا يخفى على أحد بطلانه وما ندري كيف وقع لأبي سليمان هذا الوهم الظاهر الذي لا يشكل
وتكلموا أيضا في معنى نسبة هذا الإجماع وهو أن يصح إجماع الناس على أن حكم أمر كذا كحكم أمر كذا ثم اختلفوا فمن مانع لا من موجب ومن مبيح لكليهما أو من موجب حكما في كليهما فقال برهان من النص على حكم ما جاء في إحدى المسألتين فواجب أن يكون حكم الأخرى كحكمها لصحة الإجماع على أن حكمهما سواء
قال أبو محمد لو أمكن ضبط جميع أقوال علماء جميع أهل الإسلام حتى لا يشذ منها شيء لكان هذا حكما صحيحا ولكن لا سبيل لضبط ذلك البتة وغير ما قدمنا مما لا يكون مسلما من لم يقل به وحتى لو أمكن معرفة قول العالم فقد كان يمكن رجوعه عن ذلك القول إذا ولى عنه السائل ليعرف قول غيره فوضح أنه

لا سبيل البتة ولا إمكان أصلا في حصر أقوال جميع علماء أهل الإسلام في فتيا خارجة عن الجملة التي ذكرنا
قال أبو محمد ونحن في غنى فائض ولله الحمد عن هذا التكلف
وفي مناديح رحبة في هذا التعسف بنصوص القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا سبيل إلى وجود شرع لم ينص على حكمه والحمد لله رب العالمين
والمتكلمون في هذه المسألة حكمهم فيها بالمساقاة والمزارعة على الثلث والربع فإنهم قالوا قد اختلف الناس في ذلك فمن مانع من المساقاة أو المزارعة جملة ومن مبيح لها جملة ثم صح النص بإباحتها عن النصف وقد صح الإجماع على أن حكمها أقل من النصف وأكثر من النصف كالحكم في النصف
قال أبو محمد ما نحتاج إلى هذه الشغاب الحرجة والدعاوى المعوجة بل نقول إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أباح لأصحاب الضياع في تلك المعاملة النصف والمعاملين النصف فدخلها دون النصف ضرورة بالمشاهدة فيما جعل لكل طائفة من النصف فإذا تراضى الفريقان على أن يترك أحدهما مما يجعل له أخذه جزءا مسمى ويقتصر على بعضه
فذلك له إذ كل أحد محكم في مثل ذلك مما جعل له كما لو وهب الوارث بعض ميراث لمن يشركه في الميراث أو لغيره فإن قيل فهلا أجزتم هذا بعينه في التراضي فيما يقع فيه الربا على خلاف التماثل قلنا لم يجز ذلك لأن النص الوارد في الربا مما عنى التماثل وحظره وتوعدنا عليه ولم يأت حكم نص المساقاة المزارعة والمواريث واشتراط مال المملوك المبيع والثمرة المأبورة بالمنع مما عدا ذلك بل أباح الاشتراط للنصف أو الكل ولم يمنع ما دخل في الإباحة المذكورة بالنص ما هو أقل من النصف أو الكل وبالله التوفيق
قال أبو محمد علي وكثيرا ما نحتج مع المخالفين بما أجمعوا عليه معنا ثم ننكر عليهم الانتقال عنه إلى حكم آخر كقولنا لمن حرم الماء وحكم بنجاسته في إبل حرام حله فلم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه ومثل هذا كثير جدا فعاب ذلك علينا من لم يحصل وقال قد جمعتم في هذه الطريق وجهين من عظيمين أحدهما الاحتجاج بإجماعهم معكم وأنتم تنكرون دعوى معنى الإجماع وتجعلونها كذبا على الأمر أن يقال لكم

فما الذي أنكرتم على اليهود إذ قالوا قد أجمعتم معنا على نبوة موسى عليه السلام وصحة التوراة وحكم السبت وخالفناكم في نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وصحة القرآن وشرائع دينكم
قال أبو محمد فقلنا ما تناقضنا في شيء من ذلك وأما احتجاجنا على مخالفينا موافقتهم لنا على حكم ما وإنكارنا عليه الخروج مما أجمع معنا عليه فإنما فعلنا ذلك لخروجه عما قد حكم بصحته إلى قول آخر بلا برهان من قرآن أو سنة فقط فبينا عليهم القول في الدين بلا برهان وهذا حرام ومعيب بالقرآن والسنة ولم ندع إجماعا ولم نصححه إنما ادعينا على الخصم ما ينكره من إجماعه معنا بمعنى موافقته لنا فقط فلاح الفرق بين الدعوى المكذوبة وأما الذي أنكرناه على اليهود فإنه ضد المسألة التي تكلمنا فيها آنفا وهو امتناع اليهود من الإقرار بما ظهر البرهان بصحته وأقوى من برهانهم على ما ادعوا أننا أجمعنا معهم عليه وأنكرنا على المذكورين آنفا أن قالوا قولا بلا برهان وخروجهم عما قد صح البرهان بصحته وأنكرنا على اليهود تركهم القول بما قد صح برهانه وتماديهم على ما قد صح البرهان ببطلانه وسلكنا بين الطائفتين طريق الحق وشارع النجاة والحمد لله رب العالمين وهو الثبات مع البرهان إذا ثبت والانتقال معه إذا نقل فقط وبالله تعالى التوفيق
فصل في معنى نسبوه إلى الإجماع وتكلموا أيضا في معنى نسبوه إلى الإجماع وهو أن ذكروا أن يختلف الناس على قولين فأكثر في مسألة فيشهد النص من القرآن والسنة بصحة قول من تلك الأقوال فيبطل سائرها ثم تقع فروع من تلك المسألة فقالوا يجب أن يكون المقول به هو ما قاله من شهد النص لصحه قوله في أصل تلك المسألة ونظروا ذلك بالحكم العاقلة
قال بها قوم ولم يعرفها قوم منهم عثمان البتي فصح النص بقول من صححها فلما صرنا إلى من هم العاقلة وجب أن ينظروا إلى من أجمع القائلون بالعاقلة على أنه من

العاقلة فيكون من العاقلة ومن اختلفوا فيه أهو من العاقلة أم لا ألا يكون من العاقلة قال أبو محمد وقولنا ههنا هو قولنا فيما سلف من أنه إذا أمكن أن يعرف الإجماع في ذلك لكان حجة لكن لا سبيل إلى إحصائهم ولا إلى حصر أقوالهم لما قدمنا قبل ونحن في سعة والحمد لله عن التعلق بهذه الثنايا الأشبة والتورط في هذه المضايق القشبة بما قد بينه لنا ربنا عز و جل ورسوله صلى الله عليه و سلم من النص الذي لا دين لنا فيه وما عداه فليس من دين الله تعالى ولا من عنده عز و جل وقد كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى كل بطن عقولة وألزم اليهودية من قتل بينهم لو اعترفوا أنه قتله بعضهم خطأ أو قام بذلك بينة فوجب بذلك أن العاقلة هم بطن القاتل خطأ الذي ينتمي إليه حتى بلغ إلى القبيلة التي تقف عندها وهكذا في كل شيء والحمد لله رب العالمين
فصل واختلفوا هل يدخل أهل الأهواء أم لا قال أبو محمد قد أوضحنا قبل والحمد لله رب العالمين أن الإجماع لا يكون البتة إلا عن نص منقول عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا على باطل لم يأت من عند الله تعالى من رأي ذي رأي أو قياس من قائس يحكمان بالظن فإن ذلك كذلك والسؤال باق وهل نقبل نقل أهل الأهواء وروايتهم فقولنا في هذا وبالله تعالى التوفيق إن من يشهد بقلبه ولسانه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن كل ما جاء به حق وأنه بريء من كل دين غير دين محمد صلى الله عليه و سلم فهو المؤمن المسلم ونقله واجب قبوله إذا حفظ ما ينقل ما لم يمل إيمانه إلى كفر أو فسق وأهل الأهواء وأهل كل مقالة خالفت الحق وأهل كل عمل خالف الحق مسلمون أخطؤوا ما لم تقم عليهم الحجة فلا يكدح شيء من هذا في إيمانهم ولا في عدالتهم بل هم مأجورون على ما دانوا به من ذلك وعملوا أجرا واحدا إذا قصدوا به الخير ولا إثم عليهم في الخطأ

لأن الله تعالى يقول { دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما } ونقلهم واجب قبوله كما كانوا وكذلك شهادتهم حتى إذا قامت على أحد منهم الحجة في ذلك من نص قرآن أو سنة ما لم تخص ولا نسخت فأيما تمادى على التدين بخلاف الله عز و جل أو خلاف رسوله صلى الله عليه و سلم أو نطق بذلك فهو كافر مرتد لقول الله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وإن لم يدن لذلك بقلبه ولا نطق به لسانه لكن تمادى على العمل بخلاف القرآن والسنة فهو فاسق بعمله مؤمن بحقده وقوله ولا يجوز قبول نقل كافر ولا فاسق ولا شهادتهما قال الله تعالى { يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين }
وقد فرق بعض السلف بين الداعية وغير الداعية
قال أبو محمد وهذا خطأ فاحش وقول بلا برهان ولا يخلو المخالف للحق من أن يكون معذورا بأنه لم تقم عليه الحجة أو غير معذور لأنه قامت عليه الحجة فإن كان معذورا فالداعية وغير الداعية سواء كلاهما معذور مأجور وإن كان غير معذور لأنه قد قامت عليه الحجة فالداعية وغير الداعية سواء وكلاهما إما كافر كما قدمنا وإما فاسق كما وصفنا وبالله تعالى التوفيق
ولا فرق فيما ذكرنا بين من يخالف الحق بنحلة أو بفتيا إذا لم يفرق الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه و سلم بين ذلك إنما قال { تبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون } عم عز و جل ولم يخص
قال بعضهم إن الصحابة اختلفوا في الفتيا فلم ينكر بعضهم على بعض بل أنكروا على من خالف في ذلك قلنا ليس كما قلتم إنما لم ينكروا على من لم تقم الحجة عليه في المسألة فقط

وأنكروا أشد الإنكار على من خالف بعد قيام الحجة عليه وكيف لم ينكروا وقد ضربوا على ذلك بالسيوف من خالفهم فأي إنكار أشد من هذا أو ليس عمر قد قال والله ما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يموت حتى يكون آخرنا موتا وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم فما قدح هذا في عدالته إذ قال مخطئا ثم رجع إلى الحق إذ سمع القرآن { إنك ميت وإنهم ميتون } وإن المتمادي على هذا القول بعد قيام الحجة عليه كافر من جملة غالية السبائية أو ليس ابن عباس يقول أما تخافون أن يخسف الله بكم الأرض أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وتقولون قال أبو بكر وعمر
وكان إسحاق بن راهويه يقول فيما روى عنه محمد بن نصر المروزي في الإمام أنه سمعه يقول من صح عنده حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم ثم خالفه يعني باعتقاده فهو كافر
قال أبو محمد صدق والله إسحاق رحمه الله تعالى وبهذا نقول وقد روي عن عمر أنه قتل رجلا أبى عن حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم ورضي بحكم عمر وكيف لو أدرك عمر وابن عباس رضي الله عنهما وإسحاق رحمه الله من نقول له قال الله عز و جل كذا وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا قال أبى سحنون ذلك ومن قلنا له هذا حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أنا في غنى عنه ما أحتاج إليه مع قول العلماء ومن قال لنا لو رأيت شيوخي يستدبرون القبلة في صلاتهم ما صليت إلى القبلة
والله ما في بدع أهل البدع شيء يفوق هذه
وليت شعري إن كان هؤلاء القوم مؤمنون بالله تعالى وبالبعث وبأنهم موقوفون وأن الله سيقول لهم ألم آمركم باتباع كتابي المنزل وبنبي المرسل ألم أنهكم عن اتباع آبائكم ورؤسائكم ألم آمركم برد ما تنازعتم فيه إلي وإلى رسولي وقدمت إليكم الوعيد فماذا أعدوا من الجواب لذلك الموقف الفظيع والمقام الشنيع والله لتطولن ندامتهم حين لا ينفعهم الندم وكأن به قد أزف وحل

نسأل الله أن يوزعنا شكر ما من علينا من اتباع كلامه وحكم رسوله صلى الله عليه و سلم ومن أن بغض إلينا اتباع من دونه ودون رسوله صلى الله عليه و سلم ونسأله أن يميتنا على ذلك وأن يفيء بأهل الجهالة والضلالة آمين آمين

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم
الباب الثالث والعشرون في استصحاب الحال وبطلان جميع العقود والعهود والشروط إلا ما أوجبه منها قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثابتة قال أبو محمد إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما ثم ادعى مدع أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل من أجل أنه انتقل ذلك الشيء المحكوم فيه عن بعض أحواله أو لتبدل زمانه أو لتبدل مكانه فعلى مدعي انتقال الحكم من أجل ذلك أن يأتي ببرهان من نص قرآن
أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثابتة على أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل فإن جاء به صح قوله وإن لم يأت به فهو مبطل فيما ادعى من ذلك والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه لأنه اليقين والنقلة دعوى وشرع لم يأذن الله تعالى به فهما مردودان كاذبان حتى يأتي النص بهما ويلزم من خالفنا في هذا أن يطلب كل حين تجديد الدليل على لزوم الصلاة والزكاة وعلى صحة نكاحه مع امرأته وعلى صحة ملكه لما يملك
ويقال للمخالف في هذا أخبرنا أتحكم أنت بحكم آخر من عندك أم تقف فلا تحكم بشيء أصلا لا بالحكم الذي كنت عليه ولا بغيره فإن قال بل أقف
قيل له وقوفك حكم لم يأتك به نص وإبطالك حكم النص الذي قد أقررت بصحته خطأ عظيم
وكلاهما لا يجوز
وإن قال بل أحدث حكما آخر قيل له أبطلت حكم الله تعالى وشرعت شرعا لم يأذن به الله وكلاهما من الطوام المهلكة
نعوذ بالله من كل ذلك
ويقال له في كل حكم تدين به لعله قد نسخ هذا النص أو لعل ههنا ما يخصه

لم يبلغك
ويقال له لعلك قد قتلت مسلما أو زنيت فالحد أو القود عليك
فإن قال أنا على البراءة حتى يصح علي شيء ترك قوله الفاسد ورجع إلى الحق وناقض إذ لم يكن سلك في كل شيء هذا المسلك ويلزمهم أيضا ألا يرثوا موتاهم إذ لعلهم قد ارتدوا أو لعلهم قد تصدقوا بها أو لعلهم أدانوا ديونا تستغرقها فيلزمهم إقامة البينة على براءة موتاهم في حين موتهم على كل ذلك والذي يلزمهم يضيق عنه جلد ألف بعير ويلزمهم ألا يقولوا بتمادي نبوة نبي حتى يقيم كل حين البرهان على صحة نبوته
وأما نحن فلا ننتقل عن حكم إلى حكم آخر إلا ببرهان وكذلك نقول لكل من ادعى النبوة كمسيلمة والأسود وغيرهما عهدناكم غير أنبياء فأنتم على بطلان دعواكم حتى يصح ما يثبتها
وكذلك نقول لمن ادعى أن فلانا قد حل دمه بردة أو زنى عهدناه بريئا من كل ذلك فهو على السلامة حتى يصح الدليل على ما تدعيه
وكذلك نقول لمن ادعى أن فلانا العدل قد فسق أو أن فلانا الفاسق قد تعدل أو أن فلانا الحي قد مات أو أن فلانة قد تزوجها فلان أو أن فلانا طلق امرأته أو أن فلانا قد زال ملكه عما كان يملك أو أن فلانا قد ملك ما لم يكن يملكه وهكذا كل شيء على أننا ما كنا عليه حتى يثبت خلافه
فإنما جاء قوم إلى هذه الحماقات في مواضع يسيرة أخطؤوا فيها فنصروا خطأهم بما يبطل كل عقل وكل معقول وذلك نحو قولهم إن الماء إذا حلته نجاسة فقد تنجس وإن من شك بعد يقينه بالوضوء فعليه الوضوء وأشباه هذا فقالوا إن الماء الذي حكم الله بطهارته لم يكن حلته نجاسة
فقلنا لهم وإن الرجل الذي حرم الله دمه لم يكن شاب ولا حلق رأسه ولا عليه صفرة من مرض لم يكن فيه فبدلوا حكمه لتبدل بعض أحواله
وقالوا عليه ألا يصلي إلا بيقين طهارة لم يتلها شك
قلنا فحرموا على من شك أباع أمته أم لم يبعها أن يطأها أو يملكها لشكه في انتقال ملكه
وحدوا كل من شككتم أزنى أم لم يزن
وقد ذكرنا اعتراضهم بمسألة قول اليهود قد وافقتمونا على صحة نبوة موسى صلى الله عليه و سلم وبينا أننا لم ننتقل إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم إلا ببراهين أظهر من براهين موسى لولاها لم

نتبعه ونحن لا ننكر الانتقال من حكم أوجبه القرآن أو السنة إذ جاء نص آخر ينقلنا عنه إنما أنكرنا الانتقال عنه بغير نص أوجب النقل عنه لكن لتبدل حال من أحواله أو لتبدل زمانه أو مكانه فهذا هو الباطل الذي أنكرناه
وقال المالكيون من شك أطلق امرأته أم لم يطلقها فلا شيء عليه فأصابوا ثم قالوا فإن أيقن أنه طلقها ثم شك أو واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فهي طالق ثلاثا
وقالوا من شك أطلق امرأة من نسائه أم لا فلا شيء عليه فإن أيقن أنه طلق إحداهن ثم لم يدر أيتهن هي فهن كلهن طلق ففرقوا بين ما لا فرق بينه بدعوى عارية عن البرهان
فإن قالوا إن ههنا هو على يقين من الطلاق فقلنا نعم وعلى شك من الزيادة على طلاقها واحدة والشك باطل كسائر ما قدمنا قبل وكذلك ليس من نسائه امرأة يوقن أنه طلقها فقد دخلتم فما أنكرناه على المخالفين من نقل الحكم بالظنون بل وقعوا في الباطل المتيقن وتحريم يقين الحلال من باقي نسائه اللواتي لم يطلقهن بلا شك وفي تحليل الحرام المتيقن إذ أباحوا الفروج اللواتي لم تطلق للناس ولزمهم على هذا إذا وجدوا رجالا قد اختلط بينهم قاتل لا يعرفونه بعينه أو زان محصن لا يعرفونه بعينه أن يقتلوهم كلهم نعم وأن يحملوا السيف على أهل مدينة أيقنوا أن فيها قاتل عمد لا يعرفونه بعينه وأن يقطعوا أيدي جميع أهلها إذا أيقنوا أن فيها سارقا لا يعرفونه بعينه وأن يحرموا كل طعام بلد قد أيقنوا أن فيه طعاما حراما لا يعرفونه بعينه وأن يرجموا كل محصنة ومحصن في الدنيا لأن فيهم من قد زنى بلا شك ولزمهم فيمن تصدق بشيء من ماله ثم جهل مقداره أن يتصدق بماله كله ومثل هذا كثير جدا فظهر فساد هذا القول وبطلانه بيقين لا شك فيه
فإن قيل وما الدليل على تمادي الحكم مع تبدل الأزمان والأمكنة قلنا وبالله تعالى التوفيق البرهان على ذلك صحة النقل من كل كافر ومؤمن على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتانا بهذا الدين
وذكر أنه آخر الأنبياء وخاتم الرسل وأن دينه هذا لازم لكل حي ولكل من يولد إلى القيامة في جميع الأرض فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال وأن ما ثبت فهو ثابت أبدا في كل زمان وفي كل مكان وعلى كل

حال حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى
وكذلك إن جاء نص بوجوب حكم في زمان ما أو في مكان أو في حال ما وبين لنا ذلك في النص وجب ألا يتعدى النص
فلا يلزم ذلك الحكم حينئذ في غير ذلك الزمان ولا في غير ذلك المكان ولا في غير تلك الحال قال تعالى { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } وأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم من لم يدرك صلى أن يصلي حتى يكون على يقين من التمام وعلى شك من الزيادة لأنه على يقين من أنه لم يصل ما لزمه فعليه أن يصليه وهذا هو نص قولنا
وأما إذا تبدل الاسم فقد تبدل الحكم بلا شك كالخمر يتخلل أو يخلل لأنه إنما حرمت الخمر والخل ليس خمرا وكالعذرة تصير ترابا فقد سقط حكمها وكلبن الخنزير والحمر والميتات يأكلها الدجاج ويرتضعه الجدي فقد بطل التحريم إذا انتقل اسم الميتة واللبن والخمر ومن حرم ما لا يقع عليه الاسم الذي جاء به التحريم فلا فرق بينه وبين من أحل بعض ما وقع عليه الاسم الذي جاء به التحريم وكلاهما متعد لحدود الله تعالى { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } وهذا حكم جامع لكل ما اختلف فيه فمن التزمه فقد فاز ومن خالفه فقد هلك وأهلك وبالله تعالى التوفيق
وكل احتياط أدى إلى الزيادة في الدين ما لم يأذن به الله تعالى أو إلى النقص منه أو إلى تبديل شيء منه فليس احتياطا ولا هو خيرا بل هو هلكة وضلال وشرع لم يأذن به الله تعالى والاحتياط كله لزوم القرآن والسنة
وأما العقود والعهود والشروط والوعد فإن أصل الاختلاف فيها على قولين لا يخرج الحق عن أحدهما وما عداهما فتخليط ومناقضات لا يستقر لقائلها قول على حقيقة فأحد القولين المذكورين إما أنها كلها لازم حق إلا ما أبطله منها نص

والثاني أنها كلها باطل غير لازم إلا ما أوجبه منها نص أما ما أباحه منها نص فكان من حجة من قال إنها كلها حق لازم إلا ما أبطله منها نص أن قال قال الله عز و جل { ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن لعهد كان مسؤولا } وقال عز و جل { هو لذي بعث في لأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم لكتاب ولحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو لعزيز لحكيم } وقال عز و جل { ولذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون }
وقال تعالى { إن لله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما لذين آمنوا فيعلمون أنه لحق من ربهم وأما لذين كفروا فيقولون ماذآ أراد لله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا لفاسقين لذين ينقضون عهد لله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر لله به أن يوصل ويفسدون في لأرض أولئك هم لخاسرون } وقال تعالى { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } وقال تعالى { ليس لبر أن تولوا وجوهكم قبل لمشرق ولمغرب ولكن لبر من آمن بلله وليوم لآخر ولملائكة ولكتاب ولنبيين وآتى لمال على حبه ذوي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل ولسآئلين وفي لرقاب وأقام لصلاة وآتى لزكاة ولموفون بعهدهم إذا عاهدوا ولصابرين في لبأسآء ولضراء وحين لبأس أولئك لذين صدقوآ وأولئك هم لمتقون } وقال تعالى { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين إن الذين يشترون بعهد لله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في لآخرة ولا يكلمهم لله ولا ينظر إليهم يوم لقيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } وقال تعالى { إن لذين يبايعونك إنما يبايعون لله يد لله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه لله فسيؤتيه أجرا عظيما } وقال تعالى { يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد } وقال تعالى { وإما تخافن من قوم خيانة فنبذ إليهم على سوآء إن لله لا يحب لخائنين }

وقال عز و جل { لذين يوفون بعهد لله ولا ينقضون لميثاق } وقال تعالى { ولا تشتروا بعهد لله ثمنا قليلا إنما عند لله هو خير لكم إن كنتم تعلمون } وقال تعالى { ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا لكيل ولميزان بلقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد لله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } وقال تعالى { يوفون بلنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا } وقال تعالى { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن لله يعلمه وما للظالمين من أنصار } وقال عز و جل { ومنهم من عاهد لله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من لصالحين فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا لله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } وقال تعالى { وذكر في لكتاب إسماعيل إنه كان صادق لوعد وكان رسولا نبيا }
وذكروا ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ني زهير بن حرب ثنا وكيع نا سفيان هو الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وبه إلى مسلم نا عبد الأعلى بن حماد ثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وإن صام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا

ائتمن خان وبه إلى مسلم ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبي ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة رفع لكل غادر لواء فقيل هذه غدرة فلان ابن فلان
وبه إلى مسلم ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن خليد عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة
وبه إلى مسلم ني زهير بن حرب ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا المستمر بن الريان ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمر عامة وبه إلى مسلم حدثني عبد الله بن هاشم ني عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان هو الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغفلوا ولا تغدروا وذكر باقي الحديث
وبه إلى مسلم نا محمد بن المثنى نا يحيى بن سعيد القطان عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم نا ابن الأعرابي نا أبو داود نا أحمد بن صالح نا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع أخبره قال بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ألقي في قلبي الإسلام فقلت يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع قال فذهبت ثم أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فأسلمت
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني نا إبراهيم بن أحمد البلخي نا الفربري ثنا البخاري نا إسحاق نا يعقوب نا ابن أخي ابن شهاب عن عمه أخبرني عروة بن

الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة فذكرا جميعا خبر النبي صلى الله عليه و سلم وفيه إنه لما كاتب رسول الله صلى الله عليه و سلم سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة كان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنه لا يأتيك منا أحد إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا على ذلك فرد رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا جندل بن أبي سهل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأت رسول الله صلى الله عليه و سلم أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق نا ابن الأعرابي نا أبو داود حدثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثهم عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة قال خرج النبي صلى الله عليه و سلم زمن الحديبية ( فذكر الحديث ) وفيه ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير برجل من قريش يعني أرسلوا في طلبه فدفعه إلى رجلين فخرجا به فلما بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل قد جربت به فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمسكه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال النبي صلى الله عليه و سلم لقد رأى هذا ذعرا فقال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم قد نجاني الله منهم فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وتفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن الفتح نا عبد الوهاب نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو أسامة عن الوليد بن جميع نا أبو الطفيل نا حذيفة بن اليمان قال ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرناه الخبر فقال انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم

حدثني محمد بن سعيد نا نبات ثنا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد ابن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي والحكم بن عتيبة أن حذيفة بن الحسيل بن اليمان وأباه أسرهما المشركون فأخذوا عليهما ألا يشهدا بدرا فسألا النبي صلى الله عليه و سلم فرخص لهما ألا يشهدا
حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك الخولاني نا محمد بن بكر نا سليمان بن الأشعث نا قبيصة نا الليث عن محمد بن عجلان أن رجلا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيع العدوي حدثه عن عبد الله بن عامر أنه قال دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه و سلم قاعد في بيتها فقالت ها تعال أعطك فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أردت أن تعطيه قالت أعطيه تمرا فقال لها رسول الله أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني نا إبراهيم بن أحمد البلخي نا الفربري نا البخاري نا بشربن مرحوم نا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال قال الله عز و جل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا مسدد نا يحيى بن سعيد هو القطان نا شعبة حدثني أبو حمزة نا زهد بن مضرب قال سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي صلى الله عليه و سلم قال خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون ويخونون ولا يؤتمنون وذكر باقي الخبر
وبه إلى البخاري نا محمد بن مقاتل أنا عبد الله بن المبارك أنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال أوف بنذرك
حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق نا ابن الأعرابي نا أبو داود السجستاني نا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب حدثني سليمان بن بلال ثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمون على شروطهم

حدثنا المهلب الأسدي نا ابن مناس نا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب نا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وأي المؤمن واجب
وبه إلى ابن وهب أخبرني إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول ولا تعد أخاك عدة وتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة وبه إلى ابن وهب أخبرني الليث بن سعيد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من قال لصبي تعال هاه لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة
قالوا فهذه نصوص توجب ما ذكرنا إلا أن يأتي نص بتخصيص شيء من عمومها فيخرج ويبقى ما عداه على الجواز
قال أبو محمد ووجدنا من قال ببطلان كل عقد وكل شرط وكل عهد وكل وعد إلا ما جاء نص بإجازته باسمه
ويقولون قال الله عز و جل { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } وقال تعالى { لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون } وقال تعالى { ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين }
حدثنا عبد الرحمن بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني ثنا أبو أسامة أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه قال أخبرتني عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطب عشية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني ثنا أبو إسحاق البلخي حدثنا الفربري نا البخاري نا علي بن عبد الله نا سفيان عن يحيى هو ابن سعيد الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت قام رسول الله

صلى الله عليه و سلم على المنبر فقال ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شروطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط
قالوا فهذه الآيات وهذا الخبر براهين قاطعة في إبطال كل عهد وكل عقد وكل وعد وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به أو النص على إباحة عقده لأن العقود والعهود والأوعاد شروط واسم الشرط يقع على جميع ذلك
قال أبو محمد وأيضا فيقال لمن أوجب الوفاء بعقد أو عهد أو شرط أو وعد ليس في نص القرآن أو السنة الثابتة إيجاب عقد وإنفاذه إننا بالضرورة ندري أنه لا يخلو كل عقد وعهد وشرط ووعد التزمه أحد لأحد وجهين لا ثالث لهما إما أن يكون في نص القرآن أو السنة إيجابه وإنفاذه فإن كان كذلك فنحن لا نخالفكم في إنفاذ ذلك وإيجابه وإنما أن يكون ليس في نص القرآن ولا في السنة إيجابه ولا إنفاذه ففي هذا اختلفنا
فنقول لكم الآن فإن كان هكذا فإنه ضرورة لا ينفك من أحد أربعة أوجه لا خامس لها أصلا إما أن يكون فيه إباحة ما حرم الله تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذا عظيم لا يحل قال تعالى { قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون } ونسألهم حينئذ عمن التزم في عهده وشرطه وعقده ووعده إحلال الخنزير والأمهات وقتل النفس فإن أباح ذلك كفر وإن فرق بين شيء من ذلك تناقض وسخف وتحكم في الدين بالباطل
وإما أن يكون التزم فيه تحريم ما أباحه الله تعالى في القرآن أو على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم فهذا عظيم لا يحل قال تعالى { يأيها لنبي لم تحرم مآ أحل لله لك تبتغي مرضاة أزواجك ولله غفور رحيم } ونسألهم حينئذ عمن حرم الماء والخبز والزواج وسائر المباحات وقد صح أن محرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق
وإما أن يكون التزم ما أوجبه الله تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذا عظيم لا يحل ونسألهم حينئذ عمن التزم في عهده وعقده وشرطه إسقاط الصلوات

وإسقاط صوم شهر رمضان وسائر ذلك فمن أجاز ذلك فقد كفر وإما أن يكون أوجب على نفسه ما لم يوجبه الله تعالى عليه فهذا عظيم لا يحل ونسألهم عمن التزم صلاة سادسة أو حج إلى غير مكة أو في غير أشهر الحج وكل هذه الوجوه تعد لحدود الله وخروج عن الدين والمفرق بين شيء من ذلك قائل في الدين بالباطل نعوذ بالله من ذلك
فإن قد صح ما ذكرنا فلم يبق إلا الكلام على الآيات التي احتج بها أهل المقالة الأولى وعلى الأحاديث التي شغبوا بإيرادها وبيان حكمها حتى يتألف بعون الله تعالى ومنه مع هذه فإن الدين كله واحد لا تخالف فيه قال الله عز و جل { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا }
فنقول وبالله تعالى نتأيد إن كل ما ذكروا من ذلك فلا حجة لهم في شيء منه أما قول الله عز و جل { ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن لعهد كان مسؤولا } و { كبر مقتا عند لله أن تقولوا ما لا تفعلون } { ولذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } { ليس لبر أن تولوا وجوهكم قبل لمشرق ولمغرب ولكن لبر من آمن بلله وليوم لآخر ولملائكة ولكتاب ولنبيين وآتى لمال على حبه ذوي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل ولسآئلين وفي لرقاب وأقام لصلاة وآتى لزكاة ولموفون بعهدهم إذا عاهدوا ولصابرين في لبأسآء ولضراء وحين لبأس أولئك لذين صدقوآ وأولئك هم لمتقون } و { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } و { إن لذين يبايعونك إنما يبايعون لله يد لله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه لله فسيؤتيه أجرا عظيما } و { وذكروا نعمة لله عليكم وميثاقه لذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا وتقوا لله إن لله عليم بذات لصدور } و { يوفون بلنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا } و { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن لله يعلمه وما للظالمين من أنصار } و { وذكر في لكتاب إسماعيل إنه كان صادق لوعد وكان رسولا نبيا }
والحديثان اللذان فيهم أوف بنذرك وذم الذين ينذرون ولا يوفون والخبر فيم أعطى بي ثم غدر

فإنها جمل قد جاء نص آخر يبين أنها كلها ليست على عمومها ولكنها في بعض العهود وبعض العقود وبعض النذور وبعض الشروط وهي قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا نذر في معصية الله تعالى ولا فيما يملك العبد وقوله صلى الله عليه و سلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه مع ما ذكرنا من قوله صلى الله عليه و سلم كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل
فصح بهذه النصوص أن تلك الآيات والخبرين إنما هي فيمن شرط أو نذر أو عقد أو عاهد على ما جاء القرآن أو السنة بإلزامه فقط
وقد وافقنا المخالفون ههنا على أن من نذر أو عقد أو عاهد أو شرط أن يزني أو يكفر أو يقتل مسلما ظلما أو أن يأخذ مالا بغير حق أو أن يترك الصلاة فإنه لا يحل له الوفاء بشيء من ذلك لأنه معصية ولا فرق بين هذا وبين شرط وعاهد وعقد أن يضيع حدا أو أن يبطل حقا أو أن يمنع مباحا والمفرق بين ذلك مبطل متناقض متحكم في الدين بالباطل فارتفع الإشكال في هذا الباب جملة والحمد لله رب العالمين
وكذلك قول الله عز و جل { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم لكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على لله لكذب إن لذين يفترون على لله لكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم } فهذا غاية البيان في صحة قولنا والحمد لله رب العالمين
وباليقين ندري أن من حرم على نفسه أن يتزوج على امرأته أو أن يتسرى عليها أو ألا يرحلها أو ألا يغيب عنها فقد حرم ما أحل الله تعالى له وما أمره تعالى به إذ يقول { وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } وقال تعالى { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } وقال عز و جل { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } وقال تعالى { عندها جنة لمأوى } وقال تعالى { هو لذي يسيركم في لبر ولبحر حتى إذا كنتم في لفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم لموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا لله مخلصين له لدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من لشاكرين } وكذلك من عاهد على تأمين من لا يحل تأمينه
وعلى إبقاء مال في

ملك من لا يحل له تملكه وعلى اسقاط حد الله تعالى أو قود فإنه قد عقد على معصية وسمى الحلال حراما والقرآن قد جاء بتكذيب من فعل ذلك وبنهيه عن ذلك وهكذا ما لم يذكر ما ليس في القرآن أو السنة إمضاؤه
ومن عجائب الدنيا احتجاج من احتج بالخبر الذي فيه أوف بنذرك وهو أو مخالف لهذا الخبر لأنه ورد في معنيين
أحدهما الوفاء بما نذره المرء في جاهليته وكفره وهم لا يقولون بإنفاذ ذلك
والثاني أنه ورد في اعتكاف ليلة وهم لا يقولون بذلك
فمن أعجب شأنا ممن يحتج بخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما ليس فيه منه شيء أصلا وهو قد عصى ذلك الخبر في كل ما فيه ونعوذ بالله من هذه الأحوال فليس في عكس الحقائق أكثر من هذا وأما نحن فنلزم من نذر في كفره طاعة الله عز و جل ثم أسلم أن يفي بما نذر من ذلك اتباعا لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك وكذلك من نذر اعتكاف ليلة فإنه يلزمه الوفاء به أيضا
ومما قدمنا قبل من نذر الباطل وعقده من شرط لامرأته إن نكح عليها فالداخلة بنكاح طالق وإن تسرى عليها فالسرية حرة وإن غاب عنها مدة كذا أو أرحلها فأمرها بيدها تطلق نفسها أو تمسك فكل هذا معاص وخلاف لأمر الله تعالى وتعد لحدود الله لأن الله تعالى لم يجعل قط أمر امرأة بيدها إلا المعتقة ولها زوج فقط بل جعل أمر النساء إلى الرجال وبأيديهم فقال تعالى { لرجال قوامون على لنسآء بما فضل لله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم فلصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ لله وللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن وهجروهن في لمضاجع وضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن لله كان عليا كبيرا } وجعل الطلاق إلى الرجال لا إلى النساء فقال تعالى { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } ولم يجعل طلاقا قبل نكاح ولا عتقا قبل ملك فمسمى كل حكم مما ذكرنا حلالا مفتر على الله تعالى منهي عن كل ذلك فصح أنها عقود باطل لا يصح شيء منها
وكذلك بين الله تعالى حكم الطلاق فجعله في كل حال واقعا إذا وقع حيث أطلق الله تعالى إيقاعه وغير واقع حيث لم يطلق الله تعالى إيقاعه فمن طلق إلى أجل أو

أخرج طلاقه أو عتاقه مخرج اليمين فقد تعدى حدود الله تعالى وليس شيء من ذلك طلاقا واقعا ولا عتاقا واقعا أصلا لا حين يوقعه مخالفا لأمر الله تعالى ولا حيث لا يوقعه أصلا وهذا بيان لا يحيل على من نصح نفسه وبالله التوفيق
قال أبو محمد ثم نظرنا فيما احتجوا به من قوله عز و جل { لذين ينقضون عهد لله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر لله به أن يوصل ويفسدون في لأرض أولئك هم لخاسرون } و { وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين } { ولا تشتروا بعهد لله ثمنا قليلا إنما عند لله هو خير لكم إن كنتم تعلمون } { ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا لكيل ولميزان بلقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد لله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } فوجدنا هذه الآيات في غاية البيان في صحة قولنا { لحمد لله رب لعالمين } لأن عهد الله إنما هو مضاف إلى الله تعالى ولا يضاف إلى الله عز و جل إلا ما أمر به لا ما نهى عنه
وما كان خلاف هذا فهو عهد إبليس لا عهد الله تعالى ومن أضافه إلى الله تعالى فقد كذب عليه
ثم نظرنا في احتجاجهم بقول الله تعالى { وإما تخافن من قوم خيانة فنبذ إليهم على سوآء إن لله لا يحب لخائنين } فوجدنا حجة لنا عليهم لأن الله تعالى لم يأمره عليه السلام بالتمادي على عهد من خاف منه خيانة بل ألزمه تعالى أن ينبذ إليهم عهدهم فصح أن كل عهد أمر الله عز و جل بنبذه وطرحه فهو عهد منقوض مرفوض لا يحل التمادي عليه
ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول الله عز و جل { ومنهم من عاهد لله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من لصالحين فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا لله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } فوجدناه لا حجة لهم فيه لأن هؤلاء قوم عاهدوا الله عز و جل لئن رزقهم مالا ليصدقن وليكونن من الصالحين وهذا فرض على كل أحد لأن الصدقة اسم يقع على الزكاة وعلى التطوع فواجب حمله على عمومه ما لم يمنع من شيء منه نص فدخل في ذلك مانع الزكاة وهذه كبيرة وكذلك سائر فروض المال

وخرج منه صدقة التطوع لأنه نذر فيما لا يملك بعد وكذلك كون المرء من الصالحين فرض عليه نذره أو لم ينذره وقد قال تعالى { ولا يحسبن لذين يبخلون بمآ آتاهم لله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم لقيامة ولله ميراث لسماوات ولأرض ولله بما تعملون خبير } فهذا حكم من بخل بفرائض المال من الزكاة وغيرها مما جاءت بإيجابه النصوص
حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية ثنا أيوب هو السختياني عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما النبي صلى الله عليه و سلم يخطب إذا برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه و سلم مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه
وبه إلى البخاري ثنا أبو عاصم وأبو نعيم كلاهما عن مالك عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت قال النبي صلى الله عليه و سلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه
حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا ابن أبي عمر العدني ثنا مروان بن معاوية الفزاري ثنا حميد حدثني ثابت عن أنس أن نبي الله صلى الله عليه و سلم رأى سخيا يتهادى بين ابنيه فقال ما بال هذا قالوا نذر أن يمشي قال إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني وأمره أن يركب
ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم إن إخلاف الوعد خصلة من خصال النفاق فوجدناهم لا حجة لهم فيه
أول ذلك الحنفيين والمالكيين المخالفين لنا

في كثير من هذا الباب مع عظيم تناقضهم في ذلك مجمعون على أن من قال لآخر لأهبن لك غدا دينارا أو سأهبك اليوم هذا الثوب وما أشبه هذا فإنه لا يقضي عليه بشيء من ذلك عندهم فهم أول تارك لما احتجوا به وأما نحن فإننا رأينا الله عز و جل قد أسقط الحكم عمن وعد آخر أن يعطيه شيئا سماه وأكد ذلك باليمين بالله تعالى ثم لم يفعل فلم يلزمه الله عز و جل إلا كفارة اليمين فقط لا الوفاء بما وعد ولم يجعل عليه في ذلك ملامة ثم وجدنا الله تعالى يقول { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشآء لله وذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا }
فصح بهذا أن من وعد وعدا ولم يقل إن شاء الله فهو عاص لله عز و جل مخالف لأمره وإذا كان قوله ذلك معصية لله تعالى فهو مردود غير نافذ
ثم إننا وجدناه إن وعد وقال إن شاء الله فقد استثنى مشيئة الله تعالى وبالضرورة ندري أن كل ما شاء الله تعالى كونه فهو واقع لا محالة قال الله عز و جل { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } وأن كل ما لم يكن فإن الله تعالى لم يشأ كونه فإذا لم يفت هذا الواعد بما وعد ولو يوجبه إلا أن يشاءه الله تعالى فقد أيقنا ضرورة أن الله تعالى لم يشأ كونه فلم يخالفه عقده لأنه لم يوجبه إلا بمشيئة الله تعالى لم يشأها عز و جل
فصح بهذا يقينا أن الوعد الذي يكون إخلافه خصلة من خصال النفاق إنما هو الوعد بما افترض الله تعالى الوفاء به وألزم فعله وأوجب كونه كالديون الواجبة والأمانات الواجب أداؤها والحقوق المفترضة فقط لا ما عدا ذلك فإن هذه الوجوه قد أوجب الله تعالى الوعيد على العاصي في ترك أدائها وأوقع الملامة على المانع منها وأمر بأدائها وإن كان عز و جل لم يرد كون ما لم يكن منها ولا حجة لنا على الله تعالى بل لله الحجة البالغة فلو شاء الله لهداكم أجمعين ووجدناهم أيضا قد أجمعوا على أن الوصايا أوعاد يعدها الموصي ثم يختلفوا أن له الرجوع عنها إن شاء إلا العتق فإنهم قد اختلفوا في جواز الرجوع عنه

وهذا كله رجوع منهم إلى قولنا وتناقض في قولهم وأما نحن فلم نجز الرجوع في العتق في الوصية لأنه عقد حض الله تعالى عليه وغبط به وما كان هكذا فلا يجوز الرجوع فيه لأنه عقد قد لزم إذا التزمه فلا يسقط إلا بنص ولا نص في جواز الرجوع فيه والعتق المؤجل جائز بخلاف الهبات المؤجلة وسائر العقود المؤجلة لأن التأجيل شرط فلا يجوز إلا ما في كتاب الله تعالى فلما صح أن النبي صلى الله عليه و سلم باع المدبر ولم ينكر التدبير صح أن العتق إلى أجل شرط في كتاب الله تعالى فهو نافذ لازم لا رجوع فيه بخلاف سائر العقود المؤجلة التي لا نص في إجازتها
وأما الكلام في قوله صلى الله عليه و سلم كان منافقا خالصا و كانت فيه خصلة من النفاق فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقل فيه إنه يكون كافرا والمنافق أصله من نافقاء اليربوع وهو باب يعده اليربوع في جحره مخفيا مغطى بالتراب فلما كان المسر للكفر المظهر للإيمان يبطن غير ما يظهر سمي منافقا لما ذكرناه فليس كل منافق كافرا إنما المنافق الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان وأما من أسر شيئا ما وأظهر غيره ففعله نفاق وليس كفرا وهو بذلك الفعل منافق لا كافر فلما كان من إذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان يسرون خلاف ما يظهرون ويقولون ما لا يفعلون كان فعلهم ذلك نفاقا وكانوا بذلك منافقين ومما يصح هذا أن المرتد عن الإسلام إلى الكفر حكمه القتل وهؤلاء المذكورون من المخاصم الفاجر والواعد المخلف والمعاهد الغادر والمؤتمن الخائن والكذاب في حديثه لا قتل عليهم لأنه لا نص في قتلهم ولا قال به أحد فضلا عن أن يكون فيه إجماع
فصح ما قلناه
والحمد لله رب العالمين
ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم أن لكل غادر لواء يوم القيامة فهو داخل في هذا الخبر المتقدم وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم عن الله تعالى أنه خصم من أعطى به تعالى ثم غدر وإنما ذلك كله فيمن عاهد على حق واجب عهدا أمر الله تعالى به نصا في القرآن أو على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم ثم غدر فهذا عظيم جدا وكذلك من وعد بأداء دين واجب عليه وأداء أمانة قبله ثم أخلف فهي معصية نعوذ بالله تعالى منها وليس كذلك من عاهد أو وعد على معصية أو بمعصية كمن عاهد آخر على الزنى أو على هذم الكعبة أو على قتل مسلم أو على ترك الصلاة أو على ما ذكرنا قبل من إيجاب ما لم يجب أو اسقاط ما يجب أو تحريم ما أحل الله

تعالى أو إحلال ما حرم الله تعالى أو وعد بشيء من ذلك فهذا كله هو الحرام المفسوخ المردود وبالله تعالى التوفيق
وهكذا القول فيما احتجوا به من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج فإنما هذا بلا شك في الشروط التي أمر الله تعالى أن يستحل بها الفروج من الصداق المباح ملكه الواجب إعطاؤه والنفقة والكسوة والإسكان والمعاشرة بالمعروف وتدك المضارة أو التسريح بإحسان لا بما نهى الله تعالى عن أن يستحل به الفروج من الشروط المفسدة من تحليل حرام أو تحريم حلال أو إسقاط واجب أو إيجاب ساقط
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبيد الله بن موسى عن زكريا بن أبي زائدة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يحل لامرأة أن تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها فإنما لها ما قدر لها
وبه إلى البخاري ثنا محمد بن عرعرة عن شعبة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن التلقي وأن يبتاع المهاجر للأعرابي وأن تشترط المرأة طلاق أختها وذكر باقي الحديث فصح أن اشتراط المرأة في نكاحها طلاق غيرها ممن هي في عصمة الناكح لها أو طلاق من يتزوجها بعد أن تزوجها باطل وحرام منهي عنه وشرط مفسوخ فاسد لا يحل عقده ولا إمضاؤه وصح أن كل نكاح عقد على ما لا يحل فإنه لا يحل وهو مفسوخ أبدا ولو ولدت فيه عشرات من الأولاد لأنه عقد بصحة ما لا صحة له وعلى أنه لا يصح إلا بصحة ما لا يصح فهو لا يصح وهذا في غاية البيان والحمد لله رب العالمين وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
ثم نظرنا فيما احتجوا به من حديث حذيفة فوجدناه ساقطا لا يصح سنده أما من طريق شعبة فهو مرسل ولا حجة في مرسل وأما الطريق الأخرى فمن رواية الوليد بن جميع وهو ساقط مطرح
وأيضا فإن الله تعالى يأبى إلا أن يفضح الكاذبين والكذب في هذا الخبر ظاهر متيقن لأن حذيفة مدني الدار هو وأبوه قبله

حليف لبني عبد الأشهل من الأنصار ولم يكن له طريق إلى النبي صلى الله عليه و سلم يؤديه إلى قريش أصلا لأن طريق المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ خرج إلى بدر خلفه لطريق قريش من مكة إلى بدر فوضع كذب ذلك الحديث يقينا وبالله تعالى التوفيق
ثم لو صح وهو لا يصح لكان منسوخا بلا شك لما سنذكره إن شاء الله تعالى في خبر أبي جندل بعد هذا وبالله تعالى نتأيد
ثم نظرنا في الحديث الذي فيه المسلمون عند شروطهم فوجدناه أيضا قد ثناه أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا محمد بن يحيى بن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا عمرو بن علي ثنا محمد بن خالد ثنا كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمون عند شروطهم وبه إلى البزار ثنا محمد بن المثنى نا محمد بن الحارث نا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس على شروطهم ما وافقوا الحق
قال علي وكل هذا لا يصح منه شيء أما الطريق الأول ففيها كثير بن زيد وهو هالك تركه أحمد ويحيى والثاني عن الوليد بن رباح وهو مجهول والأخرى كثير بن عبد الله وهو كثير بن زيد نفسه مرة نسب إلى أبيه ومرة إلى جده ثم أبوه أيضا نحوه والثالثة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف ثم لو صح وهو لا يصح لكان حجة لنا عليهم لأن فيه إضافة النبي صلى الله عليه و سلم الشروط إلى المسلمين ولا شروط للمسلمين إلا الشروط التي أباح الله تعالى في القرآن أو السنة الثابتة عقدها لا شروط للمسلمين غيرها لأن المسلمين لا يستجيزون إحداث شروط لم يأذن الله تعالى بها هذه شروط الشيطان وأتباعه لا شروط المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة والضلالة في النار
والعجب كله من احتجاج الحنفيين والمالكيين بهذه الأخبار وهم أول مخالف لها
فيقولون كل شرط في نكاح فهو باطل ما لم يعقده بيمين ثم يتناقضون في اليمين فيجعلون يمينا ما لم يجعل الله تعالى قط يمينا ولا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأي تناقض أكثر من هذا
وأيضا ففي الخبر المذكور الناس على شروطهم ما وافقوا الحق ولعمري لو صح

هذا لكان من عظيم حجتنا عليهم لأنه أبطل كل شرط لم يوافق الحق ولا يوافق الحق شيء إلا أن يكون في القرآن أو في حكم النبي صلى الله عليه و سلم وهكذا القول فيما روي عن عمر الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا فعاد كل ما شغبوا فيه من صحيح ثابت أو باطل زائف حجة لنا عليهم
والحمد لله رب العالمين
ثم نظرنا في حديث أبي جندل فوجدناه لا حجة لهم فيه لوجوه ستة أولها أنه لم يكن عقد للنبي صلى الله عليه و سلم بعد رده من جاء من قريش إليه إذ جاء أبو جندل كما ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد حدثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن محمد هو المسندي نا عبد الرزاق حدثنا معمر أخبرني الزهري أنا عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه فذكر حديث الحديبية وفيه فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما فبينما هو كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال صلى الله عليه و سلم إنا لم نفض الكتاب بعد قال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا فقال النبي صلى الله عليه و سلم فأجزه لي فقال ما أنا بمجيز ذلك لك قال بلى فافعل ما أنا بفاعل
قال مكرز بلى قد أجزناه لك فهذا أمر لا يقول به المخالفون لنا أن يرد إليهم من جاء منهم قبل أن يتم التعاقد على ذلك فكيف يحتجون بما لا يحل عندهم أليس هذا من البلايا والفضائح
والوجه الثاني أنه كما ترى لم يرده عليه السلام إلا حتى أجازه من لا تقدر قريش على معارضته وهو من رهط سهيل بن عمرو لأنه سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي والذي أجار أبا جندل هو مكرز بن حنفص بن الأخيف بن علقمة بن عبد الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي من سادات بني عامر بن لؤي فبطل تعلقهم برد النبي صلى الله عليه و سلم

أبا جندل إذ لم يرده إلا بجوار وأمان
والوجه الثالث أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يرد إلى الكفار أحدا من المسلمين في تلك المدة إلا وقد أعلمه الله عز و جل أنهم لا يفتنون في دينهم ولا في دنياهم وأنهم سينجون ولا بد
كما حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا عفان نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه و سلم فاشترطوا على النبي صلى الله عليه و سلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاء منا رددتموه علينا قالوا يا رسول الله أتكتب هذا قال نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا
قال أبو محمد قد قال الله عز و جل واصفا لنبيه صلى الله عليه و سلم { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى } فأيقنا أن إخبار النبي صلى الله عليه و سلم بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلما فسيجعل الله له فرجا ومخرجا وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر
وهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي صلى الله عليه و سلم ولا يحل لمسلم أن يشترط هذا الشرط ولا أن يفي به إن شرطه إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله وبالله تعالى التوفيق
والوجه الرابع أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يرد من رد المسلمين إلى المشركين إلا أحرارا إلى أهلهم وآبائهم وقومهم والمخالفون في هذا لا يردون المسلمين الأحرار إلا عبيدا إلى الكفار الذين يعذبونهم أشد العذاب ويأتون الفاحشة المحرمة في النساء وربما قتلوهم فما ندري كيف يستسهل مثل هذا مسلم
والوجه الخامس أن أبا سعيد الجعفري حدثنا قال نا محمد بن علي بن الأدفوي نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس عن أحمد بن شعيب

عن سعيد بن عبد الرحمن نا سفيان عن الزهري قال سفيان وثبتني معمر بعد ذلك عن الزهري عن عروة بن الزبير قال إن المسور بن مخرمة ومروان أخبراه بخبر الحديبية فذكر الحديث وفي آخره خروج أبي بصير وهو عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني نوفل بن عبد مناف إلى سيف البحر وانفلات أبي جندل بن سهيل إليه قال فجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير لقريش تخرج إلى الشام إلا اعترضوا لهم فيقتلونهم ويأخذون أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه و سلم يناشدونه بالله وبالرحم إلا أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه و سلم إليهم
قال أبو محمد فهذا أبو بصير وأبو جندل ومن معهما من المسلمين قد سفكوا دماء قريش المعاهدين لرسول الله صلى الله عليه و سلم وأخذوا أموالهم ولم يحرم ذلك عليهم ولا كانوا بذلك عصاة ولا شك في أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان قادرا على منعهم من ذلك لو نهاهم فلم يفعل فصح يقينا أنه عهد منسوخ بخلاف ما يقوله المخالفون اليوم وإنه إنما لزم من كان بالمدينة فقط دون من كان خارجا عنها
والوجه السادس وهو القاطع لكل شغب والحاسم لكل علقة وهو صحة اليقين بأن ذلك العهد منسوخ ممنوع منه محرم عقده في الأبد مما في سورة براءة من قول الله تعالى { فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم } وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة { قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون } وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة { وإن أحد من لمشركين ستجارك فأجره حتى يسمع كلام لله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة { كيف يكون للمشركين عهد عند لله وعند رسوله إلا لذين عاهدتم عند لمسجد لحرام فما ستقاموا لكم فستقيموا لهم إن لله يحب لمتقين }

وسورة براءة آخر سورة أنزلت كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري نا أبو الوليد هو الطيالسي ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال آخر آية أنزلت { يستفتونك قل لله يفتيكم في لكلالة إن مرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ثنتين فلهما لثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ لأنثيين يبين لله لكم أن تضلوا ولله بكل شيء عليم } وآخر سورة نزلت براءة
قال أبو محمد وبها عهد النبي صلى الله عليه و سلم آخر عهده إلى الكفار عام حجة أبي بكر الصديق بالناس وبعد الحديبية التي كانت فيها قصة أبي جندل بثلاثة أعوام وشهر لأن الحديبية كانت في ذي القعدة عام ست من الهجرة قبل خيبر فلما كان ذو القعدة المقبل بعد الحديبية بعام كامل اعتمر رسول الله صلى الله عليه و سلم عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة ثم كان فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة بعد عمرة القضاء بعام غير شهرين وحج تلك السنة عتاب بن أسيد بالمسلمين ثم حج أبو بكر في ذي الحجة سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام وشهرين كما ثنا حمام ثنا الأصيلي ثنا المروزي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا سعيد بن عفير نا الليث نا عقيل عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة
وذكر الحديث وفيه ثم أردف النبي صلى الله عليه و سلم بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة
قال أبو هريرة فأذن معنا علي رضي الله عنه يوم النحر في أهل منى ببراءة وألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان
فصح باليقين أنه لا يحل أن يعاهد مشرك عهدا ولا يعاقد عقدا إلا على الإسلام فقط أو على غرم بالجزية والصغار إن كان كتابيا وصح يقينا أن كل عهد أو عقد أو شرط عقد معهم أو عوهدوا عليه أو شرط لهم بخلاف ما ذكرنا فهو باطل مردود لا يحل عقده ولا الوفاء به إن عقد بل يفسخ ولا بد
وأول ما نسخ الله عز و جل من العهد الذي كان يوم الحديبية فرد النساء كما حدثنا حمام بن أحمد ثنا الأصيلي ثنا المروزي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن

محمد ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال أخبرني الزهري أخبرني عروة عن المسور بن مخرمة ومروان فذكر حديث الحديبية وشرط سهيل الذي ذكرنا وفيه ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله عز و جل { يأيها لذين آمنوا إذا جآءكم لمؤمنات مهاجرات فمتحنوهن لله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى لكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم لكوافر واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم لله يحكم بينكم ولله عليم حكيم } إلى قوله { يأيها لذين آمنوا إذا جآءكم لمؤمنات مهاجرات فمتحنوهن لله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى لكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم لكوافر واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم لله يحكم بينكم ولله عليم حكيم }
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات حدثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا عبد الله بن جعفر بن الورد ثنا عمرو بن أحمد بن سرح وأحمد بن زغبة قالا حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير ومروان بن الحكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ يعني يوم الحديبية فذكر الحديث وفيه فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما وجاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله عز و جل فيهن { يأيها لذين آمنوا إذا جآءكم لمؤمنات مهاجرات فمتحنوهن لله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى لكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم لكوافر واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم لله يحكم بينكم ولله عليم حكيم }
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله نا أبو إسحاق البلخي نا الفربري نا البخاري نا إسحاق ثنا يعقوب ثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبر من رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديبية
وذكر الحديث وفيه أن سهيلا كاتب النبي صلى الله عليه و سلم على ألا يأتيه من المشركين أحد وإن كان على دين الإسلام إلا رده إلى المشركين قالا وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل

حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثهم عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة قال خرج النبي صلى الله عليه و سلم من الحديبية
فذكر الحديث وشرط قريش في رد من جاء مسلما إليهم وفيه ثم جاء نسوة مهاجرات مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق
قال أبو محمد فإذا نسخ الله تعالى عهد نبيه عليه السلام وعقده وشرطه فمن هذا الجاهل الذي يجيز هذا الشرط لأحد بعده تبرأ إلى الله من ذلك
قال أبو محمد وهكذا القول في حديث أبي رافع أنه منسوخ ببراءة على أنه حديث ننكره وإن كنا لا نعلم في سنده علة ولكنا نعجب منه لأن أبا رافع كان مولى النبي صلى الله عليه و سلم مولى عتاقة فكيف صار مع مشركي قريش رسولا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ونزول براءة كان بعد إسلام جميع قريش وبعد حديث أبي رافع بلا شك
قال أبو محمد فلما لاح بكل ما ذكرنا أنه لا حجة في شيء مما ذكرنا لمن أجاز النذور والعقود والشروط والعهود على الجملة إلا ما عين بنص أو إجماع على أنه لا يجوز منها رجعنا إلى القول الثاني فوجدناه صحيحا ووجدنا النصوص التي احتجوا بها مبينة مفسرة قاضية على هذه الجملة التي احتج بها خصومهم وجدنا النصوص شاهدة بصحة قولهم
فمن ذلك نص النبي عليه السلام وهو الذي قال فيه الله تعالى { بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } فقال عليه السلام ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله كل شرط في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط شرط الله أوثق وكتاب الله أحق فصح بهذا النص
وقد ذكرنا في هذا الباب بسنده أن كل شرط اشترطه إنسان على نفسه أو لها على غيره فهو باطل لا يلزم من التزمه أصلا إلا أن يكون النص أو الإجماع قد ورد أحدهما بجواز التزام ذلك الشرط بعينه أو بإلزامه وليس ذلك إلا في شروط يسيرة قد ذكرناها في كتابنا المرسوم بذي القواعد

وأما النذور فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال حدثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة بن منصور عن عبد الله بن مرة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل قال ابن المثنى وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور عن عبد الله بن مرة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم به
وبه إلى مسلم نا قتية نا عبد العزيز يعني الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا وإنما يستخرج به من البخيل
حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود ثنا مسلم بن إبراهيم نا هشام هو الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية قال إن الله لغني عن نذرها مرها أن تركب
فبطلت بهذين النصين النذور كلها ولم يلزم منها شيء إلا ما أتى به النص إما بإيجابه وإما بإباحة التزامه وليس ذلك إلا فيما كان طاعة لله عز و جل فقط على ما بينه عليه السلام إذ يقول من نذر أن يطيع الله فليطعه وقد ذكرناه بسنده في هذا الباب وما عدا ذلك فلا يلزم من التزامه أصلا
وأما العقود فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم نا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد كلاهما عن أبي عامر العقدي نا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم أن القاسم بن محمد قال له أخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه إلا ما صح أن يكون عقدا جاء النص أو الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم بإبطال صلح الذين صالح الذي زنى ابنه بامرأته
وأما وأي المؤمن واجب فمرسل وفيه أيضا هشام بن سعد وهو ضعيف وكذلك لا تعد أخاك وتخلفه مرسل أيضا والمحتجون بذلك أشد الناس خلافا

له فلا يقضون على من وعد بإنجازه
وأما إذا قلت لصبي تعال هاه لك فمنقطع لأن ابن شهاب لم يلق أبا هريرة ولو صح لم يكن لهم فيه حجة لأن ذلك اللفظ هبة صحيحة لازمة
وأما العهود فإن الله عز و جل يقول في سورة براءة التي هي آخر سورة أنزلها آخر عهد عهد به إلى المسلمين والمشركين نسخ به جميع ما تقدم فقال تعالى { كيف يكون للمشركين عهد عند لله وعند رسوله إلا لذين عاهدتم عند لمسجد لحرام فما ستقاموا لكم فستقيموا لهم إن لله يحب لمتقين } فأبطل عز و جل كل عهد يعهده أحد لمشرك إلا على ما نص في السورة المذكورة من غرم الجزية مع الصغار لأهل الكتاب خاصة واستثنى تعالى الذين عاهد رسول الله صلى الله عليه و سلم عند المسجد الحرام خاصة وهم الذين ذكروا في أول السورة إذ يقول تعالى { برآءة من لله ورسوله إلى لذين عاهدتم من لمشركين فسيحوا في لأرض أربعة أشهر وعلموا أنكم غير معجزي لله وأن لله مخزي لكافرين } فلما انقضت تلك الأربعة الأشهر لم يبق لمشرك على مسلم عهد إلا السيف أو الإسلام إلا أن يكون كتابيا فيرضى بغرم الجزية مع الصغار فيجاب إلى ذلك وإلا فالسيف فصح بهذا النص أن كل عهد عاهده مسلم مشركا على غير الجزية مع الصغار فهو عهد الشيطان مفسوخ مردود لا يحل الوفاء به ولا فرق بين من أخذ بحديث أبي جندل وبين من صلى إلى بيت المقدس وترك الكعبة لأن النبي صلى الله عليه و سلم فعل كلا الأمرين ثم نسخا
والعجب كل العجب ممن لا يراعي حدود الله تعالى فيعقد عقودا بخلافها ويراعي عهد كافر قد أمر الله ورسوله بفسخه
والعجب كل العجب من المالكيين القائلين إنه إن نزل عندنا كفار حربيون بأمان وعندهم أسارى رجال ونساء مسلمون ومسلمات أنهم لا ينتزعون منهم ويتركون ويردونهم إلى بلادهم ولا يمنعون من الوطء
قال أبو محمد ونحن نبرأ إلى الله عز و جل من هذا القول الملعون الذي تقشعر أجساد المسلمين من سماعه فكيف من اعتقاده فليت شعري لو عاهدوهم على

نبش قبر النبي صلى الله عليه و سلم أو على قلب المساجد كنائس أو على تعليق النواقيس في المآذن أتراهم كانوا يرون الوفاء لهم بهذه العهود مع ما يسمعون من قوله تعالى { كيف يكون للمشركين عهد عند لله وعند رسوله إلا لذين عاهدتم عند لمسجد لحرام فما ستقاموا لكم فستقيموا لهم إن لله يحب لمتقين } ثم يتعلقون بحديث أبي جندل وهو منسوخ لما نص الله تعالى في براءة مما قد تلوناه في هذا الباب
فإن تعلقوا بقول الله تعالى { وإن أحد من لمشركين ستجارك فأجره حتى يسمع كلام لله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون }
فهذه حجة عليهم لا لهم لأن الله تعالى لم يبح في هذه الآية أن يطلقوا على مسلم ولا على ماله ولا على إذلاله وإنما أباح حقن دمائهم فقط ولا مزيد أما سمعوا قوله تعالى { محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } ومن أباح لكافر تملك مسلم فقد انقلبت صفتهم فصاروا رحماء على الكافرين أشداء بينهم نعوذ بالله من هذه الصفة القبيحة وقوله تعالى { ما كان لأهل لمدينة ومن حولهم من لأعراب أن يتخلفوا عن رسول لله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل لله ولا يطأون موطئا يغيظ لكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن لله لا يضيع أجر لمحسنين }
حدثنا حمام ثنا الأصيلي نا المروزي نا الفربري نا البخاري نا محمد بن العلاء أنبأنا أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني نا أبو إسحاق البلخي نا الفربري حدثناالبخاري نا سعيد بن الربيع نا شعبة عن الأشعث سمعت معاوية بن سويد يقول سمعت البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بسبع فذكر فيها نصر المظلوم
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم نا قتيبة نا الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه

ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة
وبه إلى مسلم نا عبد الله بن مسلمة بن قعب نا داود بعني ابن قيس عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله
وبه إلى مسلم ثنا محمد بن عبد الله بن نمير نا أبي نا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وبه إلى محمد بن عبد الله بن نمير نا حميد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن خيثمة عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله
قال أبو محمد فأعرضوا عن هذا كله وقد علمنا أنه لا ظلم للمسلم ولا إسلام له ولا خذلان له ولا تضييع لحاجته ولا أتم لكربته ولا فضيحة له ولكل مسلم ولا أشد خلافا على الله تعالى وعلى رسول صلى الله عليه و سلم من ترك المسلم والمسلمة عند المشرك يذلها ويطؤها ووجب بهذا ضرورة أن الإمام إذا تعاصى عليه خارج عن طاعته ظالم طالب دنيا فلم يراجع الطاعة إلا بأمان وعهود وعقود على ألا يتعرض في شيء من حاله ولا مما بيده فإنه أمان فاسد وعقد باطل وعهود ساقطة وشروط مفسوخة كلها ولا يسقط عنه شيء إلا حد المحاربة فقط بنص القرآن إذ يقول تعالى { إلا لذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فعلموا أن لله غفور رحيم } ولا يسقط بذلك قود لمسلم في نفس فما دونها ولا حد من حدود الله تعالى ولا حق لمسلم في مال أخذه بغير حق بل يقام عليه الحكم في كل ذلك بما أوجبه القرآن أو السنة وإلا فالإمام عاص لله تعالى إن أغفل ذلك
قال أبو محمد وهم يقولون فيمن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها

إنها تطلق عليه ويحتجون ب { يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد } ويرون في رسول الله أتى من دار الحرب فأسلم أنه يرد إلى الكفار ثم يقولون في رجل كان له شريك مسلم في دار فعرض عليه شريكه أن يأخذ الشقص بما يعطى فيه أو يترك فيبيعه ممن يريده فأباح له شريكه أن يبيع وعقد معه وأشهد الناس طائعا على ترك شفعته وأنه لا يقوم بها فباع الشريك قالوا فذلك العهد وذلك العقد ساقطان لا يلزمان وله الأخذ بالشفعة
قال أبو محمد أفيكون في عكس الحقائق أشنع من هذا وهذا شرط قد جاء النص بإلزامه فأبطلوه وهو حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه و سلم وأجازوا شروطا منسوخة لا يحل عقدها الآن أصلا
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي نا مسلم نا أبو الطاهر نا ابن وهب عن ابن جريج أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه وبه إلى مسلم نا محمد بن عبد الله بن نمير نا عبد الله بن إدريس نا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعه أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك
فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به
فهذا حديث قد صح سماع أبي الزبير من جابر ولم يجعل النبي صلى الله عليه و سلم الأخذ أم الترك للشريك إلا قبل بيع شريكه ولم يجعل له بعد البيع حقا إلا إن كان الشريك لم يؤذنه قبل البيع
فعكس هؤلاء القوم الحقائق كما ترى فيتركون احتجاجهم ب { يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد } حيث شاؤوا فيبطلونه العقود لا يحل لمسلم القرار على سماعها فكيف إمضاؤها مما قد جاء النص بإبطاله التي أمر الله تعالى بإمضائها ويحتجون ب { يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد } حيث شاؤوا فيمضون عقودا ويبطلون من النذور ما قد أمر النبي صلى الله عليه و سلم بإنفاذه باسمه كالنذر في الجاهلية الذي أمر عليه السلام عمر بالوفاء به

فعكس هؤلاء القوم في أقوالهم الحق عكسا ويقولون من باع بيعا فاشترط شروطا تفسده
فقال أنا أسقط الشرط جاز ذلك وصح البيع
قالوا فإن باع بيعا إلى أجل مجهول فقال أنا أعجل الثمن وأسقط الأجل قالوا فذلك لا يجوز والبيع فاسد
قالوا ومن اشترى عبدا بشرط أن يعتقه فذلك جائز لازم له ولا يرده بعيب يجده فيه لكن يأخذ أرش العيب قالوا فإن أعتقه بشرط ألا يفارقه لم يجز ذلك
قالوا ومن قال لآخر بعني عبدك للعتق بأربعين دينارا
فقال لا بل بخمسين دينارا فأبى المشتري فقال العبد لسيده يعني منه بأربعين دينارا وأنا أعقد لك وأشرط لك على نفسي بالعشرة الدنانير الزائدة وأشهد لك بذلك فأجاب السيد إلى ذلك والتزم العبد العشرة الدنانير طائعا وأشهد البينة على نفسه بذلك فاشترى المشتري العبد فأعتقه قالوا لا يلزم العبد مما عقد على نفسه وأشهد عليها به شيء أصلا قالوا فلو قال لعبده أنت حر وعليك خمسون دينارا جاز ذلك ولزم العبد أن يؤديها شاء أم أبى
قالوا ومن شارط عبده على أن يخدمه هذه السنة التي أولها شهر كذا ثم أنت حر والتزم العبد ذلك فأبقى العبد تلك السنة كلها قالوا فهو حر ولا يلزمه من شرط الخدمة شيء وقد ذكرنا قولهم في الشفعة
وقالوا فيمن باع ثمر حائطه وشرط للمشتري على نفسه ألا يقوم بالجائحة إن أجيح فأجيح قالوا لا يلزمه ذلك الشرط وله القيام بالجائحة ثم قالوا في مريض شاور ورثته في أن يوصي بأكثر من ثلثه وهم في غير كفالته فأجازوا له ذلك فأوصى بأكثر من الثلث ثم مات قالوا يلزمهم ما التزموا ولا قيام لهم عليه
قال أبو محمد وهذا عكس الحقائق وإجازة ما لا يجوز وتحليل ما حرم الله تعالى وإبطال ما لا يجوز سواه وقالوا لو تراضى المكاتب وسيده وتشارطا أن المكاتب متى فعل أمرا كذا فمحو كتابته بيد سيده ففعل المكاتب ذلك الشيء وأقر بفعله أو قامت عليه بذلك بينة قالوا هذا شرط لا يلزم ولا يكون محو كتابته إلى سيده لكن إلى السلطان
ثم قالوا إن حكم خصمان بينهما رجلا من عرض المسلمين لا سلطان له

فحكم بينهما برضاهما ثم امتنع أحد الخصمين قالوا ذلك الحكم لازم لهما ورضاهما به أو لا جائز عليهما
وهذا كله ينقض بعضه بعضا قالوا فإن شرط على مكاتبه وصفاء غير موصوفين قالوا ذلك شرط جائز لازم قالوا فإن تشارطا برضا منهما أن ما ولد للمكاتب بل تمام أداء كتابته من ولد فإنهم غير داخلين في الكتابة
قالوا هذا شرط لا يلزم ولا يجوز هذا هو قولهم إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وأنه إن عجز عاد رقيقا قالوا فإن شرط على مكاتبه أضاحي مسماة وعملا معروفا
وخدمة محدودة وكسوة ثم أدى بالمكاتب نجومه مجموعة قبل حلول الأجل المشترط أجبر السيد على قبضها وعجل العتق للمكاتب وبطلت شروطهما في الآجال التي اتفقت الأمة على أنها شروط جائزة لازمة
قالوا وسقط شرط الخدمة والعمل والسفر بلا عوض يكلفه المكاتب ولم يسقط شرط الأضحية والكسوة ولا يلزم أيضا لكن يقول كل ذلك ويدفع قيمته مع ما عجل من نجوم كتابته فأبطلوا شرط الآجال الذي صححه الله تعالى بلا دليل وتكلموا في سائر الشروط فأبطلوا بعضها وعوضوا من بعضها كل ذلك تحكم بلا دليل ولكن تناقض لا معنى له
فإذا تعلقوا في إسقاط أجل المكاتب بعمر بن الخطاب إذ أجبر أنسا على تعجيل عتق مكاتبه إذ عجل له النجوم كلها قيل لهم هذا عجب من العجب هذه قضيتان اختلف فيهما عمر وأنس فخالفتم عمر حيث لا يحل خلافه واتبعتم أنسا في إحدى القضيتين ثم خالفتم أنسا حيث لا يحل خلافه في القضية الثانية وتعلقتم بعمر وذلك أن عمر أجبر أنسا على مكاتبة سيرين فكان القرآن يشهد لعمر في هذه القضية بالصواب بقوله تعالى { وليستعفف لذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم لله من فضله ولذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال لله لذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على لبغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض لحياة لدنيا ومن يكرههن فإن لله من بعد إكراههن غفور رحيم } فخالفتم عمر وقلتم لا يجوز أن يجبر السيد على مكاتبة عبده وإن علم فيه كل خير ثم أجبر عمر أنسا على إسقاط الآجال في المكاتب وتعجيل عتقه إذا عجل المكاتب كل ما عليه وأنس يأبى

ذلك والنص يشهد لأنس في هذه القضية بالصواب لأن هذا العقد في الآجال المشترطة في الكتابة داخلة في العقود التي اجتمعت الأمة على جوازها فهي داخلة في عموم قوله تعالى { ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن لعهد كان مسؤولا } وكل عقد صح بنص أو إجماع فلا يجوز إبطاله إلا بنص آخر أو إجماع ولا نص ولا إجماع على إسقاط آجال المكاتب بتعجيل ما عليه فخالفتم أنسا في هذه القضية وخالفتم عمر في الأولى فلو قيل لكم اجتهدوا في الخطأ ما أمكنكم أكثر من هذا
قالوا ومن وطىء مكاتبته فحملت خيرت بين التمادي على المكاتبة وبين إسقاطها ويذهب الشرط والعقد ضياعا
قالوا ومن كان له على آخر دين إلى أجل من طعام وذهب إلى أجل مسمى فأتاه بهما قبل الأجل
قالوا يجبر على قبض الذهب قبل الأجل ولا يجبر على قبض الطعام إلا حتى يحين الأجل
فمرة يثبتون الشروط ويحتجون ب { يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد } والمسلمون عند شروطهم ومرة يبطلون كل ذلك كيفما وافقهم
قالوا ومن كان له على آخر دين إلى أجل مسمى أو حال فقال له أنا أنظرك بالدين الذي لي عليك إلى عشرة أيام بعد الأجل الذي هو إليه وأهبك غدا دينارا قالوا يقضى عليه بالتأخير شاء أم أبى ولا يقضى عليه بالهبة الدينار الذي ذكر أصلا
قالوا ولو قال لغريمه جئني بحقي قبلك والحق حال لا مؤجل وأنا أهبك نصفه فأتاه به لزمه ما وعده أن يهبه وقضى عليه بذلك
قالوا ولو قال مالي في المساكين صدقة
لزمه ثلث ماله ولم يقض عليه به أن يتصدق بالثلث فإن فرط حتى تلف الثالث ولم يؤمر أن يتصدق منه بشيء قالوا فلو تصدق على إنسان معين بدار قضي عليه بذلك قالوا فلو قال داري هذه صدقة على زيد أو قال على المساكين إن دخلت دار عمرو فدخلها عامدا ذاكرا ليمينه قالوا لا يقضى عليه بشيء ولا يحكم عليه بإمضاء ما تصدق به لا للمعين ولا للمساكين قالوا ولو قال ذلك في غير يمين قضي عليه بإمضاء ما تصدق به على المعين

قالوا فلو قال عبدي حر إن دخلت دار عمرو فدخلها قضي عليه بعتق العبد
قالوا ولو قال في نذر إن جاء أبي سالما فعلي أن أعتق عبدي هذا حرا لله فجاء أبوه سالما لم يقض عليه بعتق ذلك العبد فلو قال إن اشتريت عبد فلان فهو حر فاشتراه قالوا يقضى عليه بعتقه وهذا ضد النص وضد حكم النبي صلى الله عليه و سلم إذ يقول من نذر أن يطيع الله فليطعه وإذ يقول عليه السلام إنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم فقضوا هم عليه بإمضاء النذر فيما لم يملك إذ نذره ولم يقضوا عليه بالطاعة التي ألزمه الله تعالى إمضاءها والوفاء بها
قالوا فلو قال أنا أهبك غدا درهما لم يقض عليه بذلك قالوا ولو قال له إن تبع هذا الثوب أنا أقويك بثمنه وبدرهم أهبه لك قالوا يقضى عليه بذلك قالوا ومن شرط لامرأته أن لا يرحلها ولا يتسرى عليها ولا يتزوج عليها لم يلزمه شيء من ذلك وجاز له النكاح وله أن يرحلها ويتسرى عليها ويتزوج قالوا فلو زاد في كل ذلك فإن فعل فأمرها بيدها أو قال فالسرية حرة والداخلة بنكاح طالق فإن كل ذلك يلزمه ويقضى عليه به
قال أبو محمد وليس في التلاعب أكثر من هذا قالوا ومن شرط على نفسه نفقة امرأة ولده الناكح ولم يلزمه في الكبير وثبت النكاح واختلفوا في لزوم ذلك في امرأة الصغير
قالوا فإن تزوج امرأة على أنه إن جاء بصداقها المسمى إلى أجل مسمى فذلك وإلا فلا نكاح بينهما
فسخ أبدا جاء بالصداق إلى ذلك الأجل أو لم يجىء هذا مع قولهم إن من شرط في البيع شرطا يفسده فرضي إسقاط الشرط صح البيع وهم يقولون إن البيوع تشبه النكاح حتى إنهم أبطلوا النكاح حين النداء إلى الجمعة قياسا على بطلان البيع حينئذ ثم قالوا فإن تزوجها بصداق مسمى إلى الميسرة فإن رضي بإسقاط الشرط عجل الصداق جاز النكاح وإن أبى من إسقاط الشرط فسخ النكاح
قالوا ومن قال لآخر إن جئتني بأمر كذا في وقت كذا فقد زوجتك ابنتي فلانة فأتى بذلك الشيء في ذلك الوقت قالوا لا يجوز له أن يفي بهذا الشرط فإن أنكحه بذلك الشرط فسخ النكاح أبدا قالوا ومن زوج أمته عبد غيره وتشارطا أن ما ولدت فهو حر فسخ النكاح ولزم سيدها تحرير ما ولدت بالشرط قالوا فلو تشارطا

أن ما ولدت فهو رقيق بينهما قالوا ينفذ النكاح ويثبت والولد رقيق لسيد الأمة ويبطل الشرط ففي الأول بطل النكاح وثبت الشرط وفي الثانية عكس ذلك وهو ثبات النكاح وبطلان الشرط قالوا فلو تزوج المرأة على أن لها من النفقة كذا وكذا فدخل بها قالوا بطل الشرط وينفذ النكاح ولها نفقة أمثالها
قالوا فلو تزوجها على أن أمرها بيدها إن تزوج عليها قالوا يثبت النكاح ويثبت الشرط ويكون أمرها بيدها إن تزوج
قالوا إن تزوجها على ألا ينفق عليها ورضيت بذلك وأشهدت على نفسها فدخل بها ثم بدا لها قالوا ذلك لها ولا يلزم ذلك الشرط ويقضى لها عليه بالنفقة
قالوا فلو تزوج امرأة على مائة فلما هموا بالفراغ قالوا يضع لك خمسين على ألا تخرجها من دارها أو قالوا من ولدها فقال نعم فزوجوه على ذلك الشرط وهو راض وهي راضية وتشاهدوا ثم بدا له فأراد إرحالها قالوا ذلك له ويوفيها المائة الكاملة ولا يلزم واحدا منهما ما تشارطاه فلو قالت له أتزوجك بمائة وأضع عنك خمسين على أن تخرجني
فقال نعم وتشاهدا على ذلك فلما تزوجها أراد أن يرحلها قالوا فذلك له شرط على نفسه في ألا يرحلها مفسوخ وشرطها على نفسها فيما أسقطت عنه من الخمسين لازم لها لا ترجع عليه بشيء قالوا فلو قال لها إن رحلتك فأمرك بيدك فذاك لازم له قالوا ولو قال لها إن غبت عنك سنة فأمرك بيدك فله أن يطأها قبل أن يغيب ولا يسقط بذلك ما جعل لها من الشرط قالوا فلو قال لها وهي حامل إذا وضعت حملك فأمرك بيدك قالوا فإن وطئها بعد هذا القول وقبل أن تضع حملها فقد سقط ما جعل من لها الشرط
وقالوا من خالع امرأته على أن عليها نفقة ولدها ست سنين لم يلزمها من ذلك إلا رضاع سنتين فقط ثم تعود النفقة على الأب ويسقط عنها ما شرطت على نفسها قالوا فإن طلقها طلقة سنة فأعطته مالا على أن لا رجعة له عليها قالوا ذلك لازم لها وله وكأنه خلع قالوا فلو تشارطا في الخلع إنك إن خاصمتني فأنت امرأتي فخاصمته فإن لها ذلك والشرط باطل لا يلزم

قال أبو محمد فهلا قالوا هو لازم وكأنه رجعة كما قالوا في التي قبلها وكأنه خلع قالوا ومن كان لامرأته عليه دين فخالعها على أن يجعل لها نصف الدين وتبرئه من الباقي قالوا فالطلاق نافذ والإبراء جائز لازم وتجير على أن ترد إليه ما عجل فيبقى إلى أجله هذا وهم يجبرون سيد المكاتب والغريم على قبض ما عجل لها بضد ما فعلوه في المرأة قالوا وإن قالت أمة تحت عبد إن أعتقت فقد تخيرت نفسي أو قالت فقد تخيرت زوجي وأشهدت على نفسها بذلك قالوا فليس ذلك بشيء ولا يلزمها ولها استئناف الخيار إن أعتقت وهم يقولون في عبد أو حر قال إن تزوجت فلانة فهي طالق أو قال كظهر أمي
فتزوجها القائل ذلك فهي طالق وكظهر أمه ويقولون في قائل قال إن وكلني زيد بطلاق امرأته فلانة فهي طالق فوكله زيد بطلاق تلك المرأة إنها لا تكون طالقا إلا أن يحدث لها الوكيل طلاقا إن شاء وإلا فلا ويقولون في قائل قال متى طلقت زوجتي أو قال إن طلقت زوجتي هذه فهي مراجعة مني فطلقها قالوا لا تكون مراجعة بذلك إلا أن يحدث لها رجعة إن شاء
قالوا ومن باع جارية على أن تعتق فذلك جائز لازم قالوا فإن باعها على أن لا تباع قالوا لا يجوز ويفسخ البيع إلا أن يرضى البائع إسقاط الشرط فيتم البيع ويسقط الشرط
وقالوا ومن باع بثمن مجهول فسخ البيع فإن باع نصف جارية له من زيد واشترط على المشتري نفقتها سنة قالوا إن كان ذلك ثابتا في الحياة والموت جاز الشرط وليس في الثمن المجهول أكثر من هذا لاختلاف الشبع وتناول النفقة في الصحة والمرض قالوا ومن باع سلعة بثمن مسمى على أن يتجر له في ثمنها سنة فلا بأس بذلك إذا كان ذلك ثابتا عليه إن تلف الثمن أخلف مكانه غيره وهم لا يجيزون القراض إلى أجل
قالوا من عرف كيل صبرة له من طعام فابتاعها منه مبتاع جزافا وقال له المشتري ما أبالي عرفت أنت أيها البائع كيلها أم لم تعرف فتبايعنا على ذلك قالوا فلا يلزم هذا الشرط المشتري وله أن يرد إن شاء قالوا فلو لم يعلم البائع كيلها فباعها جزافا قالوا فذلك للمشتري لازم ولا رد له

وتناقضهم فيما يلزمونه من العقود والشروط وما لا يلزمونه منها أكثر من أن يحصى أو يحاط به إلا في المدة الطويلة وفيما ذكرنا كفاية لمن عقل والحنفيون مثلهم في ذلك وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد فلما قام البرهان بكل ما ذكرنا وجب أن كل عقد أو شرط أو عهد أو نذر التزمه المرء فإنه ساقط مردود ولا يلزمه منه شيء أصلا إلا أن يأتي نص أو إجماع على أن ذلك الشيء الذي التزمه بعينه واسمه لازم له فإن جاء نص أو إجماع بذلك لزمه وإلا فلا والأصل براءة الذمم من لزوم جميع الأشياء إلا ما ألزمنا إياه نص أو إجماع فإن حكم حاكم بخلاف ما قلنا فسخ حكمه وورد بأمر النبي صلى الله عليه و سلم إذ يقول من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
قال أبو محمد أبو محمد فإذ قد ثبت كل ما ذكرنا بالبراهين الضرورية فقد ثبت أن كل ما لا يصح بصفة ما وشرط ما وعقد ما ففسدت تلك الصفة وذلك الشرط وذلك العقد في حين التعاقد فإن ذلك الشيء لا يصح أبدا ويبطل ذلك العقد ويفسخ أبدا لأن ما تعلقت صحته بما لا يجوز فلا صحة له إذ لم يصح ما لا تمام له إلا به وهذا أمر يعم بالضرورة وبذلك وجب إبطال كل نكاح انعقد بشرط فاسد أو بصفة فاسدة وكذلك كل بيع انعقد على ما لا يجوز فإن كل ذلك يفسخ أبدا ووجب بذلك بطلان كل صلاة صليت في مكان مغصوب يعلم المصلي فيه أنه مغصوب وكل صلاة فعل فيها المرء ما لا يجوز له وبذلك حرمت ذبيحة الغاصب والسارق والمعتدي وبسكين مغصوبة وبالله تعالى التوفيق
وصح بهذا كله أن كل عقد أو عهد أو نذر أو شرط أوجبها أو أباح إيجابها نص فإنها نافذة لازمة فمن ادعى سقوط شيء من ذلك فقوله باطل وكل ذلك باق بحسبه لازم كما كان إلا أن يأتي مدعي بطلانه بنص على بطلانه فيجب الوقوف حينئذ عند ما أوجبه النص مثال ذلك أن الإجارة عقد قد جاء النص بجوازه وإباحة التزامه وصح الدليل من النص والإجماع على أن الإجارة إلى غير أجل وعلى غير عمل محدود باطل مردودة لا تجوز لأنها أكل مال بالباطل والإجارة على ما ذكرنا حرام مردودة بإجماع الأمة كلها من مجيز لها ومن مانع منها وبالنص
ولا بد أن تكون الإجارة إلى أجل معلوم أو إلى غير أجل ولا سبيل إلى قسم

ثالث بوجه من الوجوه وقد بطل أحد القسمين المذكورين فوجب ضرورة إذ قد جاء النص بإباحة الإجارة أن يصح القسم الآخر فصح وجوب ذكر الأجل المسمى في الإجارة ضرورة بالنص وبمقدمتي الإجماع اللتين ذكرنا فإذ قد صح ذلك فذكر الأجل في عقد الإجارة شرط صحيح وإذا كان ذلك فقد ثبت عقده وما ثبت عقده الآن فلا يبطل في ثان إلا بنص فصح أن لا رجوع للمؤاجر ولا للمستأجر فيما عقدوه ما داموا أحياء وما لم ينتقل ملك الشيء المستأجر عن المؤاجر له وما كانت عين ذلك الشيء قائمة
فإن انتقل الملك أو مات أحدهما بطل عقد الإجارة لقول الله عز و جل { قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } وليس صحة عقد الإجارة مانعا من إخراج المؤاجر عن ملكه الشيء الذي أجر وإن أدى ذلك إلى بطلان العقد لأن البيع مباح له بالنص وليس بيعه ماله نقضا لعقده وإنما ينقض ذلك العقد ملك غير العاقد للشيء المعقود فيه
قال أبو محمد وقال بعضهم أنتم إذا منعتم من نقض عقد الإجارة والكتابة والتدبير والعتق بصفة ثم أجزتم للعاقدين أن يخرجوا عن ملكهم الأعيان التي عقدوا فيها هذه العقود وذلك مبطل للعقود فقد تناقضتم وأجزتم إبطالها قيل لهم وبالله تعالى التوفيق لم نمنع قط من أن يفعل الإنسان في ماله ما أبيح له قبل العقد الذي عقد فيه
وليس ذلك العقد بمحرم عليه ما كان له حلالا من إخراج ذلك الشيء عن ملكه ومدعي هذا متحكم في الدين قائل بغير بيان من الله تعالى وإذا منعنا أن يفسخ بقوله ما عقد بقوله مما أبيح له عقده أو أمر به فقط وإنما يلزم هذا التعقب القائلين بالقياس الذي يحرمون به المسكوت عنه لتحريم المأمور بتحريمه والرهن وغيره سواء فيما ذكرنا إذا لم يمنع من إخراجه من الرهن بالبيع والعتق نص
وأما المنكرون لهذا فقد تناقضوا فيه أقبح تناقض وقالوا بما أنكروه علينا يعني أصحاب مالك
فقالوا لا تقبل شهادة النساء في عتق أصلا ثم قالوا إن شهدت امرأتان بدين على زيد لعمرو حلف عمرو معهما ورد عتق زيد لعبد الذي أعتقه ودين عمرو محيط بماله فقد أجازوا في رد العتق شهادة النساء وكذلك قالوا لو شهدت امرأتان

بابتياع زيد وعمرو لأمة كانت تحت زيد قبلتا مع يمين البائع وفسخ نكاح الأمة ومثل هذا لهم كثير جدا
قال أبو محمد ومن استؤجر على عمل معلوم فهو عقد قد جاء النص بإباحته واتفق القائلون بالإجارة على لزومه في حين عقده واختلفوا هل ينفسخ في ثانية أو لا فوجب أن يبقى على ما جاء الدليل به من صحته ما لم يأت نص بفسخه وهكذا القول في المدبر وفي الموصي بعتقه وفي المعتق بصفه وفي المكاتب أنها عقود قد اتفق الناس على ما جاءت به النصوص من صحتها في حين عقدها وعلى القضاء بها ما لم يرجع العاقد لها فيها ثم اختلفوا هل لعاقدها فسخها في ثاني عقده إياها أو لا فوجب ألا يكون له في شيء منها رجوع إلا بنص ولا نص ولا إجماع في إباحة الرجوع في ذلك لا بتراضيها ولا بغيره فلا يجوز أصلا بخلاف المؤاجرة وكان إخراجه لكل ما ذكرنا عن ملكه جائزا ويبطل بذلك العقد لانتقال الملك كما قلنا في الشيء المؤاجر ولا فرق
وأما المكاتب فإنما يخرج عن الملك منه ما لم يؤد خاصة وفي ذلك المقدار يبطل العقد لا فيما أدى وهو قول علي وروايته عن النبي صلى الله عليه و سلم وقد جاء النص ببيع المدبر وبيع المكاتب ما لم يؤد فوجب إباحة ذلك وممن رأى للمؤجر والمستأجر أن يفسخ الإجارة أيهما شاء متى شاء قبل الأجل وإن كره الآخر مسروق وشريح والشعبي وممن رأى ألا رجوع لموصي في العتق خاصة الأوزاعي والثوري وأما العارية فبخلاف ما ذكرنا لأن العارية المطلقة التي ليست إلى أجل هي التي صحت بالنصوص وبالإجماع وأما شرط التأجيل فيها فهو باطل لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى ولا جاء به نص ولا إجماع فهو باطل
وجمهور الفقهاء يقولون إن العارية التي يشترط التأجيل فيها ليست شيئا وهو شرط لا يلزم فلم يتفق على صحته فهو باطل وكذلك الوعد بالعارية لا يلزم لما ذكرنا
وهكذا القول في ضمان ما لم يلزم بعد من المال
وفي ضمان الوجه أن كل ذلك باطل لأنها شروط لم يأت بصحتها نص ولا إجماع ويبطل بما ذكرنا ضمان النفقة على زيد وعلى من لم يأت نص ولا إجماع بإيجاب النفقة عليه وهكذا ضمان الصداق عمن لم يتزوج بعد ووجب بما ذكرنا الرجوع في الشركة والقراض لأيهما شاء

متى شاء وإن كره الآخر لأن شرط التأجيل فيها باطل إذ لم يأت بإباحته نص ولا إجماع
وهكذا القول في كل شرط شرطه المحبس في الحبس من أجل محدود أو من بيعه إن احتيج كل ذلك باطل لما ذكرنا وكذلك إن شرط في الهبة والعمرى والرقبى استرجاع شيء منها فهو باطل كله لما ذكرنا بخلاف وجوب ذكر الأجل في الإجارة وبخلاف وجوب الرجوع في العارية
وأما ضمان ما قد وجب من الأموال فهو عقد مجمع على صحته وقد جاء النص به وكذلك الحوالة وإذ هما كذلك فلا رجوع لأحد فيها لما ذكرنا من أن ما صح في أول لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع وكذلك الحبس والهبات والصدقات والعمرى كل ذلك قد بان عن الملك فالرجوع فيه كسب على غيره وقد جاء النص ببطلان ذلك قال الله تعالى { قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } وأما القرض المؤجل فقد صح النص فيه بالأجل وإذا صح بالنص فهو ثابت فلا رجوع لأحد فيه إذا كان شرط الأجل في حيز القرض لقوله تعالى { يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم } فإن انعقد حالا ثم شرط على نفسه أجلا فهو شرط فاسد لا يلزمه والدين حال كما كان لأنه شرط ليس في كتاب الله ولا أجمع على لزومه فهو باطل
وأما المزارعة والمساقاة المعقودتان إلى أجل فقد ادعى قوم أن كل من أجازهما وهم أهل الحق قد أجازوهما إلى أجل مسمى فالأجل فيهما شرط صحيح
وإذا كان صحيحا في حين العقد فهو لازم وإذا كان لازما في وقته لم يبطل في ثانية إلا بنص أو إجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك إلا بتراضيهما معا للإجماع على ذلك
قال أبو محمد وهذا خطأ بل قد صح الإجماع على عقدهما بغير أجل ولم يأت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين تجويزهما إلى أجل فعقدهما إلى أجل لا يجوز البتة لأنه لم يوجد نص ولا إجماع فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل بحكم النبي صلى الله عليه و سلم

وليس تراضي المتعاقدين عقدا صحيحا أو المتشارطين شرطا صحيحا بنص أو إجماع ثم تراضيا معا على فسخه أو تأجيله مجيزا لهما ذلك بل رضاهما بفسخه أو تأجيله باطل والعقد والشرط باق كما كان إلا أن يبيح لهما النص أن يتراضيا على فسخه فيكون لهما ذلك حينئذ وإلا فلا لأنه ليس لأحد أن يوجب ولا أن يحرم ولا أن يحلل إلا بنص ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى وشرع من الدين ما لم يأذن به الله قال الله تعالى { أم للإنسان ما تمنى } والكل عبيد لا أمر لهم ولا حكم إلا ما حكم به عليهم ولهم خالقهم ومولاهم عز و جل
وأما النكاح والبيع فقد جاء النص بصفة عقدهما وبصفة فسخهما فليس لأحد أن يعقدها بغير تلك الصفة فإن فعل فليس نكاحا ولا بيعا وهو مردود مفسوخ أبدا
ومن عقدهما كما أمر فليس له فسخهما إلا بالصفة التي أتى النص بفسخهما بها وإلا كان فسخه باطلا مردودا وثبت عقدهما كما كان وقد حرم بيع أم الولد بالنص الوارد في ذلك مما قد ذكرناه في كتاب الإيصال وفي المحلى فلم يلتفت إلى الخلاف في ذلك
وقد صح النص بجواز الهبة ووجوب قبولها وتحريم الرجوع فيها فلم يجز الرجوع في شيء من الهبة ولا الصدقة من ذلك حاشا العطية للولد فقط للنص في ذلك ولم يأت نص ولا إجماع على رد الحبس لا بتراض ولا بغير تراض فلم يجز أصلا
قال أبو محمد فإن قال قائل أنتم لا تلزمون أحدا الوفاء بعهده ووعده إلا أن يوجب ذلك عليه نص ومن مذهبكم أن وعد الله تعالى ووعيده نافذان لا سبيل إلى دخول خلف فيهما
فالجواب أن هذا الذي نقول هو الذي لا يجوز تعديه لأننا متعبدون ليس لنا أن نلتزم شيئا إلا ما ألزمنا خالقنا تعالى فإلزامنا فعل شيء لم يأتنا نص ولا إجماع بأن نفعله باطل والله تعالى ليس كذلك لأنه ليس فوقه أمر فكل ما قضى به نافذ وكل ما قاله فحق
وأيضا فوعدنا نحن ليس خبرا لأنه لا علم لنا بما يكون في المستأنف والله تعالى ليس كذلك لأنه عليم بما يكون قبل أن يكون فكل ما أخبر تعالى أنه يفعله فلا بد أن

يفعله ومن أجاز غير ذلك أجاز على الله تعالى الكذب في خبره تعالى الله عن ذلك قال الله عز و جل { قال فلحق ولحق أقول } ما خالف الحق فهو باطل تعالى الله عن الباطل فوعد الله تعالى ووعيده خبر لا بد من كونه لأنه حق وصدق وعلم منه تعالى بما يكون من ذلك وعلمه صادق لا يخيس أصلا
ولا يظن ظان أننا نقول بالوعيد كقول المعتزلة من إبطال سيئة واحدة للحسنات ومن الخلود على المصر على الكبائر ومعاذ الله من ذلك
ولكنا نقول بما جاء به النص من الموازنة وذهاب السيئات بالحسنات بمعنى أن الحسنات تذهب السيئات وبأن من استوت حسناته وسيئاته أو رجحت حسناته لم ير نار أصلا ولكن من رجحت سيئاته وكبائره ممن مات مصرا فهؤلاء الذين يخرجون من النار بالشفاعة ولا خلود على مسلم في النار ولا يدخل الجنة كافر أبدا وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل


الباب الرابع والعشرون وهو باب الحكم بأقل ما قيل قال أبو محمد رحمه الله ادعى قوم أن هذا أيضا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه
وقالوا لأنه قد صح إلزام الله عز و جل لنا اتباع الإجماع والنص وحرم علينا القول بلا برهان فإذا اختلف الناس في شيء فأوجب قوم فيه مقدارا ما وذلك نحو النفقات والأروش والديات وبعض الزكوات وما أشبه ذلك وأوجب آخرون أكثر من ذلك واختلفوا فيما زاد على ذلك فالإجماع فرض علينا أن نأخذ به
وأما الزيادة فدعوى من موجبها إن أقام على وجوبها برهانا من النص أخذنا به والتزمناها وإن لم يأت عليها بنص فقوله مطرح وهو مبطل عند الله عز و جل بيقين لا شك فيه ونحن محقون في الأخذ بأقل ما قيل عند الله عز و جل بيقين لأنه أمر مجتمع عليه والاتفاق من عند الله عز و جل ولزوم ما اجتمع عليه فرض لا شك فيه والاختلاف ليس من عند الله عز و جل قال الله تعالى { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا }
قال أبو محمد كان يكون هذا حقا صحيحا لو أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام في كل عصر وإذ لا سبيل إلى هذا فتكلفه عناء لا معنى له ولا بد من ورود النص في كل حكم من أحكام الشريعة لكن إذا ورد نص بإيجاب عمل ما فبأقل ما يقع عليه اسم فاعل لما أمر به يسقط عنه الفرض كمن أمر بصدقة فبأي شيء تصدق فقد أدى ما أمر به ولا يلزمه زيادة لأنها دعوى بلا نص ولا غاية لذلك فهو باطل
ولا سبيل إلى أن يكون الله تعالى حكم في الشريعة يلزمنا لم يجعل عليه دليلا من نص وقال الله تعالى { وما من دآبة في لأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في لكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } فما لم يكن في الكتاب

فليس من الدين في شيء وهو ساقط عنا بيقين ومنهم من قال بل نأخذ بأكثر ما قيل لأنه لا يخرج من لزمه فرض عما لزمه إلا بيقين ولا يقين إلا بعد أن يستوعب كل ما قيل
قال أبو محمد وهذا باطل لأنه صار بهذا القول قافيا ما ليس له به علم ومثبتا حكما بلا برهان وهذا حرام بنص القرآن وإجماع الأمة وكل من خالفنا في هذا الأصل فإنه يتناقض ضرورة ويرجع إلى القول به
ألا ترى أننا اتفقنا كلنا على إيجاب خمس صلوات وادعى قوم أن الوتر فرض فوجب الانقياد لما اجتمعوا عليه وترك ما اختلفوا فيه إلا أن يأتوا بدليل على ما زادوا
وكذلك اتفقنا على أن في خمسين من البقر بقرة وقال قوم في كل خمس بقرات شاة وقال قوم في الثلاثين تبيع وفي الأربعين وقال قوم فيما زاد على الأربعين بحساب ذلك بجزء من بقرة فوجب الأخذ بما اتفقوا عليه وترك ما اختلفوا فيه إذا لم يأتوا بدليل على ما ادعوا من ذلك
ووجب أن يلزم أحدا إلا البقرة في خمسين وهي المتفق عليه منهم ومن غيرهم لا ما زاد في إيجاب الغرامة في ذلك
ثم نقول لمن خالفنا في هذا الأصل أرأيت إن اجتمع الناس على مقدار ما ثم قال قوم بأزيد منه ولم يأتوا على صحة قولهم بدليل هل لك بد من ثلاثة أوجه لا رابع لها إما أن تقول بما أجمعوا عليه وبترك ما اختلفوا فيه وهو قولنا هذا الذي خالفتنا فيه أو تأخذ بأكثر ما قيل بلا دليل فتصير قافيا ما ليس لك به علم ومثبتا حكما بلا برهان فهذا حرام بنص القرآن وبإجماع الأمة لم يقل به أحد ويصير قائله منتهكا إما عرضا حراما وإما مالا حراما وإما موجبا شرعا لم يأذن به الله تعالى وكل ذلك حرام لا يحل أصلا
وإما أن يترك هذين القولين فيفارق الإجماع جملة ويأتي أيضا بقول لم يقله أحد فإذ قد سقط هذان القولان بالضرورة البرهانية صح القول الأول ضرورة بيقين لا بد منه وبالله تعالى التوفيق
فإن قال قائل لا يجوز أن يخلو أحد القولين من دليل عليه إما أن يقوم الدليل على صحة القول بالمقدار الأقل وإما أن يقوم الدليل على صحة الزيادة عليه

قال أبو محمد لسنا نحتاج إلى التطويل معه ههنا لكنا نقول وبالله تعالى التوفيق لسنا ننازعك فيما قام الدليل عليه وإنما نسألك عن مسألة قال فيها قوم بمقدار ما وقال آخرون بزيادة لا دليل عليها بأيديهم شرط أن تكون المسألة من مسائل الإجماع المجرد التي قد أحال النص فيها على طاعة أولي الأمر منا على اتباع سبيل المؤمنين
فإن قلت إن عدم الدليل على صحة الزيادة على أقل ما قيل هو دليل على صحة القول بأقل ما قيل فهذا هو نفس قولنا شئت أم أبيت وبالله تعالى التوفيق
وقد احتج بعض من ضغط هذا الباب ممن اضطر إلى الشغب بمثل ما نذكره وشبهه إلى أن قال ما الفرق بينكم وبين من قال هذه قصة قد لزم فيها حكم بإجماع فلا يخرج المرء عما لزم بإجماع إلى سقوطه عنه إلا بإجماع آخر فالواجب أن يقال بأكثر ما قيل
فيقال له هذا تمويه فاسد لأنهما أمران أردت مزجهما وتصييرهما أمرا واحدا
ولا يصح ذلك لأن كون وجوب الحكم في مسألة ما هو شيء آخر غير وجوب مقدار ما في ذلك الحكم
فليس اتفاق الأمة على أن ههنا حكما واجبا مما يوجب في ذلك مقدارا محدودا بل هذا هو باب آخر فإذا وجب الحكم نظرنا حينئذ في قدر الحكم فيه بنص وارد فإن لم يرد نص صرنا فيه إلى الإجماع فالعدد المتفق عليه واجب قبوله بإجماع ومن ادعى زيادة كلف الدليل فإن أتى به لزم اتباعه وإلا سقط قوله بقول الله تعالى { وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }
ومن هذا النوع هو علمنا أن علينا دينا وشرائع إلا أنه من ادعى وجوب شيء ما يدخله في الشرع لم يلتفت إليه ولم يجب قبوله إلا بنص أو إجماع وهكذا علمنا بوجوب حكم ما علينا ليس يوجب قبولنا من كل من حد لنا ذلك الحكم بحد ما إلا أن يأتي على حده بنص أو إجماع
وهذا كله باب واحد والأصل أن لا حكم على أحد ولا شيئا حراما على أحد بقوله تعالى { هو لذي خلق لكم ما في لأرض جميعا ثم ستوى إلى لسمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم } وبقوله تعالى { يأيها لذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل لقرآن تبد لكم عفا لله عنها ولله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين }

==================ج666666666666666666666666................

.........

كتاب : الإحكام في أصول الأحكام
المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي

وبقوله صلى الله عليه و سلم إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فلا يحل لأحد من مال أحد ولا من دمه ولا من عرضه ولا من بشرته إلا ما أباحه نص أو إجماع وما عدا ذلك فباطل بالنصوص التي ذكرنا فأقل ما قيل في كل ما ذكرنا هو واجب بالإجماع على وجوبه وكل زيادة على ذلك فباطل إلا أن يأتينا مدعيها بنص يصحح قوله
وصح بالنص المذكور أنه إن اتفق الناس أو جاء نص بإيجاب مقدار منا من عرض مسلم أو بشرته أو ماله فهو وجوبه ثم إن ادعى مدع وجوب زيادة في ذلك ولم يأت على صحة دعواه بنص فهو باطل بيقين لأنه لا محل ما قد حرم الله تعالى وكذلك القول فيمن حرم شيئا مما في الأرض حاشا ما جاء في تحريمه نص أو إجماع
وكذلك من فرض شيئا زائدا على ما أوجب أنه فرض نص أو إجماع وكفى بهذا بيانا
ويلزمنا من قال بخلاف هذا إن كان مالكيا أو شافعيا أن يوجب الزكاة في العسل لأن الأمة مجمعة على أن في الأموال زكاة بقوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم } فيلزمهم ألا يسقط هذا الحق اللازم بإجماع إلا بإجماع آخر ولزمه إن كان حنفيا أن يوجب الزكاة في الحلي والعوامل بما ذكرنا ومثل هذا كثير جدا مسقط أكثر مذاهبهم ومفسد لجمهور أقوالهم في الصلاة والطهارة والحج وسائر أبواب الفقه كلها وبالله تعالى التوفيق
فإن قال قائل إذا قلتم لو كان هذا القول الزائد واجبا لجاء به دليل فماذا تقولون لمن قال لكم لو كان ساقطا لجاء بإسقاطه دليل فالواجب أن هذا قول صحيح وقد نصصنا على الدلائل الواردة بإسقاط كل قول بتحريم أو بتحليل أو إيجاب حكم لم يأت بصحته نص أو إجماع وهي الآيات التي تلوناها آنفا فوجب بها أن كل مقدار اتفق على وجوبه أو أخذه فهو واجب ومن زاد على ذلك بدعواه شيئا فهو مفتر مبطل بتلك النصوص ما لم يأت على صحة دعواه بنص وهذا أمر جلي لا إشكال فيه ولا يذهب عنه إلا مخذول أو معاند وإنما هذا فيما لم يرد فيه نص وأما ما جاء فيه نص فلا نراعي فيه ما اتفق عليه منه ولا نبالي بمن خالفنا حينئذ ولا نراعي فيه استصحاب حال ولا أقل ما قيل فيه

ولكن نأخذ بالنص زائدا كان على ما اتفق عليه أو ناقصا عنه أو موافقا له لأن الدليل قد قام حينئذ والبرهان صح على وجوب الانتقال إلى ما جاء به النص وصح بذلك الأخذ بالزائد على أقل ولو لم ينفرد بالرواية للزائد إلا إنسان واحد ثقة وخالفه جميع أهل الأرض لكان القول بما رواه ذلك الواحد واجبا لأنه محق ولكان فرضا علينا خلاف كل من خالف رواية ذلك الواحد ولو أنهم جميع أهل الأرض سواء لأنهم كلهم حينئذ مبطلون يلزمهم قبول رواية ذلك الواحد الحق أكثر من كل من خالفه وأولى أن يتبع
قال الله تعالى { يأيها لذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم إلى لله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } فعم تعالى ولم يخص وقال تعالى { فقاتل في سبيل لله لا تكلف إلا نفسك وحرض لمؤمنين عسى لله أن يكف بأس لذين كفروا ولله أشد بأسا وأشد تنكيلا }
فإن قال قائل فما تقولون في شاهدين شهد أحدهما لزيد على عمرو بدينار وشهد له الآخر عليه بدينارين
أتقولون بأقل ما اتفقنا عليه
قال أبو محمد هذا قد قام البرهان من النص على وجوب القضاء له بالدينار بشهادتهما ومن نص آخر ثان يقضي له بالدينار الباقي إن حلف المدعى له ما شاهده فهذا من باب ما قام الدليل على وجوب الحكم بالزيادة فيه وقد قال بعض من خالفنا إن القائل بما أخذتم به من أقل ما قيل لم يقل به لأنه أقل ما قيل وإنما قال به لدليل ما أوجبه عنده فقولوا بدليله حتى نناظركم عليه
قال أبو محمد فيقال من قال بهذا وبالله تعالى التوفيق إنا لا نتعنى باستدلال المستدلين لأنه قد يستدل المرء بدليل غير واجب فيخرجه البحث إلى قول صحيح كما عرض لابن مسعود إذ سئل عن امرأة توفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها وقبل أن يفرض لها صداقا فقال بعد شهر أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فالله ورسوله بريئان ثم أفتى بما وافق الحق من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم دون أن يكون علمه
فنحن لا نبالي باستدلال ابن مسعود بل لا نقول به أصلا لكنا نقول بما أخرجه إليه

السعد لأنه وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا وجدنا القائل قد أوجب مقدارا ما ووافقه على إيجابه جميع العلماء أولهم عن آخرهم فقد أوجب الله تعالى علينا اتباع الإجماع وألا نخالف سبيل المؤمنين وأولي الأمر منا
ولا نبالي باستدلاله في ذلك إذ لم يأمر الله تعالى باتباع استدلال الواحد أو الطائفة من العلماء وإنما أمرنا تعالى باتباع ما اتفقوا عليه وترك ما تنازعوا فيه حتى نرده فنحكم فيه القرآن والسنة فقد فعلنا ذلك فأخذنا بما أجمعوا عليه وهو أقل ما قيل لقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فلا يحل لمسلم خلاف هذا وكلفنا من زاد على ذلك المقدار زيادة يتورع فيها أن يأتي ببرهان من النص إن كان صادقا بقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فإن جاء ببرهان من القرآن والسنة قبلنا منه وإلا تركنا قوله لأن من لم يأت ببرهان فليس صادقا لقوله تعالى { وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }
وقد علم كل ذي حس صحيح من الناس أن الاستدلال على القول شيء آخر غير القول المستدل عليه فقد أدى التقليد أقواما إلى أقوال صحاح والتقليد فاسد لكن البحث أوقعهم عليها فصادفوا أقوالا فيها أحاديث صحاح لم تبلغهم قط ولا استدلوا بها
ومن علم كيفية المقدمات علم أن من المقدمات الفاسدة تنتج إنتاجا صحيحا في بعض الأوقات ولكن ذلك لا يصحب بل يخون كثيرا وقد بينا هذا في كتابنا الموسوم بكتاب التقريب بيانا كافيا والحمد لله رب العالمين كثيرا
فقد صح بما ذكرنا أنه قد يخطىء في كيفية الاستدلال من يصيب في القول المستدل عليه
وقد صح أيضا أنه قد يصيب المرء في ابتداء الاستدلال ثم لا يوفيه حقه فيخطىء في القول المستدل عليه فقد استدل قوم بنصوص صحاح ثم تأولوا فيها ما ليس فيها وقاسوا عليها ما لم يذكر فيها وأصابوا في الاستدلال بالنص وأخطؤوا في الحكم به فيما ليس موجودا في ذلك النص
وقد استدل سعد رضي الله عنه على تحريم البيضاء جملة بنهي النبي صلى الله عليه و سلم عن الرطب

بالتمر فصح بهذا أنه ليس علينا اتباع استدلال القائلين بالفتيا وإنما علينا اتباع الفتيا إن أيدها نص أو إجماع ولا نبالي أخطأ قائلها في استدلاله عليها أم أصاب
وكذلك يلزمنا ترك الفتيا إذا لم يقم عليها برهان من النص أو الإجماع وإن استدل قائلها بنص صحيح إلا أنه ظن أن ذلك النص يوجب ما أفتى به
وذلك النص في الحقيقة غير موجب لتلك الفتيا وأيضا فإن من المسائل مسائل ليس يروى فيها نص وإنما هي إجماع مجرد على أمر أمره النبي صلى الله عليه و سلم كإجماع الناس على القراض وكإجماع طوائف من الناس على الإيجاب في دية الذمي إذا قتله ذمي ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثي بعير واختلف آخرون في الزيادة على ذلك إلى أن ساواه قوم بدية المسلم وقال آخرون نصف دية المسلم وقال آخرون ثلث دية المسلم فاحتج الموجبون في ذلك ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثي بعير بأن قالوا هذا مجمع على وجوبه وما زاد على ذلك فمختلف فيه وذكروا ما رويناه من طريق يونس بن عبيد أن الحسن البصري قال دية اليهودي والنصراني ثمانمائة درهم
وقال بهذا المقدار في دية المجوسي خاصة مالك والشافعي
ورووه عن عثمان رضي الله عنه
واحتج من أوجب في ذلك نصف الدية بروايات عن بعض الصحابة وآثار من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي صحيفة لا تصح وقد اختلف الصحابة في هذا فبطل هذا القول واحتج من أوجب في ذلك ثلث الدية وهم الشافعي وأصحابه بأن رووا ذلك عن بعض الصحابة وقد قلنا إن الصحابة مختلفون في ذلك فليس بعضهم في ذلك حجة دون بعض
واحتج في ذلك بعض أصحاب الشافعي بأن ادعى أنه أقل ما قيل وهذا باطل لما أوردناه من قول الحسن آنفا وقال بعضهم ممن يعرف الاختلاف لم نقل ذلك لشيء من هذا كله لكن لقوله تعالى { أعنده علم لغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى }
فوجب ألا يساوى به المسلم ولا المسلمة فوجب حطه إلى ثلث الدية

وقال أبو محمد وهذا احتجاج فاسد البتة لأنهم يساوون بينهما في أنه إن غصب المسلم مال ذمي أن يغرمه الذمي ما غصب وفي قطعهما في السرقة ويحلف كل واحد منهما للآخر في الدعوى
وأيضا فقد جعلوا دية الذمي أكثر من دية يد المسلمة ومن دية عينها وساووه بمأمومة الحر المسلم ولا شك في أن حرمة شعرة من مسلم أعظم من حرمة كل ذمي في الأرض فكيف عضو من أعضاء المسلم ونجدهم قد فضلوا على المسلم في بعض المواضع فقالوا لا يقتل الكافر الحر إذا قتل عبدا مسلما فجعلوه ههنا أعظم حرمة من المسلم وهذا قول سوء تقشعر منه الجلود
ويلزمهم على هذا أن أبا جهل وأبا لهب كانا أعظم حرمة من زيد بن حارثة وبلال بعد إسلامهما وقبل عتقهما ومعاذ الله من هذا
وإنما يجب استعمال قوله عز و جل { أعنده علم لغيب فهو يرى } في ألا يساوى بينهما في القود أصلا وأما في الحقوق الواجبة فيما دون الأجسام والكرامة والحرمة فليس التساوي فيها تساويا في القدر لأنه لا خلاف بين أحد من أن أحكام الأموال يستوي فيها أبو بكر والصحابة وأهل الذمة وبالله تعالى التوفيق فكان الواجب ألا يكلف الذمي غرما بعد الجزية إلا ما أوجبه نص أو إجماع وقد أوجب الإجماع المذكور عليه إما ثمانمائة درهم وإما ستة أبعرة وثلثي بعير ووقع التنازع في الزيادة فلما لم يأت بشيء من ذلك نص صحيح وجب أن يطرح ولا يلتفت إليه
فإن قالوا بتقليد صاحب في ذلك قيل لهم ليس الصاحب الذي قلدتم بأولى من صاحب آخر خالفه في ذلك مع أن التقليد كله باطل على ما سنبينه في بابه من ديواننا هذا إن شاء الله تعالى
فإن قال قائل أنتم متناقضون في قولكم بأقل ما قيل في المقادير اللازمة في الأموال والحدود وفي الأعداد كلها وترككم الزيادة إلا أن يوجبها نص مع قولكم إن من اتفق عليه من زمان ما ثم ادعى قوم ارتفاعه فإن الواجب التمادي عليه والثبات على ما قد

اتفق على وجوبه حتى يأتي مدعي ارتفاعه ببرهان على ما ادعى من ذلك فهلا قلتم إنه لا يلزم هذا الحكم إلا مدة الزمان الذي اتفق على لزومه فيها دون الأزمان والأعيان التي اختلف في لزوم ذلك فيها ولها كما قلتم لا نأخذ في المقادير اللازمة في الأموال والحدود والأعداد إلا بما اتفق عليه دون ما اختلف فيه
قال أبو محمد فيقال له وبالله تعالى التوفيق إن هذا شغب ضعيف وتمويه فاسد ولا تناقض بين القولين أصلا بل هما شيء واحد وباب واحد لأن الإجماع على وجوب الحكم وورود النص كالإجماع على أقل المقادير والأعداد كلاهما قد صح فيه الإجماع ثم إن الدعوى لانتقال الحكم عما كان علمه وللزوم النص بعض ما يقتضيه لفظه دون بعض الدعوى للزيادة على أقل ما قيل من المقادير والأعداد ولا فرق وكلا الأمرين إيجاب شرع وحكم بلا نص وذلك لا يحل اتباعه
وثباتنا على ما اتفقنا على أنه واجب أو أنه مباح أو أنه حرام وتركنا من فارق ما اتفقنا على وجوبه من المقادير والأعداد ولا فرق ومسقط الحق بعد وجوبه كالزائد فيه أو الناقص منه وكالشارع غيره ولا فرق بين كل ذلك أصلا فهو كله باب واحد كما ترى
ولا شغب من أراد التمويه بالفرق بين الأمرين وإنما موه من موه في ذلك وغلط من غلط لأنه رأى أحد الأمرين زيادة على ما اتفق عليه ورأى الآخر خروجا عما اتفق عليه فظن أنهما بابان مختلفان فأخطأ في ذلك بل هو كله باب واحد لأنه كله ممن خالفنا خروج عما اتفق عليه بلا دليل ومفارقة ما أجمع عليه بلا برهان وهو كله في مذهبنا نحن باب واحد لأنه كلها منا ثبات على ما اتفق عليه ولزوم لما صح الإجماع فيه وامتناع من مفارقته وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فإنه لم يقل قط مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم إذا حكم اليوم بحكم ما أن هذا الحكم لا يلزم الناس غدا إلا باستئناف برهان مجدد بل الأمة كلها مجمعة على وجوب حكم النص وتماديه إلى يوم القيامة
وكذلك حكمه عليه السلام على زان أو سارق هو حكم منه على كل زان أو سارق إلى يوم القيامة
وهكذا كل ما حكم به النص في عين ما هو حكم في نوع تلك العين أبدا ولو كان

خلاف ذلك ونعوذ بالله من هذا الظن لبطلت لوازم نبوته صلى الله عليه و سلم في الزمان الآتي بعده وهذا كفر من معتقده فصح أن حكمه صلى الله عليه و سلم في زمانه حكم باق في كل زمان أبد الأبد ولم يقل قط مسلم إنه صلى الله عليه و سلم إذا حكم بأخذ درهم أو ضرب عشرة أسواط أو إيجاب ركعتين أو صوم يوم إنه يجب بذلك أخذ درهمين وضرب عشرين سوطا أو إيجاب أربع ركعات وصوم يومين بل هذه حدود الله تعالى التي حرم تعديها وأخبر أن متعديها من الظالمين بقوله تعالى { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } فهذا فرق أوضح من الشمس لا يراها العميان وقد تغيب عن بعض الأماكن في بعض الأوقات
وهذا برهان لا يغيب نوره أبدا ويراه كل ذي عقل وحس سليم ممن خوطب بالديانة وأيضا فإن أقل ما قيل حق ويقين لأنه إجماع وخصمنا موافق لنا على وجوبه والزيادة عليه شك ودعوى وظن ولا يحل رفع اليقين بالشك ولا ترك الحق بالظن ولا مفارقة الواجب بالدعوى وقد حرم الله تعالى ذلك إذ يقول عز و جل { وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا } وفيما ذكرنا كفاية لمن له عقل ونصح نفسه وبالله تعالى التوفيق
فإن قال قائل أنتم تقولون إن الإجماع والنص أصلان والعمل بهما فرض وأنتم تأخذون في النص بالزائد أبدا ولا تأخذون بالمتيقن عليه وتأخذون في الإجماع بأقل ما قيل وهو المتفق عليه فكيف هذا
فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن الإجماع راجع إلى النص وإلى التوقيف كما بينا في أول الكلام في الإجماع وإنما أخذنا به لأنه نقل العمل أو إقرار على أمر معلوم علمه عليه السلام فأقره ولم ينكره وليس اختلاف الموجبين للمقادير المختلفة في الأحكام نقلا لشيء من ذلك وإنما هو أن ما عدم أن يقوم عليه دليل نص فإما رأى من قائله أو قياس أو تقليد وكل ذلك باطل ودعوى بلا دليل فلذلك لزم تركه
وأما الزيادة في النص من أحد الرواة فهو نقل صحيح والأخذ بالنقل الصحيح واجب والسبب الموجب لقبول الزيادة من العدل في الرواية هو السبب نفسه الموجب

لقبول أقل ما قيل في الإجماع إنما ذلك قبول ما صح من النقل فقط
وأما ما اختلف فيه ولم يأت أحد من المختلفين فيه بنص فليس نقلا والسبب المانع من قبول التقليد هو السبب المانع من قبول ما زاده قائل على ما اتفق عليه هو وغيره من العلماء بأجمعهم دون دليل يأتي به يوجب زيادته ما زاد وهو كله تقليد
وقد قال بعض الشافعيين محتجا في أخذ الشافعي رحمه الله في دية اليهودي والنصراني بأنها ثلث دية المسلم بأن ذلك أقل ما قيل
قال أبو محمد وليس كذلك وقد روينا عن يونس بن عبيد عن الحسن أن دية النصراني واليهودي ثمانمائة درهم وقد صح عن بعض المتقدمين أنه لا دية له فليس ثلث الدية أقل ما قيل
وأما نحن فإنا نقول إنه لا دية لذمي أصلا لا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي إذا قتله مسلم خطأ أو عمدا وإن قتله عندنا يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أقل ما قيل وهو ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثا بعير
وبرهاننا على ذلك أن الله تعالى إنما ذكر قبل الخطأ والدية فيه إن كان المقتول مؤمنا هذا هو نص الآيات الواردات في ذلك فلم يذكر الله تعالى لذمي دية
وقال عليه السلام من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إما أن يأخذوا الدية وإما أن يستقيدوا أو كما قال عليه السلام
ونهى عليه السلام أن يقتل مؤمن بكافر فبطلت الدية إن قتله مسلم لأنه عليه السلام إنما جعل الدية في العمد حيث يكون الخيار فيها أو في القود وليس ذلك بين المؤمن والكافر لكنه بين الكفار فيما بينهم وبين المؤمنين فيما بينهم فصح قولنا وبالله تعالى التوفيق
وحرام أخذ شيء من مال مسلم إلا بنص أو إجماع وأما إن قتل ذمي مسلما عمدا فقد بطلت ذمته ولا بد من قتله وأخذ ماله كله ولا رأي في ذلك لولي المقتول ولا دية وحديث عبد الله بن سهل ثابت العمل وليس فيه ذكر أن الدية التي ذكر عليه السلام كانت في عمد إذ قد يقتلونه خطأ ولا في قوله عليه السلام في ذلك الحديث أتقسمون على رجل فيسلم برمته أنه لو أسلم لكان فيه لولي المقتول خيار فلا يجوز

التزيد في الحديث ما ليس فيه وسورة براءة مبينة لأحكام أهل الذمة التي لا يجوز تعديها وهي ناسخة لكل ما كان قبلها
وقد احتج بعض الموافقين لنا في هذا الفصل بأن قال يقال لمن قال قد اتفق على وجوب حكم ما في هذه المسألة فلا تبرأ من ذلك الحكم إلا بإجماع آخر على البراءة منه
قال فيقال له لو شهد عدلان على أن زيدا غصب مالا من عمرو ولم يثبت قدر ذلك المال للزم على قولكم أن يقال للمشهود عليه قد ثبت عليك حق فلا تبرأ حتى يقر المغصوب منه ببراءتك من كل حق له عندك
فلما أجمع الناس بلا خلاف على أنه لا يقال له ذلك
لكن يقال له قد ثبت قبلك حق ما فأقر بما شئت واحلف على ما أنكرت ولا يلزمك غير ذلك صح قولنا بأقل ما قيل وبطل اعتراضكم وبالله تعالى التوفيق
واحتج أيضا بأن قال من الدليل على الأخذ بأقل ما قيل إن شاهدين لو شهدا على زيد أنه سرق وقال أحدهما ربع دينار وقال آخر بل سدس دينار فإنه يؤخذ بأقل ما اتفقا عليه فلا يقطع ولا يغرم إلا سدس دينار فقط
قال أبو محمد وهاتان حجتان تلزم أصحاب القياس وليس مما نرضى أن نحتج به وإنما اعتمادنا على البراهين الضرورية التي قدمنا وبالله تعالى نعتصم
وقال هذا القائل أيضا إن المقدرين إذا اختلفا في تقدير السلعة فإننا نأخذ بما اتفقا عليه
قال فإن قال لنا قائل فلم تأخذون بالزيادة في الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم وتقولون عند هذا الزائد علم لم يكن عند من لم يأت بتلك الزيادة
فهلا قلتم وعند هذا المقدار الزائد علم زائد بقيمة هذه السلعة فهلا أخذتم به
قال أبو محمد وهذا الذي اعترض به على القائل بما ذكرنا اعتراض فاسد لكنا نقول الجواب عن هذا أن تقدير المقدار ليس من باب الخبر في الدين لأن الخبر نقل عن مشاهدة يوجب حكما على الناس كلهم وتقدير المقدار إنما هو من باب الشهادة التي لا يقبل فيها إلا اثنان أو واحد مع يمين الطالب فلو كان مع هذا المقدار الزائد آخر عدل يشهد بتلك الزيادة لأخذنا بها وإن كان ذلك فيما يؤخذ فيه باليمين مع الشاهد حلف المشهود له مع ذلك المقدر الزائد واستحق الزيادة وبالله تعالى التوفيق

قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق إن الله تعالى قال { دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما } ثم أوجب تعالى الدية في قتل المؤمن خطأ فهي لازمة للمؤمن والذمي بعموم الخطاب ولزوم الدين لكل إنسي وجني ولم يأت نص بإيجاب دية لذمي إن قتل خطأ فهو معفو عنه جملة أصابه مسلم أو ذمي
وصح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين وإما أن يودى وإما أن يقاد أو كلام هذا معناه
وصح أنه عليه السلام قال لا يقتل مسلم بكافر فصح أن الدية لا تجب في العمد إلا حيث يجب التخيير فيها بين الدية وبين القود
وليس ذلك في قتل المسلم الذمي أصلا فبطل أن يكون على المسلم دية في الذمي لا في عمد ولا في خطأ فإن قتل الذمي ذميا فهو داخل في هذا الخطاب والقود بينهما أو الدية وليس إلا أحد القولين إما ما اتفق على وجوبه كما قال الحسن وإما الدية التي قضى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسلم فنظرنا في قول الحسن فوجدناه لا ينسند أصلا ولا وجه له فسقط
ولا ندري أيضا هل أجمع على مقدار ذلك أو لا بل لعل من العلماء من قال لا دية لذمي أصلا ولعل في العلماء من يقول بأقل مما قال الحسن فسقط هذا القول ووجدنا الله يقول { وأن حكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم وحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل لله إليك فإن تولوا فعلم أنما يريد لله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من لناس لفاسقون } فصح أن دية الذمي على الذمي كدية المسلم على المسلم ولسنا في ذلك جاعلين لهم كالمسلمين حاشا لله من ذلك نحكم بينهم بالحكم بين المسلمين
كما أمر الله تعالى ونحن وهم نقتل الذمي بالذمي كما نقتله بالمسلم وليس هذا مساواة المسلم بالمجرم وبالله تعالى حسبنا


الباب الخامس والعشرون في ذم الاختلاف قال أبو محمد قال قوم هذا مما يسع فيه الاختلاف
قال أبو محمد وهذا باطل والاختلاف لا يسع البتة ولا يجوز لما نذكره بعد هذا وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام وما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أمره الله تعالى ببيان الدين فقال تعالى { بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } ولا مزيد
وقال تعالى { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم }
فما صح في النصين أو أحدهما فهوالحق ولا يزيده قوة أن تجمع عليه أهل الأرض ولا يوهنه ترك من تركه فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلا
وقد غلط قوم فقالوا الاختلاف رحمة واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
قال أبو محمد وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا
هذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية أحدها أنه لم يصح من طريق النقل
والثاني أنه صلى الله عليه و سلم لم يجز أن يأمر بما نهى عنه وهو عليه السلام قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره وكذب عمر في تأويل تأوله في الهجرة وكذب أسيد بن حضير في تأويل تأوله فيمن رجع عليه سيفه وهو يقاتل وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة

وقد ذكرنا هذا المعنى في باب إبطال التقليد من كتابنا هذا مستوعبا فأغنى عن إيراده ههنا وفيما ذكرنا كفاية
فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون صلى الله عليه و سلم يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ فيكون حينئذ أمر بالخطأ تعالى الله عن ذلك وحاشا له صلى الله عليه و سلم من هذه الصفة وهو عليه السلام قد أخبر أنهم يخطئون فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطىء إلا أن يكون صلى الله عليه و سلم أراد نقلهم لما رووا عنه فهذا صحيح لأنهم رضي الله عنهم كلهم ثقات فعن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل
والثالث أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يقول الباطل بل قوله الحق وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر لأنه من أراد جهة مطلع الجدي قام ( جهة ) مطلع السرطان لم يهتد بل قد ضل ضلالا بعيدا وأخطأ خطأ فاحشا وخسر خسرانا مبينا وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق فبطل التشبيه المذكور ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحا ضروريا
قال أبو محمد وقد ذم الله تعالى الاختلاف في غير ما موضع من كتابه قال الله عز و جل { ذلك بأن لله نزل لكتاب بلحق وإن لذين ختلفوا في لكتاب لفي شقاق بعيد } وقال تعالى { كان لناس أمة واحدة فبعث لله لنبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم لكتاب بلحق ليحكم بين لناس فيما ختلفوا فيه وما ختلف فيه إلا لذين أوتوه من بعد ما جآءتهم لبينات بغيا بينهم فهدى لله لذين آمنوا لما ختلفوا فيه من لحق بإذنه ولله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }
وقال تعالى مفترضا للاتفاق وموجبا رفض الاختلاف { يأيها لذين آمنوا تقوا لله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون }

إلى قوله تعالى { وعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون } ) وقال تعالى { ولا تكونوا كلذين تفرقوا وختلفوا من بعد ما جآءهم لبينات وأولئك لهم عذاب عظيم } فصح أنه لا هدى في الدين إلا ببيان الله تعالى لآياته وأن التفرق في الدين حرام لا يجوز وقال تعالى { وأطيعوا لله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وصبروا إن لله مع لصابرين } وقال تعالى { شرع لكم من لدين ما وصى به نوحا ولذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا لدين ولا تتفرقوا فيه كبر على لمشركين ما تدعوهم إليه لله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب } وقال تعالى { وأن هذا صراطي مستقيما فتبعوه ولا تتبعوا لسبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } وقال تعالى { إن لذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى لله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } وقال تعالى { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا }
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدوي نا أحمد بن زيد ثنا أبو عمران الجوني قال كتب إلى عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله نا أبو إسحاق البلخي نا الفربري نا البخاري حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي نا شعبة أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال سمعت النزال بن سبرة قال سمعت عبد الله بن مسعود قال سمعت رجلا قرأ

آية سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال كلاكما محسن قال شعبة أظنه قال لا تختلفوا فإن من قبلكم اختلفوا فهلكوا
حدثنا محمد بن سعيد ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ أنبأنا محمد بن عبد السلام الخشني نا بندار نا غندر نا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم بهذا الحديث
وذكر شعبة في آخره قال حدثني مسعر عنه فرفعه إلى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ولا تختلفوا
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم نا عبيد الله بن معاذ نا أبي نا شعبة عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم
وبه إلى مسلم نا يحيى بن يحيى وإسحاق بن منصور وأحمد بن سعيد بن صخر الدارمي قال يحيى أنا أبو قدامة الحارث بن عبيد وقال إسحاق نا عبد الصمد هو ابن عبد الوارث التنوري ثنا همام وقال أحمد نا حبان نا أبان قالوا كلهم نا أبو عمران الجوني عن جندب بن عبد الله البلخي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا
وبه إلى مسلم حدثني زهير بن حرب نا جرير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال
قال أبو محمد ففي بعض ما ذكرنا كفاية لأن الله تعالى نص على أن الاختلاف شقاق وأنه بغي ونهى عن التنازع والتفرق في الدين وأوعد على الاختلاف بالعذاب العظيم وبذهاب الريح وأخبر أن الاختلاف تفريق عن سبيل الله ومن عاج عن سبيل الله تعالى فقد وقع في سبيل الشيطان قال تعالى { لا إكراه في لدين قد تبين لرشد من لغي فمن يكفر بلطاغوت ويؤمن بلله فقد ستمسك بلعروة لوثقى لا نفصام لها ولله سميع عليم }

وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به وإنما أراده تعالى إرادة كون كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي
فإن قال قائل إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس أفيلحقهم هذا الذم قيل له وبالله تعالى التوفيق كلا ما يلحق أولئك شيء من هذا لأن كل امرىء منهم تحرى سبيل الله ووجهة الحق فالمخطىء منهم مأجور أجرا واحدا لنيته الجميلة في إرادة الخير وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم والمصيب مأجور منهم أجرين
وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه وإنما الذم المذكور والوعيد الموصوف لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى الذي هو القرآن وكلام النبي صلى الله عليه و سلم بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلدا عامدا للاختلاف داعيا إلى عصبية وحمية الجاهلية قاصدا للفرقة متحريا في دعواه برد القرآن والسنة إليها فإن وافقها النص أخذ به وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي صلى الله عليه و سلم فهؤلاء هم المختلفون المذمومون
وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم
فإن قال قائل فإذ لا بد من مواقعة الاختلاف فكيف التخلص من هذا الذم الوارد في المختلفين قيل له وبالله تعالى التوفيق قد علمنا الله تعالى الطريق في ذلك ولم يدعنا في لبس وله الحمد فقال تعالى { وأن هذا صراطي مستقيما فتبعوه ولا تتبعوا لسبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } وقال تعالى { وعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون } وقال تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فإذا وردت الأقوال فاتبع كلام الله تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه و سلم الذي هو بيان عما أمرنا الله تعالى به وما

أجمع عليه جميع المسلمين فهذا هو صراط الله تعالى وحبله الذي إذا تمسكت به أخرجك من الفرقة المذمومة ومن الاختلاف المكروه إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى وهذا هو الذي أجمع عليه جميع أهل الإسلام قديما وحديثا فإن لم يكن قط مسلم إلا ومن عقده وقوله إن كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه السلام فرض قبوله وأنه لا يحل لأحد معارضته بشيء من ذلك ولا مخالفته وبقيت سائر الأقوال المأخوذة من تقليد فلان وفلان ومن القياس ومن الاستحسان وهي الاختلاف المذموم الذي لا يحل اتباعه فمن تركها فقد ترك الاختلاف وأصحاب أولئك الأقوال كلها مأمورون بتركها والرجوع إلى حبل الله تعالى وصراطه فإذا تركوها فقد تركوا الاختلاف والفرقة ورجعوا إلى الفرض عليهم من الاتفاق اللازم ولهذا قلنا بفسخ قضاء كل قاضي قضى به بخلاف النص وسواء قال به طوائف من العلماء أو لا قال الله عز و جل { ولو شآء ربك لجعل لناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين } فاستثنى تعالى من رحم من جملة المختلفين وأخرج المرحومين من جملة المختلفين وعديدهم ومن ظن أن قوله تعالى { إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين } أنه يعني وللرحمة خلقهم وأرادوا بذلك استباحة الاختلاف فهو في غاية الفساد ببرهانين ضروريين
أحدهما أن الله تعالى استثنى من رحم فأخرجهم من جملة المختلفين فلو أنه تعالى خلق المختلفين للرحمة لاستثنى المرحومين من أنفسهم ولأخرجهم من جملة أنفسهم وهذا باطل لا يجوز ومحال في الكلام لا يفهم
والبرهان الثاني أن المختلفين موجودون وكل موجود عن حالة ما فلا شك عند كل مسلم أنه تعالى إنما خلقه ليكون على تلك الحالة وصح يقينا بلا مرية أنه الاختلاف الذي هم عليه بالعيان خلقهم إلا أن يقول قائل إن الضمير الذي في خلقهم وهو الهاء والميم راجع إلى من رحم فيكون المراد حينئذ استثناء المرحومين من جملة المختلفين وأن أولئك الذين اعتصموا بحبل الله تعالى للرحمة فهذا صحيح لا شك فيه وذم الاختلاف وخروجه من الرحمة باق بحسبه وممن قال بهذا من السلف الصالح

عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس كما كتب إلى المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى أخبرني ابن وهب أخبرني عبد الله بن يزيد عن المسعودي قال سمعت عمر بن عبد العزيز قرأ هذه الآية { ولو شآء ربك لجعل لناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين } قال خلق أهل رحمته ألا يختلفوا قال ابن وهب وسمعت مالكا يقول فيها الذين رحمهم الله لم يختلفوا
قال أبو محمد معنى قولنا الاختلاف في الدين غير جائز إنما هو أن طاعة أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه و سلم لا يجوز خلافها البتة وليس فيما جاء من عند الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم تخالف إنما هو محكم أو خاص من جملة مخصوصة منها أو ناسخ ومنسوخ فقط وإذ لا حق إلا فيما جاء من عند الله على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم فخلاف الحق لا يحل هذا أمر لا يخفى صوابه على أحد كما أن الثلاثة أكثر من الاثنين وبالله تعالى التوفيق


الباب السادس والعشرون في أن الحق في واحد وسائر الأقوال كلها باطل
قال أبو محمد علي بن أحمد ذهبت طائفة إلى أن كل مجتهد مصيب وأن كل مفت محق في فتياه على تضاده واحتجوا بما روي عن عثمان رضي الله عنه إذ سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية
قال أبو محمد ولا حجة لهم في ذلك لوجوه أحدها أن قول عثمان وقول كل أحد دون النبي صلى الله عليه و سلم لا يلزم قبوله إلا بموافقة نص قرآن أو سنة له أو إجماع
والثاني أن كل ما يأتي بعد هذا إن شاء الله عز و جل من البراهين في إثبات أن الحق في واحد مبطل لتأويلهم الفاسد وهي دلائل كثيرة جمة
والثالث أن عثمان لم يرد ما ذهبوا إليه من كون الشيء حراما حلالا معا في وقت واحد على إنسان واحد فهذا غاية المحال الممتنع وإنما أراد أنه لم يلح له فيها حكم يقف عليه لأنه رأى قوله تعالى { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } ورأى قوله تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما }
فلم يبن له أي الأمرين تغلب فأخبر عن ظاهر الآية الواحدة أنها قد تحتمل أن تكون محللة لهما مخصوصة من الأخرى وأن ظاهر الثانية قد يحتمل أن يكون محرما لهما مخصصا من الأخرى فوقف في ذلك واحتجوا بقوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر
قال أبو محمد وهذا من طريق ما احتج به من لا يعقل ولا يحل له الكلام في العلم لأن نص الحديث بكلامه صلى الله عليه و سلم أن المجتهد يخطىء وإذا أخطأ فهذا قولنا لا قولهم وليس مأجورا على خطأه والخطأ لا يحل الأخذ به ولكنه مأجور على اجتهاده الذي هو حق لأنه طلب للحق وليس قول القائل برأيه اجتهادا وأما خطأه فليس مأجورا

عليه لكنه مرفوع في الإثم بقوله تعالى { دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما } واحتجوا بالصواب في اختلاف القراءات وبالأشياء المباحات في الكفارات وأنها كلها حق على اختلافها
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن القراءات المختلفة ليست متنافية ونحن لم ننكر الصواب فيما لا يتنافى ولا فيما أمر به تعالى وإنما أنكرنا أن يكون قول القائل لحم السبع على غير المضطر حلال حقا ويكون قال القائل لحم السبع على غير المضطر حرام حقا فيكون الشيء حراما حلالا طاعة معصية مأمورا به منهيا عنه في وقت واحد لإنسان واحد من وجه واحد فهذا الذي نفينا وأبطلنا وهذا لا يسع في عقل من له مسكة من عقل لأنه غاية الامتناع الذي لا يتشكل في النفس فضلا عن أن يطلق استعماله
واختلاف القراءات التي ذكروا مثل { بسم الله لرحمن لرحيم } يقرأ بها بعض القراء في أوائل السور ويسقطها بعضهم فكل ذلك مباح من أسقطها فقد أبيح له ومن قرأها فقد أبيح له وكذلك المخبر في كفارة الأيمان هي العتق والإطعام والكسوة فليس شيء من ذلك متنافيا وأيها فعل المرء فقد فعل ما أبيح له ولم يقل أحد إنه لو فعل الوجه الذي ترك لكان مخطئا وهذا غير ما اختلفنا فيه لأنه قد تكون أشياء كثيرة مباحة وغير ممكن أن يكون شيء واجبا تركه وواجبا فعله على إنسان واحد في وقت واحد وهذا فرق لا يشكل إلا على جاهل
واحتجوا أيضا بأن قالوا قد روي أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر أثر غزوة الخندق ألا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر إذ دخل وقتها قبل أن يبلغوا بني قريظة وقالوا لم يرد منا هذا وأخرها آخرون حتى صلوها في بني قريظة مع الليل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فلم يعنف إحدى الطائفتين
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن المجتهد المخطىء لا يعنف وكانت صلاة من صلى أمرا قد فات فلا وجه لتعنيفهم ولكن الصواب بلا شك في فعل إحدى الطائفتين ولو كنا معه ما صلينا العصر إلا في بني قريظة معه ولو نصف الليل

وقد ذكرنا أيضا الكلام في هذا الحديث في باب الكلام في الأوامر الواردة في القرآن والحديث وحملها على ظاهرها وعلى الوجوب والفور في قرب آخر ذلك الباب قبل فصل ترجمته ( كيفية ورود الأوامر )
حدثنا النباتي نا ابن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني نا بندار ثنا ابن أبي عدي ثنا شعبة عن طارق بن عبد الله عن طارق بن شهاب قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال إني أجنبت فلم أصل قال أصبت وأتاه رجل فقال إني أجنبت فتيممت وصليت فقال أصبت
قال أبو محمد وهذا كالأول سواء بسواء لأن كل مجتهد معذور ومأجور لأن الذي سأل أولا لم يكن عنده أمر التيمم بلا شك ومن هذه صفته فحكمه ألا يصلي أصلا وهو جنب حتى يتطهر والثاني كان عالما بالتيمم فأدى فرضه كما يلزمه وكان حكمهما مختلفا لا متفقا وكلاهما أصاب وجه العمل فيما عليه بقدر علمه ولم ننكر هذا إنما أنكرنا أن يكون الشيء حقا باطلا من وجه واحد في وقت واحد
وقالوا إن كان مخالفكم مخطئا ففسقوه كما يفسق الخوارج
قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا لا نفسق الخوارج ولا غيرهم ولكننا نقول من قامت عليه الحجة بحديث لا معارض له أو آية لا معارض لها أو برهان ضروري فتمادى على قوله المخالف للحق أو تناقض فاحتج في مكان مما لا يصح مثله في غير ذلك المكان وبنى عليه ذلك فتمادى على قوله الفاسد في فتيا في شيء من الفقه أو في اعتقاد فهو فاسق وكل ذلك سواء وهذا ابن عباس يقول بتخليد القائل فمن فسق القائلين بإنفاذ الوعيد فليبدأ بتفسيق ابن عباس ومن فسق ابن عباس فهو والله الفاسق حقا وابن عباس البر ابن البر الفاضل ابن الفاضل رضي الله عنهما
واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أصحابي كالنجوم
قال أبو محمد وقد تقدم إبطالنا لهذا الحديث وبينا أنه كذب في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا فأغنى عن ترداده
واحتجوا باختلاف الصحابة وأنهم لم ينقض بعضهم أحكام بعض ولا منعوا مخالفهم من الحكم بخلافهم
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنهم قد أنكر بعضهم على بعض الاختلاف في الفتيا كإنكارهم غير ذلك وقد قال ابن عباس من شاء باهلته عند

الحجر الأسود في العول في الفرائض وفي تخليد القاتل
وقال أما تخافون أن يخسف الله بكم الأرض أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وتقولون قال أبو بكر وعمر
وقال ابن عباس أأنتم أعلم أم الله تعالى يقول { لذين آمنوا يقاتلون في سبيل لله ولذين كفروا يقاتلون في سبيل لطاغوت فقاتلوا أولياء لشيطان إن كيد لشيطان كان ضعيفا }
فقلتم أنتم
لها نصف ما ترك وإن كان له ولد وهذا ابن عمر يقول إذ أمر بالمتعة في الحج فقيل له أبوك نهى عنها فقال أيهما أولى أن يتبع كلام الله أو كلام عمر
وهذا عمران بن الحصين يقول في نهي عمر عن المتعة في الحج نزل بها القرآن وعملناها مع النبي صلى الله عليه و سلم قال فيها رجل برأيه ما شاء
وهذا ابن الزبير يقول لابن عباس في متعة النساء لئن فعلتها لأرجمنك فجرب إن شئت
وهذا عمر قد فسخ بيع أمهات الأولاد وردهن حبالى من تستر وفسخ فعل أبي بكر في استرقاق نساء المرتدين وكان يضرب على الركعتين بعد العصر وكان طلحة وأبو أيوب وعائشة يصلونهما وتستر بها أبو أيوب وأبو طلحة مدة حياة عمر فلما مات عاوداهما
وقال ابن مسعود إذ سمع فتيا أبي موسى الأشعري في ابنة وابنة وابن أخت ثم قال عن ابن مسعود إنه سيوافقني في هذا فقال ابن مسعود لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين
فجعل الفتيا بالخطأ ضلالا وخلافا للهدى وهذا أكثر من أن يحاط به إلا في سفر ضخم جدا فبطل ما احتجوا به من ذلك وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بقوله عليه السلام إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما سمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار أو كما قال عليه السلام
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه بل هو حجة عليهم لأن النبي صلى الله عليه و سلم فعل ما أمر به من الحكم الظاهر من البينة أو اليمين وأخبر الناس أن ذلك لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ولا يحيل شيئا عن وجهه فلو كان حكم أحد من الحكام حقا وإن كل ما خالفه حقا لكان ذلك حكم النبي صلى الله عليه و سلم ولكان هذا بيان واضح في أن

الحق في واحد وأن ما خالفه خطأ وحكم النبي صلى الله عليه و سلم في الظاهر بأن المال لزيد هو غير وجوب كون ذلك المال ملكا على الحقيقة لزيد فهما شيئان متغايران
وإذا كانا كذلك فمن الممكن أن يكون أحدهما حقا والآخر باطلا فبطل احتجاجهم بذلك في قول الحق في وجهين مختلفين بل قد أخبر عليه السلام أن الحق حق وأن حكمه لا يحيله عن وجهه ولا يوجب إحلال المقضي به لغير صاحبه فإن قالوا مشاغبين أحكم رسول الله صلى الله عليه و سلم في ظاهر الأمر بما نهى عن أخذه في الباطن حكم بحق أو حكم بباطل فإن قلتم بباطل كفرتم وإن قلتم بحق فهو قولنا قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق لا يحل لمسلم أن يظن أن النبي صلى الله عليه و سلم يحكم بباطل وهو يعلم أنه باطل ومن أجاز هذا أو ظن جوازه فهو كافر حلال الدم والمال
ولكن القول أنه صلى الله عليه و سلم ما حكم بشهادة الشهود واليمين إلا بحق مقطوع على أنه حق كما أمره الله عز و جل وأمر المحكوم له بخلاف ما هو في باطنه حق بألا يأخذه
ثم نقول إنه قد صح يقينا أنه عليه السلام يحكم بما هو عنده حق فيوافق خلاف ما أمر الله تعالى به وهذا لا يسمى باطلا ومن سمى هذا باطلا فهو كافر وذلك نحو سلامه صلى الله عليه و سلم في الظهر أو العصر بالمدينة من ركعتين أو ثلاث وإعراضه عن الأعمى فنزل في ذلك من القرآن ما نزل ورسول الله صلى الله عليه و سلم إنما قصد في كل ذلك ما هو حق عنده
ولم يكن ذلك عند الله تعالى كذلك فصح أن الحق في واحد ولا بد فمن خالفه ناسيا أو هو يرى أنه حق فليس آثما ولكنه مأجور أجرا واحدا ومن خالفه عامدا عالما فهو إما فاسق وإما كافر إن كان خلافا للإسلام وبالله تعالى التوفيق
ويسألون عن فقيهين رأى أحدهما إباحة دم إنسان ورأى الآخر تحريمه ورأى أحدهما تارك الصلاة كافرا ولم يره الآخر كافرا ورأى أحدهما الساحر كافرا ولم يره الآخر كافرا فإن أطلقوا أن كل ذلك حق عند الله عز و جل لحقوا بالمجانين وجعلوا إنسانا واحدا كافرا في جهنم مخلدا أبد الأبد مؤمنا في الجنة مخلدا أبد الأبد وهذا غاية الجنون وليس هذا الباب من نوع ما أمرنا بإعطائه وحرم على الآخذ أخذه فهذان حكمان على إنسانين مختلفين كسائل سأل وهو غني فأعطاه المسؤول فالمعطي محسن مأجور والآخذ فاسق عاص آكل سحتا وكذلك فادي الأسير ومعطي الرشوة في دفع مظلمة
وقد جاء النص بذلك في نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن المسألة

وقالوا أيضا ما تقولون فيمن صلى أربعا وشك أصلى ثلاثا أم أربعا فأنتم تأمرونه بأن يصلي حتى يكون على يقين من أنه صلى أربعا فقد أمرتموه بركعة خامسة فأنتم قد أمرتموه بالخطأ
فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا لم نأمره قط بأن يصلي خامسة وإنما أمرناه أن يصلي أربعا لا أكثر والخامسة التي زاد فيها هو فيها مخطىء بلا شك عند الله عز و جل
وما أمر بها قط وهو يدري أنها خامسة ولكن أمر بها يقينا إذا لم يدر أنها خامسة والإثم عنه مرفوع فيها ولسنا ننكر رفع المأثم وإنما ننكر رفع الخطأ في الباطن فلو لم يصل الخامسة وهو غير موقن بأنه صلى أربعا لكان مفسدا لصلاته لأنه لم يصل الخامسة التي أمر بصلاتها ومن باب إقدامه على ترك إتمام صلاته قبل أن يوقن بتمامها فهما شيئان متغايران دخل الغلط على من أراد مزجهما
وهكذا القول في الاجتهاد في القبلة إنما هو مأمور بمقابلة المسجد الحرام فقط وغير مأمور بالصلاة إلى جهة غيرها لكن الإثم عنه مرتفع إن وافق غيرها باجتهاده وهو مخطىء وغير مأجور في ذلك وإنما يؤجر على اجتهاده لا على ما أداه إليه الاجتهاد إلا أن يكون يؤديه إلى حق فحينئذ يؤجر أجرين أجرا على الطلب وأجرا على الإصابة ولسنا نقول إن كل مجتهد فهو مأمور بما أداه إليه اجتهاده بل هذا عين الخطأ ولكنا نقول كل مجتهد فهو مأمور بالاجتهاد وبإصابة الحق والاجتهاد فعل المجتهد وهو غير الشيء المطلوب فإذا أمرنا بالطلب لا بالشيء الذي وجد ما لم يكن عين الحق والاجتهاد كله حق وهو طلب الحق وإرادته وإنما غلط من غلط لأنه توهم أن الاجتهاد هو فعل المجتهد للشيء الذي أداه إليه اجتهاده فسقطوا سقوطا فاحشا
وقال تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } فأوجب تعالى التفقه وهو طلب الحقائق في واجبات الشريعة وقال عليه السلام أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ففي هذا إيجاب إصابة الحق وفي نهيه تعالى عن الكلام بغير علم إيجاب لإصابة الحق
حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي نا ابن مفرج ثنا الصموت ثنا

البزار وهو أحمد بن عمر بن عبد الخالق نا الحسين بن مهدي نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبي سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران وإن حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر وقد شغب بعضهم في قوله صلى الله عليه و سلم في هذا الخبر إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فقال معناه فتخطى صاحب الحق
قال أبو محمد وهذا عليهم لا لهم لأنه ليس إلا خطأ أو صواب فإذا تخطى صاحب الحق فقد حصل في الخطأ ولم يأمر الله تعالى قط الحاكم بإصابة صاحب الحق لأنه تكليف ما ليس في وسعه إنما أمره بالحكم بالبينة العدلة عنده أو اليمين أو بالإقرار أو بعلمه فما حكم به من ذلك في موضعه فقد حكم بيقين الحق أصاب صاحب الحق أو لم يصب فإن قال قائل بل تخطى الخطأ قيل له هذا خروج عن المعقول لأنه إذا تخطى الخطأ قيل له هذا خروج عن المعقول لأنه إذا تخطى الخطأ فقد أصاب وإذا أصاب فمن الذي أعطي أجرا واحدا على صوابه ومن الذي أعطي أجرين على صوابه وهذا وسواس ورقة في الدين ودليل على فساد الاعتقاد وقال بعضهم لو كان الحق في واحد لكان ما خالفه ضلالا
قال أبو محمد ونعم هو ضلال ولكن ليس كل ضلال كفرا ولا فسقا إلا إذا كان عمدا وأما إذا كان عن غير قصد فالإثم مرفوع فيه كسائر الخطأ ولا فرق وقال بعضهم لو كان الحق في واحد لنص الله على ذلك نصا لا يحتمل التأويل
قال أبو محمد فالجواب أن الله تعالى قد فعل والآيات التي تلونا في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا وهو قبل هذا الباب الذي نحن فيه فإن تلك الآيات ناصة نصا جليا على أن الحق في واحد وأن سائر الأقوال كلها فاسدة وخطأ وأمره تعالى بالرد عند التنازع إلى القرآن والسنة بيان جلي أن القول الذي يشهد له النص هو الحق وهو من عند الله تعالى وما عداه باطل ليس من عنده
وقد أخبر تعالى أن الاختلاف ليس من عنده عز و جل فصح أن ما لم يكن من عنده تعالى فهو باطل فصح أن الحق في واحد ضرورة وبالله تعالى التوفيق واحتج بعضهم في ذلك بأن الحاكم مأمور بإنفاذ ما يشهد به الشاهدان العدلان عنده وقد يشهدان على باطل فهو مأمور بما هو في الباطن باطل

قال أبو محمد وهذا تمويه شديد ونعم قد أمره الله بإنفاذه شهادة هذين الشاهدين اللذين يشهدان بالباطل بل نهاه عن ردهما لأنه لا يدري أنهما فاسقان على الحقيقة أو مغفلان لا عدلان ولكن لما لم يعلمهما كذلك رفع عنه الإثم في الباطن وأمره بالحكم فهما في الظاهر وليس يدخل بهذا في جملة المجتهدين بل قد حكم بالحق المقطوع على أن الله تعالى أمره بالحكم به ولو رده لكان عاصيا لله تعالى فهذا بمنزلة ما أمرنا به من فك الأسير ففكه بالمال فرض علينا وأخذ العدو ذلك المال حرام عليه وقد بين رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا بقوله فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فقد نهى النبي صلى الله عليه و سلم من علم الحقيق عن أن ينفذ بخلاف ما يدرك أنه حق وسألت بعضهم فقلت له ما تقول فيمن لقي أجنبية فظنها زوجته فوطئها أمصيب هو محق أم مخطىء فقال لي ما حرمها الله قط عليه مع جهله بأنها أجنبية فقلت له لقد أقدمت على عظيمة في قولك إن الله تعالى لم يحرم عليه الأجنبية مع بلوغ التحريم إليه وخرقت الإجماع والنص بكذبك في قوله تعالى { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن بتغى ورآء ذلك فأولئك هم لعادون } وهذه ليست بزوجة له ولا ملك يمين فهو عاد مخطىء واطىء حرام إلا أن الإثم عنه ساقط لجهله فقط وأيضا فإذا لم تكن حراما عليه فهي بلا شك حلال له إذ ليس في العالم إلا حلال أو حرام
وقال ابن عباس ما بعث محمد صلى الله عليه و سلم إلا محرما ومحللا
قال ذلك لإنسان سمعه يقول إن النبي صلى الله عليه و سلم قال في الضب لا أحله ولا أحرمه فقال له ابن عباس ما ذكرنا أو كلاما هذا معناه فانقطع واحتج بعضهم باستخلاف أبي بكر على القضاء زيد بن ثابت وهو مخالفه في أقضية كثيرة
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأننا لا نقلد أبا بكر ولا غيره وهم يخالفون أبا بكر في عدة قضايا بلا دليل فلا ينكروا علينا خلافه حيث قام الدليل على خلاف قوله وقال بعضهم لو كان الله تعالى كلفنا إصابة الحق وإدراك الصواب لكان تعالى قد كلفنا ما لا نطيق

قال أبو محمد وهذا تمويه ضعيف وكذب القائل ما ذكرنا وما كلفنا عز و جل من ذلك إلا ما نطيق لأنه قد أدرك الصواب كثير من الناس ووجدوه وجودا صحيحا أيقنوا فيه أنهم محقون وما أمكن بعضنا فهو لسائرنا ممكن وما توفيقنا إلا بالله تعالى وقال بعضهم لو كان الناس مكلفين عين الصواب لكان على من خالفه الإعادة لكل ما عمل بغير الحق
قال أبو محمد أما ما كان من الشرائع مرتبطا بوقت محدود الأول والآخر فلا إعادة على من تركه أصلا إلا حيث جاء النص بإعادته لأنه لا سبيل إلى رجوع وقت تلك الشريعة وهي لم نؤمر بها إلا في ذلك الوقت فلا سبيل إلى أدائها إذ لا سبيل إلى الوقت الذي لا تؤدى إلا فيه كالصلاة وما أشبهها والصيام ونحوه فلا يقضي شيئا من ذلك لا جاهل ولا عامد ولا متأول حاشى الناسي والنائم للصلاة وحاشا المريض والمسافر والمتقيىء عمدا للصوم فقط وأما ما كان مرتبطا بوقت محدود الأول غير محدود الآخر أو كان غير مرتبط بوقت فهو مؤدى أبدا ومعاد ولا بد كإنسان جهل الزكاة في البر فبقي سنين مسلما مالكا لمقدار تجب فيه الزكاة منه ثم علم بعد ذلك فعليه الزكاة للسنين الخالية وكإنسان لم يعلم أن السلم في غير المكيل والموزون لا يجوز فسلم سنين جمة في حيوان أو فيما لا يكال ولا يوزن ثم علم فعليه فسخ كل ما أخذ من ذلك ورده إلى أربابه والحكم فيه كحكم الغاصب فيما بيده إذا تاب ولا فرق وكإنسان أداه اجتهاده إلى أنه لا نفقة لموروثه وذي رحمه المحرمة عليه فأقام كذلك عشرات سنين ثم علم فهي دين عليه يؤديها إليهم أبدا ويخرج من رأس ماله إن مات وهكذا في كل شيء وبالله تعالى التوفيق
وشغب بعضهم بأن العامي إذا اختلف عليه الفقهاء فإنه مخير في أقوالهم
قال أبو محمد وهذا خطأ ولسنا نقول به وقد بينا هذه المسألة في باب التقليد من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته وموه بعضهم بأن قال الميتة عين واحدة وهي حلال للمضطر حرام على غير المضطر
قال أبو محمد وهذا عين الشغب والتمويه لأننا لم ندفع نحن اختلاف حكم العين الواحدة على إنسانين متغايرين أو في وقتين مختلفين بل هذا لازم في كل عين فمال زيد حلال لزيد حرام على عمرو والأكل في شوال حلال للبالغين العقلاء وحرام عليهم في رمضان وهكذا جميع الشرائع أولها عن آخرها

وهكذا كل أحد مرة تلزمه الصلاة إذا دخل وقتها ومرة تحرم عليه قبل دخول وقتها ومرة يحرم دم زيد ومرة يحل وإنما أنكرنا أن تكون الميتة حلالا لزيد حراما عليه في وقت واحد وأن يكون البيع تاما قبل التفرق بالأبدان غير تام قبل التفرق بالأبدان والقصاص من القاتل واجبا حراما في وقت واحد فمثل هذا الجنون أنكرنا لأنه لا يصدقه ذو عقل ولا من به طباخ ولأنه شيء لا يقدر عليه أحد لأنه يؤدي إلى الوسواس وإلى أن يقال لزيد إن فعلت هذا الفعل فأنت مأجور عليه وفي الجنة وأنت آثم عليه وفي النار وفي وقت واحد ولا سبيل إلى أن يكون أحد في النار وفي الجنة في وقت واحد ولا أن يكون بفعل واحد عاصيا لله عز و جل بذلك الفعل مطيعا له في وقت واحد
فهذا الوسواس أبطلنا لا غيره مما يعقل وقال بعضهم لو كنا مكلفين إصابة الحق لكان تعالى قد نصب عليه دليلا من أصابه علم أنه أصابه ومن أخطأه علم أنه أخطأه
قال أبو محمد والجواب عن هذا أن أوائل مذاهبنا كلها نحن نقول فيها بذلك وأصل مذهبنا أن الأخذ بظاهر القرآن والحديث الصحيح حق ونحن على يقين من أننا مصيبون في ذلك وفي كل قول أدانا إليه أخذنا بظاهر القرآن والحديث الصحيح وأن من خالفنا مخطىء عند الله عز و جل ونحن على يقين من ذلك لا نشك فيه ولا يكن خلافه وإنما يخفى علينا الحق في بعض الجزئيات مثل بناء حديثين بأعيانهما لا ندري أيهما الناسخ من المنسوخ ولسنا ننكر خفاء الحق علينا في بعض هذه المواضع وقد علم غيرنا بلا شك وجه الحق فيما خفي علينا كما علمناه نحن فيما خفي على غيرنا ومن شاهد النبي صلى الله عليه و سلم وورود الأوامر منه علم اليقين فيما غاب عنا بلا شك
وقال بعضهم قد يكون الإنسان على مذهب يعضده ويقاتل عنه ويعتقد الحق فيه ثم ينتقل إلى غيره
قال أبو محمد لو قال هذا من يبطل الحقائق لكان أشبه بقوله وهذا لا معنى له لأن كل من كان على مذهب ثم تركه لآخر فإنه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما البتة إما أن يكون على حق ثم دخلت عليه شبهة لم ينعم فيها النظر ولا تقصي البرهان

على شرائطه فترك الحق للباطل وأخطأ في ذلك أو كان على مذهب لم يقم له على صحته برهان وإنما اعتقده بشبهة لم يتقص فيها طرائق البرهان فتركه لشبهة أخرى دخلت عليه فانتقل من باطل إلى مثله أو تركه لشيء يقوم عليه برهان صحيح فانتقل من باطل إلى حق فهو لا بد مغفل ضرورة ومخطىء بلا شك ومضرب عن طلب البرهان الصحيح إما أنه لم يبلغه وإما لأنه لم يتقصه ولا تأمله فلا بد له من الخطأ كما قلنا إما في اعتقاده الأول الذي انتقل عنه وإما في اعتقاده الثاني الذي انتقل إليه أو في كليهما
ونحن لم ننف الخطأ عن الناس بل أثبتناه وإنما نفينا التضاد على الحق وأن ينتقل من حق غير منسوخ إلى حق مضاد لذلك الحق الذي انتقل عنه فهذا هو المحال الذي لا سبيل إليه البتة
وقد بينا وجوه البراهين الصحاح الذي لا يصح شيء إلا بها والبرهان الذي لا يكون أبدا إلا صحيحا وبينا ما يظن أنه برهان وليس ببرهان في كتابنا الموسوم بالتقريب لحدود المنطق وهو كتاب جليل المنفعة عظيم الفائدة لا غنى لطالب الحقائق عنه فمن أحب أثلج وأن يقف على علم الحقائق فليقرأه
ثم ليقرأ كلامنا في وجوه المعارف من كتابنا الموسم بكتاب الفصل ثم ليقرأ كتابنا هذا فإنه يلوح له الحقائق دون إشكال وبالله تعالى التوفيق فإذا بطل كل ما شغبوا به بحمد الله فلنقل في إقامة البرهان على إبطال قولهم الفاسد وبالله تعالى نعتصم
فمن ذلك أن القائلين بهذه المقالة إنما يقولون بها باتفاق منهم حيث لا يوجد نص من قرآن أو سنة صحيحة على حسب اختلافهم في صفة ما يجب قبوله من السنن وأما حيث يوجد نص قرآن أو سنة فلا يسع أحدا عندهم اجتهد في خلافها بل هو مخطىء مخالفها عندهم
قال أبو محمد فإذا كان هذا قولهم فقد كفينا بحمد الله تعالى مؤونتهم لأنه لا نازلة إلا وفيها نص موجود ولو لم يكن كذلك لكان ذلك الحكم شرعا في الدين ليس من الدين وهذا تناقض وموهوا أيضا بلفظه الاجتهاد فقالوا هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد وهذا مما لا يسوغ فيه الاجتهاد
قال أبو محمد حقيقة الأمر هي أنهم إن كانوا يعنون بالاجتهاد اجتهاد المرء نفسه في طلب

حكم دينه في مظان وجوده ولا مظان لوجود الدين إلا القرآن والسنن فقد صدقوا والاجتهاد المذكور فرض على كل أحد في كل شيء من الدين فهو قولنا وإن كانوا يعنون بالاجتهاد أن يقول برأيه ما أداه إليه ظنه فهذا باطل لا يحل أصلا في شيء من الدين وإيقاع لفظه الاجتهاد على هذا المعنى باطل في الديانة وباطل في اللغة وتحريف للكلم عن مواضعه ونعوذ بالله من هذا ومما يبطل قولهم وإن كان فيما أوردنا كفاية أنهم يقولون إن كل قائل مجتهد فهو حق محق مصيب ونحن نقول إنهم في قولهم هذا مخطئون عند الله عز و جل بلا شك وإنهم فيه على باطل فإذا حكموا لنا بالصواب والصدق في قولنا فقد أقروا ببطلان قولهم لأننا محقون في قولنا أنهم مخطئون بإقرارهم وفي هذا كفاية لمن عقل ويقال لهم أفي المتكلمين في الفتيا أحد أخطأ أم لا فإن قالوا لا كابروا لأن الحس يشهد بأن الخطأ موجود وإن قالوا نعم تركوا قولهم الفاسد إن كل مجتهد مصيب ويسألون عن نهيه تعالى عن التفرق أنهي عن حق أم عن باطل فإن قالوا عن حق كفروا
وإن قالوا نهي عن باطل تركوا قولهم الفاسد وكل آية تلوناها في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا فهي مبطلة لقولهم الفاسد في هذا الباب وبالله تعالى التوفيق
ومن ذلك قوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فلم يطلق لنا تعالى البقاء على التنازع وأمرنا بالرد إلى النص والأخذ به وأيضا فإن الدين ليس موكولا إلى ما أراد القائلون أن يقولوه وقائل هذا كافر وإنما الدين مردود إلى نص إجماع فمن خالف الوجه في ذلك فهو مخطىء
وأيضا فإن الله تعالى يقول { لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين } وليس في الوسع أن يعتقد أحد كون شيء واحد حراما حلالا في وقت واحد على إنسان واحد ولا أن الدين ينتقل حكمه من تحليل إلى تحريم إذا حرم الشي مفت ما وحلله مفت آخر

وأيضا فإن المفتي ليس له أن يشرع ولا أن يحلل ولا أن يحرم وإنما عليه أن يخبر عن الله تعالى بحكمه في هذه النازلة ومن المحال أن يكون حكم الله تعالى فيها غير مستقر إما بتحليل وإما بتحريم وإما بوجوب
قوله تعالى { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } مبين أن الحكم قد استقر في كل نازلة إما بتحريم وإما بتحليل وإما بإيجاب ومن حلل وحرم باختلاف الفقهاء فقد أقر أنهم يحرمون ويحللون ويوجبون فهذا كفر ممن اعتقده وقوله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم لكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على لله لكذب إن لذين يفترون على لله لكذب لا يفلحون } مبطل لقول من قال إن الشيء يكون حراما حلالا باختلاف الفقهاء فيه ومخبر أن قائل ذلك كاذب وأنه ما حرم الله تعالى فهو حرام لا حلال وما أحله تعالى فهو حلال لا حرام وكذلك القول فيما أوجب تعالى
وقال صلى الله عليه و سلم إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فلو لم يكن علينا إصابة الحق وكنا لا يلزمنا شيء إلا الاجتهاد فقط لكان كل أحد من الناس عالما بحكم تلك المشتبهات بل كانوا ناقلين بأقوالهم للحرام البين إلى التحليل وللحلال البين إلى التحريم وهذا كفر وتكذيب للنبي صلى الله عليه و سلم
فصح لما ذكرنا أن من لم يعلم تلك المشتبهات فقد جهلها ومن جهلها فقد أخطأها ولم يصب الحق فيها وصح أن القائل في الحرام أنه حلال أو في الحلال أنه حرام مخطىء بيقين لا شك فيه وبالله تعالى التوفيق
ويلزم من قال إن كل قائل مجتهد مصيب أن يقول إن من قال إن المتأولين كفار أن يكون محقا صادقا وأن يقول إن من قال إنهم مؤمنون فساق أن يكون محقا صادقا وأن يقول إن من قال إنهم مؤمنون غير فساق أن يكون محقا صادقا فيلزم من هذا أن يكون الرجل كافرا مؤمنا فاسقا فاضلا في وقت واحد وهذا لا يقوله من يقذف بالحجارة

ويلزم من هذا أن يكون المرء في الجنة مخلدا وفي النار مخلدا في وقت واحد لأن الكافر مخلد في النار والمؤمن مخلد في الجنة فإذا كان المرء كافرا بقول من قال فيه إنه كافر ومؤمنا بقول من قال فيه إنه مؤمن فهو في الجنة وفي النار في وقت واحد وهذا ما لا يقوله إلا موسوس وكل ذلك قد قال به فضلاء أئمة من أهل العلم يعني تكفير أهل الأهواء وإبطال تكفيرهم من الصحابة والتابعين إلى هلم جرا ويكفي من هذا أن تعالى قد نص على أن سبيله واحدة وأن سائر السبل متفرقة عن سبيله
وقد نص النبي صلى الله عليه و سلم على تخطئة جماعة من الصحابة رضي الله عنهم من المجتهدين كتخطئته عليه السلام أبا بكر في تفسيره للرؤيا وعمر في قوله في هجرة المهاجرين إلى الحبشة وأسيد بن الحضير في قوله بطل جهاد عامر بن الأكوع وسائر الفتاوى التي أخطؤوا فيها كأبي السنابل في وضعه على الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين ومثل هذا كثير وبالله تعالى التوفيق
حدثنا محمد بن سعيد نا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشتي ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خالد بن سعد قال دخل أبو مسعود على حذيفة فقال اعهد إلي قال ألم يأتك اليقين قال بلى فإن الضلالة كل الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر أو تنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون في دين الله أو في أمر الله فإن دين الله واحد فبين حذيفة ووافقه أبو مسعود رضي الله عنهما وهذا نص قولنا والذي لا يجوز غيره وهو ما استقر عليه الأمر إذا مات النبي صلى الله عليه و سلم وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل


الباب السابع والعشرون في الشذوذ قال أبو محمد الشذوذ في اللغة التي خوطبنا بها هو الخروج عن الجملة وهذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما واختلف الناس في ذلك المعنى
فقالت طائفة الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في الإجماع من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق فهو محمود ممدوح والشذوذ مذموم بإجماع فمحال أن يكون المرء محمودا مذموما من وجه واحد في وقت واحد وممتنع أن يوجب شيء واحد الحمد والذم معا في وقت واحد من وجه واحد وهذا برهان ضروري وقد خالف جميع الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر في حرب أهل الردة فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم فكان هو وحده المصيب فبطل القول المذكور
وقال طائفة الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليه وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا وهذا المعنى لو وجد نوع من أنواع الشذوذ وليس حدا للشذوذ ولا رسما له وهذا الذي ذكروا لو وجد شذوذ وكفر معا لما قد بينا في باب الكلام في الإجماع أن من فارق الإجماع وهو يوقن أنه إجماع فقد كفر مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال وليت شعري متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد فيتفقون ثم يخالفهم واحد منهم والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم والجماعة والجملة هم أهل الحق ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة وهو الجملة
وقد أسلم أبو بكر وخديجة رضي الله عنهما فقط فكانا هم الجماعة وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل الشذوذ وفرقة وهذا الذي قلنا لا خلاف فيه بين العلماء وكل من خالف فهو راجع إليه ومقربه شاء أو أبى والحق هو

الأصل الذي قامت السموات والأرض به قال الله تعالى { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل } فإذا كان الحق هو الأصل فالباطل خروج عنه وشذوذ منه فلما لم يجز أن يكون الحق شذوذا
وليس إلا حق أو باطل صح أن الشذوذ هو الباطل وهذا تقسيم أوله ضروري وبرهان قاطع كاف ولله الحمد
ويسأل من قال إن الشذوذ هو مفارقة الواحد للجماعة ما تقول في خلاف الاثنين للجماعة فإن قال هو شذوذ سئل عن خلاف الثلاثة للجماعة ثم يزاد واحدا واحدا هكذا أبدا فلا بد له من أحد أمرين إما أن يجد عددا ما بأنه شذوذ وإن ما زاد عليه ليس شذوذا فيأتي بكلام فاسد لا دليل عليه فيصير شاذا على الحقيقة أو يتمادى حتى يخرج عن المعقول وعن إجماع الأمة فيصير شاذا على الحقيقة أيضا ولا بد له من ذلك وبالله تعالى التوفيق
فكل من أداه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن إلى قول ما ولم يعرف أحد قبله قال بذلك القول ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان ومن خالفه فقد خالف الحق ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى قال تعالى { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل به بل أنكر تعالى ذلك على من قاله إذ يقول عز و جل حاكيا عن الكفار منكرا عليهم أنهم قالوا { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق }
قال أبو محمد ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع التابعين وجميع الفقهاء بعدهم لأن المسائل التي تكلم فيها الصحابة رضي الله عنهم من الاعتقاد أو الفتيا فكلها محصور مضبوط معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم فكل مسألة لم يرو فيها قول عن صاحب لكن عن تابع فمن بعده فإن ذلك التابع قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها قول عن صاحب ولا تابع وتكلم فيها الفقهاء بعدهم فإن ذلك الفقيه قد قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله ومن ثقف هذا الباب فإنه يجد لأبي حنيفة ومالك والشافعي أزيد من عشرة

آلاف مسألة لم يقل فيها أحد قبلهم بما قالوه فكيف يسوغ هؤلاء الجهال للتابعين ثم لمن بعدهم أن يقولوا قولا لم يقله أحد قبلهم ويحرم ذلك على من بعدهم إلينا ثم إلى يوم القيامة فهذا من قائله دعوى بلا برهان وتخرص في الدين وخلاف الإجماع على جواز ذلك لمن ذكرنا فالأمر كما ذكرنا فمن أراد الوقوف على ما ذكرنا فليضبط كل مسألة جاءت عن أحد من الصحابة فهم أول هذه الأمة ثم ليضرب بيده إلى كل مسألة خرجت عن تلك المسائل فإن المفتي فيها قائل بقول لم يقله أحد قبله إلا أن بيننا نحن وبين غيرنا فرقا وهو أننا لا نقول في مسألة قولا أصلا إلا وقد قاله تعالى في القرآن أو رسوله عليه السلام فيما صح عنه وكفى بذلك أنسا وحقا
وأما من خالفنا فإن أكثر كلامه فيما لم يسبق إليه فمن رأيه وكفى بهذا وحشة
والحمد لله رب العالمين كثيرا وصلى الله على محمد خاتم النبيين وحسبنا الله ونعم الوكيل


الباب الثامن والعشرون في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا وتسمية الفقهاءالمذكورين في الاختلاف بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم
قال أبو محمد أما الصحابة رضي الله عنهم فهو كل من جالس النبي صلى الله عليه و سلم ولو ساعة وسمع منه ولو كلمة فما فوقها أو شاهد منه عليه السلام أمرا يعيه ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ماتوا على ذلك ولا مثل من نفاه عليه السلام باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه فمن كان كما وصفنا أولا فهو صاحب وكلهم عدل إمام فاضل رضي فرض علينا توقيرهم وتعظيمهم وأن نستغفر لهم ونحبهم وتمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك وجلسة من الواحد منهم مع النبي صلى الله عليه و سلم أفضل من عبادة أحدنا دهره كله وسواء كان من ذكرنا على عهده عليه السلام صغيرا أو بالغا فقد كان النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم أجمعين من أبناء العشر فأقل إذ مات النبي صلى الله عليه و سلم
وأما الحسين فكان حينئذ ابن ست سنين إذ مات الرسول صلى الله عليه و سلم وكان محمود بن الربيع ابن خمس سنين إذ مات النبي صلى الله عليه و سلم وهو يعقل مجة مجها النبي صلى الله عليه و سلم في وجهه من ماء بئر دارهم وكلهم معدودون في خيار الصحابة مقبولون فيما رووا عنه عليه السلام أتم القبول وسواء في ذلك الرجال والنساء والعبيد والأحرار
وأما من أدرك رسول الله صلى الله عليه و سلم بعقله وسنه إلا أنه لم يلقه فليس من الصحابة ولكنه من التابعين وكأبي عثمان النهدي وأبي رجاء العطاردي وشريح بن الحارث القاضي وعلقمة والأسود ومسروق وقيس بن أبي حازم والرحيل الجعفي ونباتة الجعفي وعمرو بن ميمون وسلمان بن ربيعة الباهلي وزيد بن صوحان وأبي مريم الحنفي وكعب بن سور وعمرو بن يثربي وغيرهم وأعداد لا يحصهم إلا خالقهم عز و جل ومن هؤلاء من أفتى أيام عمر بن الخطاب وقضى بين الناس زمن عمر وعثمان
وأما من ارتد بعد النبي صلى الله عليه و سلم وبعد أن لقيه وأسلم ثم راجع الإسلام وحسنت حاله كالأشعث بن قيس وعمرو بن معدي كرب وغيرهما فصحبته له معدودة وهو

بلا شك من جملة الصحابة لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم أسلمت على ما سلف لك من خير وكلهم عدول فاضل من أهل الجنة قال الله تعالى { محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } وقال تعالى { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل لله ولله ميراث لسماوات ولأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل لفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من لذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد لله لحسنى ولله بما تعملون خبير } وقال تعالى { إن لذين سبقت لهم منا لحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما شتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم لفزع لأكبر وتتلقاهم لملائكة هذا يومكم لذي كنتم توعدون }
قال أبو محمد هذه مواعيد الله تعالى ووعد الله مضمون تمامه وكلهم ممن مات مؤمنا قد آمن وعمل الصالحات وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم دعوا لي أصحابي فلو كان لأحدكم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقد قال قوم إنه لا يكون صاحبا من رأى النبي صلى الله عليه و سلم مرة واحدة لكن من تكررت صحبه
قال أبو محمد وهذا خطأ بيقين لأنه قول بلا برهان ثم نسأل قائله عن حد التكرار الذي ذكر وعن مدة الزمان الذي اشترط فإن حد في ذلك حدا كان زائدا في التحكم بالباطل وإن لم يجد في ذلك حدا كان قائلا بما لا علم له به وكفى بهذا ضلالا وبرهان بطلان قوله أيضا إن اسم الصحبة في اللغة إنما هو لمن ضمته مع

آخر حالة ما فإنه قد صحبه فيها فلما كان من رأى النبي صلى الله عليه و سلم وهو غير منابذ له ولا جاحد لنبوته قد صحبه في ذلك الوقت وجب أن يسمى صاحبا وأما التابعون ومن بعدهم فإنما لنا ظواهر أحوالهم إذ لا شهادة من الله تعالى لأحد منهم بالنجاة وليس كل التابعين فمن بعدهم عدلا فإنما يراعى أحوالهم فمن ظهر منه الفضل والعلم فهو مقبول النقل
قال أبو محمد وقد غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم هوازن بحنين في اثني عشر ألف مقاتل كلهم يقع عليهم اسم الصحبة ثم غزا تبوك في أكثر من ذلك ووفد عليه جميع البطون من جميع قبائل العرب وكلهم صاحب وعددهم بلا شك يبلغ أزيد من ثلاثين ألف إنسان ووفد عليه صلى الله عليه و سلم وفود الجن فأسلموا وصح لهم اسم الصحبة وأخذوا عنه صلى الله عليه و سلم القرآن وشرائع الإسلام وكل من ذكرنا ممن لقي النبي صلى الله عليه و سلم وأخذ عنه فكل امرىء منهم إنسهم وجنهم فلا شك أفتى أهله وجيرانه وقومه
هذا أمر يعلم ضرورة ثم لم ترو الفتيا في العبادات والأحكام إلا عن مائة ونيف وثلاثين منهم فقط من رجل وامرأة بعد التقصي الشديد فكيف يسع من له رمق من عقل أو مسكة من دين وشعبة من حياء أن يدعي عليهم الإجماع فيما لا يوقن أن جميعهم قال به وعلمه لا سيما وإنما ننازعهم في دعوى الإجماع عليهم في الخطأ المخالف لكلام الله عز و جل في القرآن والثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذا هو العجب وفيما ذكرنا يقين العلم بكذب من ادعى الإجماع على ما يمكن أن يخفى من أحكام القرآن والسنن فكيف على خلاف القرآن والسنن
قال أبو محمد وهذا حين نذكر إن شاء الله تعالى اسم كل من روى عن مسألة فما فوقها من الفتيا من الصحابة رضي الله عنهم وما فات منهم إن كان فات إلا يسيرا جدا ممن لم يرو عنه أيضا إلا مسألة واحدة أو مسألتان وبالله تعالى التوفيق
المكثرون من الصحابة رضي الله عنهم فيما روي عنهم من الفتيا عائشة أم المؤمنين عمر بن الخطاب ابنه عبد الله علي بن أبي طالب عبد الله بن العباس عبد الله بن مسعود زيد بن ثابت فهم سبعة يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر صخم وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين

المأمون فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابا وأبو بكر المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث
والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا رضي الله عنهم أم سلمة أم المؤمنين أنس بن مالك أبو سعيد الخدري أبو هريرة عثمان بن عفان عبد الله بن عمرو بن العاص عبد الله بن الزبير أبو موسى الأشعري سعد بن أبي وقاص سلمان الفارسي جابر بن عبد الله معاذ بن جبل وأبو بكر الصديق
فهم ثلاثة عشر فقط
يمكن أن يجمع من فتيا كل امرىء منهم جزء صغير جدا ويضاف أيضا إليهم طلحة الزبير عبد الرحمن بن عوف عمران بن الحصين أبو بكرة عبادة بن الصامت معاوية بن أبي سفيان
والباقون منهم رضي الله عنهم مقلون في الفتيا لا يروي الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك فقط يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث وهم رضي الله عنهم أبو الدرداء أبو اليسر أبو سلمة المخزومي أبو عبيدة بن الجراح سعيد بن زيد الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب النعمان بن بشير أبو مسعود أبي بن كعب أبو أيوب أبو طلحة أبو ذر أم عطية صفية أم المؤمنين حفصة أم المؤمنين أم حبيبة أم المؤمنين أسامة بن زيد جعفر بن أبي طالب البراء بن عازب قرظة بن كعب أبو عبد الله البصري نافع أخو أبي بكرة لأمه المقداد بن الأسود أبو السنابل بن بعكك الجارود العبدي ليلى بنت قائف أبو محذورة أبو شريح الكعبي أبو برزة الأسلمي أسماء بنت أبي بكر أم شريك الحولاء بنت تويت أسيد بن الحضير الضحاك بن قيس حبيب بن مسلمة عبد الله بن أنيس حذيفة بن اليمان ثمامة بن أثال
عمار بن ياسر عمرو بن العاص أبو الغادية الجهني السلمي أم الدرداء الكبرى الضحاك بن خليفة المازني الحكم بن عمرو الغفاري وابصة بن معبد الأسدي عبد الله بن جعفر عوف بن مالك عدي بن حاتم عبد الله بن أبي أوفى
عبد الله بن سلام عمرو بن عبسة عتاب بن أسيد عثمان بن أبي العاص عبد الله

بن سرجس عبد الله بن رواحة عقيل بن أبي طالب عائذ بن عمرو أبو قتادة عبد الله بن معمر العدوي عمير بن سعد عبد الله بن أبي بكر الصديق عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عاتكة بنت زيد بن عمرو عبد الله بن عوف الزهري سعد بن معاذ أبو منيب سعد بن عبادة قيس بن سعد عبد الرحمن بن سهل سمرة بن جندب سهل بن سعد الساعدي معاوية بن مقرن سويد بن مقرن معاوية بن الحكم سهلة بنت سهيل أبو حذيفة بن عتبة سلمة بن الأكوع زيد بن أرقم جرير بن عبد الله البجلي جابر بن سمرة جويرية أم المؤمنين حسان بن ثابت حبيب بن عدي قدامة بن مظعون عثمان بن مظعون ميمونة أم المؤمنين مالك بن الحويرث أبو أمامة الباهلي محمد بن مسلمة خباب بن الأرت خالد بن الوليد ضمرة بن العيص طارق بن شهاب ظهير بن رافع رافع بن خديج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم فاطمة بنت قيس هشام بن حكيم بن حزام أبوه حكم بن حزام شرحبيل بن السمط أم سليم دحية بن خليفة الكلبي ثابت بن قيس بن الشماس ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم سرق المغيرة بن شعبة بريدة بن الحصيب الأسلمي رويفع بن ثابت أو حميدة أو أسيد فضالة بن عبيد رجل يعرف بأبي محمد روينا عنه وجوب الوتر ( هو من الأنصار اسمه مسعود بن أوس نجاري بدري ) زينب بنت أم المؤمنين أم سلمة عتبة بن مسعود بلال المؤذن مكرز عرفة بن الحارث سيار بن روح أو روح بن سيار أبو سعيد بن المعلى العباس بن عبد المطلب بسر بن أبي أرطاة ويقال بسرة بن أرطاة صهيب بن سنان أم أيمن أم يوسف ماعز الغامدية
وأما فقهاء التابعين الذين روي عنهم الفتيا فمن بعدهم فنحن إن شاء الله تعالى نذكر من عرف منهم على البلاد المشهورة في صدر الإسلام خاصة وأما بعد ذلك فلا يحصيهم إلا الله عز و جل
مكة أعزها الله عطاء بن رباح مولى أم كرز الخزاعية طاوس بن كيسان الفارسي والأسود والد عثمان بن الأسود مجاهد بن جبر عبيد بن عمر الليثي ابنه عبد الله بن عبيد عمرو

بن دينار عبد الله بن أبي مليكة عبد الله بن سابط عكرمة مولى ابن عباس وهؤلاء من أصحاب ابن عباس رضي الله عنهم وقد أخذوا أيضا عن ابن عمر وأم المؤمنين عائشة وعلي جابر ثم أبو الزبير المكي وعبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وعبد الله بن طاوس ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح سفيان بن عيينة وكان أكثر فتياه في المناسك وكان يتوقف في الطلاق وبعدهم مسلم بن خالد الزنجي سعيد بن سالم القداح وبعدهما محمد بن إدريس الشافعي ثم ابن عمه إبراهيم بن محمد الشافعي أبو بكر عبد الله ابن الزبير الحميدي أبو الوليد موسى بن أبي الجارود ثم أبو بكر بن أبي مسرة ثم غلب عليهم تقليد الشافعي إلا من لا نقف الآن على اسمه منهم
المدينة أعزها الله وحرسها سعيد بن المسيب المخزومي وكان على بنت أبي هريرة وأخذ عنه كثيرا وعن سعد بن أبي وقاص وغيره عروة بن الزبير بن العوام القسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأخذ عن عائشة أم المؤمنين عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي وأخذ عن ابن عباس خارجة بن زيد بن ثابت وأخذ عن أبيه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي سليمان بن يسار أخذ عن أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة وعن غيرهما من الصحابة وهؤلاء هم الفقهاء السبعة المشهورون في المدينة
وكان من أهل الفتيا أيضا فيها أبان بن عثمان بن عفان وأخذ عن أبيه عبد الله وسالم ابنا عبد الله بن عمر أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ابنه محمد وأخذ عن جابر أبو بكر بن سليمان أبي خيثمة العدوي عدي قريش نافع مولى ابن عمر روينا عنه نحو عشر مسائل من فتياه عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أخي أبي أمامة أسعد بن زرارة رضي الله عنه وذكر سفيان أنها كانت تستفتى في البيوع وأخذت عن عائشة وعن الصواحب الأنصاريات ومروان بن الحكم قبل أن يقوم بالشام وكان دون هؤلاء وبعدهم أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابناه

محمد وعبد الله عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وابنه محمد عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية وهو محمد بن علي بن أبي طالب جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق مصعب بن محمد بن شرحبيل العبدري محمد بن المنكدر التيمي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري
وقد جمع محمد بن أحمد بن مفرج فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري أبو الزناد عبد الله بن يزيد بن هرمز عمر بن حسين سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ربيعة بن أبي عبد الرحمن مولى بن تميم من قريش وهو ربيعة الرأي العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي زيد بن أسلم عثمان بن عروة بن الزبير صفوان بن سليم إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي
ثم كان بعد هؤلاء عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشي العامري محمد بن إسحاق مالك بن أنس عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ولي قضاء المدينة وبفتياه ضرب جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس مالك بن أنس وبعدهم أصحاب مالك كعبد العزيز بن أبي حازم والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ومحمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة وله ديوان كبير جدا سماعه من مالك وعبد الله بن نافع الأعور الصائغ وعبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ومطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار وأبو مصعب أحمد بن بكر الحارث بن أبي زرارة بن المصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وهو آخر من بقي من الفقهاء المشاهير بالمدينة ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين أيام المتوكل وولي قضاء المدينة وقل العلم بها بعد ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل

فقهاء البصرة بعد الصحابة رضي الله عنهم عمرو بن سلمة الجرمي وأدرك النبي صلى الله عليه و سلم ولأبيه صحبة أبو مريم الحنفي كعب بن سور عمرو بن يثربي والحسن بن أبي الحسن وأدرك خمسمائة من الصحابة
وقد جمع بعض الفقهاء فتياه في سبعة أسفار ضخمة جابر بن زيد أبو الشعثاء أخذ عن ابن عباس محمد بن سيرين يحيى بن يعمر أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي مسلم بن يسار أبو العالية الرياحي مولى بكر بن عبد الله المزني حميد بن عبد الرحمن مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي زرارة بن أوفى أبو بردة بن أبي موسى الأشعري معبد بن عبد الله عكيم الجهني عبد الملك بن يعلى الليثي القاضي بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري وهؤلاء لقوا أكابر الصحابة رضي الله عنهم
ثم كان بعدهم أيوب بن كيسان السختياني سليمان بن طرخان التيمي مولى يونس بن عبيد عبد الله بن عون خالد بن أبي عمران القاسم بن ربيعة أشعث بن عبد الملك الحمراني حفص بن سليمان المنقري قتادة بن دعامة السدوسي إياس بن معاوية القاضي
وبعدهم سوار بن عبد الملك القاضي العنبري أبو بكر العتكي عثمان بن مسلم البتي طلحة بن إياس القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي أشعث بن جابر عمرو بن عبيد ثم كان بعد هؤلاء عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي سعيد بن أبي عروبة حماد بن سلمة حماد بن زيد عبد الله بن داود الخريبي إسماعيل بن علية بشر بن المفضل بن لاحق معاذ بن معاذ العنبري أبو عاصم الضحاك بن مخلد معمر بن راشد قريش بن أنس عبيد الله بن معاذ محمد بن عبد الله الأنصاري كلثوم بن كلثوم
ثم دخل عندهم رأي أبي حنيفة بيوسف بن خالد وغيره ورأى مالك بأحمد بن المعذل إلا قليلا ممن لم يبلغنا أمره
وممن بلغنا ذكره كسليمان بن حرب الواشجي فإنه كان جاريا على السنن الأولى في فتياه وإبراهيم بن علية ويحيى بن أكثم القاضي وعبد السلام بن عمر ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وخالد بن الحارث الهجيمي وعبد الوارث بن سعيد التنوري وشعبة بن الحجاج
ونظرائهم من أئمة المحدثين ممن لا شك في سعة علمه بالسنن والآثار عن الصحابة وفي

أنه كان لا يقلد أحدا في دينه
فهم معدودون فيمن ذكرنا ولكن فتاويهم قليلة جدا وإنما كانوا يعولون في فتياهم على ما رووا من فتاوى الصحابة والتابعين ولا يكادون في كثير ممن ذكرنا لا يحفظ عنه إلا المسألة والمسألتين ونحو ذلك وكثير منهم أكثر من الفتيا جدا
فقهاء الكوفة بعد الصحابة رضي الله عنهم علقمة بن قيس النخعي الأسود بن يزيد النخعي وهو عم علقمة أخو أبيه أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني مسروق بن الأجدع الهمداني عبيدة السلماني شريح بن الحارث الكندي القاضي سلمان بن ربيعة الباهلي زيد بن صوحان سويد بن غفلة الحارث بن قيس الجعفي عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أخو الأسود بن يزيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي خيثمة بن عبد الرحمن أبو حذيفة سلمة بن صهيب أبو عطية مالك بن عامر أبو الأخوص عبد الله بن سخيرة رزبن حبيش الأسدي خلاس بن عمرو وهو من أصحاب علي رضي الله عنه
عمرو بن ميمون الأودي من أصحاب معاذ بن جبل همام بن الحارث نباتة الجعفي الحارث بن سويد زيد بن معاوية النخعي معضد الشيباني الربيع بن خيثم الثوري عتبة بن فرقد السلمي ابنه عمرو صلة بن زفر العبسي شريك بن حنبل أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي عبيد بن نضلة
وهؤلاء أصحاب ابن مسعود وعلي وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين ويستفتيهم الناس وأكابر الصحابة أحياء حاضرون يجوزون لهم ذلك وأكثرهم قد أخذ عن عمر بن الخطاب وعائشة أم المؤمنين وعلي وغيرهم ولقي عمر بن ميمون معاذ بن جبل وصحبه وأخذ عنه ففعل ذلك وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده ويضاف إلى هؤلاء أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري
وأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة وميسرة وزاذان والضحاك المسرفي
ثم كان بعدهم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي وسعيد بن جبير مولى بني أسد

صاحب ابن عباس والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي وأبو بكر بن أبي موسى الأشعري وكان سائر إخوته بالبصرة ومحارب بن دثار سدوسي والحكم بن عتيبة وجبلة بن سحيم الشيباني وصحب ابن عمر
ثم كان بعد هؤلاء حماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر السلمي والمغيرة بن مقسم الضبي وسليمان الأعمش مولى بني أسد ومصعر بن كدام الهلالي
ثم كان بعد هؤلاء محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي وعبد الله بن شبرمة القاضي الضبي وسعيد بن أشوع القاضي وشريك القاضي النخعي والقاسم بن معن وسفيان بن سعيد الثوري وأبو حنيفة النعمان بن ثابت والحسن بن صالح بن حي
ثم كان بعدهم حفص بن غياث القاضي ووكيع بن الجراح وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي وزفر بن الهزيل بصري سكن الكوفة وحماد بن أبي حنيفة والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي ومحمد بن الحسن قاضي الرقة وعافية القاضي وأسد بن عمرو ونوح بن دراج القاضي وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافى بن عمران وصاحبي الحسن بن حي حميد الرؤاسي ويحيى بن آدم وقوم من أصحاب الحديث لم يشتهروا بالفتيا
ثم غلب عليهم تقليد أبي حنيفة وإنما ذكرنا من ذكرنا من أصحاب أبي حنيفة دون سائرهم لأنهم لم يستهلكوا في التقليد بل خالفوه باختيارهم في كثير من الفقه فدخلوا من أجل ذلك في جملة الفقهاء
وكذلك من ذكرنا في فقهاء المدينة من أصحاب مالك ومن نذكره منهم في فقهاء أهل مصر
وأما من استهلك في التقليد فلم يخالف صاحبه في شيء فليس أهلا أن يذكر في أهل الفقه ولا يستحق أن يلحق اسمه في أهل العلم لأنه ليس منهم ولكنه كمثل الحمار يحمل أسفارا
وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل
فقهاء أهل الشام بعد الصحابة رضي الله عنهم أبو إدريس الخولاني ولقي معاذا وأخذ عنه شرحبيل بن الصمت عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي وطلب بالمدينة
وجنادة بن أبي أمية وسليمان بن حبيب المحاربي والحارث بن عميرة الزبيدي وخالد بن معدان وعبد الرحمن بن غنم الأشعري وجبير بن نفير ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير ومكحول وعمر

بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة وكان عبد الملك بن مروان يعد في الفقهاء قبل أن يلي ما ولي وحدير بن كريب
ثم كان بعد هؤلاء يحيى بن حمزة القاضي وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وإسماعيل بن أبي المهاجر وسليمان هو مولى ابن موسى الأموي وسعيد بن عبد العزيز ثم مخلد بن الحسين والوليد بن مسلم والعباس بن يزيد صاحب الأوزاعي وشعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك
ثم لم يكن بعد هؤلاء في الشام فقيه مشهور
فقهاء مصر بعد الصحابة رضي الله عنهم يزيد بن أبي حبيب وبكير بن عبد الله بن الأشج وبعدهما عمرو بن الحارث وقد روي عن ابن وهب أنه قال لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره وهو أنصاري والليث بن سعد وعبيد الله بن أبي جعفر وبعدهم أصحاب مالك كعبد الله بن وهب وعثمان بن كنانة وأشهب وابن القاسم على غلبة تقليد مالك عليه إلا في الأقل
ثم أصحاب الشافعي كأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم
ثم غاب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي إلا قوما قليلا لهم اختيارات كمحمد بن يوسف وأبي جعفر أحمد بن محمد الصحاوي وغيرهما
وكان بالقيروان سحنون بن سعيد وله كثير من الاختيار وسعيد بن محمد بن الحداد
وكان بالأندلس ممن له أيضا شيء من الاختيار يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وبقي بن مخلد وقاسم بن محمد صاحب الوثائق يحفظ لهم فتاوى يسيرة
وكذلك أسلم بن عبد العزيز القاضي ومنذر بن سعيد
وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في الاختلاف مسعود بن سليمان بن مفلت ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري

وكان باليمن مطرف بن مازن قاضي صنعاء وعبد الرزاق بن همام وهشام بن يوسف ومحمد بن ثور وسماك بن الفضل
والأئمة المتقدمين من أهل الثبات على السنن الأول ولكنهم ليسوا في أعداد أهل الأمصار منهم خراسانيون ومنهم من سكن بغداد
قال أبو محمد عبد الله بن المبارك الخراساني ونعيم بن حماد وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي بغدادي وأحمد بن محمد بن حنبل مروزي سكن بغداد وإسحاق بن راهويه نيسابوري سكن بغداد وأبو عبيد القاسم بن سلام اللغوي كوفي سكن بغداد وسليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وحسين بن علي الكرابيسي بغدادي وكان أبو خيثمة زهير بن حرب يجري مجراهم ولم يكن له اتساعهم وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي صليبة وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازيان وكان هشيم بن بشير له اختيارات
وكان بعد هؤلاء داود بن علي ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن إسماعيل البخاري ثم محمد بن جرير الطبري ومحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري وأصحاب داود كمحمد ابنه وعبد الله بن أحمد بن المغلس وعبد الله بن محمد رويم وعبد الله بن محمد الرضيع وأبي بكر بن النجار وأبي بكر أحمد بن محمد الأواني والخلال وأبي الطيب محمد بن أحمد الدياجي بغداديون كلهم
ومن نظرائهم ولكنهم من أصحاب القياس أبو عبيد علي بن حرب قاضي مصر وأبو إسحاق إبراهيم بن جعفر بن جابر قاضي حلب وكانا مائلين إلى الشافعي ومن هؤلاء أيضا محمد بن شجاع البلخي وأحمد بن أبي عمران وبكار بن قتيبة بصري ولي قضاء مصر وبها مات
فهؤلاء أيضا لهم اختيارات وإن كانوا في الأغلب لا يفارقون أبا حنيفة وأصحابه زفر وأبا يوسف ومحمد بن الحسن
قال أبو محمد وهذا الباب له منفعة عظيمة في تكذيب دعوى الإجماع في مسائل الفقه التي لا تعم أقوال الناس فيها إلا بالرواية فهؤلاء الذين ذكرناهم الذين يعتد خصومنا بأقوالهم في الخلاف وبإجماعهم في الإجماع بعد إجماع الصحابة وهؤلاء الذين رويت عنهم الأقوال في مسائل الفقه

وكثير من هؤلاء لا يحفظ عنهم إلا المسألتان والثلاث وربما فاتنا من لم نذكر إلا أنهم بلا شك يسير وممن لا يحفظ عنه إلا اليسير جدا ونحن بشر والكمال من الناس للنبيين عليهم السلام ولمن وصفه النبي عليه الصلاة و السلام بالكمال وبالله تعالى التوفيق
فإذا لم يضبط من التابعين إلا من سمينا وكل من يدري شيئا من الأخبار يوقن قطعا بأنهم ملؤوا الأرض من أقصى السند وأقصى خراسان إلى أرمينية وأذربيجان إلى الموصل وديار ربيعة وديار مضر إلى الشام إلى مصر إلى أفريقيا إلى أقصى الأندلس إلى أقاصي بلاد البربر إلى الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب إلى العراق إلى الأهواز إلى فارس إلى كرمان إلى سجستان إلى كابل إلى السند وأصبهان وطبرستان وجرجان والجبال وأن جميع هذه البلاد فشا فيها الإسلام وغلب عليها ولله تعالى الحمد
وإنه لم يكن للمسلمين في جميع ما ذكرنا من البلاد ولا قرية ضخمة إلا كان فيها المفتي والمقرىء وربما أكثر من واحد فكيف يسوغ لدى عقل له حظ من دين يخاف الله تعالى في الكذب ويتقي العار والشهرة والافتضاح بالإفك على كل مفت كان في البلاد المذكورة في دعواه الإجماع على ما لا يتيقن أن كل واحد من مفتي جميع تلك البلاد قال به وإذا كان ممن سميناهم جزءا يسيرا ممن لم يبلغنا اسمه لا يوجد لأكثرهم إلا مسائل يسيرة جدا وهم عدد يسير فأين فتاويهم في سائر ما لم يرد عنهم فكيف بمن لم يسم منهم
فصح يقينا أنه لا يحصي جميع أقوال التابعين
ثم أقوال أهل عصر بعدهم في كل نازلة إلا الله تعالى خالقهم الذي لا يخفى عليه شيء من خلقه
ووالله ما أحصت الملائكة ذلك لأن كل ملك إنما يحصي أقوال من جعل عليه حفيظا ورقيبا عتيدا لا قول من سواه فكيف أن يتعاطى الاحصاء لذلك كله من لم يؤت العلم إلا قليلا
فوضح وضوحا كالشمس في يوم صحو أن كل من ادعى الإجماع على ما عدا ما قد جاء اليقين بأن من لم يقله لم يكن مسلما فهو كاذب آفك مفتر ونعوذ بالله من الكذب على كافر واحد فكيف على ناس كثير فكيف على مؤمن فكيف على جميع علماء أهل الإسلام أولهم عن آخرهم
قديما وحديثا هذا أمر تقشعر منه الجلود ونعوذ بالله العظيم من الخذلان ثم إنه لا سبيل أن يوجد في مسألة ذكر قول لكل من سمينا على قلتهم فيمن لم نسم وإنما يوجد في المسألة رواية عن بضع عشر رجلا فأقل مختلفين أيضا
ومن عنى بروايات المصنفات والأحاديث المنثورة وقف على ما قلنا يقينا
وكل هذا مبين كذب من ادعى الإجماع على غير ما ذكرنا
وبالله تعالى التوفيق


الباب التاسع والعشرون في الدليل قال أبو محمد ظن قوم بجهلهم أن قولنا بالدليل خروج منا عن النص والإجماع وظن آخرون أن القياس والدليل واحد فأخطؤوا في ظنهم أفحش خطأ
ونحن إن شاء الله عز و جل نبين الدليل الذي نقول به بيانا يرفع الإشكال جملة فنقول وبالله تعالى التوفيق الدليل مأخوذ من النص ومن الإجماع
فأما الدليل المأخوذ من الإجماع فهو ينقسم أربعة أقسام كلها أنواع من أنواع الإجماع وداخلة تحت الإجماع وغير خارجة عنه وهي استصحاب الحال وأقل ما قيل وإجماعهم على ترك قولة ما وإجماعهم على أن حكم المسلمين سواء وإن اختلفوا في حكم كل واحدة منها وهذه الوجوه قد بيناها كلها في كلامنا في الإجماع فأغنى عن تردادها
وبالله تعالى التوفيق
وأما الدليل المأخوذ من النص فهو ينقسم أقساما سبعة كلها واقع تحت النص أحدها مقدمتان تنتج نتيجة ليست منصوصة في إحداهما كقوله صلى الله عليه و سلم كل مسكر خمر وكل خمر حرام النتيجة كل مسكر حرام فهاتان المقدمتان دليل برهاني على أن كل مسكر حرام
وثانيها شرط معلق بصفة فحيث وجد فواجب ما علق بذلك الشرط مثل قوله تعالى { ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون } فقد صح بهذا أن من انتهى غفر له
وثالثها لفظ يفهم منه معنى فيؤدى بلفظ آخر وهذا نوع من تسميه أهل الاهتبال بحدود الكلام المتلائمات مثل قوله تعالى { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } فقد فهم من هذا فهما ضروريا أنه ليس بسفيه وهذا هو معنى واحد يعبر عنه بألفاظ شتى كقولك الضيغم والأسد والليث والضرغام وعنبسة فهذه كلها أسماء معناها واحد وهو الأسد

رابعها أقسام تبطل كلها إلا واحدا فيصح ذلك الواحد مثل أن يكون هذا الشيء إما حرام فله حكم كذا وإما فرض له حكم كذا وإما مباح فله حكم كذا فليس فرضا ولا حراما فهو مباح له حكم كذا أو يكون قوله يقتضي أقساما كلها فاسد فهو قول فاسد
وخامسها قضايا واردة مدرجة فيقتضي ذلك أن الدرجة العليا فوق التالية لها بعدها وإن كان لم ينص على أنها فوق التالية مثل قولك أبو بكر أفضل من عمر وعمر أفضل من عثمان فأبو بكر بلا شك أفضل من عثمان
وسادسها أن نقول كل مسكر حرام فقد صح بهذا أن بعض المحرمات مسكر وهذا هو الذي تسميه أهل الاهتبال بحدود الكلام عكس القضايا وذلك أن الكلية الموجبة تنعكس جزئية أبدا
وسابعها لفظ ينطوي فيه معان جمة مثل قولك زيد يكتب فقد صح من هذا اللفظ أنه حي وأنه ذو جارحة سليمة يكتب بها وأنه ذو آلات يصرفها ومثل قوله تعالى { كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } فصح من ذلك أن زيدا يموت وأن هندا تموت وأن عمرا يموت وهكذا كل ذي نفس وإن لم يذكر نص اسمه
فهذه هي الأدلة التي نستعملها وهي معاني النصوص ومفهومها وهي كلها واقعة تحت النص وغير خارجة عنه أصلا وقد بيناها وأنعمنا الكلام عليها في كتابنا الموسوم بكتاب التقريب واقتصرنا ههنا على هذا المقدار من ذكرها فقط وجميع هذه الأنواع كلها لا تخرج من أحد قسمين إما تفصيل لجملة وإما عبارة عن معنى واحد بألفاظ شتى كلغة يعبر عنها بلغة أخرى
وأما ما أدرك بالحس فقط جاء النص بقبوله عز و جل { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون } وسائر النصوص المستشهد فيها بالحواس وبالعقل مع أن الحواس والعقل أصل لكل شيء وبهما عرفنا صحة القرآن والربوبية والنبوة فلم نحتج في إثباتها بالنص لأنه لولا النص لم يصح ما يدرك بالعقل والحواس لكن حسما لشغب أهل الضعف العاكسين للاستدلال القائلين لا نأخذ إلا ما في النصوص

وقد مضى الكلام في هذا في ( باب إثبات حجة العقل ) من كتابنا هذا وبالله تعالى التوفيق والاستدلال هو غير الدليل لأنه قد يستدل من لا يقع على الدليل وقد يوجد الاستدلال وهو طلب الدليل ممن لا يجد ما يطلب وقد يرد الدليل مهاجمة على من لا يطلبه إما بأن يطالعه في كتاب أو يخبره به مخبر أو يثوب إلى ذهنه دفعه فصح أن الاستدلال غير الدليل وصح أن دليلنا غير خارج عن النص أو الإجماع أصلا وأنه إنما هو مفهوم اللفظ فقط والعلة لا تسمى دليلا والدليل لا يسمى علة فالعلة هي كل ما أوجب حكما لم يوجد قط أحدهما خاليا من الآخر كتصعيد النار للرطوبات واستجلابها الناريات فذلك من طبعها
وههنا خلط أصحاب القياس فسموا الدليل علة والعلة دليلا ففحش غلطهم وسموا حكمهم في شيء لم ينص عليه بحكم قد نص عليه شيء آخر دليلا وهذا خطأ بل هذا هو القياس الذي ننكره ونبطله فمزجوا المعاني وأوقعوا على الباطل اسم معنى صحيح وعلى معنى صحيح اسم معنى باطل فمزجوا الأشياء وخلطوا ما شاؤوا
ولم يصفوا بعض المعاني من بعض فاختلط الأمر عليهم وتاهوا ما شاؤوا والحمد لله على هدايته وتوفيقه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
وبالله تعالى التوفيق والحول والقوة به عز و جل


الباب الثلاثون في لزوم الشريعة الإسلامية لكل مؤمن وكافر في الأرض ووقت لزوم الشرائع للإنسان
قال أبو محمد قال الله تعالى { يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا وشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين } فأمر تعالى بني آدم جملة كما ترى وقال عز و جل { لذين يتبعون لرسول لنبي لأمي لذي يجدونه مكتوبا عندهم في لتوراة ولإنجيل يأمرهم بلمعروف وينهاهم عن لمنكر ويحل لهم لطيبات ويحرم عليهم لخبآئث ويضع عنهم إصرهم ولأغلال لتي كانت عليهم فلذين آمنوا به وعزروه ونصروه وتبعوا لنور لذي أنزل معه أولئك هم لمفلحون } وقال تعالى { في جنات يتسآءلون عن لمجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من لمصلين ولم نك نطعم لمسكين وكنا نخوض مع لخآئضين وكنا نكذب بيوم لدين حتى أتانا ليقين } فنص تعالى كما ترى أنه يعذب المكذبين بيوم الدين وهم الكفار بلا شك على تركهم الصلاة وترك إطعام المسكين وقال عز و جل { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بلله لعظيم ولا يحض على طعام لمسكين } فنص تعالى كما ترى أيضا على أن نوع الكفار معذبون لأنهم لم يطعمون المساكين وقال { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر لناس لا يعلمون } وأمره تعالى أن يقول { قل يأيها لناس إني رسول لله إليكم جميعا لذي له ملك لسماوات ولأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بلله ورسوله لنبي لأمي لذي يؤمن بلله وكلماته وتبعوه لعلكم تهتدون } هو نص جلي على لزوم شرائع الإسلام كلها للكفار كلزومها

للمؤمنين إلا أن منها ما لا يقبل منهم إلا بعد الإسلام كالصلاة والصيام والحج وهم في ذلك كالجنب وتارك النية والمحدث لا تقبل منه صلاة حتى يطهر ولا صيام ولا حج إلا بإحداث النية في ذلك وقال تعالى { قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون } فنص تعالى على أنهم عصاة إذ لا يحرمون ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه و سلم وقال تعالى { ليوم أحل لكم لطيبات وطعام لذين أوتوا لكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ولمحصنات من لمؤمنات ولمحصنات من لذين أوتوا لكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بلإيمان فقد حبط عمله وهو في لآخرة من لخاسرين } فصح أن طعامنا حل لهم شاؤوا أو أبوا وقال تعالى { وأن حكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم وحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل لله إليك فإن تولوا فعلم أنما يريد لله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من لناس لفاسقون } وروينا عن ابن عباس بسند جيد أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك فحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فحكم بينهم بلقسط إن لله يحب لمقسطين }
وإذا قد صح كل هذا بيقين فواجب أن يحدوا على الخمر والزنى وأن تراق خمورهم وتقتل خنازيرهم ويبطل رباهم ويلزمون من الأحكام كلها في النكاح والمواريث والبيوع والحدود كلها وسائر الأحكام مثل ما يلزم المسلمون ولا فرق ولا يجوز غير هذا وأن يؤكل ما ذبحوا من الأرانب وما نحروا من الجمال ومن كل ما لا يعتقدون تحليله لأن كل ذلك حلال لهم بلا شك ومن خالف قولنا فهو مخطىء عند الله عز و جل بيقين وقد أنكر تعالى ذلك عليهم فقال تعالى { أفحكم لجاهلية يبغون ومن أحسن من لله حكما لقوم يوقنون } وكل من أباح لهم الخمر ثم لم يرض حتى أغرمها المسلم إذا أراقها علهيم فقد حكم بحكم الجاهلية وترك حكم الله ورسوله صلى الله عليه و سلم لحكم الطاغوت والشيطان الرجيم نعوذ بالله من ذلك مع أن خصومنا في هذا يتناقضون أقبح تناقض فيحدونهم في القذف والسرقة كما يحدون المسلمين ولا يحدونهم في الزنى والخمر ويأكلون بعض الشاة التي يذكيها اليهودي ولا يأكلون بعضها إنفاذا لإفك اليهود
وتركا لنص الله تعالى على أن طعامنا حل لهم وطعامهم حل لنا وبالله تعالى نعوذ من مثل هذه الأقوال الفاحشة الخطأ وقال تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم لقيامة إنا كنا عن هذا غافلين }

وقال تعالى { وذكروا نعمة لله عليكم وميثاقه لذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا وتقوا لله إن لله عليم بذات لصدور } وقال تعالى { صبغة لله ومن أحسن من لله صبغة ونحن له عابدون } وقال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة لله لتي فطر لناس عليها لا تبديل لخلق لله ذلك لدين لقيم ولكن أكثر لناس لا يعلمون }
وحدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم ثنا أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار بن عثمان واللفظ لأبي غسان وابن المثنى قالا ثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ذات يوم في خطبته ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما تجهلون مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم
قال أبو محمد عياض بن حمار هذا من بني تميم فكان صديق النبي صلى الله عليه و سلم في الجاهلية وحرميه ومعنى حرميه أن عياضا كان من الحلة وكان النبي صلى الله عليه و سلم من الحمس وكان لكثير من رجال الحلة إخوان من الحمس يطوفون في ثيابهم فكان كل صديق منهم يقال له هذا حرمي فلان فكان عياض يطوف إذا طاف بالكعبة في ثياب النبي صلى الله عليه و سلم
وبالسند المذكور إلى مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من مولود يولد إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه

قال أبو محمد هذه الآيات التي تلونا والحديثان اللذان ذكرنا يبينان مراد النبي صلى الله عليه و سلم بقوله ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ورواه عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم من يولد يولد على هذه الفطرة وفيه حتى تكونوا أنتم تجدعونها فصح بهذا كله ضرورة أن الناس كلهم مولودون على الإسلام وهذا تأويل قوله تعالى { إنا عرضنا لأمانة على لسماوات ولأرض ولجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها لإنسان إنه كان ظلوما جهولا } فقبول الملة الإسلامية هي الأمانة وأن الله تعالى خلق الأنفس كلها جملة وهي الحساسة العاقلة المميزة ثم واثقها بالإسلام فقبلته ثم أقرها حتى نقل كل نفس منها إلى جسدها فأقامت فيه ما أقامت ثم تعود إلى مقرها عند سماء الدنيا حيث رآها النبي صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء فأهل السعادة في محل اليمين في سرور وخير وأهل الشقاء في محل الشمال في نكد ومشقة إلى يوم القيامة فينزلون منازلهم من الجنة والنار بعد أن تكسي أجسادا على العظام المخرجة من القبور بعد أن أرمت وهذا نص قوله تعالى { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة سجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من لساجدين } ونص قوله تعالى { وأمآ إن كان من أصحاب ليمين فسلام لك من أصحاب ليمين } وقال تعالى { فأصحاب لميمنة مآ أصحاب لميمنة وأصحاب لمشأمة مآ أصحاب لمشأمة } وقوله تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم لقيامة إنا كنا عن هذا غافلين } بيان جلي أن النفوس إذا حلت الأجساد الكدرة الأرضية في الدنيا فإنها ينتقص تمييزها ويذهب ذكرها لما سلف وأنها إذا فارقتها صح حسها وذكا تمييزها وصفا إدراكها قال تعالى { وما هذه لحياة لدنيآ إلا لهو ولعب وإن لدار لآخرة لهي لحيوان لو كانوا يعلمون } وأخبر تعالى أن الدنيا غرور فسبحان مخترع الكل ومدبره لا إله إلا هو

فبهذا وبغيره قلنا ألا يترك أحد على غير دين الإسلام إلا من صح النص على إقراره وأن النبي عليه السلام أقرهم فأوجبنا ألا نقبل جزية ولا نقر على غير الإسلام من خرج من دين كتابي إلى دين كتابي آخر ولا من دان آباؤه بعد مبعث النبي صلى الله عليه و سلم بدين كتابي انتقلوا إليه عن كفرهم ولا من كان في أجداده أو جداته من أي جهة كان مسلم أو مسلمة وإن بعد وبعدت ولا من سبي وهو بالغ وسواء سبي مع أبويه أو مع أحدهما ولا يترك كافر بتباعه أصلا ولا يقبل من كل من ذكرنا إلا الإسلام أو السيف لأن الإسلام دين كل مولود وقد قال عليه السلام من غير دينه فاقتلوه وقال تعالى { ومن يبتغ غير لإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في لآخرة من لخاسرين } فحرم القبول من أحد غير الإسلام إلا من جاء النص بتركه عليه وأنه مخصوص من هذه الآية والدلائل على هذا تكثر جدا
وقوله تعالى { لا إكراه في لدين قد تبين لرشد من لغي فمن يكفر بلطاغوت ويؤمن بلله فقد ستمسك بلعروة لوثقى لا نفصام لها ولله سميع عليم } مخصوص بالنصوص الثابتة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أكره غير أهل الكتاب على الإسلام أو السيف وأيضا فإن الأمة كلها مجمعة على إكراه المرتد على الإسلام والقوم الذين أخبر عز و جل أنهم أوتوا الكتاب ثم أمر تعالى بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد قد ماتوا وحدث غيرهم والحس يشهد بأن هؤلاء الذين هم أبناء أولئك ليسوا الذين أوتوا التوراة والإنجيل والصحف والزبور بل هم غيرهم بلا شك فإنما أقروا بإقرار النبي صلى الله عليه و سلم لمن تناسل منهم وأمر بذلك فيمن توالد منهم فقط لا نص فيه فهو داخل في قوله تعالى { فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم } وهذا بين والله تعالى الموفق لا إله إلا هو وقد نص تعالى على أنه لا يضيع عمل عامل منا من ذكر أو أنثى
وروينا بالسند المتقدم إلى مسلم قال ثنا عثمان بن أبي شيبة نا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال قال أناس لرسول الله صلى الله عليه و سلم يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ به ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام

وبه إلى مسلم نا حسن الحلواني وعبد بن حميد قال حسن نا وقال عبد ثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثنا أبي عن صالح هو ابن كيسان عن ابن شهاب قال أنبأ عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أسلمت على ما أسلفت من خير
وبه إلى مسلم ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان هو ابن عيينة عن عبد الله بن عمير عن عبد الله بن الحارث هو ابن نوفل قال سمعت العباس بن عبد المطلب يقول قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك قال نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح
وقد رواه أيضا وكيع ويحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير بالسند المذكور ورواه أيضا عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم في أبي طالب قال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه
قال أبو محمد قال الله تعالى { ولنذيقنهم من لعذاب لأدنى دون لعذاب لأكبر لعلهم يرجعون } وقال تعالى { لنار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم لساعة أدخلوا آل فرعون أشد لعذاب } وقال تعالى { إن لمنافقين في لدرك لأسفل من لنار ولن تجد لهم نصيرا } فصح بالضرورة أنه لا أشد إلا بالإضافة إلى ما هو أقل منه وأن الدرك الأسفل له درك أعلى لأن كل ذلك من باب الإضافة
وصح يقينا بقوله تعالى { ومن جآء بلسيئة فكبت وجوههم في لنار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } أن الناس في الجنة يتفاضلون على مقدار أعمالهم وأنهم في النار أشد عذابا من بعض والنصوص التي ذكرناها تشهد بذلك وصح أن من عمل خيرا وهو كافر ثم أسلم فإن ذلك الخير محسوب له مكتوب وهو مثاب عليه ومأجور وأن من عمل سوءا

في كفره ثم أسلم ولم يقلع عن تلك السيئات فإنها كلها مكتوبة عليه محسوبة وهو معاقب عليها وهذا نص كلام الله تعالى الذي تلونا ونص فتيا النبي صلى الله عليه و سلم إذ سئل عن ذلك وهذا ما لا يحل لأحد خلافه
وقد اعترض قوم في مخالفة ذلك بقوله تعالى { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين }
قاله أبو محمد وهذا لا حجة فيه بل هو حجة لنا لأنه إنما نص أنه إنما يغفر ما انتهى عنه ومن تمادى على إساءته في إسلامه فلم ينته فلم يستحق أن يغفر له ما قد سلف وإنما يغفر له الشرك الذي انتهى عنه فقط ولو انتهى عن سائر إساءاته لغفرت له أيضا وهذا نص الآية التي احتجوا بها
واعترضوا أيضا بما رويناه بالسند المتقدم إلى مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
قال أبو محمد وهذا حجة لنا عليهم قوية جدا لأن النبي صلى الله عليه و سلم إنما جعل السبب في أن ما فعل لا ينفعه أنه لم يسلم فصح أنه لو أسلم لنفعه ذلك كما نفع حكيما
وهذا نص قولنا ونحن لم نقل قط إن الله تعالى يأجر كافرا مات على كفره وعلى ما عمل من خير وإنما قلنا من أسلم بعد كفره أجر على كل خير عمل في كفره
واعترضوا بقول الله تعالى { ولقد أوحي إليك وإلى لذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من لخاسرين }
قال أبو محمد وهذا حجة لنا لأن الشرك يحبط الأعمال والإسلام يزكيها ويبين ذلك قوله تعالى { فستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فلذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها لأنهار ثوابا من عند لله ولله عنده حسن لثواب } وإنما شرطنا أنه ينتفع بما عمل في كفره من خير إن أسلم لا إن لم يسلم
واعترضوا أيضا بما رويناه عن مسلم بالسند المذكور قال ثنا محمد بن المثنى ثنا

أبو عاصم الضحاك بن مخلد نا حيوة بن شريح ثنا يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة المهري قال حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فحدثنا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن الإسلام يهدم ما كان قبله وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها وإن الحج يهدم ما كان قبله
قال أبو محمد وإنما يهدم الإسلام الكفر الذي هو مضاده وحديث ابن مسعود زائد على ما في حديث عمرو غير مضاد له بل هو مبين بيانا زائدا وكلام رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يضاد بعضه بعضا ففي حديث ابن مسعود زيادة حكم على ما في حديث عمرو من أنه من أساء في الإسلام أخذ بما عمل في الجاهلية ومن أحسن في الإسلام سقط عنه ما عمل في الجاهلية فإنما معنى حديث عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله بشرط الإحسان فيه وبالله تعالى التوفيق
واعترضوا أيضا بما حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن محمد بن عيسى عن عمرويه عن إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم ثنا زهير بن حرب ثنا يزيد بن هرون أنبأ همام بن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الأخرى وأما الكافر فيعطى بحساب ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأننا لم نقل إن الكافر ينعم في الآخرة إذا مات على كفره وإنما قلنا إن بعض أهل النار أشد عذابا من بعض وهذا إجماع الأمة ونص القرآن والسنة الذي من خالفه كفر وهذا الحديث حجة لنا عليهم لأن الكافر إذا أسلم فهو مؤمن فقد نص النبي صلى الله عليه و سلم أنه لا يظلمه حسنة مما عمل من حسنة في حال كفره ثم أسلم فهي داخلة تحت هذا الوعد الصادق المضمون إنجازه فصح أنه يجازى بها في الآخرة فصح قولنا يقينا وبالله تعالى التوفيق
وكذلك قوله تعالى { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بلله وبرسوله ولا يأتون لصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } قال أبو محمد وهذا بيان جلي على أن السبب المانع من قبول نفقاتهم هو الكفر فإذا ارتفع ذلك ارتفع السبب المانع من قبول نفقاتهم فإذا ارتفع

ذلك السبب فقد وجب قبول النفقات وهذا نص القرآن والسنة وبالله تعالى التوفيق
وأما وقت لزوم الشريعة فإنها تنقسم قسمين شريعة تعتقد ويلفظ بها وشريعة تعمل وتنقسم هذه الشريعة قسمين قسم في المال وقسم على الأبدان فأما شريعة الأموال فهي لازمة لكل صغير وكبير وجاهل بها وعارف ومجنون وعاقل لدلائل من النص وردت على العموم في الزكاة والإجماع على وجوب النفقات عليهم وأما شرائع الأبدان والاعتقاد فإنها تجب بوجهين أحدهما البلوغ مبلغ الرجال والنساء وهو البلوغ المخرج عن حد الصبا
والثاني بلوغ الشريعة إلى المرء
وأما الحدود فإنها تلزم من عرف أن الذي فعل حرام وسواء علم أن فيه حدا أم لا
وهذا لا خلاف فيه وأما من لم يعرف أن ما عمل حرام فلا حد عليه فيه وبرهان ذلك قول الله تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } فإنما جعل الله تعالى وجوب الحجة ببلوغ النذارة إلى المرء وقال تعالى { خذ لعفو وأمر بلعرف وأعرض عن لجاهلين } فأمر أن يهدر فعل الجاهل وقال تعالى { يأيها لذين آمنوا لا تخونوا لله ولرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } فإنما نهى الله تعالى عن وجوب ذلك عليه
وحدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم ثنا يونس بن الأعلى ثنا ابن وهب أنا عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار
قال أبو محمد فإنما أوجب النبي صلى الله عليه و سلم الإيمان به على من سمع بأمره صلى الله عليه و سلم فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق وجزائر البحور والمغرب وأغفال الأرض من أهل الشرك فسمع بذكره صلى الله عليه و سلم ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به

أما من لم يبلغه ذكره صلى الله عليه و سلم فإن كان موحدا فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه في الآخرة وهو من أهل الجنة وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد له يوم القيامة نار فيؤمرون بالدخول فيها فمن دخلها نجا ومن أبى هلك
قال الله عز و جل { من هتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } فصح أنه لا عذاب على كافر أصلا حتى يبلغه نذارة الرسول صلى الله عليه و سلم
وأما من بلغه ذكر النبي محمد صلى الله عليه و سلم وما جاء به ثم لا يجد في بلاده من يخبره عنه ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرىء فيها الحقائق ولولا إخباره صلى الله عليه و سلم أنه لا نبي بعده للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة ولكنا قد أمنا ذلك والحمد لله
وأخبرنا الصادق إن كل من يدعي النبوة بعده كذاب ولا سبيل إلى أن يأتي بآية معجزة فإن ظهر من أحد منهم ذلك فهي نيرنجات وحيل وجوهها معروفة لمن بحث عنها ومن أهل هذه الصفة كان مسيلمة والجلاح ومن أهلها الدجال لا حقيقة لكل ما ظهر من هؤلاء وأشباههم وإنما هي حيل كما ذكرنا يبين ذلك حديث المغيرة بن شعبة في الدجال وكل من كان منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان يجدون فيها فقيها يعلمهم دينهم أو أن يرحلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم قال الله تعالى { دع إلى سبيل ربك بلحكمة ولموعظة لحسنة وجادلهم بلتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بلمهتدين }
وبعث صلى الله عليه و سلم معاذا وأبا موسى إلى اليمن وأبا عبيدة إلى البحرين معلمين للناس أمور دينهم ففرض ذلك على الأئمة وقال تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون }
قال أبو محمد والبلوغ عندنا ينقسم أقساما فهو في الرجل والمرأة الاحتلام بنص ما روي عنه صلى الله عليه و سلم من ذلك حدثنا عبد الله بن ربيع عن محمد بن إسحاق

القاضي عن ابن الأعرابي عن سليمان بن الأشعث ثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن خالد الحذاء عن أبي الضحى عن علي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق
قال أبو محمد الصبي يقع على الجنس ويدخل فيه الذكر والأنثى وقد أخبر عليه السلام في حديث عائشة أن المرأة تحتلم فصار الإحتلام بلوغا صحيحا في المرأة والرجل وسواء احتلما من أحد عشر عاما أو أقل أو أكثر ويكون البلوغ أيضا في المرأة بالحيض
كما حدثنا عبد الله بن ربيع عن عمر بن عبد الملك الخولاني عن محمد بن بكر البصري ثنا سليمان بن الأشعث ثنا محمد بن عبيد ثنا حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين أن عائشة نزلت على صفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها فقالت إن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل وفي حجرتي جارية فألقى لي حقوه فقال شقيه شقتين فأعط هذه نصفا والفتاة التي عند أم سلمة نصفا وإني لا أراها إلا قد حاضت أو لا أراهما إلا قد حاضتا
وبه إلى أبي داود ثنا المثنى ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد هو ابن زيد عن قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار
قال أبو محمد والإنبات بلوغ صحيح كما روينا عن عبد الله بن ربيع عن محمد بن إسحاق عن ابن الأعرابي عن أبي داود ثنا محمد بن كثير ثنا سفيان ثنا عبد الملك بن عمير ثنا عطية القرظي قال كنت فيمن سبي من قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت
قال أبو محمد ومن المحال الممتنع أن تقتل الناس بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم وهو لا يعلم أبحق أم بباطل هذا ما لا يظنه مسلم البتة وقتلى قريظة قتلوا بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم وبأمره وقال لسعد بن معاذ حكمت فيهم بحكم الملك كما حدثنا عبد الله بن ربيع عن محمد بن معاوية عن أحمد بن شعيب عن محمود بن غيلان ثنا وكيع ثنا سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير قال سمعت عطية القرظي يقول

عرضنا على النبي صلى الله عليه و سلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلي سبيله فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي
قال أبو محمد فمن لم ينبت ولا احتلم من رجل أو امرأة أو لم تحض المرأة فإذا تجاوزا تسعة عشر عاما قمرية بساعة فقط لزمهم حكم البلوغ لأنه إجماع وأما من جعل إكمال خمسة عشر عاما بلوغا وإن لم يكن هناك حيض ولا احتلام ولا إنبات فقول لا دليل عليه
وأما حجتهم بحديث ابن عمر عرضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أحد وأنا ابن أربعة عشر عاما فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشر عاما فأجازني فلا حجة لهم في ذلك لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقل إني أجزته لسنه
وكان عام الخندق بالمدينة لا خروج عليهم فيه فالله أعلم لماذا أجازه إما لأنهم لم يسافروا عن موضعهم أو لأنه قد بلغ فلا حجة في ذلك أصلا وبالله تعالى التوفيق
ولا نهى عليه السلام عن غزو الأشداء من الصبيان فتكون إجازته دليلا على أنه قد كان بلغ
ومما يدل على أن الشرائع لا تلزم إلا من عرفها ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم من أنه لم يزجر عدي بن حاتم عما تأوله في العاقلين لكن علمه وسقط اللوم عن عدي لأنه تأول جاهلا وأنه صلى الله عليه و سلم لم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة إذ تكلم فيها عامدا
وأنه صلى الله عليه و سلم أمر الذي لم يتم صلاته مطمئنا في ركوعه وسجوده بالإعادة مرارا
فلما أعلمه أنه لا يدري أكثر علمه
ولم يذكر الراوي أنه أمره بإعادة إلا أن أمره صلى الله عليه و سلم بأن يعمل ما علمه أمر له بعمله
وكذلك ما نص من صلاة أهل قباء إلى بيت المقدس وقد كان نسخ ذلك وأنه صلى الله عليه و سلم لم يقد من أسامة إذ قتل الرجل بعد قوله لا إله إلا الله وأعلمه صلى الله عليه و سلم أنه قد فعل في ذلك ما لا يحل وكذلك لم يقد صلى الله عليه و سلم بني جذيمة ممن قتلهم مع خالد بن الوليد فهذا يبطل قول من أوجب إعادة صلاة أو إقامة حد أو قضاء صوم على جاهل متأول
وبذلك قضى عمر وعثمان إذ درء الحد عن السوداء المعترفة بالزنى لجهلها بتحريمه وهذا بين وبالله تعالى التوفيق


الباب الحادي والثلاثون في صفة التفقه في الدين وما يلزم كل امرىء طلبه من دينه وصفة المفتيالذي لم يفت في الدين وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام
قال أبو محمد قال الله تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } فبين الله عز و جل في هذه الآية وجه التفقه كله وأنه ينقسم قسمين أحدهما يخص المرء في نفسه وذلك مبين في قوله تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل حكم ما يلزمه
والثاني تفقه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذرا لقومه وطبقته قال تعالى { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل لذكر إن كنتم لا تعلمون } ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه في تعرف ما ألزمه الله تعالى إياه وقد بينا أن الاجتهاد هو افتعال من الجهد فهو في الدين إجهاد المرء نفسه في طلب ما تعبده الله تعالى به في القرآن وفيما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم لأنه لا دين غيرهما فأقلهم في ذلك درجة من هو في غمار العامة ومن حدث عهده بالجلب من بلاد الكفر وأسلم من الرجال والنساء
وقد ذكرنا كيف يطلب هؤلاء علم ما يلزمهم من شرائع الإسلام في باب إبطال التقليد من كتابنا هذا فأغنى عن ترداده ونذكر منه ههنا ما لا بد من ذكره وهو أن كل مسلم عاقل بالغ من ذكر أو أنثى حر أو عبد يلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضا بلا خلاف من أحد من المسلمين وتلزم الطهارة والصلاة المرضى والأصحاء ففرض على كل من ذكرنا أن يعرف فرائض صلاته وصيامه وطهارته وكيف يؤدي كل ذلك
وكذلك يلزم كل من ذكرنا أن يعرف ما يحل له ويحرم من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأقوال والأعمال فهذا كله لا يسع جهله أحدا من

الناس ذكورهم وإناثهم أحرارهم وعبيدهم وإمائهم وفرض عليهم أن يأخذوا في تعلم ذلك من حين يبلغون الحلم وهم مسلمون أو من حين يسلمون بعد بلوغهم الحلم ويجبر الإمام أزواج النساء وسادات الأرقاء على تعليمهم ما ذكرنا إما بأنفسهم وإما بالإباحة لهم لقاء من يعلمهم وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك وأن يراتب أقواما لتعليم الجهال
ثم فرض على كل ذي مال تعلم حكم ما يلزمه من الزكاة وسواء الرجال والنساء والعبيد والأحرار فمن لم يكن له مال أصلا فليس تعلم أحكام الزكاة عليه فرضا
ثم من لزمه فرض الحج ففرض عليه تعلم أعمال الحج والعمرة
ولا يلزم ذلك من لا صحة لجسمه ولا مال له ثم فرض على قواد العساكر معرفة السير وأحكام الجهاد وقسم الغنائم والفيء ثم فرض على الأمراء والقضاة تعلم الأحكام والأقضية والحدود وليس تعلم ذلك فرضا على غيرهم ثم فرض على التجار وكل من يبيع غلته تعلم أحكام البيوع وما يحل منها وما يحرم وليس ذلك فرضا على من لا يبيع ولا يشتري ثم فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو دسكرة وهي المجشرة عندنا أو حلة أعراب أو حصن أن ينتدب منهم لطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها ولتعلم القرآن كله ولكتاب كل ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم من أحاديث الأحكام أولها عن آخرها وضبطها بنصوص ألفاظها وضبط كل ما أجمع المسلمون عليه ما اختلفوا فيه من يقوم بتعليمهم وتفقيههم من القرآن والحديث والإجماع
يكتفي بذلك على قدر قلتهم أو كثرتهم بالآية التي تلونا في أول هذا الكتاب بحسب ما يقدر أن يعمهم بالتعليم ولا يشق على المستفتي قصده فإذا انتدب لذلك من يقوم بما ذكرنا فقط سقط عن باقيهم إلا ما يلزمه خاصة نفسه فقط على ما ذكرنا آنفا ولا يحل للمفقه أن يقتصر على آراء الرجال دون ما ذكرنا
فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم وإن بعدت ديارهم ولو أنهم بالصين لقوله تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } والنفار والرجوع لا يكون إلا برحيل

ومن وجد في محلته من يفقهه في صنوف العلم كما ذكرنا فالأمة مجمعة على أنه لا يلزمه رحيل في ذلك إلا القصد إلى مسجد الفقيه أو منزله فقط كما كان الصحابة يفعلون مع النبي صلى الله عليه و سلم وهكذا القول في حفظ القرآن كله وتعليمه ففرض على كل مسلم حفظ أم القرآن وقرآن ما وفرض على جميع المسلمين أن يكون في كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله ويعلمه الناس ويقرئه إياهم لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقراءاته
فصح بكل ما ذكرنا أن النفار المذكور فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين
وأما من قال إنه ليس فرضا على الجماعة لكنه فرض على بعضهم بغير أعيانهم فنكتفي من إبطال قوله بأنه يحمل خطاب الله تعالى واقعا على لا أحد لأنه إذا لم يعين تعالى من يخاطب ولا خاطب الجميع فلم يخاطب أحدا عز و جل عن ذلك وفي هذا سقوط الفرض عن كل من لم يخاطب فهو ساقط على كل أحد إذ كل أحد لم يخاطب وفي هذا بطلان الدين وبالله تعالى التوفيق
فالناس في ذلك على مراتب فمن ارتفع فهمه عن فهمهم أغتام المجلوبين من بلاد العجم منذ قريب وعن فهم أغتام العامة فإنه لا يجزيه في ذلك ما يجزي من ذكرنا لكن يجتهد هذا على حسب ما يطيق في البحث عما نابه من نص الكتاب والسنة ودلائلهما ومن الإجماع ودلائله ويلزم هذا إذا سأل الفقيه فأفتاه أن يقول له من أين قلت هذا فيتعلم من ذلك مقدار ما انتهت إليه طاقته وبلغه فهمه
وأما المنتصبون لطلب الفقه وهم النافرون للتفقه الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم المتأهبون لنذارة قومهم ولتعلم المتعلم وفتيا المستفتي وربما للحكم بين الناس ففرض عليهم تقصي علوم الديانة على حسب طاقتهم ومن أحكام القرآن وحديث النبي صلى الله عليه و سلم ورتب النقل وصفات النقلة ومعرفة السند الصحيح مما عداه من مرسل ضعيف هذا فرضه اللازم له فإن زاد إلى ذلك معرفة الإجماع والاختلاف ومن أين قال كل قائل وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين إلى الكتاب والسنة فحسن وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التي يتميز بها الحق من الباطل وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص وكل هذا منصوص في القرآن
قال

تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } فهذا إيجاب لتعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبي صلى الله عليه و سلم لأن هذين أصل الدين وقال تعالى { يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } فوجب بذلك تعرف عدول النقلة من فساقهم وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم
وأما معرفة الإجماع والاختلاف فقد زعم أن هذا يجب بقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } قال ففرض علينا معرفة ما اتفق عليه أولو الأمر منا لأننا مأمورون بطاعتهم ولا يمكننا طاعتهم إلا بعد معرفة إجماعهم الذي يلزمنا طاعتهم فيه
وأما معرفة الاختلاف ومعرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة فبقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيف يرد ذلك إلى الكتاب والسنة لأننا إن لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذي نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة فنخطىء ونعصي الله تعالى إذ أخذنا قولا نهينا عن اتباعه
قال أبو محمد وهذا خطأ لأننا إنما أمرنا تعالى بطاعة أولي الأمر فيما نقلوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لا نص فيه فما جاز هذا قط لأحد أن يفعله ولا حل لأحد قط أن يطيع من فعله
وقد توعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم على هذا أشد الوعيد فكيف على من دونه قال تعالى { ولو تقول علينا بعض لأقاويل لأخذنا منه بليمين ثم لقطعنا منه لوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين } فصح أن من قال في الدين بقول أضافه إلى الله تعالى فقد كذب وتقول على الله تعالى الأقاويل

وأن من لم يضفه إلى الله تعالى فليس من الدين أصلا لكن معرفة الاختلاف علم زائد قال سعيد بن جبير أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف وصدق سعيد لأنه علم زائد وكذلك معرفة من أين قال كل قائل فأما معرفة كيفية إقامة البرهان فبقوله تعالى { وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } فلم نقل شيئا إلا ما قاله ربنا عز و جل وأوجبه علينا والحمد لله رب العالمين
وإنما نحن منبهون على ما أمرنا الله تعالى وموقفون على مواضع الأوامر التي مر عليها من يمر غافلا أو معرضا ومنذرون قومنا فيما تفقهنا فيه ونفرنا لتعلمه بمن الله عز و جل علينا كما أمرنا تعالى إذ يقول { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ولا نقول من عند أنفسنا شيئا ونعوذ بالله من ذلك ولم يبح الله تعالى ذلك لأحد لا قديما ولا حديثا وبالله تعالى نتأيد وقال تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن لله على كل شيء قدير } ففرض علينا معرفة الناسخ من المنسوخ وفرض على من قصد التفقه في الدين كما ذكرنا أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه و سلم قال تعالى { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وهو لعزيز لحكيم } ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله عز و جل وعن النبي صلى الله عليه و سلم ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ فمن جهل اللغة وهي الألفاظ الواقعة على المسميات وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا صلى الله عليه و سلم ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه لأنه يفتي بما لا يدري وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى

{ ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } وبقوله تعالى { ومن لناس من يجادل في لله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } وبقوله تعالى { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون } وبقوله تعالى { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون } وقال تعالى { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند لله عظيم }
وفرض على الفقيه أن يكون عالما بسير النبي صلى الله عليه و سلم ليعلم آخر أوامره وأولها وحربه صلى الله عليه و سلم لمن حارب وسلمه لمن سالم وليعرف على ماذا حارب ولماذا وضع الحرب وحرم الدم بعد تحليله وأحكامه صلى الله عليه و سلم التي حكم بها فمن كانت هذه صفته وكان ورعا في فتياه مشفقا على دينه صليبا في الحق حلت له الفتيا وإلا فحرام عليه أن يفتي بين اثنين أو أن يحكم بين اثنين وحرام على الإمام أن يقلده حكما أو يتيح له فتيا وحرام على الناس أن يستفتوه لأنه إن لم يكن عالما بما ذكرنا فلم يتفقه في الدين وإن لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق وإن لم يكن صليبا لم يأمر بمعروف ولا نهى عن منكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان على الناس قال تعالى { ولتكن منكم أمة يدعون إلى لخير ويأمرون بلمعروف وينهون عن لمنكر وأولئك هم لمفلحون }
وهذا متوجه إلى العلماء بالمعروف وبالمنكر لأنه لا يجوز أن يدعو إلى الخير إلا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف إلا من عرفه ولا يقدر على إنكار المنكر إلا من يميزه
فإن كان مع ما ذكرنا قويا على إنفاذ الأمور حسن السياسة حل له القضاء والإمارة وإلا فلا
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وقال صلى الله عليه و سلم لأبي ذر يا أبا ذر إني أحب إليك ما أحب لنفسي إنك ضعيف فلا تأمرن

على اثنين ولا تولين مال يتيم وكان أبو ذر رضي الله عنه ممن له أن يفتي ولم يكن ممن له أن يقضي لأنه لم يكن له حسن التأتي في تناول ما يريد بل كانت فيه عجرفة ومهاجمة ربما صار بها منذرا وقد أمر صلى الله عليه و سلم معاذا وأبا موسى إذ بعثهما قاضيين على اليمن ومعلمين للدين وأميرين بأن ييسرا ولا ينفرا هذا على عظيم فضل أبي ذر وكريم سوابقه في الإسلام وزهده وورعه ورفضه للدنيا وثباته على ما فارق عليه نبيه صلى الله عليه و سلم وصدعه بالحق وأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم وتقدمه على أكثر الصحابة
فحد الفقه هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن ومن كلام المرسل بها الذي لا تؤخذ إلا عنه وتفسير هذا الحد كما ذكرنا المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها والمعرفة بأحكام كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم ناسخه ومنسوخه وما صح نقله مما لو يصح ومعرفة ما أجمع العلماء عليه وما اختلفوا فيه وكيف يرد الاختلاف إلى القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه و سلم فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة
وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التي ذكرنا أجاز له أن يفتي بها وليس جهله بما جهل بمانع من أن يفتي بما علم ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتي فيما جهل وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه و سلم إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره فلو لم يفت إلا من أحاط بجميع العلم
لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يفتي أصلا وهذا لا يقوله مسلم وهو إبطال للدين وكفر من قائله
وفي بعثه النبي صلى الله عليه و سلم الأمراء إلى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام بيان صحيح بأن العلماء وإن فاتهم كثير من العلم فإن لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا
وهذا الباب أيضا بيان جلي على أن من علم شيئا من الدين علما صحيحا فله أن يفتي به وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك ومن علم أن في المسألة التي نزلت حديثا قد فاته لم يحل له أن يفتي في ذلك حتى يقع على ذلك الحديث
ومن لم يعلم الأحكام على الصفة التي ذكرنا قبل لكن إنما أخذ المسائل تقليدا فإنه لا يحل لمسلم أن يستفتيه ولا يحل له أن يفتي بين اثنين ولا يحل للإمام أن يوليه قضاء ولا حكما أصلا ولا يحل له إن قلد ذلك أن يحكم بين اثنين وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه و سلم إلا وهو يخطىء ويصيب فليس خطأه بمانع من قبول صوابه وبالله تعالى التوفيق

فلا يوجد مفت في الديانة وفي الطب أبدا إلا أحد ثلاثة أناسي إما عالم يفتي بما بلغه من النصوص بعد البحث والتقصي كما يلزمه فهذا مأجور أخطأ وأصاب وواجب عليه أن يفتي بما علم وإما فاسق يفتي بما يتفق له مستديما لرياسة أو لكسب مال وهو يدري أنه يفتي بغير واجب وإما جاهل ضعيف العقل ويفتي بغير يقين علم وهو يظن أنه مصيب ولم يبحث حق البحث ولو كان عاقلا لعرف أنه جاهل فلم يتعرض لما لا يحسن
حدثني أبو الزناد سراج بن سراج وخلف بن عثمان البحام وأبو عثمان سعيد بن محمد الضراب كلهم يقولون سمعت عبد الله بن إبراهيم الأصيلي يقول قال لي الأبهري أبو بكر محمد بن صالح كيف صفة الفقيه عندكم بالأندلس فقلت له يقرأ المدونة وربما المستخرجة فإذا حفظ مسائلهما أفتى
فقال لي هذا ما هو فقلت له نعم فقال لي أجمعت الأمة على أن من هذه صفته لا يحل له أن يفتي
قال أبو محمد علي بن أحمد وحدثني أبو مروان عبد الملك بن أحمد المرواني قال سمعت أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكري ونحن مقبلون من جنازة من الربض بعدوة نهر قرطبة وقد سأله سائل فقال له ما المقدار الذي بلغه المرء حل له أن يفتي
ثم أخبرني أحمد بن الليث الأنسري أنه حمل إليه وإلى القاضي أبي بكر يحيى بن عبد الرحمن بن واقد كتاب الاختلاف الأوسط لابن المنذر فلما طالعاه قالا له هذا كتاب من لم يكن عنده في بيته لم يشم رائحة العلم قال وزادني ابن واقد أن قال ونحن ليس في بيوتنا فلم نشم رائحة العلم
قال أبو محمد لم نأت بما ذكرنا احتجاجا لقولنا ولكن إلزاما لهم ما يلتزمونه فإن قول أكابر أهل بلادنا عندهم أثبت من العيان وأولى بالطاعة مما رووا في حديث النبي صلى الله عليه و سلم وبالله تعالى نعوذ من الخذلان
قد بينا صفة الطلب والمفتي والاجتهاد الذي نأمر به ونصوب من فعله وهو طلب الحكم في المسألة من نص القرآن وصحيح الحديث وطلب الناسخ من المنسوخ وبناء الحديث بعضه مع بعض ومع القرآن وبناء الآي بعضها مع بعض على ما بينا فيما سلف من كتابنا هذا ليس عليه غير هذا البتة وإن طالع أقوال الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عصرا عصرا ففرض عليه أن ينظر من أقوال العلماء كلها نظرا واحدا

ويحكم فيها القرآن والسنة فلأيها حكم اعتقده وأفتى به واطرح سائرها وإن لم يجد شيئا مما بلغه منها بل عليه أن يأخذ بالنص وإن لم يبلغه أن قائلا قال به لما قد بيناه في كلامنا في الإجماع من امتناع الإحاطة بأقوال العلماء السالفين ومن قيام البرهان على أنه لا يخلو عصر من قائل الحق فهذا هو الاجتهاد الصحيح الذي يؤجر من فعله على كل حال فإن وافق الحق عند الله عز و جل أجر أجرا ثانيا على الإصابة فحصل له أجران وإن لم يوافق لإدراك الحق لم يأثم وقد حصل له أجر الطلب للحق وإرادته كما قال الشاعر وما كل موصوف له الحق يهتدي ولا كل من أم الصوى يستبينها وكل ما سمي اجتهادا من غير ما ذكرنا فهو باطل وإفك وزين بأن سمي اجتهادا كما سمي اللديغ سليما والمهلكة مفازة والأسود السخامي أبا البيضاء والأعمى بصيرا وكما سمى قوم المسكر نبيذا وطلاء وهو الخمر بعينها ويبين ما قلنا قوله صلى الله عليه و سلم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران أو كما قال صلى الله عليه و سلم
واعتراضها ههنا أمر نحتاج إلى تفسيره لغلط أكثر الناس فيه وهو إيقاع اسم الحفظ واسم العلم واسم الفقه على كل ما يستحق شيئا من هذه الأسماء لأنها أسماء واقعة على صفات متغايرة فوجب بيانها فنفسر ذلك في علم الشريعة التي عرضنا في ديواننا هذا الكلام فيها وبالله تعالى التوفيق وبه عز و جل نتأيد لا إله إلا هو فنقول وبالله تعالى نستعين الحفظ اسم واقع على وصفه المرء وهي ذكره لأكثر سواد ما صنف وجمع وذكر في علمه وغرضه الذي قصد كحافظ سواد القرآن وحافظ سواد الحديث ونصوصه أو حافظ نصوص مسائل مذهبه الذي يقصد وينتحل
فهذا معنى الحفظ
وأما اسم العلم فهو واقع على صفة في المرء وهو اتساعه على الإشراف على أحكام القرآن وروى الحديث صحيحه وسقيمه فقط فإن أضاف إلى ذلك الوقوف على أقوال الناس كان ذلك حسنا كلما اتسع باع المرء في هذه المعاني زاد استحقاقه لاسم العلم وهكذا في كل علم من العلوم ويكون مع ذلك ذاكرا لأكثر ما عنده وليس هذا حقيقة معنى لفظة العلم في اللغة لكنه معناه في قولهم فلان عالم وفلان أعلم من فلان

وأما تفسير لفظة العلم في اللغة فقد فسرناه في كتابنا هذا وفي كتابنا الموسوم بالفصل
وأما اسم الفقه فهو واقع على صفة في المرء وهي فهمه لما عنده وتنبهه على حقيقة معاني ألفاظ القرآن والحديث ووقوفه عليها وحضور كل ذلك في ذكره متى أراده ويزيد القياسيون علينا ههنا زيادة وهي معرفته بالنظائر في الأحكام والمسائل وتمييزه لها فهذه معاني الأسماء المذكورة في قولهم فلان حافظ وفلان عالم وفلان فقيه
فإن قال قائل أيجوز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم فالجواب أنه فيما لم يؤمروا به ولا نهوا عنه ولكنه مباح لهم جائز كاجتهادهم فيما يجعلونه علما للدعاء إلى الصلاة ولم يكن ذلك على إيجاب شريعة تلزم وإنما كان إنذارا من بعضهم لبعض كقول أحدنا لجاره إذا نهض للصلاة قم بنا إلى الصلاة حتى إذا نزل الوحي على النبي صلى الله عليه و سلم بما وافق رؤيا عبد الله بن زيد الأنصاري أبطل كل ما كانوا تراضوا به وقد اجتهد قوم بحضرته صلى الله عليه و سلم فيمن هم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر فأخطؤوا في ذلك حتى بين لهم النبي صلى الله عليه و سلم من هم ولم يعنفهم في اجتهادهم وقد أخطؤوا فيه ولكن بين صلى الله عليه و سلم أنهم لم يصيبوا وأن الحق في خلاف ما قالوا كلهم
فإنما يجوز الاجتهاد في تأويل مثل هذا وفيما يعرف به بعضهم بعضا بحضور الصلاة وما أشبه ذلك وأما في إيجاب فرض أو تحريم شيء أو ضرب حد فحرام أن يجوز فيه لأحد اجتهاد برأيه فقط أو قول بوجه من الوجوه لأنهم كانوا يكونون بذلك شارعين ما لم يأذن به الله ومفترين على الله تعالى وقد نزههم الله تعالى عن ذلك وكل ما جاز لهم رضوان الله عليهم أن يجتهدوا فيه فهو جائز لنا ولكل إلى يوم القيامة وما حرم علينا من ذلك وغيره فقد كان حراما عليهم ولا فرق
وقد أفتى أبو السنابل باجتهاده في المتوفى عنها زوجها وهي حامل فأخذ بآية الأربعة أشهر وعشرا فأخطأ وهو مجتهد فله أجر واحد لأنه لم يصب حكم الله تعالى
وأما حديث معاذ فيما روي من قوله أجتهد رأيي وحديث عبد الله بن عمر وفي قوله أجتهد بحضرتك يا رسول الله فحديثان ساقطان

أما حديث معاذ فإنما روي عن رجال من أهل حمص لم يسموا وحديث عبد الله منقطع أيضا لا يتصل
فإن قال قائل أيجوز للأنبياء عليهم السلام الاجتهاد فالجواب وبالله تعالى التوفيق
إن من ظن أن الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم ويكفي من إبطال ذلك أمره تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم أن يقول { قل لا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي لأعمى ولبصير أفلا تتفكرون } وقوله { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى } وقوله تعالى { ولو تقول علينا بعض لأقاويل لأخذنا منه بليمين ثم لقطعنا منه لوتين } وأنه صلى الله عليه و سلم كان يسأل عن الشيء فينتظر الوحي ويقول ما أنزل علي في هذا شيء ذلك في حديث في زكاة الحمير وميراث البنتين مع العم والزوجة وفي أحاديث جمة وإن كان السائل عن هذا يعني أيجوز عليه الاجتهاد في قبول شاهدين لعلهما مغفلان فهذا جائز والحكم بيمين لعلها كاذبة فهذا جائز لأنه صلى الله عليه و سلم بهذا أمر نصا وهو صلى الله عليه و سلم لم يؤت علم الغيب في كل موضوع وإنما أمر بقبول الشاهدين العدلين عنده من المسلمين أو العدل كذلك مع يمين الطالب أو المرأة الواحدة في الرضاع أو الكافرين في الوصية في السفر أو الواحد على رؤية الهلال أو الأربعة العدول في الزنى أو المرأتين مكان الرجل أو يمين المدعى عليه إن مبطلا وإن محقا ما لم يعلم هو ببطلان الشهادة أو قوله ويسلط الله من يشاء على ظلم من يشاء حتى ينصف كل مظلوم يوم الحشر و { ووضع لكتاب فترى لمجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما لهذا لكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } ولا مثقال ذرة إلا جازى عليها إلا ما أسقط من ذلك بالتوبة أو باجتناب الكبائر
وهذا الذي قلنا هو نص جلي وقد بين ذلك صلى الله عليه و سلم بقوله فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله عليه السلام من

حلف على منبري هذا بيمين كاذبة حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار وبقوله عليه السلام إذا قال له الحضرمي في خصمه يا رسول الله إنه فاجر لا يرع عن شيء وكان عليه السلام قد أوجب عليه اليمين فقال صلى الله عليه و سلم للحضرمي ليس لك إلا ذلك وإذ قال له أصحابه حين قتل عبد الله بن سهل يا رسول الله أتقبل أيمان يهودي فلم يجعل لهم صلى الله عليه و سلم غير ذلك وبقوله صلى الله عليه و سلم للمتلاعنين إن أحدكما كاذب فهل منكم تائب
فبين عليه السلام أنه إنما يفعل ما أمره به ربه تعالى ولم يكلف قط أن يعطي الحق صاحبه بيقين ولا أن يعلم عيب الشهود ولا كلفنا نحن شيئا من ذلك أيضا وإنما أمر أن يقضي بالبينة العدلة عنده ولا يقدر على أكثر من أن يحكم بالعدالة الظاهرة إليه وبظاهر العلم عنده وكما أمر بقبول اليمين من المنكر وهما شيئان متغايران أحدهما بما شهدت به البينة وألا يقضي على من حلف في قضية ألزم فيها اليمين فهذا هو الذي ألزم النبي صلى الله عليه و سلم وألزمنا نحن بعده صلى الله عليه و سلم
والثاني أن يمكن صاحب الحق في علم الله تعالى من حقه وهذا لا سبيل إلى علمه في كل موضع فإن حرمنا هذا وحرمنا وفاق العدل عند الله عز و جل
فلا إثم ولا حرج لأنه لا سبيل إلى علم ذلك بيقين ولا كلفناه وهذا لا يسمى اجتهادا على الإطلاق ولكنه يقين اتباع ما أمر به عليه السلام من الحكم بالعدول على حسب ما يطيق على معرفته وهو الظاهر وبقبول يمين المنكر ولا سبيل إلى اجتهاد النبي صلى الله عليه و سلم في شرع الشرائع والأوامر عنده واردة متيقنة ولا إشكال فيها
يعمل خاصها من عامها وناسخها من منسوخها ومستثناها من المستثنى منه علم يقين ومشاهدة في جميع ما أنزل عليه
وأما الاجتهاد الذي كلفناه نحن فهو طلب هذه المعاني ولم نشاهدها كلها فنعلمها لكن نقبلها من الثقات الذين أمرنا الله تعالى بقبول نذارتهم إلى أن يبلغونا إلى الذين شهدوها وهم ونحن لا نعلم كل ذلك علم يقين
فإن اعترض معترض بفعله عليه السلام في أخذ الفداء فنزل من عتابه على ذلك ما نزل

فالجواب أننا لا ننكر أن يفعل عليه السلام ما لم يتقدم نهي من ربه تعالى له عنه إلا أنه لا يترك وذلك ولا بد من أن ينبه عليه
وأما الوهم من النبي صلى الله عليه و سلم وهو يقصد بذلك فعل الخير فلسنا ننكره إلا أنه لا يقر عليه البتة وهذا لا يجوز أن يكون في شرع شريعة ولا إيجاب فرض ولا تحريم وإنما هو فيما قدره مباحا له إذ لم ينه عنه قبل ذلك لكن كفعله بابن أم مكتوم إذ نزلت { عبس وتولى }
وقد احتج بعضهم ممن أجاز الاجتهاد بالرأي في الدين بأمر سليمان وداود عليهم السلام { وداوود وسليمان إذ يحكمان في لحرث إذ نفشت فيه غنم لقوم وكنا لحكمهم شاهدين }
قال أبو محمد وهذه مسألة اختلف الناس فيها على وجوه فقوم قالوا نسخ الله حكم داود بحكم سليمان عليهما السلام
قال أبو محمد وهذا باطل لأنه لو كان كذلك لكان داود مفهما لها لأنه كان يكون حاكما بأمر أمر به قبل أن ينسخ ولما كان سليمان أولى بالإفهام منه
وقال بعضهم حكم بدليل منصوب لم يوافق فيه الحقيقة وحكم سليمان فوافق الحقيقة
قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق إن داود عليه السلام حكم بظاهر الأمر مثل ما لو حكمنا نحن بشهادة شاهدين عدلين عندنا وهما في علم الله عز و جل المغيب عنا مغفلان فأطلع الله تعالى على غيب تلك المسألة سليمان عليه السلام
فأوحى إليه بيقين من هو صاحب الحق فيها بخلاف شهادة الشهود أو نحو ذلك مما أفهم الله تعالى سليمان فيه بيقين عين صاحب الحق فهذا وجه تلك الآية الذي لا يجوز خلافه لبطلان كل تأويل غيره ولقوله تعالى في الآية نفسها { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود لجبال يسبحن ولطير وكنا فاعلين } فصح أن داود بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى في تلك المسألة وأن سليمان عليهما جميعا السلام حكم فيها بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى فيها بالفهم الزائد لحقيقتها

وأما ادعاء المرأتين في الولد ودعاء سليمان عليه السلام بالسكين ليشقه بينهما فإن سليمان عليه السلام إنما أراد اختبار صبرهما ولم يهم قط بشق الصبي وإنما دعا بالسكين موهما لهما بذلك وقد يكون الله تعالى أمره بذلك كما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل عليه السلام ولم يرد قط تعالى ذبحه وإنما أراد اختبار صبر إبراهيم عليه السلام واختبار صبر المرأتين فقط ثم نهاه عن شقه إذ لاح أيتهما أمه
كما نهى إبراهيم عن ذبح إسماعيل فهذا أيضا وجه ظاهر حسن والله أعلم
وأما أمر موسى والخضر عليهما السلام فإن الخضر نبي موحى إليه ولم يفعل شيئا من كل ما فعل باجتهاد كما يظن من لا عقل له وإنما فعل كل ذلك بوحي أوحاه الله إليه
وبيان ذلك نص الله تعالى بأن حكى عنه أنه قال لموسى { وأما لجدار فكان لغلامين يتيمين في لمدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } وأما سؤال موسى عليه السلام له عن ذلك فإنما فعله ناسيا لعهده ولسنا ننكر أن تنسى الأنبياء عليهم السلام وقد صلى نبينا صلى الله عليه و سلم خامسة ناسيا وسلم من ثلاث ومن اثنين ناسيا
وهذا الذي قلنا هو نص القرآن في قوله تعالى حاكيا عن موسى أنه قال للخضر { قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا }
قال أبو محمد فإن احتجوا بما حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي عن عمر بن عبد الملك الخولاني عن محمد بن بكر البصري عن سليمان بن الأشعث نا إبراهيم بن موسى ثنا عيسى نا أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة تقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه فهذا حديث ساقط مكذوب لأن أسامة بن زيد هذا ضعيف لا يحتج بحديثه متفق على أنه كذلك ويبين كذبه ما ذكرنا في أول هذا الباب من الأحاديث التي فيها تركه عليه السلام الحكم

فيما لم ينزل عليه فيه شيء وانتظاره الموحى في كل ذلك ويكفي من ذلك قول الله تعالى آمرا له أن يقول { قل لا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي لأعمى ولبصير أفلا تتفكرون } وقوله تعالى { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى } وأمر الله تعالى له أن يقول { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال لذين لا يرجون لقآءنا ئت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم }
فلو أنه صلى الله عليه و سلم شرع شيئا لم يوح إليه به لكان مبدلا للدين من تلقاء نفسه وكل من أجاز هذا فقد كفر وخرج عن الإسلام وبالله تعالى نعوذ من الخذلان فإن احتج فيها معترض بقوله تعالى { إنآ أنزلنا إليك لكتاب بلحق لتحكم بين لناس بمآ أراك لله ولا تكن للخآئنين خصيما } فإن الذي أراه الله تعالى هو الذكر والوحي بنص الآية لأن أولها { إنآ أنزلنا إليك لكتاب بلحق لتحكم بين لناس بمآ أراك لله ولا تكن للخآئنين خصيما } وقال تعالى { وإن كادوا ليفتنونك عن لذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا } ثم توعده على ذلك فقال { إذا لأذقناك ضعف لحياة وضعف لممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا } فبين تعالى أنه عليه السلام لو أوجب شيئا في الدين بغير وحي لكان مفتريا على ربه تعالى وقد عصمه الله عز و جل من ذلك وكفر من أجازه عليه فصح أنه صلى الله عليه و سلم لا يفعل شيئا إلا بوحي فسقط الاجتهاد الذي يدعيه أهل الرأي أو القياس جملة
وقال تعالى { وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } فصح بهذه الآية أن كل نبي كان قبله فهكذا كانوا أيضا إنما اتبع كل نبي شرعته التي أوحي إليه بها فقط

وأما أمور الدنيا ومكايد الحروب ما لم يتقدم نهي عن شيء من ذلك وأباح صلى الله عليه و سلم تعالى له التصرف فيه كيف شاء فلسنا ننكر أن يدبر عليه السلام كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد
وأما في التحريم والإيجاب فلا سبيل إلى ذلك البتة وذلك مثل ما أراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة فهذا مباح لأن لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبوا ما لم ينهوا على ذلك ولهم أن يمنعوه ما لم يؤمروا بإعطائه وكذلك منازله صلى الله عليه و سلم في حروبه له أن ينزل من الأرض حيث شاء ما لم ينه عن مكان بعينه أو يؤمر بمكان بعينه وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم في تلقيح ثمار أهل المدينة لأنه مباح للمرء أن يلقح نخله ويذكر تينه ومباح أن يترك فلا يفعل شيئا من ذلك
وقد أخبرني محمد بن عبد الله الهمداني عن أبيه أنه ترك تينه سنين دون تذكير فاستغنى عن التذكير فلعل النخل كذلك لو توبع عليه ترك التلقيح سنة بعد سنة لاستغنى عن ذلك
وهذا كله ليس من أمور الدين الواجبة والمحرمة في شيء إنما هي أشياء مباحة من أمور المعاش من شاء فعل ومن شاء ترك وإنما الاجتهاد الممنوع منه ما كان في التحريم والإيجاب فقط بغير نص وقد نص النبي صلى الله عليه و سلم في حديث التلقيح على قولنا
وقال صلى الله عليه و سلم أنتم أعلم بأمور دنياكم
وقد حدثنا بهذا الحديث عبد الله بن يوسف بن ناهي عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمر والناقد وكلاهما عن أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة وثابت وهشام عن أبيه عن عائشة وثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بقوم يلقحون النخل فقال لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا فمر بهم فقال ما لنخلكم فقالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمور دنياكم
قال أبو محمد فهذا بيان جلي مع صحة سنده في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين وأنه صلى الله عليه و سلم لا يقول الدين إلا من عند الله تعالى وأن سائر ما يقول فيه

برأيه ممكن فيه أن يشار عليه بغيره فيأخذ عليه السلام به لأن كل ذلك مباح مطلق له وإننا أبصر منه بأمور الدنيا التي لا خير معها إلا في الأقل وهو أعلم منا بأمر الله تعالى وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي وهذا نص قولنا
وبالله تعالى التوفيق
وفي هذا كفاية والحمد رب العالمين
ومن ذلك ما قال أبو بكر يوم الحديبية لرسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قال له بعض من حضر أرى أن نميل على عيال هؤلاء فقال أبو بكر نرى أن نمضي لوجهنا فهذا كله مباح للإمام أن يغزو وله أن يؤخر الغزو ويومه ذلك وشهره ذلك ويغزو بعد ذلك
فاعلم الآن أن الاجتهاد إنما هو طلب الحقيقة من الوجوه المؤدية إليها لا من حيث لا يؤدي إليها والطلب كما ذكرنا هو الاستدلال فالاستدلال والاجتهاد شيء واحد وقد يستدل من لا يقع على حقيقة الدليل
وكون الشيء في نفسه حقا هو شيء آخر
لأنه قد يكون الشيء حقا ولا يوافق له طالبه ولا يضر ذلك الحق كما أن في منازلنا أشياء لا يعلمها غيرنا من الناس وليس جهل من جهلها أو ظن فيها غير ما فيها مما يحيل الحق عن وجهه كما لا نريده علم من علمه درجة في أنه حق والحق المعلوم والحق المجهول سواء في أنهما حق واقعان تحت جنس الحق وكل شيئين وقعا تحت نوع واحد أو تحت جنس واحد فإنهما متساويان في ذلك النوع وذلك الجنس مساواة صحيحة نعني فيما أوجبه لهما تلك الجنسية أو تلك النوعية وكل من بلغه عن النبي صلى الله عليه و سلم خبر فقد لزمه البحث عنه فإن لم يفعل فقد عصى الله تعالى
وكل من قامت عليه حجة من أصول صححها
وأقر بأنها حق فلاحت له وفهمها ثم لم يرجع إلى موجبها لتقليد أو لأنه ظن أن ههنا حجة أخرى لا يعلمها فهو فاسق وذلك نحو من أقر بخبر الواحد فأتاه حديث صحيح مسند فتركه لقياس أو لهوى أو تقليدا لمالك أو للشافعي أو لأبي حنيفة أو لأحمد أو لداود أو لصاحب من الصحابة أو تابع أو فقيه قديم أو حديث معتقدا أن ذلك الفقيه أو الصاحب كان عنده فضل علم جهله هو أو أن النص الذي قاس عليه أحق أن يتبع فهو فاسق ساقط العدالة عاص لله عز و جل
وأما من تعلق بحديث آخر معارض للحديث الذي بلغه فما دام لا يحقق أصلا

في بناء الأحاديث بعضها على بعض فهو مأجور على اجتهاده وإن كان مخطئا ولا إثم عليه في خطئه وهكذا القول في الآي وفي الأحاديث والآي ولا فرق
وأما من ذكرنا قبل فبخلاف ذلك لأنه ترك الحق وهو يعلمه فدخل فيمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى
وأما إذا حقق أصلا في بناء الأحاديث أو الآي أو الأحاديث مع الآي فالتزمه ثم لم يعتقد موجبه فهو فاسق كما قدمنا للآية التي قال تعالى فيها { ومن يشاقق لرسول من بعد ما تبين له لهدى ويتبع غير سبيل لمؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا } وهذا الذي فعل ما ذكرنا فقد ترك ما أقر بلسانه أنه هدى وأنه أمر الله تعالى ورسوله عليه السلام وصار فيمن شهد على نفسه
وكذلك من أبى قبول خبر الواحد أو أبى قبول وجه العمل في البناء الصحيح في النصوص فأقيمت الحجة عليه في ذلك كله من براهين راجعة إلى النصوص وفهمها ولاحت له فلم يرجع إلى الحق في ذلك وإنما يعذر من لم تقم عليه حجة بجهله فقط وكذلك من قامت عليه البراهين في إبطال القياس فتمادى عليه
وأما من أجاز أن يكون صاحب فمن دونه ينسخ أمرا أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أو يحدث شريعة فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال بمنزلة اليهود والنصارى وعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين ونحن برآء منه وهو بريء منا فإن لم تقم عليه الحجة فهو مخطىء مأجور مرة لقصده إلى الخير وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل


الباب الثاني والثلاثون في وجوب النيات في جميع الأعمال والفرق بين الخطأ الذي تعمد فعله ولم يقصد به خلاف ما أمر وبين الخطأ الذي لم يتعمدفعله وبين العمل المصحوب بالقصد إليه وحيث يلحق عمل المرء غيره بأجر أو إثم وحيث لا يلحق
قال أبو محمد قال الله عز و جل { ومآ أمروا إلا ليعبدوا لله مخلصين له لدين حنفآء ويقيموا لصلاة ويؤتوا لزكاة وذلك دين لقيمة } وقال تعالى { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين لناس ومن يفعل ذلك بتغآء مرضات لله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } وقال { ولا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم لله خيرا لله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن لظالمين } وقال تعالى { لقد رضي لله عن لمؤمنين إذ يبايعونك تحت لشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل لسكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } وقال تعالى { أفلم يسيروا في لأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى لأبصار ولكن تعمى لقلوب لتي في لصدور } وقال تعالى { إذا جآءك لمنافقون قالوا نشهد إنك لرسول لله ولله يعلم إنك لرسوله ولله يشهد إن لمنافقين لكاذبون }
حدثنا حمام بن أحمد حدثنا عبد الله بن إبراهيم ثنا أبو زيد المروزي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو نعيم ثنا زكريا عن عامر هو الشعبي سمعت النعمان بن بشير سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول فذكر الحديث وفيه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب نا داود يعني ابن قيس عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر الحديث وفيه التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات
حدثنا القاضي حمام بن أحمد ثنا عبد الله بن إبراهيم الأصيلي ثنا أبو زيد المروزي نا محمد ابن يوسف الفربري نا محمد بن إسماعيل البخاري نا الحميدي نا سفيان نا يحيى بن سعيد الأنصاري قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى
حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا عمرو الناقد نا كثير بن هشام نا جعفر بن برفان عن يزيد الأصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم
قال أبو محمد فصح بكل ما ذكرنا أن النفس هي المأمورة بالأعمال وأن الجسد آلة لها فإن نوت النفس بالعمل الذي تصرف فيه الجسد وجها ما فليس لها غيره وصح أن الله تعالى لا يقبل إلا ما أمر به بالإخلاص له فكل عمل لم يقصد به الوجه الذي أمر الله تعالى به فليس ينوب عما أمر الله تعالى به فبطل قول من قال إن من توضأ تبردا أو تعليما أو تيمم بغير نية أو لم يأكل ولا شرب ولا وطأ بغير نية أو مشى في المناسك بغير نية إنه يجزيه عن الوضوء المأمور به للصلاة
وعن التيمم المأمور به للصلاة وعن الصيام المأمور به أو المتطوع به لله عز و جل وعن الحج المأمور به أو المتطوع به لله عز و جل لأنه لم يخلص في كل ذلك لله عز و جل ولا فعله ابتغاء مرضاته تعالى ولا نوى به ما أمر به
وقد أخبر الله تعالى على لسان نبيه عليه السلام أنه لا ينظر إلى الصور فإذا لم ينظر إلى الصور فقد بطل أن يجزي عمل الصورة المنفرد على عمل القلب الذي هو النية وصح أنه تعالى إنما ينظر إلى القلب وما قصد به فقط ولا بيان أكثر من تكذيب الله عز و جل

لمنافقين في شهادتهم أن محمدا رسول الله
وهذا عين الحق وعنصره الذي لا يتم حق إلا به فلما كانوا غير ناوين لذلك القول بقلوبهم صاروا كاذبين فيه وهذا بيان جلي في بطلان كل قول وعمل لم ينو بالقلب ونحن نحكي أقوال الكفار ونتلوها في القرآن ولكنا لم ننوها بقلوبنا لم يضرنا ذلك شيئا وصح بنص الحديث على رسول الله صلى الله عليه و سلم أن التقوى في القلب فكل عمل لم يقصده القلب فليس تقوى وكل عمل لم يقصد بالمضغة التي بها يصلح الجسد فهو باطل وإن عمله الجسد وفي هذا كفاية
على أن القائلين بخلاف قولنا يتناقضون أقبح تناقض فمن مفرق بين التيمم والوضوء ومن مفرق في النية في الصوم بين أول النهار وآخره ومن مفرق في الحج بين الإحرام وبين سائر فرائضه كل ذلك استطالة في الدين بالآراء الفاسدة والأهواء المضلة بلا دليل من الله تعالى فإن قال قائل منهم إنما أمر الله تعالى بغسل أعضاء الوضوء فغاسلها وإن لم تكن له نية قد غسلها قيل له وبالله تعالى التوفيق ما أمر الله تعالى قط بغسلها مجردا عن النية بذلك للصلاة وبيان ذلك في الآيتين اللتين ذكرنا
وفي الحديثين اللذين نصصنا وأيضا فإن الصلاة حركات من وقوف وانحناء ووضع رأس بالأرض فإن فعل ذلك إنسان متمددا ومتأملا شيئا بين يديه ومستريحا حتى أتم بذلك ركعتين في وقت صلاة الصبح لا ينوي بذلك صلاة الصبح أتروه يجزيه ذلك من صلاة الصبح المفترضة عليه وهذا ما لا يقولونه فقد حصلوا على التناقض
فإن احتجوا في الصيام بما روي أنه صلى الله عليه و سلم كان يدخل على عائشة فيقول أعندكم طعام فإن قالت لا
قال إني صائم قيل لهم وبالله تعالى التوفيق
لا حجة لكم في ذلك لأنه ليس فيه نص على أنه صلى الله عليه و سلم استأنف الصوم من حينئذ وجائز أن يكون صلى الله عليه و سلم سأل هل عندكم طعام وهو قد نوى الصيام فلو وجد طعاما أفطر عليه وترك الصوم كما روى من طريق عائشة أنها قربت إليه طعاما فأكل وقال صلى الله عليه و سلم إني كنت أصبحت صائما وهذا جائز لنا نحن أيضا وأما عمل بلا نية فلا سبيل إليه لما قدمنا قبل
فإن قالوا فإنكم تجيزون غسل النجاسة بلا نية فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن كل نجاسة أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بإزالتها بعمل موصوف وبعدد محدود فلا بد في إزالتها من النية

ولا تجزى إلا بالقصد إليه تأدية العمل المأمور به فيها وإلا فلا وأما كل نجاسة أمرنا باجتنابها فقط دون أن يجد لنا فيها عمل أو عدد فكيف ما زالت فقد زالت وقد اجتنبناها وأيضا فإنه لولا الإجماع ما أجزنا ذلك ههنا
وأيضا فإن لباس الثوب النجس حلال إلا في الصلاة وفرض الصلاة أن يصلي قاصدا بنيته إلى لباس وثياب طاهرة عنده لا نجاسة فيه فإذا صلى في ثوب هذه صفته ناويا لذلك فقد أدى فرضه كما أمر بالنية التي أمر بها وليس غسلها فرضا لا يجزي سواه بل لو قطعها أو انقطع موضعها من ثوبه أو لبس ثوبا آخر أجزأه فحسبنا أن يكون الثوب طاهرا لا نجاسة فيه ولا نبالي كيف زالت النجاسة عنه ولا فرق بين إجازة مالك النية للصوم لرمضان في أول ليلة منه ويجزي ذلك عنده من تحديد النية كل ليلة وبين إجازة أبي حنيفة إحداث النية لصيام كل يوم من رمضان قبل زوال الشمس وإن لم ينوه من الليل ولا فرق بين تقديم النية قبل وقت العمل وبين تأخيرها عن وقت العمل وفي كلا الوجهين يحصل العمل المأمور به مؤدى بلا نية مصاحبة له ولا يجوز أن يؤدى عمل إلا بنية متقدمة يتصل بها ومعها الدخول فيه بلا مهلة ولا يعرى الابتداء به منها
ولو أمكن ذلك في الصوم حتى تكون النية متصلة بطلوع الفجر لما أجزأ غير ذلك ولكن لما كان ذلك غير ممكن في كل وقت أجزأ ذلك على قدر الطاقة هذا مع الحديث الوارد في هذا المعنى من طريق حفصة لا صيام لمن لم يبيته من الليل وبالله تعالى التوفيق
ولا بد لكل عمل من نية وكل شيء يتصرف فيه المرء فلا يخلو من أحد وجهين إما حركة وإما إمساك عن حركة وإنما يفرق بين الطاعة من هذين الوجهين وبين المعصية منهما وبين اللغو منهما النيات فقط ولا فرق بين الطاعة والمعصية واللغو في الحركات والإمساك عن الحركات إلا بالنيات فقط وإلا فكل واحد فهو إما واقع تحت جنس الحركة وإما واقع تحت جنس الإمساك عن الحركة
فوجب بالضرورة أن لا يتم عمل ولا يصح أن يكون حركة أو إمساك متوجهين إلى الطاعة المأمور بها
خارجين عن المعصية وعن اللغو إلا بنية
هذا أمر لا محيد عنه أصلا إلا لجاهل لا معرفة له بحقائق الأمور

فمن صلى بنية رياء ففاسق عاص ومن صلى بنية الطاعة التي أمر بها فمطيع فاضل ومن ركع وسجد وقام وقعد لا بنية رياء ولا بنية الطاعة فذلك لغو وليس مطيعا ولا عاصيا ومن توضأ بنية الرياء ففاسق عاص ومن توضأ بنية الطاعة كما أمر فمطيع فاضل ومن غسل أعضاءه تبردا بلا نية طاعة ولا بنية رياء فليس مطيعا ولا عاصيا وإذا لم يكن مطيعا فلم توضأ الوضوء الذي هو طاعة الله عز و جل مأمور به
وكذلك الصوم والحج والجهاد والزكاة لأن الصوم إنما هو إمساك عن الأكل والشرب والوطء والقيء والكذب والغيبة ومباشرة من لا يحل للمرء مباشرته فإن أمسك عن كل ذلك بنية الرياء فهو عاص لله عز و جل فاسق غير صائم وإن أمسك عن كل ذلك بنية الطاعة في تركه كما أمر فهو مطيع فاضل صائم
وإن أمسك عن كل ذلك لا بنية الرياء ولا بنية الطاعة كما أمر فليس مطيعا ولا عاصيا وإذا لم يكن كذلك فليس صائما وإذا لم يمسك بنية الطاعة عن ذلك في صوم الفرض في الوقت الذي أمر فيه بالإمساك عن كل ما ذكرنا فهو عاص لأنه خالف ما أمر به وهكذا القول في رمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة والطواف والسعي
وكذلك سائر الأشياء كلها
فمن أكل الشعير مؤثرا بالبر المساكين ناويا للبر في ذلك ففاضل محمود ومن أكله لؤما وبخلا وخزن البر مستكثرا للمال
فمذموم آثم ومن مشى راجلا وحمل متاعه بيده تواضعا لله تعالى لا بخلا ولا دناءة وتصاون عن الخسائس مع ذلك وتصدق ناويا بكل ذلك ما ذكرنا فهو فاضل محمود ومن فعل ذلك بخلا ودناءة فمذموم وإن فعل بنية رياء ففاسق ومن أنكح بنته عبده أو علجا كما فعل ضرار بن عمرو تواضعا ونيته التسوية بين المسلمين وهو مع ذلك عزيز النفس غير طمع ولا جشع ففاضل محمود عند أهل العقول رائض لنفسه الغضبية ومن فعل ذلك طمعا أو مهانة نفس فمذموم ساقط ومن لبس الوشي المرتفع الذي ليس حريرا بنية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فمأجور فاضل ومن لبسه بنية التخنث والأشر والإعجاب ففاسق مذموم وهكذا جميع الأعمال أولها عن آخرها فصح أن لا عمل أصلا إلا بنية كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق

فإن قال قائل أنتم تقولون فيمن أعتق في نفسه أمته أو عبده ونوى عتقهما وأمضاه نية صحيحة إلا أنه لم يلفظ بعتقهما أنهما لا يكونان بذلك حرين ولا يكون هو معتقا لا عند الله ولا في الحكم فإن العبد والأمة باقيان مملوكين له كما كانا
وتقولون فيمن طلق في نفسه ونوى الطلاق إلا أنه لم يلفظ بلفظ من ألفاظ الطلاق إنه لا يكون مطلقا بذلك لا عند الله ولا في الحكم وإنما امرأته حلال له كما كانت حتى أنكم تقولون إنه إن لفظ بلفظ ليس من ألفاظ الطلاق ونوى به الطلاق إنه لا يلزمه بذلك طلاق وإنها امرأته كما كانت حلال له في الحكم والفتيا معا
وتقولون إن من وهب نيته أو تصدق بنيته بشيء من ماله مسمى ولكنه لم يلفظ بلفظ من ألفاظ الهبة أو الصدقة إنه بذلك غير واهب ولا متصدق ولا يلزمه شيء لا في الفتيا ولا في القضاء وإن اعترف بذلك وأقر بأنه نواه
ثم تقولون إن من نوى في حال صيامه أنه تارك للصوم عامدا بذلك ذاكرا لصومه إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولا وطىء ولا فعل فعلا ينقض الصوم فإن صومه قد بطل وأنه قد أفطر وتقولون فيمن نوى في حال صلاته إنه تارك الصلاة خارج عنها إلا أنه لم يفارق ما هو فيه من هيئتها أنه قد بطلت صلاته إذا تعمد ذلك وهو ذاكر أنه في صلاة وتقولون فيمن نوى في حال إعطائه زكاة ماله أنه ليس ذلك عن زكاته المفترضة عليه إنه كذلك غير مؤد فرض زكاته وأن عليه أداءها ثانية
وتقولون فيمن نوى في حال تذكيته ما يذكي أنه عابث غير قاصد إلى التذكية المأمور بها إنها ميتة لا يحل أكلها وتقولون فيمن نوى في حال عمرته وحجه إنه رافض لهما وهو مع ذلك متماد في عملهما فإن حجه وعمرته قد بطلا وتقولون فيمن نوى في حال وضوئه وغسله إن بعض عمله لهما لا ينوي به أداء الغسل الوضوء المفترضين عليه إن ذلك الغسل والوضوء ناقصان لا بد من إعادة ما عمل بغير نية
وتقولون فيمن أتم كل هذه الأعمال بنية لها فلما أتمها نوى بطلانها إنه لا يبطل شيء منها بذلك وأنها ماضية جازية جائزة فما الفرق بين ما جوزتموه وبين

ما أبطلتموه من ذلك وهل كل ذلك إلا سواء وما الفرق بين استغناء النية في بعض هذه الوجوه عن مضامة العمل إليها وبين افتقارها إلى مضامة العمل إليها في بعضها
فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن جميع الأعمال المأمور بها هي مفتقرة إلى نية تصحبها كما قدمنا لما ذكرنا في أول هذا الباب من وجوب القصد إلى الله تعالى والإخلاص له بالعمل فمتى قصد المرء إلى إبطال تلك النية فقد بطل ذلك العمل إذ لم يأت به كما أمر من إصحاب النية إياه فلذلك بطل ما ذكرنا من الوضوء والغسل والصوم والحج لأنه ليس إلا صائم أو غير صائم أو مصل أو غير مصل ومتوضىء أو غير متوضىء
وهكذا في الزكاة والحج وغير ذلك فإذا لم يكن صائما
ولا مصليا ولا متوضئا كما أمر فهو غير صائم ولا متوضىء ولا مصل وهكذا سائر الأعمال
وهكذا القول عندنا فيمن طلق أو عتق أو تصدق بغير نية إن كل ذلك لا يلزمه عند الله تعالى وإن كنا نقضي عليه بإمضائه لأنا لا نعلم نيته في ذلك ولو علمنا أنه بغير نية لما حكمنا عليه بشيء من ذلك أصلا فلو وصل قوله كله فقال عبدي حر بغير نية مني لعتقه أو قال ذلك في الطلاق والنكاح والصدقة والهبة لما أنفذنا عليه شيئا من ذلك أصلا
وكل ما ذكرنا وما لم نذكر من سائر الأعمال فلا تجزىء فيه النية دون العمل ولا العمل دون النية ولا بد من اقترانهما معا لأنه مأمور من الله تعالى بهما معا فلا بد في الصلاة من حركات محدودة معمولة مع النية ولا بد في الوضوء من مثل ذلك أيضا ولا بد في الحج من مثل ذلك ولا بد في الصوم من إمساك عن كل ما أمر بالإمساك عنه مع النية أيضا ولا بد في العتق والطلاق والنكاح والهبة والصدقة من نطق ولفظ مع النية في كل ذلك لأنه لا يعلم شيء من ذلك إلا بالألفاظ المعبرة عنه وإن انفرد في كل ما ذكرنا عمل دون نية فهو باطل وإن انفرد نية فيه دون عمل فهي باطل أيضا
فمن نوى أن يصلي أو يتوضأ أو يحج أو يصوم ولم يصل ولا توضأ ولا حج ولا صام فلا شيء له فلا يظن الظان أن قولنا اختلف في شيء مما ذكرنا بل هو كله

باب واحد وهو أنه لا بد من عمل ونية لا حكم لأحدهما دون الآخر ومن خالفنا في هذا فإنه يتناقض فمرة يقول بقولنا في بعض المواضع ومنها الصلاة ومرة لا يقول بقولنا دون دليل لكن اتباعا للهوى والتقليد الذي لا يحل
فإن قال فإنكم تقولون فيمن أفطر ناسيا غير ذاكر لصومه أو تكلم أو عمل أو أكل ناسيا في صلاته غير ذاكر أنه في صلاة أو قتل صيدا وهو محرم غير معتمد لقتله إنه لا شيء عليه في كل ذلك
ثم تقولون من أحدث بشيء يخرج من مخرجيه من غائط أو بول أو ريح أو مذي أو ودي أو مني ناسيا أو نام مغلوبا فقد بطلت طهارته وتقولون إن من ذبح أو نحر أو تصيد فلم يسم الله تعالى ناسيا أو عامدا فكلاهما سواء لا يحل أكل شيء من ذلك
فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن الأصل الذي تجري عليه الفتيا أنه لا شيء على الناس لقوله تعالى { دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما } فلا يخرج عن هذا النص إلا ما أخرجه نص أو إجماع فلهذا النص ولما أخبرنيه أبو العباس أحمد بن عمر العذري أنا الحسين بن عبد الله الجرجاني ثنا عبد الرزاق بن أحمد بن عبد الحميد الشيرازي أخبرتنا فاطمة بنت الحسن بن الريان المخزومي وراق القاضي أبي بكار بن قتيبة قالت ثنا الربيع بن سليمان المؤذن ثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
ففي هذا الحديث نص التسوية بين العمل المقصود نسيانا بغير نية وبين الخطأ الذي لم يقصد فلهذا ولنصوص أخر لم يبطل الصوم بفطر نسيان ولا بطلت الصلاة لعمل نسيان وهكذا كل نسيان إلا نسيانا استثناه من هذا النص نص آخر أو إجماع كما صح من الإجماع المتيقن المقطوع به في الأحداث المذكورة أنها تنقض الطهارة على كل حال بالنسيان والعمد

وبالضرورة ندري أنه لم يزل الناس يحدثون في كل يوم من عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وكلهم يوجب الوضوء من ذلك فصح أنه إجماع منقول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وكذلك النوم لأنه لا يكون إلا بغلبة أبدا لا بقصد ولو قصد المرء دهره كله أن ينام لم يقدر إلا أن يغلبه النوم وأما سائر الأحداث التي لا إجماع فيها فإنها لا تنقض الطهارة عندنا إلا بالقصد والعمد لا بالنسيان كاللمس للنساء وكمس الفرج
وأما الذكاة فإن النص ورد بألا نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه قال تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر سم لله عليه وإنه لفسق وإن لشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } وقال تعالى { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم لطيبات وما علمتم من لجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم لله فكلوا ممآ أمسكن عليكم وذكروا سم لله عليه وتقوا لله إن لله سريع لحساب } فلما كان ما ذكاه الناس للتسمية مما لم يذكر اسم الله عليه بلا شك كان مما نهينا عن أكله بالنص وأما الإثم فساقط عن الناسي جملة
وقد رام قوم أن يتوصلوا إلى إباحة ما نسي ذكر اسم الله عليه بقوله عز و جل في الآية المذكورة { ولا تأكلوا مما لم يذكر سم لله عليه وإنه لفسق وإن لشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } وقالوا الفسق لا يقع إلا على النسيان
قال أبو محمد وهذا تمويه ضعيف لأننا لم نقل إن الله تعالى أوقع اسم الفسق على نسيان الناسي للتسمية وإنما قلنا ما في نص الآية إن ذلك الشيء المذبوح أو المنحور أو المتصيد الذي لم يسم الله تعالى عليه عمدا أو نسيانا هو نفسه المسمى فسقا كما سمى الله تعالى الخمر والميسر رجسا من عمل الشيطان فبطل تمويههم وكان الناس لذكر اسم الله تعالى على التذكية غير مذك وغير المذكى لا يحل أكله وكذلك من نسي أن يذكي ففك الرقبة وكذلك من نسي النية في مدخل صلاته ومدخل صومه ومدفع زكاته فهؤلاء كلهم غير مصل ولا صائم ولا مزك إلا أن الزكاة ليست مرتبطة بوقت محدود الطرفين فهي تقضى أبدا
وقد جاء النص بوجوب قضاء الصلاة على الناسي وأما الصيام فهو مرتبط بوقت محدود الطرفين فلا سبيل إلى نقله إلا بنص آخر وكذلك المذكي إنما هو عمل في شيء بعينه لا يقدر على استرجاعه بعد موته فلما لم يسم الله عليه بنسيان أو عمد فهو ميتة لا يحل أكله والتسمية في اللغة لا تقع إلا على ما ذكرنا باللسان لا على ما استقر في القلب دون ذكر باللسان

والعجب كل العجب ممن يرى على المفطر ناسيا القضاء ولا يعذره وقد جاء النص بأنه صائم تام الصوم ثم يرى أكل ما نسي ذكر اسم الله تعالى عليه من المذبوحات وغيرها ويعذر ههنا بالنسيان حيث عم النص بالمنع منه وهذا كما ترى وبالله تعالى التوفيق
وكذلك من افتتح العمل الذي أمر به بنية قصد إليه كما أمر ثم نسي النية في درج ذلك العمل وكان العمل متصلا غير منقطع فهذا لا يبطل عمله بالنسيان للنص الذي ذكرنا فبطل بكل ما ذكرنا ما ظنه الظان من أن قولنا إن كون الفطر بنية الفطر عمدا في الصوم دون الأكل واقع أنه مخالف لقولنا إن العتق والطلاق بالنية دون النطق غير واقعين بل هو كله باب واحد وذلك أن الإمساك عما ينقض الصوم بغير نية قصد بذلك إلى أداء الصوم فاسد باطل
وكذلك نية الصوم دون الإمساك عما ينقض الصوم عمدا باطل فاسد
وكذلك العتق والطلاق دون نية لهما باطل وكذلك النية لهما دون إظهارهما بما لا يكونان إلا به فاسدة باطل ولاح أن الشك إنما وقع لمن وقع في هذا لاختلاف الأجوبة
وبيان تحقيق رفع الإشكال في هذا الباب هو أن يسأل السائل فيقول ما تقولون فيمن طلق في نيته دون قول وفيمن أعتق في نيته دون قول وفيمن أفطر في نيته دون عمل يفسد به الصوم وفيمن نوى إبطال صلاته التي هو فيها بنيته دون عمل مضاد للصلاة أو نوى تبردا في خلال وضوئه ولم يحدث حدثا ينقض الوضوء وفعل كل ذلك عامدا ذاكرا لما هو فيه
فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن نقول له كل من ذكرت لا عتق له ولا طلاق له ولا صوم له ولا وضوء له ولا صلاة له ومثل هذا الإيمان فإنه قول ونية فمن عدم النية ولفظ بالإيمان فهو إيمان له ومن عدم القول ونوى بالإيمان فلا إيمان له وإذا كان لا إيمان له فهو كافر لأنه ليس إلا مؤمن أو كافر وأما من أتم العمل الذي أمر به كما أمر به من عمل ونية ثم نوى بعد انقضائه نقضه وإبطاله لم يكن ذلك العمل منتقضا لأنه قد كمل وتأدى كما أمر الله تعالى وانقضى وقته فلا ينقضه نية مستأنفة
وكذلك لا تصلح العمل الفاسد نية غير مضامة له إما متقدمة وإما متأخرة وقد

أقمنا البراهين على أن كل ما صح في وقت لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع وما بطل في وقت لم يصح في ثان إلا بنص أو إجماع وهذا القول فيمن طلق بنية وأعتق بنيته دون لفظ إن الملك والنكاح قد صحا في أول فلا يبطلان في ثان إلا بنص ولا نص ولا إجماع في بطلانهما بالنية دون الألفاظ الموضوعة لنقضهما وبطل بما ذكرنا قول من أراد أن يحقق جواز العمل بنية متقدمة له غير متصلة به لأنه لو جاز أن يكون بين النية والعمل دقيقة لجاز أن يكون بينهما مائة عام ولا فرق
وقد قال المالكيون إن في أول ليلة من شهر رمضان تجزىء النية لصيام باقيه وهذا باطل لأنه لو جاز ذلك لأجزت نية واحدة في أول رمضان يصومه المرء عن إحداث نية لكل رمضان يأتي وهم لا يقولون ذلك فإن قالوا إنه يحول بين رمضان ورمضان شهور لا صيام فيها قيل لهم وكذلك يحول بين كل يومين من أيام رمضان ليل لا صيام فيه ولكل يوم حكمه وقد يمرض ويسافر فيفطر ولا يبطل لذلك صيام ما سلف
ومن قولهم إن انتقاض صيام يوم من رمضان بطاعة أو بمعصية لا ينقض صيام ما سلف فيه وهذا هدم لقولهم فإن ادعوا في ذلك إجماعا أكذبهم سعيد بن المسيب عميد أهل المدينة لأنه يقول من أفطر في رمضان يوما عمدا فعليه قضاء الشهر كله لأنه عنده كيوم واحد وكصلاة واحدة إن انتقضت منها ركعة تعمدا انتقضت كلها فاستبان بكل ما ذكرنا أن كل هذا نوع واحد لا خلاف بين شيء منه ولم نقل هذا على أننا حاكمون لبعض ما ذكرنا بمثل حكمنا لسائره قياسا ومعاذ الله من ذلك
ولكنا أرينا أصحاب القياس تناقضهم في ذلك حيث يرتضونه ويصححونه ويحكمون به من القياس الفاسد
وأما نحن فإنما معتمدنا في كل ما ذكرنا على ما قد بيناه من أن كل عمل خلا من نية أو كل نية خلت من عمل فكل ذلك فاسد لقوله تعالى { ومآ أمروا إلا ليعبدوا لله مخلصين له لدين حنفآء ويقيموا لصلاة ويؤتوا لزكاة وذلك دين لقيمة } فأمرنا بشيئين كما ترى العبادة وهي العمل والإخلاص وهو النية فلا يجزىء أحدهما دون الآخر وبقوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى فصح بهذا النص أنه لا عمل إلا بنية

مقترنة معه غير متقدمة ولا متأخرة وقوله تعالى { دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما } إلا أن يأتي نص باستثناء شيء من هذه النصوص فنصير إليه وإلا فلا
وقد سألني بعضهم فقال ما تقول فيمن أفطر ناسيا لصومه فقلت له صومه تام
قال فما تقول فيمن ترك ركعة من صلاته ناسيا فقلت يصليها ما لم ينتقض وضوءه أو يعيد الصلاة كلها إن انتقض وضوءه فقال لي لم فرقت بين الأمرين وهلا أجزت الصلاة مع نسيان بعضها كما أجزت الصيام مع نسيان بعضه بإفطار في بعض نهاره
فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا لسنا من أصحاب القياس فيلزمنا هذا السؤال وإنما اتبعنا النص الوارد فيمن أفطر ناسيا أنه يتم صومه واتبعنا فيمن نسي صلاته أو بعضها أن يصليها لأننا مأمورون بالصلاة بالنص وبعض الصلاة صلاة فمن لم يصل ناسيا قيل له بالنص أقم الصلاة التي نسيت إذا ذكرتها ولا مزيد ولكنا نتطوع ونريه فساد ما أراد إلزامنا إياه من طريق القياس الذي يدعونه وهم أترك الناس لطرده
فنقول وبالله تعالى التوفيق ليس يشبه تارك ركعة ناسيا من أفطر ناسيا وإنما يشبه من أفطر ناسيا من تكلم في صلاته ناسيا ويشبه تارك الركعة ناسيا من نسي أنه صائم فنوى الفطر في باقي نهاره إلا أن النص فرق بين حكميهما وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم يقول من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ولم يأمر في نسيان الصوم بذلك والصوم له وقت محدود حده الله تعالى فلا سبيل إلى نقله إلى وقت آخر أصلا إلا حيث جاء النص بنقله فقط ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى قال الله عز و جل { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } نعوذ بالله من الظلم والظلم حرام
وأما من نوى أن يفطر ولو بعد ساعة ولم ينو أنه مفطر في وقته ذلك فلا يكون بذلك مفطرا أصلا فإن جازت تلك الساعة ولم يحدث فيها نية للفطر مجددة لم يضر صومه تلك شيئا وصومه تام

وهكذا من نوى أن يزني ولم يزن أو أن يشرب ولم يشرب أو أن يتصدق ولم يتصدق لا يكتب له ولا عليه ما لم يفعل من كل ذلك شيئا وهو كله باب واحد ولا عمل إلا بنية مصحبة للدخول فيه يكون أول الدخول فيه بعد إحداثها
والخطأ يكون على ضربين أحدهما فعل لم يقصده الإنسان أصلا وذلك كرجل رمى غرضا فأصاب إنسانا لم يقصده وكإنسان جر نفسه فاستجر ذبابا فدخل حلقه وهو صائم أو أراد حك فخذه فمس ذكره فهذا وجه وهو الذي يسميه أهل الكلام التولد لأنه تولد عن فعله ولم يقصد هو فعله
والوجه الثاني فعل قصد الإنسان عمله إلا أنه لم ينو بذلك طاعة ولا معصية ولا نوى بذلك ما حدث من فعله ولا قصد إلى بعض ما أمر به ولا إلى خلاف ما أمر به كإنسان لطم آخر فوافق منية الملطوم أو كإنسان صائم عمد الأكل وهو غير ذاكر لصومه ولا قاصد إفساد صومه أو نسي أنه في صلاة فقصد إلى الأكل أو إلى الكلام أو إلى المشي غير عامد لإفساد صلاته أو نسي أنه على طهارة فقصد إلى مس ذكره غير قاصد بذلك إلى نقض وضوئه أو سقاه إنسان بحضرة عدول من إناء أخبره أن فيه نبيذا غير مسكر فلما جرع منه قاصدا إلى شربه علم أنه خمر فأزاله عن فيه بعد أن شرب منه أو وطىء امرأة لقيها في فراشه عامدا لوطئها وهو يظنها امرأته فإذا بها أجنبية أدخلت عليه أو قرأ آية قاصدا إلى الألفاظ التي قرأ يظنها من القرآن وهي بخلاف ذلك في القرآن أو قتل صيدا عامدا لقتله غير ذاكر لإحرامه وهو محرم
فهذا وجه ثان وكلاهما مرفوع لا ينقض شيء من ذلك عملا ولا إيمانا ولا يوجب إثما ولا حكما إلا حيث جاء النص بأنه يوجب حكما مما ذكرنا فيوقف عنده ويكون مستثنى من الجملة التي ذكرنا منها طرفا كالنص الوارد في إيجاب الدية على العاقلة لأنه في كلا الوجهين المذكورين لم ينو معصية
وكذلك من فعل أي فعل كان ولم ينو به الطاعة لله تعالى فهو غير موجب له أجرا ولا أدى ما أمر به
وأما العمد المرتبط بالقصد إلى ما يحدث من ذلك العمد أو إلى بعض ما هو فيه كقصد الصائم إلى الأكل وهو ذاكر لأنه صائم فرض وكضربه إنسانا بما يمات منه قاصدا لضربه به عالما بأنه قد يمات من مثله وكتبديله القرآن عامدا عالما بأنه ليس

كذلك في المصحف وكشربه الخمر وهو يعلمها خمرا وكوطئه أجنبية وهو يعلم أنها ليست له زوجا ولا ملك يمين
فهذا كله يوجب الحكم بالإثم وبما أتى به النص
وإنما قلنا في قاتل الصيد عامدا لقتله غير ذاكر لإحرامه إنه لا جزاء عليه لقوله تعالى في آخر الآية { يأيها لذين آمنوا لا تقتلوا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من لنعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ لكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا لله عما سلف ومن عاد فينتقم لله منه ولله عزيز ذو نتقام } والنقمة لا تقع إلا على عاص ولا يكون عاصيا بقتل الصيد أصلا إلا حتى يعمد قتله وهو مع ذلك ذاكر لإحرامه عالم بأنه منهي عن قتله في تلك الحال هذا ما لا خلاف فيه أعني أنه لا يأثم إلا في هذه الحال
وكذلك من قصد بنيته إلى فعل الطاعة فهو مؤد لما أمر به من ذاك والنفس هي الفعالة وفعلها المعرفة بما نفعله وغرضها فيه وهي المحركة للجسد فلا بد من توفيتها فعلها الذي أمرت به بتمامه
ومما ذكرنا من لقي رجلا في صف المشركين فظنه مشركا فقتله عمدا وهو لا يعلم أنه مسلم فإذا هو مسلم فلا خلاف في أنه لا قود عليه ولا إثم
وكذلك سقط الإثم والقود عن المتأول من الحكام وإن كان عامدا ليس ذلك إلا لأنه لم يقصد خلاف ما أمر به وهو يعلمه معصية
وكذلك من أكل لحم خنزير وهو يظنه لحم كبش أو حنث غير ذاكر ليمينه فكل هذا لا شيء عليه فيه ولا قضاء ولا إثم ولا تعزير ولا حد
فإن جاء نص في شيء ما من ذلك كان مستثنى كمن صلى وهو يظن أنه متوضىء فإذا به غير متوضىء فذكر بعد ذلك فهذا لم يصل فليصل لقوله عليه السلام لا صلاة إلا بطهور وهذا لم يصل كما أمر وأما من صلى وفي ثوبه شيء فرض اجتنابه على من بلغه أو صلى إلى غير القبلة فإن كان ممن لم يبلغه فرض اجتناب ذلك الشيء ولا فرض القبلة فصلاته تامة لأنه لم يكلف ما لم يبلغه فإن كان ممن بلغه كل ذلك فعليه أن يعيد الصلاة ما دام وقتها لأنه علم ووقتها قائم إذ لم يصل تلك الصلاة كما أمر ففرض عليه أن يصليها كما أمر
وأما بعد الوقت فلا لأنه لا يصلي صلاة إلا في وقتها حاشا النائم والناسي والسكران فإنهم خصوا بالنص فيهم وكالدية وعتق الكفارة في قتل الخطأ فهذا مستثنى بالنص من سائر ما لم يقصده المرء

واعلم أن خصومنا يتناقضون في كل ما ذكرنا تناقضا لا يرجعون فيه إلى أصل لكن مرة يلزمونه ومرة لا يلزمونه دون برهان من الله تعالى في كل ذلك
ومما يؤيد ما قلنا ما حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا وائل
هو شقيق بن سلمة يقول ثنا أبو موسى الأشعري أن رجلا أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله
وقد روى الأعمش هذا الحديث فذكر فيه الذي يقاتل شجاعة وحمية وغضبا ورياء وأنه صلى الله عليه و سلم لم يجعل في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله عز و جل العليا فلو أجزأ عمل بغير نية لأجزأ الجهاد الذي هو أفضل الأعمال بعد الإيمان ولكن لا سبيل إلى أن يجزىء عمل بغير نية
ومن هذا الباب أيضا المكره على الكفر فإن عبد بلسانه ولم يعبد بقلبه فلم يخرج بذلك عن الإيمان قال الله تعالى { من كفر بلله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بلإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من لله ولهم عذاب عظيم } فإنما راعى تعالى عمل القلب فقط وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه و سلم إذ سئل عمن أكل ناسيا فأخبر عليه السلام أنه لم ينتقض صومه بذلك ولا شك في أن هذا الصائم عمد الأكل ولكنه كان ذاكرا لصيامه فصح ما قلنا نصا وبالله تعالى التوفيق
وقال تعالى { فقاتل في سبيل لله لا تكلف إلا نفسك وحرض لمؤمنين عسى لله أن يكف بأس لذين كفروا ولله أشد بأسا وأشد تنكيلا } احتج بهذا قوم في إبطال أن يحج أحد عن غيره أو يصلي أحد عن غيره أو يصوم أحد عن غيره وقد أخطؤوا في ذلك خطأ فاحشا وليس في هذه الآية معارضة لأمر النبي صلى الله عليه و سلم بالحج عن الشيخ الكبير وبالصيام عن الولي الميت وبقضاء النذر عن الميت لأن كل ما ذكرنا فالحي

المؤدي هو المكلف ذلك في نفسه وهي شريعة ألزمه الله تعالى إياها وافترضها عليه كالصلوات الخمس وسائر صيامه في رمضان فقد تعين في ذلك فرضا على الولي زائدا كلفه في نفسه هو مأجور على أدائه لأنه أدى فرضا كلفه
والله تعالى متفضل على الميت والمحجوج عنه بأجر آخر زائد وخزائن الله لا تنفد وفضله تعالى لا ينقطع فبطل ظن من جهل ولم يفهم وقدر أن بين الآية التي ذكرنا والأحاديث التي وصفنا ( تعارضا ) وقد تناقضوا فأجازوا أن يؤدي المرء الدين عن غيره وجعلوا له أجرا بذلك
وللميت المؤدى عنه حطيطة الدين الذي عليه وهكذا قلنا نحن في سائر ما أمرنا بأدائه من الصوم والحج والصلاة المنذورة ولا فرق وأوجبوا غرم بني عم المرء الدية عن القاتل خطأ فنقضوا قولهم فإن قالوا الإجماع أوجب ذلك كذبوا لأن عثمان البتي لا يرى ذلك يعني غرم العاقلة الدية عن قاتل الخطأ
قال أبو محمد رحمه الله واحتج مخالفنا أيضا في ذلك بقوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى }
قال أبو محمد وقد بينا فيما خلا أن يضاف كل ما قاله صلى الله عليه و سلم إلى ما قال ربه تعالى
فصح أنه تعالى قد يتفضل على المرء بأن يلحقه دعاء ولده بعد موته وليس بما سعى وأنه تلحقه صدقة وليه عنه وليس مما سعى وكذلك سائر ما نص عليه السلام على أنه يلحقه وقال تعالى { وقال لذين كفروا للذين آمنوا تبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم لقيامة عما كانوا يفترون } وقال تعالى { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم لقيامة ومن أوزار لذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون }
وأخبر عليه السلام أن من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا

قال أبو محمد وكل هذا متفق لا تعارض فيه أصلا لأن معنى قوله تعالى { وقال لذين كفروا للذين آمنوا تبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون } أي أنهم لا يسقطون عنهم بتقليدهم إياهم إثما ولكن للعامل إثمه وللسان مثل ذلك أيضا وهذا بين وبالله تعالى التوفيق
وكذلك ما أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم من ألا يحنط الميت المحرم ولا يمس طيبا ولا يغطى وجهه ولا رأسه وأن يكفن في ثوبه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وما أمر به صلى الله عليه و سلم في الشهيد ألا يغسل ولا يكفن وأن يدفن في ثيابه وأخبر صلى الله عليه و سلم أنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك فكلا الأمرين عمل كلفناه نحن وألزمناه فمن فعله أطاع الله تعالى ومن لم يفعله عصى الله عز و جل
فتخيل أهل الجهل والاستخفاف بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن عمل الميت قد انقطع فيا ليت شعري من قال لهم إن هذا عمل أمر به الميت وإنما قيل لهم إنه عمل أمرنا نحن به في الميت كما أمرنا بغسل سائر موتانا وتحنيطهم بالسدر والكافور والصلاة عليهم فهذا كله سواء ولا فرق
وتلبية المحرم يوم القيامة فضل له حينئذ وجزاء كثعب جرح الشهيد ولا فرق فبطل تمويه أهل الجهل والحمد لله
وقوله تعالى { يأيها لناس تقوا ربكم وخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد لله حق فلا تغرنكم لحياة لدنيا ولا يغرنكم بلله لغرور } وقوله تعالى { وتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } وقوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر لذين يخشون ربهم بلغيب وأقاموا لصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى لله لمصير } وقوله تعالى { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان لله عليما حكيما } وقوله تعالى { قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون }

قال أبو محمد رحمه الله فهذا كله لا يعارض ما ذكرنا البتة وإنما معناه أن أحدا لا يحمل إثم غيره ولا وزره إلا أن يكون سن ذلك العمل السوء فله مثل إثم صانعيه أبدا لأن الآي مضاف بعضها إلى بعض وقد قال تعالى { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان لله على كل شيء مقيتا }
وأخبر عليه السلام أن كل قتيل يقتل فعلى ابن آدم الأول كفل منه لأنه أول من سن القتل
فمعنى الآي الأول أن الله لا يلقي إثم أحد على بريء منه وأما من استن الشر ورتبه فله حظ من كل فعل يوافق ما سبق وكذلك من سن الخير أبدا فلا يلحق عمل أحد أحدا أبدا إلا ما جاء به النص فيصير حينئذ فعلا مأمورا به من كلف أداه يؤجر على فعله ويأثم بتركه كسائر ما أمر به ولا فرق وبالله تعالى التوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل


الباب الثالث والثلاثون في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد صلى الله عليه و سلم أيلزمنا اتباعها ما لم ننه عنها أم لا يجوز لنا اتباع شيء منها أصلا إلا ما كان منها في شريعتنا وأمرنا نحن به نصا باسمه فقط
قال أبو محمد رحمه الله قد ذكرنا الوجوه التي تعبدنا الله تعالى بها والتي لا حكم في شيء من الدين إلا منها
وهذا حين نذكر إن شاء الله تعالى الوجوه التي غلط بها قوم في الديانة فحكموا بها وجعلوها أدلة وبراهين وليست كذلك والصحيح أنه لا يحل الحكم بشيء منها في الدين وهي سبعة أشياء شرائع الأنبياء السالفين قبل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم والاحتياط والاستحسان والتقليد
والرأي ودليل الخطاب
والقياس
وفيه العلل
ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون هذه الأوجه بابا بابا
ومبينون وجه سقوطها وتحريم الحكم بها
وبالله تعالى نتأيد
فأما شرائع الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فالناس فيها على قولين فقوم قالوا هي لازمة لنا ما لم ننه عنها وقال آخرون هي ساقطة عنا ولا يجوز العمل بشيء منها إلا أن نخاطب في ملتنا بشيء موافق لبعضها فنقف عنده ائتمارا لنبينا صلى الله عليه و سلم لا اتباعا للشرائع الخالية
قال أبو محمد وبهذا نقول وقد زاد قوم بيانا فقالوا إلا شريعة إبراهيم صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد أما شريعة إبراهيم عليه السلام فهي هذه الشريعة التي نحن عليها نفسها والبراهين على ذلك قائمة سنذكرها إن شاء الله تعالى وإنما الاختلاف الذي ذكرنا في ما كان من شرائع الأنبياء عليهم السلام موجودا نصه في القرآن أو عن النبي صلى الله عليه و سلم
وأما ما ليس في القرآن ولا صح عن النبي صلى الله عليه و سلم فما نعلم من يطلق إجازة العمل بذلك إلا أن قوما أفتوا بها في بعض مذاهبهم فمن ذلك تحريم بعض المالكيين لما وجد في ذبائح اليهود ملتصق الرئة بالجنب وهذا مما لا نص في القرآن ولا في السنة على أنه

حرم على اليهود نعم ولا هو أيضا متفق عليه عند اليهود وإنما هو شيء انفردت به الربانية منهم
وأما العانانية والعيسوية والسامرية فإنهم متفقون على إباحة أكله لهم
فتحرى هؤلاء القوم وفقنا الله وإياهم ألا يأكلوا شيئا من ذبائح اليهود فيه بين أشياخ اليهود لعنهم الله اختلاف وأشفقوا من مخالفة هلال وشماي شيخ الربانية وحسبنا الله ونعم الوكيل
ومن طريف ما وقع لبعضهم في هذا الباب وسمجه وشنعه الذي ينبغي لأهل العقول أن يستجيروا بالله عز و جل من مثله أن إسماعيل بن إسحاق قال في رجم النبي صلى الله عليه و سلم اليهوديين الزانيين إنما فعل ذلك صلى الله عليه و سلم تنفيذا لما في التوراة ورأى هو من رأيه الفاسد أن يرفع نفسه عن تنفيذ ما فيها من الرجم على اليهود الزناة المحصنين إذا زنوا فصان نفسه عما وصف به نبيه صلى الله عليه و سلم
ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول الفاسد ومن هذا الاعتقاد فلو كفر جاهل بجهله لكان قائل هذا القول أحق الناس بالكفر لعظيم ما فيه
واحتج أيضا في ألا يقول الإمام آمين إذا قال { بسم الله لرحمن لرحيم } بأن موسى عليه السلام إذا دعا لم يؤمن وأمن هارون عليهما السلام فسماهما تعالى داعيين بقوله تعالى { قال قد أجيبت دعوتكما فستقيما ولا تتبعآن سبيل لذين لا يعلمون }
قال أبو محمد وفي هذا الاحتجاج من الغثاثة والبرد والسقوط والمجاهرة بالقبيح ما فيه لأنه يقال له قبل كل شيء من أخبرك أن موسى عليه السلام دعا ولم يؤمن وأن هارون أمن ولم يدع وهذا شيء إنما قاله بعض المفسرين بغير إسناد إلى النبي صلى الله عليه و سلم ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن النبي صلى الله عليه و سلم أو عن كافة تنقل عن مثلها إلى ما هنالك
فمن فاته هذان الوجهان فقد فاته الحق ولم يبق بيده إلا المجاهرة بالكذب وأن يقفو ما ليس له به علم أو أن يروى ذلك عن إبليس الملعون فإنه قد أدرك لا محالة تلك المشاهد كلها إلا أنه غير ثقة ثم يقال له هذا لو صح لك ما ادعيت من أن موسى

دعا ولم يؤمن وأن هارون أمن ولم يدع فأي شيء في هذا مما يبطل قول النبي صلى الله عليه و سلم عن الإمام وإذا أمن فأمنوا وقول الراوي أن النبي صلى الله عليه و سلم وهو الإمام كان يقول إذا فرغ من أم القرآن في الصلاة آمين هذا ولعل موسى قد أمن إذ دعا ولعل هارون دعا إذ دعا موسى وأمنا أو أمن أحدهما أو لم يؤمن واحد منهما ونص القرآن يوجب أنهما دعوا معا بقوله تعالى { قال قد أجيبت دعوتكما فستقيما ولا تتبعآن سبيل لذين لا يعلمون } وليس في القرآن دليل على تأمين وقع منهما ولا من أحدهما فهل سمع بأغث من هذا الاحتجاج أو أسقط منه أو أقل حيلة أو أبرد تمويها ممن يحتج بمثله في إبطال السنن الثابتة ثم قال له من عجائب الدنيا أنك جعلت فعل موسى وهارون الذي لم يصح قط ناسخا لقول محمد صلى الله عليه و سلم الصحيح في التأمين وهذا عكس الحقائق
وقد كنا نعجب من قول شيخ من شيوخهم أدركناه مقدما في مشاورة القضاة له على جميع مفتيهم فإن ذلك الشيخ قال في كتاب ألفه وقد رأيناه ووقفنا عليه وناولناه بيده وهو مكتوب كله بخطه وأقر لنا بتألفه وقرأه غيرنا عليه فكان في بعض ما أورد فيه أن قال روينا بأسانيد صحاح إلى التوراة أن السماء والأرض بكتا على عمر بن عبد العزيز أربعين سنة
قال أبو محمد هذا نص لفظه فلا أعجب من الشيخ المذكور في أن يروي عن التوراة شيئا من أخبار عمر بن عبد العزيز وهذا إسماعيل يبطل قول النبي صلى الله عليه و سلم إذا أمن يعني الإمام فأمنوا وتأمينه عليه السلام وهو الإمام بما لم يصح من ترك موسى للتأمين وترك هارون للدعاء
واحتجوا أيضا في إباحة قتل المسلمين وسفك الدماء المحرمة بدعوى المريض أن فلانا قتله ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لو أعطي قوم بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم فأباحوا ذلك بدعوى المريض
واحتجوا بما ذكر بعض المفسرين من أن المقتول من بني إسرائيل لما ضرب ببعض البقرة حيي وقال فلان قتلني
قال أبو محمد وهذا ليس في نص القرآن وإنما فيه ذكر قتل النفس والتدارىء فيها وذبح البقرة وضربه ببعضها وكذلك يحيي الله الموتى فمن زاد على ما ذكرنا في

تفسير هذه الآية فقد كذب وادعى ما لا علم لديه فكيف أن يستبيح بذلك دما حراما ويعطي مدعيا بدعواه وقد حرم الله تعالى ذلك فمن أعجب ممن يحتج بخرافات بني إسرائيل التي لم تأت في نص ولا في نقل كافة ولا في خبر مسند إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في مثل هذه العظائم هذا مع أن تلك الخرافة ليس فيها ذكر قسامة أصلا ولا أنه لا يحلف في القسامة إلا اثنان فصاعدا فهذه الزوائد من أين خرجت وحسبنا الله ونعم الوكيل
ثم أتى إلى قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون } فقال لا نأخذ بها ولا نقتل مؤمنا بكافر ولا حرا بعبد لأن هذا من شرائع من كان قبلنا ونسي أخذه في القسامة بخرافة مروية عن بني إسرائيل وترك لها فعل النبي صلى الله عليه و سلم في القسامة ثم ترك ههنا نص الله تعالى في أنه كتب عليهم أن النفس بالنفس
وأعلى ما روي في حديث بقرة بني إسرائيل فحديث حدثناه أحمد بن عمر ثنا عبد الله بن حسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا محمد بن الجهم ثنا أبو بكر الوراق نا علي بن عبد الله هو ابن المديني وعياش بن الوليد قال علي نا يحيى بن سعيد وسفيان بن عيينة قال يحيى نا ربيعة بن كلثوم حدثني أبي عن سعيد بن جبير أن ابن عباس قال إن أهل المدينة من بني إسرائيل وجدوا شيخا قتيلا في أصل مدينتهم فأقبل أهل مدينة أخرى فقالوا قتلتم صاحبنا وابن أخ له شاب يبكي فأتوا موسى عليه السلام فأوحى الله إليه { وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين } فذكر حديث البقرة بطوله وفي آخره فأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ وابن أخيه قائم عند قبره فذبحوها فضرب ببضعة من لحمها القبر فقام الشيخ ينفض رأسه ويقول قتلني ابن أخي طال عليه عمري وأراد أكل مالي ومات
وقال سفيان ثنا ابن سوقة سمعت عكرمة يقول كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا فوجدوا قتيلا قد قتل على باب فجروه إلى باب آخر فتحاكموا

إلى موسى عليه السلام فقال { وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين } فذبحوها فضربوه بفخذها فقام فقال قتلني فلان وكان رجلا له مال كثير وكان ابن أخيه قتله وقال عياش بن الوليد نا يزيد بن زريع نا سعيد عن قتادة قال كان قتيل في بني إسرائيل فأوحى الله عز و جل إلى موسى أن اذبح بقرة فاضربوه ببعضها فذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها فأحياه الله عز و جل فأنبأ بقاتله وتكلم ثم مات
وذكر لنا أنهم وليه الذي كان يطلب بدمه هو قتله من أجل ميراث كان بينهم فلا يورث قاتل بعده
وبه إلى ابن الجهم ثنا محمد بن مسلمة ثنا يزيد بن هارون أنبأ هشام عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له وكان له مال كثير وكان ابن أخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلا حتى أتى به في آخرين فوضعه على باب رجل منهم ثم أصبح يدعيه عليهم فأتوا موسى عليه السلام فقال { وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين } فذبحوها فضربوه ببعضها فقام فقالوا من قتلك فقال هذا لابن أخيه ثم مال ميتا فلم يعط ابن أخيه من ماله شيئا ولم يورث قاتل بعده
وبه إلى ابن الجهم
حدثنا محمد الفرج وإبراهيم بن إسحاق الحربي قال محمد واللفظ له ثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل قتله رجل ثم ذكر معناه
وقال الحربي نا حسين بن الأسود نا عمرو بن محمد نا أسباط عن السدي نحوه
وروينا أيضا نحوه من طريق إسماعيل بن إسحاق عن عبد الله بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
قال أبو محمد وهذه مرسلات وموقوف لو أتت فيما أنزل علينا ما جاز الاحتجاج بها أصلا فكيف فيما أنزل في غيرنا وليس في القرآن نص بشيء مما ذكر في هذه الأخبار أكثر من أنهم تدارؤوا في نفس مقتولة منهم فأمرهم عز و جل أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها { فقلنا ضربوه ببعضها كذلك يحيي لله لموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون } ولم يقل تعالى في القرآن إن الميت قال فلان قتلني ولا أنه صدق في ذلك ولا أنه أقيد به وكل من زاد على ما في القرآن شيئا

بغير نص من الرسول صلى الله عليه و سلم فقد أتى عظيمة
وحتى لو صح كل هذا لما كانت فيه حجة أصلا لأن ذلك كان يكون معجزة وإحياء ميت ومن عاد من الآخرة فلا شك في أنه لا يقول إلا الحق وأما الأحياء فيما بيننا فالكذب غير مأمون عليهم ودعوى الباطل وهم لا يصدقونه في درهم يدعيه ولا في درهم يقر به لوارث ويصدقونه في الدم الذي يوجب قتل عدوه عندهم أو أخذ ماله في الدية
ونحن الآن إن شاء الله تعالى نذكر كل ما في القرآن من شرائع النبيين عليهم السلام قبلنا ونبين ما اتفق على تركه منها وما اختلف في الأخذ منها ثم نذكر إن شاء الله تعالى حجج الآخذين بها والمانعين منها وبالله تعالى التوفيق
فمن شرائع سليمان عليه السلام قول الله تعالى {
قال أبو محمد وهذا لا خلاف بيننا في سقوط عقاب الطير وإن أفسدت علينا ومنها قوله تعالى { }
قال أبو محمد هذا مما اختلف فيه فادعى قوم فيها دعاوى من أن سليمان عليه السلام كلف أصحاب الغنم جبر ما أفسدت من الزرع أو الكرم ليلا وهذا باطل لأنه ليس ذلك في الآية ولا صح عن النبي صلى الله عليه و سلم وإنما ذكر في بعض التفاسير التي لا تصح وذلك من نحو ما ذكر فيها أن ملكين زنيا وقتلا النفس التي حرم الله تعالى وشربا الخمر
وقد نزه الله تعالى الملائكة عن ذلك وأن الزهرة كانت زانية فمسخت كوكبا مضيئا يهتدى به في البر والبحر حتى أدت هذه الروايات الفاسدة بعض أهل الإلحاد إلى أن قال لو كان هذا لما بقيت محصنة إلا زنت لتمسخ كوكبا والتي ذكر فيها أن يوسف عليه السلام قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من امرأته وقد نزه الله تعالى أنبياءه عن ذلك وهذا كثير جدا

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن جرح العجماء جبار ولا ينسند حديث ناقة البراء أصلا وإنما هو منقطع من جميع جهاته
ومن شريعة زكريا عليه السلام قوله تعالى { } وهذا ساقط بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من قوله لأصمت يوما إلى الليل وبالجملة فلم نؤمر بالصمت ومن صمت عن غير الواجب من الكلام والمستحب من الذكر فقد أحسن
ومنها قوله تعالى { } فاحتج بهذا قوم في الحكم بالقرعة ثم جعلوا ذلك حكما في المستلحق من الأولاد وفي المشكوك في طلاقها من النساء وفي غير ذلك وهذا لا يلزم بل يبطل من وجهين أحدهما أن هذا قياس والقياس باطل
والثاني أنه غير مأمور به في شريعتنا
ومن شرائع موسى عليه السلام قوله تعالى { } ونحن لا نخلع نعالنا في الأرض المقدسة
ومنها قوله تعالى { }
قال أبو محمد وهذا لا خلاف في أنه منسوخ وأن الله تعالى قد أحل لهم كل ذلك على لسان محمد صلى الله عليه و سلم بقوله { } وهذه الشحوم من طعامنا فهن حل لهم وإن رغمت أنوفهم وأنوف المجتنبين لها اتباعا لدعوى اليهود في تحريم ذلك

ومنها قوله تعالى { }
قال أبو محمد أما نحن فلا نأخذ بهذا لأننا لم نؤمر به وإنما أمر به غيرنا وإنما أوجبنا القود في كل هذا وفيما دونه بين المسلمين فيما بينهم وساوينا في كل ذلك بين الحر والعبد والذكر والأنثى بقوله تعالى مخاطبا لنا { } وبقوله تعالى مخاطبا لنا { } وبقوله تعالى { } ويقول رسول الله صلى الله عليه و سلم المؤمنون تتكافأ دماؤهم فأقدنا في كل ذلك من الحر للحر والعبد للحرة والأمة وأقدنا من العبد للعبد وللحر وللحرة وللأمة وكذلك من الحرة والأمة ولا فرق وأقدنا لكل من ذكرنا من الكافر ولم نقد كافرا من مؤمن أصلا لقول الله تعالى { } وبقوله صلى الله عليه و سلم ولا يقتل مؤمن بكافر
ومنها قوله تعالى { } وهذا منسوخ بإجماع
ومنها قوله تعالى { }
قال أبو محمد وهذا منسوخ بإجماع
ومنها الأمر بذبح بقرة صفراء فاقع لونها وهذا لا يلزم في شيء من الأحكام بإجماع
ومن شريعة لوط عليه السلام { } ولا يحل في شريعتنا رجم المكذب بالنذر وقد احتج قوم في رجم من فعل فعل لوط بهذه الآية

قال أبو علي ونسوا أن فاعل ذلك من قوم لوط كان كافرا وذلك منصوص في القرآن في الآية نفسها إذ أخبر تعالى أنهم كذبوا بالنذر وأن صبيانهم ونساءهم رجموا معهم ولم يكونوا ممن فعل ذلك الفعل ونسوا أيضا قوله تعالى { } فكان يلزمهم إذا طردوا أصلهم الفاسد أن يسلموا عينهم كل من راود ذكرا عن نفسه لأن الله تعالى طمس أعين قوم لوط إذ راودوا ضيفه كما رجمهم لما أتوا الذكور وكفروا فمن فرق بين شيء من ذلك فقد تحكم في دين الله عز و جل بلا برهان ولا هدى من الله تعالى
ومن شريعة يوسف عليه السلام { }
قال أبو محمد وهذا مما لا خلاف فيه أنه لا يجوز أن نحكم به الآن بين الناس في تداعيهم الزنى
ومنها { }
قال أبو محمد فاحتج قوم بهذا في إثبات الجعل وهذا لا يلزم لأن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم أموالكم عليكم حرام مبطل للجعل إلا أن يوجبه نص في شريعتنا أو تطيب به نفس الجاعل
ومنها قوله تعالى { }
قال أبو محمد وهذا لا خلاف بيننا وبين خصومنا في أنه لا يحكم به بيننا وأنه لا يسترق السارق لأجل سرقته وكان يلزمهم القول به لأنه ليس مجمعا على تركه بل قد روينا عن زرارة بن أوفى القاضي أنه باع حرا في دين وروينا أيضا عن الشافعي من طريق غريبة وقد كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى { }

ومن شريعة أيوب عليه السلام { } فاحتج بهذا قوم في إباحة جلد الزاني والقاذف والشارب إذا كانوا مرضى يعرجون فيه مائة أو ثمانون أو أربعون شمراخا وفي بر يمين من حلف ليجلدن غلامه كذا وكذا جلدة
قال أبو محمد والذين احتجوا بدعواهم في كلام الميت في أمر بقرة بني إسرائيل أن فلانا قتلني يأبون ههنا من أن يبرأ الحالف إذا ضرب بضغث ويكفي هذا من قبيح التناقض وفاحشة ونحن وإن كنا نرى الجلد بالضغث للمريض فإنما نجيزه من غير هذه الآية لكن من الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه أمر أن يجلد المريض الذي زنى بعثكول فيه مائة شمراخ ونرى البر يقع بما يقع عليه اسم جلد واسم ضرب
ومن شريعة موسى وصهره عليهما السلام { }
قال أبو محمد وبهذا يحتج من يبيح النكاح على إجارة إلى أحد أجلين لم يوقت أحدهما بعينه وهذا عندنا وعند خصومنا لا يجوز لأن الإجارة المجهولة الأجل فاسدة لأنها أكل مال بالباطل والنكاح على شيء فاسد لأن كل ما لا يصح إلا بصحة ما لا يصح فلا شك في أنه لا يصح لا سيما وتلك الإجارة للمنكح لا حظ فيها للمنكحة والصداق في ديننا إنما هو للمنكحة بنص قول الله تعالى { } ولا حظ فيها للأب ولا للولي
ومن عجائب الدنيا ما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا سحنون ثنا ابن القاسم قال احتج مالك في جواز فعل الرجل

بإنكاح ابنته البكر بغير رضاها بقول الله تعالى عن صهر موسى { }
قال علي فأي عجب أعجب من احتجاجه بهذه الآية فيما لا يوجد في الآية أصلا وفي الممكن أنها رضيت فلم يذكر ثم يخالف الآية نفسها في أربعة مواضع أحدهما إنكاح إحدى ابنتي بغير عينها
والثاني إنكاحه بإجارة
الثالث الإجارة إلى أحد أجلين أيهما أوفى فالنكاح ثابت
والرابع إنكاح امرأة بخدمة أبيها
ثم بعد هذا كله من له بأنها كانت بكرا ولعلها ثيب أليس في هذا الاحتجاج عبرة لمن اعتبر ولعلها بكر عانس وهو لا يرى إنكاح هذه إلا بإذنها ورضاها فكيف والاحتجاج بالآية لا يصح لما قدمنا من أن شرائع الأنبياء عليهم السلام لا تلزمنا ومن شرائع الخضر عليه السلام قوله تعالى { } ثم قال { }
قال أبو محمد ولا خلاف في شريعتنا أنه لا يحل قتل غلام خوف أن يرهقهما طغيانا وكفرا ومن شريعة نوح عليه السلام { }
قال أبو محمد فأخذ بهذا الأزارقة واستباحوا قتل الأطفال وغاب عنهم أن قول نوح عليه السلام إنما كان فيمن كان في عصره من الكفار فقط الذين أهلكهم الله تعالى ولم يبق لهم نسلا بقوله تعالى { } وبقوله تعالى

{ } ولم يحمل نوح مع نفسه عليه السلام إلا المؤمنين فقط من قومه وولده وغاب عنهم بجهلهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سيد ولد آدم هو ولد كافر وكافرة وأن عمر كذلك وقد قال عليه السلام أو ليس خياركم أولاد المشركين ونحن نترك الكفار ولا نقتلهم بل نأخذ منهم الجزية وننكح إليهم ونعاملهم ونأكل ذبائحهم ولا نستحل قتل طفل من أطفال أهل الحرب عمدا بل يهديهم الله بنا ولا يضلوننا والحمد لله رب العالمين وقد نقل كافة بني إسرائيل أن موسى عليه السلام قتل صبيان أهل مدين وقتل يوشع صبيان أهل أريحا الأطفال بأمر الله تعالى بذلك وهذا في شريعتنا غير جائز
ومن شريعة يونس عليه السلام قوله تعالى { }
قال أبو محمد فاحتج بهذا قوم في الحكم بالقرعة وقد مضى الكلام في ذلك ولا خلاف بين أحد منا أنه لا يجوز أن يلقى أحد في البحر بالقرعة
ومن شريعة مريم عليها السلام { } وليس هذا من شرط الصوم عندنا
ومن شرائع الله تعالى في بني إسرائيل قوله تعالى { } ونحن نعتدي كثيرا فلا نمسخ ولله الحمد
ومن شريعة أهل زمان زكريا عليه السلام قول أم مريم { }
قال أبو محمد وهذا غير جائز عندنا أصلا
ومن شريعة يعقوب عليه السلام { }

قال أبو محمد وهذا لا يحل عندنا وليس لأحد أن يحرم على نفسه ما لم يحرم الله عز و جل عليه إلا أن طوائف من علمائنا اختلفوا في تحريم الزوجة والأمة فقال به قوم ومنع منه آخرون وبالمنع منه نقول ولا يحل لأحد أن يحرم زوجة ولا غيرها ولا تكون بذلك حراما ولا طلاقا ولا كفارة في ذلك وهي حلال له كما كانت وكذلك سائر ماله
ومن شرائع بني إسرائيل { }
قال أبو محمد وهذا لا يلزمنا
ومن شريعة آدم عليه السلام قوله { }
قال أبو محمد ولا خلاف في أنه لا يجوز عندنا التحاكم بالقرابين ولا يحل عندنا الاستسلام للقتل ظلما بل المقتول دون نفسه شهيد
ومن شريعة الكتابيين في زمان أصحاب الكهف { }
قال أبو محمد وهذ حرام في شريعتنا
وقد قال عليه السلام إن أولئك كانوا إذا مات فيهم رجل صالح بنوا على قبره مسجدا أولئك شرار الخلق
قال أبو محمد فهذه شرائع يلزم من قال باتباع شرائع الأنبياء عليهم السلام أن يقول بها وإلا فقد نقضوا أصلهم
واحتج الموجبون للأخذ بشرائع الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى { }

قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ وأن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام
واحتجوا بقوله تعالى { }
قال أبو محمد وهذا إنما عني الله تعالى به أنبياء بني إسرائيل لا محمدا صلى الله عليه و سلم لأنه تعالى يقول { } وبيان ذلك قوله تعالى { } ونحن ليس لنا نبيون وإنما لنا نبي واحد والأنبياء كلهم مسلمون وقد حكى الله تعالى عن أنبياء سالفين أنهم قالوا أمرنا بأن نكون من المسلمين
وأيضا فقد قال تعالى حاكيا عن أهل الكتاب أنهم قالوا لنا { } فصح أن الله تعالى نهى عن دين اليهود والنصارى وأمرنا بدين إبراهيم عليه السلام وقال تعالى { } فصح يقينا أن إبراهيم كانت شريعته قبل التوراة وأن شريعته لازمة لنا فمن المحال الممتنع أن نؤمر باتباع شيء نزل بعد شريعتنا وهذا متناقض فبطل تأويل من ظن الخطأ في قوله تعالى { } وصح أنهم أنبياء بني إسرائيل فقط
فإن قالوا لا خلاف بين التوراة وبين شريعة إبراهيم عليه السلام ولا بين

شريعتنا واحتجوا بما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم ثنا محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد قلنا لهم هذا حجة عليكم لا لكم إن تأولتم فيه اتفاق أحكام شرائعهم أكذبهم القرآن في قوله تعالى { وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } وأكذبهم قوله تعالى عن عيسى عليه السلام { ومصدقا لما بين يدي من لتوراة ولأحل لكم بعض لذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فتقوا لله وأطيعون } وأكذبهم أمر السبت وتحريم كل ذي ظفر وما حرم إسرائيل على نفسه ولكن معنى قوله صلى الله عليه و سلم ودينهم واحد إنما يعني التوحيد الذي لم يختلفوا فيه أصلا
واحتجوا بقوله تعالى { أولئك لذين هدى لله فبهداهم قتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين }
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن الذي أمرنا أن نقتدي بهم فيه هو ما اتفقت فيه شريعتنا وشريعتهم مثل قوله تعالى { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا لله وبلوالدين إحسانا وذي لقربى واليتامى ولمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون } فأما باقي الآية في قوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } فلم نأخذه من هذه الآية لكن من أمر الله تعالى لنا بذلك في آية أخرى
ومثل قوله عز و جل { شرع لكم من لدين ما وصى به نوحا ولذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا لدين ولا تتفرقوا فيه كبر على لمشركين ما تدعوهم إليه لله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب }
فنص تعالى على أنهم كلهم أمروا ألا يتفرقوا في الدين وهذا هو نفس إخباره عليه السلام أن دين الأنبياء عليهم السلام واحد وقد نص الله تعالى على أنه أمر بعضهم بترك العمل في السبت ولم يأمرنا نحن بذلك وأحل الخمر مدة وحرمها بعد ذلك فصح يقينا أن الذي نهوا عن التفرق فيه
وأن الذي شرع لجميعهم من الدين الواحد إنما هو التوحيد وأن الذي فرق فيه بينهم هي الشرائع والأعمال الواجبات والمحرمات وهذا هو نفس قولنا

وقد قال تعالى { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن ستطعت أن تبتغي نفقا في لأرض أو سلما في لسمآء فتأتيهم بآية ولو شآء لله لجمعهم على لهدى فلا تكونن من لجاهلين } وقال { وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } قال تعالى { ولكل وجهة هو موليها فستبقوا لخيرات أين ما تكونوا يأت بكم لله جميعا إن لله على كل شيء قدير } فصح بالنص أنه تعالى فرق بين الشرائع وبين منهاج كل واحد منهم وبين وجهة كل واحد منهم وقد قال تعالى { يريد لله ليبين لكم ويهديكم سنن لذين من قبلكم ويتوب عليكم ولله عليم حكيم }
فصح أن الله تعالى لا يتناقض كلامه وصح أن الذي أمرنا أن نتبع فيه سننهم هو غير الشرائع التي فرق بيننا وبينهم فيها فصح أنه التوحيد الذي سوى فيه بينهم كلهم في التزامه فصح أنه هو الهدى الذي أمر صلى الله عليه و سلم بأن يقتدي بهم ويبين ذلك أيضا قوله تعالى حاكيا عن رسوله يوسف عليه السلام أنه قال { وتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بلله من شيء ذلك من فضل لله علينا وعلى لناس ولكن أكثر لناس لا يشكرون }
قال أبو محمد فبين نصا أنهم اتفقوا في التوحيد خاصة وإلا فقد نص تعالى على أن إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام حرم على نفسه أشياء كانت له حلالا وليس هذا في شريعة إبراهيم عليه السلام فصح يقينا أنه كان مباحا لإسرائيل أن يحرم على نفسه بعض الطعام
وأما شريعة إبراهيم عليه السلام فهي شريعتنا نفسها على ما نبين في آخر هذا الباب إن شاء الله عز و جل وليس في شريعتنا أن يحرم أحد على نفسه طعاما أحله الله له وقد جمع يعقوب بين الأختين
وهذا لا يحل في شريعتنا التي هي شريعة إبراهيم فلما سوى يوسف عليه السلام بين ملة إبراهيم ويعقوب وشرائعهما مفترقة علمنا أن ذلك في التوحيد وحده لا فيما سواه
فاعترض بعض خصومنا بأن قال إذا حملتم قوله تعالى على أن ذلك في التوحيد وحده لا فيما سواه عريتم الآية من الفائدة
لأن التوحيد مأخوذ بالعقل

قال أبو محمد هذا من أغث احتجاج يورده مشغب ويلزم من قال بهذا أن يحذف من القرآن كل آية مكررة مثل { وغيرها
والتوحيد عرف بالعقل ضرورة ولكن ما يجب الإقراء به فرضا ولا صح الوعيد على جاحده بالقتل والنار في الآخرة بالعقل وإنما وجب ذلك كله بإنذار الرسل فقط
فالآية المذكورة أوجبت اعتقاد التوحيد وأوجبت الإقرار به ولم يجب ذلك قط بالعقل لأن العقل لا يشرع ولا يخبر بمن يعذب الله تعالى في الآخرة ولا بمن ينعم وإنما العقل مميز بين الممتنع والواجب والممكن ومميز بين الأشياء الموجودات وبين الحق الموجود المعقول والباطل المعدوم المعقول فهذا ما في العقل ولا مزيد
وقال بعضهم نحمل قوله تعالى { أولئك لذين هدى لله فبهداهم قتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين } على ما لم يأتنا فيه نص أنه نسخ من شرائعهم ونحمل قوله { وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } على ما نسخ من شرائعهم
قال أبو محمد هذا تأويل منهم مجرد من الدليل وما تجرد عن الدليل فهو دعوى ساقطة
وقد بينا الدلائل على أن الذي أمرنا بالاقتداء بهم فيه إنما هو التوحيد وحده فقط
واحتجوا بقول الله تعالى { وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون }
قال أبو محمد وقد بين الله تعالى في آية أخرى غير هذه الآية بقوله تعالى { وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون }
{ ومن يبتغ غير لإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في لآخرة من لخاسرين }
واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمر ثنية الربيع أو الجرح الذي جرحت على حسب اختلاف الروايات في ذلك كتاب الله القصاص

قال أبو محمد إنما عنى رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله تعالى { لشهر لحرام بلشهر لحرام ولحرمات قصاص فمن عتدى عليكم فعتدوا عليه بمثل ما عتدى عليكم وتقوا لله وعلموا أن لله مع لمتقين } وهذا الذي خوطبنا به نحن هو اللازم لنا ولم يأت نص عن أنه عليه السلام عنى غير هذه الآية أصلا
فإن قال قائل فلعله عليه السلام إنما عنى بذلك قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون } الآية وما علمكم بأنه عنى عليه السلام الآية التي تلوتم دون هذه
فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن البرهان على أنه صلى الله عليه و سلم لم يعن بقوله كتاب الله القصاص قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون } أنه ليس في سورة التوراة قبول أرش وإنما الأرش في حكم الإسلام وفي الحديث المذكور أنهم قبلوا الأرش فصح أنه صلى الله عليه و سلم لم يعن قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون }
واحتجوا بقوله صلى الله عليه و سلم إذا رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء نحن أولى بموسى منهم
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنه صلى الله عليه و سلم قد أمر بصيامه ولولا أن الله تعالى أمره بصيامه ما اتبع اليهود في ذلك وقد صح أنه كان يوما تصومه قريش في الجاهلية فصامه صلى الله عليه و سلم تبررا
واحتجوا أيضا بأن قالوا لما كانت شريعة الأنبياء عليهم السلام حقا وجب اتباع الحق حتى يأتي ما ينقلنا عنه
قال أبو محمد والجواب وبالله تعالى التوفيق إن تلك الشرائع وإن كانت حقا على الذين خوطبوا بها فلم تكتب قط علينا وليس ما كان حقا على واحد كان حقا على غيره إلا أن يوجبه الله تعالى عليه وإنما كتب علينا الإقرار بالأنبياء السالفين وبأنهم بعثوا إلى قومهم بالحق لا إلى كل أحد ولم يكتب علينا العمل بشرائعهم
واحتجوا بدعائه صلى الله عليه و سلم بالتوراة يوم رجم اليهوديين وأنه عليه السلام سألهم ما تجدون في التوراة فلما أخبروه بالرجم وأنهم تركوه قال صلى الله عليه و سلم أنا أول من أحيا أمر الله تعالى

قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه بل هو تأويل سوء ممن تأوله لأنه صلى الله عليه و سلم بلا شك في شريعته المنزلة عليه قد أمر برجم من أحصن من الزناة وإنما دعا صلى الله عليه و سلم بالتوراة حسما لشغب اليهود وتبكيتا لهم في تركهم العمل بما أمروا به وإعلاما لهم بأنهم خالفوا كتابهم الذي يقرون أنه أنزل عليهم
ومن قال إنه صلى الله عليه و سلم رجم اليهوديين اتباعا للتوراة لا لأمر الله تعالى له برجم كل من أحصن من الزناة في شريعته المنزلة عليه فقد كفر وفارق الإسلام وحل دمه لأنه ينسب إلى النبي صلى الله عليه و سلم عصيان ربه فيما أمره به في شريعته المنزلة عليه إذ تركها واتبع ما أنزل في التوراة
وقد أخبر تعالى أن اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه فمن الكفر العظيم أن يقول من يدعي أنه مسلم إن النبي صلى الله عليه و سلم حكم بكتاب قد أخبر أنه محرف
ووالله إن العجب ليعظم ممن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الحكم بما في التوراة في رجم يهوديين زنيا وهو يرفع نفسه الخسيسة عن هذا فيقول إن قدم إلي يهوديان زنيا لم أقم عليهما الحد ورددتهما إلى أهل دينهما فهو يترفع عما يصف به نبيه صلى الله عليه و سلم نبرأ إلى الله تعالى من نصر كل مذهب يؤدي إلى مثل هذه البوائق والكبائر وحسبنا الله ونعم الوكيل
واحتجوا بما روي أنه صلى الله عليه و سلم سدل ناصيته كما يفعل أهل الكتاب ثم فرقها بعده وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شيء
قال أبو محمد وهذا الحديث من أقوى الحجج عليهم لأنه نص فيه على أنه صلى الله عليه و سلم إنما كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شيء فصح أنه صلى الله عليه و سلم إنما كان يفعل ذلك في المباح له فعله وتركه مما لم ينه عنه ولا أمر به وهذا غير ما نحن فيه وإنما كلامنا في وجوب شرائعهم ما لم ننه عنها وفي سقوطها حتى نؤمر بها وأما الزي المباح وفرق الشعر وسدله فكل ذلك مباح حتى الآن فعله وتركه
هذا كل ما احتجوا به قد أبطلنا شغبهم فيه وبالله تعالى التوفيق
ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون البراهين المبينة قولنا المبطلة قولهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى واللفظ له قال أبو بكر نا هشيم ثنا سيار ثنا يزيد الفقير ثنا جابر وقال يحيى أنا هشيم عن

سيار عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وذكر باقي الحديث
وبه إلى مسلم ثنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر قالا ثنا إسماعيل وهو ابن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فضلت على الأنبياء بست فذكرهن وفيها أرسلت إلى الخلق كافة
قال أبو محمد هذا الحديث يكفي من كل شغب موه به المبطلون ويبين أن كل نبي قبل نبينا صلى الله عليه و سلم إنما بعث إلى قومه خاصة وإذا كان ذلك صح بيقين أن غير قومه لم يلزموا بشريعة نبي غير نبيهم فصح بهذا يقينا أنه لم يبعث إلينا أحد من الأنبياء غير محمد صلى الله عليه و سلم
وإذ قد صح ذلك فقد قال تعالى { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم عبدوا لله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من لأرض وستعمركم فيها فستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب } { وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم عبدوا لله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم عبدوا لله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا لكيل ولميزان ولا تبخسوا لناس أشياءهم ولا تفسدوا في لأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } وقال تعالى في نبينا صلى الله عليه و سلم { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر لناس لا يعلمون } وقال تعالى آمرا له أن يقول { قل يأيها لناس إني رسول لله إليكم جميعا لذي له ملك لسماوات ولأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بلله ورسوله لنبي لأمي لذي يؤمن بلله وكلماته وتبعوه لعلكم تهتدون } مخاطبا للناس كلهم وأمره تعالى أن يدعو الإنس والجن إلى الإيمان وقال تعالى { لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون } فصح أنهم لم يكونوا ملزمين شريعة أحد من الأنبياء وقال تعالى { يا أهل لكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من لرسل أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ولله على كل شيء قدير }
فعلمنا أن الشرائع التي بعث بها موسى عليه السلام لم تلزم غير بني إسرائيل حاشا التوحيد وحده على ما بينا قبل وعلى ما بينه تعالى إذ يقول { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من لمشركين } { قولوا آمنا بلله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ولأسباط ومآ أوتي موسى وعيسى وما أوتي لنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد هتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم لله وهو لسميع لعليم }

قال أبو محمد فصح بهذه الآية أيضا أن الذي تساوى فيه كل من ذكر الله من النبيين هو اللازم لنا وليس ذلك إلا التوحيد وحده وإلا فلا خلاف بين أحد من المسلمين في أن شرائعهم كانت مختلفة فسقط عنا بذلك جميع شرائعهم إلا الذي سوى بينهم فيه وهو التوحيد فقط
ومن ألزمنا شرائع الأنبياء قبلنا فقد أبطل فضيلة النبي صلى الله عليه و سلم وأكذبه في إخباره أنه لم يبعث نبي إلا إلى قومه خاصة حاشا لأن خصومنا يريدون منا اتباع شرائع من قبلنا فيوجبون بذلك أنهم مبعوثون إلينا وهذا الباطل والكذب
ويبين هذا أيضا قوله تعالى { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } وهذه صفة فعل الله تعالى الذي لم يزل حكمه موصوفا بها في خلقه في علمه وقال تعالى { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب لموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون }
قال أبو محمد هذه كافية في هذا الباب لأنه تعالى ما سوى بينهم فيه وهو عبادة الله تعالى وحده والإقرار بأنه الإله وحده ثم أخبرنا تعالى أنه لا يسألنا عما كان أولئك الأنبياء يعملون وإذا لم نسأل عن عملهم فقد تيقن كل ذي حس سليم أن ما لا نسأل عنه فإنه غير لازم لنا ولو كان لنا لازما لسئلنا عنه

فصح بهذا كله ما ذكرنا وهي براهين ضرورية لا محيد عنها وأعمالهم هي شرائعهم التي بعثوا بها فقد سقط عنا بالنص طلبها وإذ سقط عنا طلبها فقد سقط عنا حكمها إذ لا سبيل إلى التزام حكم شيء إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بعد طلبه وبالله تعالى التوفيق
وأما شريعة إبراهيم عليه السلام فهي شريعتنا هذه بعينها ولسنا نقول إن إبراهيم بعث إلى الناس كافة وإنما نقول إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم إلى الناس كافة بالشريعة التي بعث تعالى بها إبراهيم عليه السلام إلى قومه خاصة دون سائر أهل عصره وإنما لزمتنا ملة إبراهيم لأن محمدا صلى الله عليه و سلم بعث بها إلينا لا لأن إبراهيم عليه السلام بعث بها قال تعالى { ثم أوحينآ إليك أن تبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من لمشركين } وقال تعالى { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من لمشركين }
قال أبو محمد فانبلجت المسألة والحمد لله رب العالمين
ونسخ الله تعالى عنا بعض شريعة إبراهيم كما نسخ أيضا عنا بعض ما كان يلزمنا من شريعة محمد صلى الله عليه و سلم
فمن ذلك ذبح الأولاد نسخ عنه عليه السلام كما نسخ عنا أيضا بقوله تعالى { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبلوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا لفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا لنفس لتي حرم لله إلا بلحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } وبقوله تعالى { وإذا لموءودة سئلت بأى ذنب قتلت } وبقوله تعالى { قد خسر لذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم لله فترآء على لله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } ونسخ الاستغفار للمشركين بقوله تعالى { وما كان ستغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } وبقوله تعالى { ما كان للنبي ولذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب لجحيم } وقد وعد النبي صلى الله عليه و سلم عمه أبا طالب بالاستغفار كما وعد إبراهيم عليه السلام أباه بالاستغفار حتى نهى الله تعالى كليهما عن ذلك

وأما قول إبراهيم عليه السلام لقومه إذ رأى الكوكب { فلمآ رأى لقمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من لقوم لضالين } فإنما كانت تقريرا لهم تبكيتا لا استدلالا ومعاذ الله أن يقول إبراهيم بالعبودية لأحد دون الله تعالى ومن كان مثل إبراهيم سبقت له من الله تعالى سابقة علم في انتخابه للرساله والخلة لا يستدل بكبر الشمس على ربوبيتها وهو يرى الفلك أكبر منها فصح أن ذلك توبيخ لهم على فساد استدلالهم في عبادتهم للنجوم وأن هذا إنما هو كما قال { ذق إنك أنت لعزيز لكريم } أي عند نفسك في الدنيا وعند قومك المغرورين وإلا فهو في تلك الحال الدليل المهان وقال قوم متكلفون متنطعون ماذا كانت شريعة النبي صلى الله عليه و سلم قبل أن ينبأ
قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن يقال لهم في نفس سؤالكم جوابكم وهو قولكم أن ينبأ وأن لم يكن نبيا فلم يكن مكلفا شيئا من الشرائع التي لم يؤمر بها ومن الهذيان أن يكون مأمورا بما لم يؤمر به فصح أنه لم يكن ألزم شيئا من الشريعة حاشا التوحيد اللازم لقومه من عهد إبراهيم عليه السلام لولده ونسله حتى غيره عمرو بن لحي وحاشا ما صانه الله تعالى عنه من الزنى وكشف العورة والكذب والظلم وسائر الفواحش والرذائل التي سبق في علم الله تعالى أنه سيحرمها عليه وعلى الناس لا إله إلا هو
وقد قال قوم إن نوحا بعث إلى أهل الأرض كلهم
قال أبو محمد وهذا خطأ لأنه تكذيب لقوله صلى الله عليه و سلم إن كل نبي حاشاه إنما بعث إلى قومه خاصة فصح أن نوحا عليه السلام كذلك ولا فرق وإنما غرق تعالى من غرق من غير قومه كما غرق الأطفال حينئذ وسائر الحيوان ويفعل ربنا تعالى ما شاء لا معقب لحكمه وقد قيل للنبي صلى الله عليه و سلم أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث وذكر صلى الله عليه و سلم جيشا يخسف بهم فقيل له يا رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيهم المكره وغيره
فأخبر صلى الله عليه و سلم أنهم وإن عمهم العذاب في الدنيا فكل أحد يبعث على نيته يوم القيامة أو كلاما هذا معناه فليس في إهلاك الله تعالى من أهلك بالطوفان دليل على أن جميعهم بعث إليهم نوح بل نص القرآن مثبت أن نوحا عليه السلام لم يبعث إلى غير قومه البتة بقوله تعالى { إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } فمن ادعى أن قومه كانوا جميع أهل الأرض فقد كذب وقفا ما ليس له به علم

وقد حرم ذلك بقوله { وآت ذا لقربى حقه ولمسكين وبن لسبيل ولا تبذر تبذيرا } ولا في النص أيضا أن جميع أهل الأرض هلكوا بالطوفان لا في القرآن ولا في الحديث الصحيح والله أعلم ولا علم لنا إلا ما علمنا والكذب والقول بغير علم لا يستسهله فاضل نعوذ بالله من الخذلان
فإن تعلق متعلق بما حدثناه عن عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا أبو إسحاق المستملي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسحاق بن نضر ثنا محمد بن عبيد ثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة ثم ذكر صلى الله عليه و سلم صفة القيامة وفيه أن الناس يأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وذكر باقي الحديث قيل له وبالله تعالى التوفيق
ليس لك في هذا حجة لأنه لم يقل إلى جميع أهل الأرض وبعض أهل الأرض يقع عليه اسم أهل الأرض وما كنا لنستجيز تخصيص هذا العموم لولا ما ذكرنا قبل من رواية جابر وأبي هريرة وشهادتهما على رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن كل نبي قبله إنما بعث إلى قومه خاصة حاشاه عليه السلام فإنه بعث إلى الناس كافة وفضل على جميع الأنبياء بذلك
وقد قال قوم إن آدم عليه السلام بعث إلى ولده وهم أهل الأرض قاطبة في وقتهم بلا شك
قال أبو محمد وهذا شغب لا يصح لأن الحديث الذي ذكرنا آنفا يبطل هذه الدعوى وقد أخبر عليه السلام في هذا الحديث أن نوحا أول من بعث إلى أهل الأرض وقد روى أن شيثا كان نبيا وإذا كان ذلك فليس آدم مبعوثا إليه
فإن قال قائل ومن أين استجزت الاحتجاج في دفع بعث آدم إلى أهل الأرض بنبوة شيث ولم يأت في نص صحيح ولا في إجماع وأنت تنكر مثل هذا على غيرك
قال أبو محمد فنقول له وبالله تعالى التوفيق وإنما قلنا ذلك لأنه قد صح عندنا بيقين أنه لم يبعث قط نبي إلى جميع الناس حاشا محمدا صلى الله عليه و سلم فمن قال إن آدم ونوحا أو غيرهما بعث إلى جميع الناس في زمانه فهو كاذب بلا شك مخالف لمحمد صلى الله عليه و سلم مبطل

لفضيلته فلما صح ذلك عندنا علمنا أن آدم لا يخلو من أحد وجهين ضرورة لا ثالث لهما إما أن يكون معه نبي آخر لم يبعث آدم إليه أو يكون ولده لم يلزموا شريعة أبيهم آدم وقد ينبأ المرء في مهده كما نبىء عيسى عليه السلام فلعله قد ولد لآدم ولد نبىء في حين خروجه إلى الدنيا
فلا يكون آدم مبعوثا إليه والله أعلم إلا أن اليقين الذي لا شك فيه أن آدم لم يبعث إلى جميع ناس عصره ولا ناس هنالك إلا هو وامرأته حواء وولده فقط وبالله تعالى التوفيق
وأما قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي ذكرنا آنفا إن نوحا أول الرسل إلى أهل الأرض ولا شك في آدم رسول الله عز و جل فإن معناه عندنا والله أعلم أن رسالة آدم عليه السلام إنما كانت لأهل السماء قائلا لهم عن الله عز و جل { وعلم آدم لأسمآء كلها ثم عرضهم على لملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين } ومنبئا لهم بأسمائهم ومسلما عليهم على ما جاء في القرآن والحديث الصحيح وإنه لم يبعث إلى أهل الأرض أصلا وأن أولاده وامرأته أوحي إليهم التوحيد ثم بعث إلى كل طائفة نبي منها ثم بعث نوح إلى قومه خاصة بشريعة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأرسل إلى أهل الأرض بالعذاب العام لهم ولجميع الحيوان بلا شك لا شريعة ألزموها فهذا موافق لما صح في القرآن من خبره عليه السلام
وكل ما أرسله تعالى فبلا شك أنه إنما أرسله بأمر ما هذا ما لا بد منه فوجب أن يعرف بماذا أرسل إلى أهل الأرض فلم نجده إلا العذاب العام لكل من في الأرض ووجدنا النص قد جاء بإرساله إلى قومه خاصة بشريعته فصح الأمر ولله الحمد
وبهذا تتألف الأحاديث كلها والقرآن وقد روينا في هذا الحديث تأويلا آخر عن قتادة والحكم وهو ما حدثناه أحمد بن عمر العذري ثنا أبو ذر عبد بن السرخسي قال ثنا إبراهيم بن خزيم قال ثنا عبد بن حميد قال حدثني يونس عن شيبان عن قتادة قال بعث نوح حين بعث الشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام

وبه إلى عبد قال حدثنا أبو نعيم ثنا ابن أبي غنية عن الحكم قال جاء نوح بالشريعة بتحريم الأخوات والأمهات والبنات
قال أبو محمد فتأول هذان الإمامان أن نوحا أول من بعث بالتحريم والتحليل والذي يظهر إلينا فالذي قدمنا أولا والله أعلم
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك


الباب الرابع والثلاثون في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه قال أبو محمد علي بن أحمد رحمه الله ذهب قوم إلى تحريم أشياء من طريق الاحتياط وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت
واحتجوا في ذلك بما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني ثنا أبي نا زكريا عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال سمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه وإن لكل مالك حمى وإن حمى الله محارمه وذكر باقي الحديث
قال أبو محمد هذا الحديث روي بألفاظ كما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن كثير أنا سفيان عن أبي فروة عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال النبي صلى الله عليه و سلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما شبه عليه في الإثم كان لما استبان أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا خالد بن الحارث ثنا ابن عون الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن الحلال بين وإن الحرام بين وإن بين ذلك

أمورا مشتبهات وسأضرب لكم في ذلك مثلا إن الله عز و جل ذكره حمى وإن حمى الله ما حرم وإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يرع فيه وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر
قال أبو محمد هذا هو أبو فروة الأكبر وأما أبو فروة الأصغر فهو مسلم بن سالم الجهني وكلاهما كوفي ثقة
فهذا حض منه صلى الله عليه و سلم على الورع ونص جلي على أن ما حول الحمى ليست من الحمى وأن تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام وإذا لم تكن مما فصل من الحرام فهي على حكم الحلال بقول تعالى { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر سم لله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بلمعتدين } فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى { هو لذي خلق لكم ما في لأرض جميعا ثم ستوى إلى لسمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم } وبقوله صلى الله عليه و سلم أعظم الناس جرما في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرمه فحرم من أجل مسألته
وقد بين النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رويناه آنفا من طريق أبي فروة عن الشعبي أن هذا إنما هو مستحب للمرء خاصة فيما أشكل عليه وأن حكم من استبان له الأمر بخلاف ذلك
وكذلك بين رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي روينا آنفا من طريق ابن عون عن الشعبي بيانا جليا أن المخوف على من واقع الشبهات إنما هو أن يجسر بعدها على الحرام فصح بهذا البيان صحة ظاهره أن معنى رواية زكريا عن الشعبي التي يقول فيها وقع في الحرام أنه إنما هو على معنى آخر وهو كل فعل أدى إلى أن يكون فاعله متيقنا أنه راكب حرام في حالته تلك وذلك نحو ماءين كل واحد منها مشكوك في طهارته متيقن نجاسة أحدهما بغير عينه فإذا توضأ بهما جميعا كنا موقنين بأنه إن صلى صلى وهو حامل نجاسة وهذا ما لا يحل وكذلك القول في ثوبين أحدهما نجس بيقين لا يعرف بعينه وسائر ألفاظ من ذكرنا على ما لا يتيقن فيه تحريم ولا تحليل
وأما ما يوقن تحليله فلا يزيله الشك عن ذلك ولا معنى لقول من قال هذا على

المقاربة كما قال الله تعالى { ولذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بلمعروف ولله بما تعملون خبير } إذ لا خلاف في أن معنى هذا ليس في انقضاء العدة لكن إذا بلغ أجل العدة من الطلاق
وهذا هو الذي لا يجوز غيره إذ لا يجوز صرف الآية عن ظاهرها بالدعوى
ومن روى في حديث النعمان الذي ذكرنا لفظه أوشك فهو زائد على ما رواه زكريا فزيادة العدل مقبولة فكيف وقد زاد هذه اللفظة ومعناها من هو أجل من زكريا ومثله وهما ابن عون وأبو فروة وبهذا تتألف الأحاديث وطرقها ويصح استعمال جيمع أقوال الرواة وبالله تعالى التوفيق
فإن تعلقوا بما حدثناه صاحبنا أحمد بن عمر بن أنس العذري قال أنا أحمد بن علي الكسائي بمكة أنا أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر الوافقي ثنا هلال بن العلاء الرقي ثنا إبراهيم بن سعيد ثنا أبو النضر ثنا أبو عقيل عن عبد الله بن يزيد الدمشقي عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس كلاهما عن عطية السعدي وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس
فالقول في هذا الحديث كالقول في حديث النعمان سواء بسواء وإنما هو حض لا إيجاب
وقد علمنا أن من لم يجتنب المتشابه وهو الذي لا بأس به فليس من أهل الورع وأهل الورع هم المتقون لأن المتقين جمع متق والمتقي الخائف ومن خاف مواقعه الحرام فهو الخائف حقا
ولعمري إن أولى الناس ألا يحتج بهذا الحديث من يرى قول الله تعالى { وللمطلقات متاع بلمعروف حقا على لمتقين } ليس فرضا بل قالوا المتعة ليست بواجبة فقد صرحوا بأن كون المرء من المتقين ليس عليه بواجب لا سيما وفي هذا الحديث معنى الحض لا الإيجاب وفي الآية التي تلونا لفظ معنى الفرض بقوله تعالى { وللمطلقات متاع بلمعروف حقا على لمتقين } وكل مسلم لفظ بالتوحيد اتقى النار فهو متق إلا أن لفظ المتقين لا يطلق إلا على المستكملين لدرجة الخوف

كما أن من صلح في فعلة واحدة من أفعاله فهو صالح ومن فعل فضلا فهو به فاضل إلا أنه بلا خلاف لا يطلق على المرء اسم صالح وفاضل إلا بعد أن يبلغ الغاية التي تمكنه من الطاعات والورع
ومعاذ الله أن يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم الكلام المذكور إلا على هذا الوجه هذا إن صح عنه لأنه لو كان ظن خصومنا في هذا الحديث حقا لكان نصه عليه السلام على ترك ما لا بأس به أعظم الحكم بأنه من أعظم الناس لأن ما لا بأس به هو المباح فعله فكان على هذا الظن الفاسد يكون المباح محظورا وهذا فاسد لا يظن أن النبي صلى الله عليه و سلم يقوله إلا جاهل أو كافر لأنه ينسب إلى النبي صلى الله عليه و سلم إباحة الشيء للناس ونهيهم عنه في وقت واحد وهذا محال لا يقدر عليه أحد قال الله تعالى { لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين } وليس استباحة الشيء وإيجاب الامتناع منه في وقت واحد في وسع أحد فالله تعالى قد أكذب من ظن هذا الظن
وصح أن معنى هذا الحديث لو صح إنما هو على الحض لا على الإيحاب
فلو كان المشتبه حراما وفرضا تركه لكان النبي صلى الله عليه و سلم قد نهى عنه ولكنه صلى الله عليه و سلم لم يفعل ذلك لكنه حض على تركه وخاف على مواقعه أن يقدم على الحرام ونظر ذلك صلى الله عليه و سلم بالراتع حول الحمى فالحمى هو الحرام وما حول الحمى ليس من الحمى والمشتبهات ليس من الحرام وما لم يكن حراما فهو حلال وهذا في غاية البيان وهذا هو الورع الذي يحمد فاعله ويؤجر ولا يذم تاركه ولا يأثم ما لم يواقع الحرام البين
وأما حديث عطية السعدي الذي ذكرنا آنفا فلا يظن أن فيه حجة لمن قال بالاحتياط وقطع الذرائع لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يبين فيه الشيء الذي ليس به بأس الذي لا يكون العبد من المتقين إلا بأن يدعه فلو كان هذا الحديث صحيحا وعلى ظاهره لوجب به أن يجتنب كل حلال في الأرض لأن كل حلال فلا بأس به
ولا يحص في ذلك الحديث أي الأشياء التي لا بأس بها لا يكون العبد من المتقين لا بأن يدعها فظهر وهي تلك الرواية وفيه أبو عقيل وليس بالمحتج به وصح أنه لو صح لكان على الورع فقط

فإن تعلقوا بما حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن حاتم بن ميمون ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول عن البر والإثم قال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس
وبما حدثناه أحمد بن محمد الجسوري ثنا أحمد بن الفضل الدينوري ثنا محمد بن جرير الطبري حدثني محمد بن عوف الطائي ثنا محمد بن إسماعيل ثنا أبي ثنا ضمضم عن شريح بن عبيد قال زعم أيوب بن مكرز أن غلاما من الأزد قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد أتاه يسأله عن الحرام والحلال فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الحلال ما اطمأنت إليه النفس وإن الإثم ما حاك في صدرك وكرهته أفتاك الناس ما أفتوك
فالأول فيه معاوية بن صالح بالقوي وفي الثاني مجهولون وهو منقطع أيضا ومعاذ الله أن يكون الحرام والحلال على ما وقع في النفس والنفوس تختلف أهواؤها والدين واحد لا اختلاف فيه قال الله تعالى { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا }
ومن حرم المشتبه وأفتى بذلك وحكم به على الناس فقد زاد في الدين ما لم يأذن به الله تعالى وخالف النبي صلى الله عليه و سلم واستدرك على ربه تعالى بعقله أشياء من الشريعة
ويكفي من هذا كله إجماع الأمة كلها نقلا عصرا عن عصر أن من كان في عصره صلى الله عليه و سلم وبحضرته في المدينة إذا أراد شراء شيء مما يؤكل أو ما يلبس أو يوطأ أو يركب أو يستخدم أو يتملك أي شيء كان أنه كان يدخل سوق المسلمين أو يلقى مسلما يبيع شيئا ويبتاعه منه فله ابتياعه ما لم يعلمه حراما بعينه أو ما لم يغلب الحرام عليه غلبة يخفي معها الحلال ولا شك أن في السوق مغصوبا ومسروقا ومأخوذا بغير حق وكل ذلك قد كان في زمن النبي صلى الله عليه و سلم إلى هلم جرا فما منع النبي صلى الله عليه و سلم من

شيء من ذلك وهذا هو المشتبه نفسه وقوله صلى الله عليه و سلم إذ سأله أصحابه رضي الله عنهم فقالوا إن أعرابا حديثي عهد بالكفر يأتوننا بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها أم لا فقال عليه الصلاة و السلام سموا الله وكلوا أو كلاما هذا معناه يرفع الإشكال جملة في هذا الباب
وقد روي أنه صلى الله عليه و سلم أمر في من أطعمه أخوه شيئا أن يأكل ولا يسأل فنحن نحض الناس على الورع كما حضهم النبي صلى الله عليه و سلم ونندبهم إليه ونشير عليه باجتناب ما حاك في النفس ولا نقضي بذلك على أحد ولا نفتيه به فتيا إلزام كما لم يقض بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم على أحد
وقد احتج بعضهم في هذا بقول الله تعالى { ياأيها لذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا نظرنا وسمعوا وللكافرين عذاب أليم } قالوا فنهوا عن لفظة { ياأيها لذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا نظرنا وسمعوا وللكافرين عذاب أليم } لتذرعهم بها إلى سب النبي صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا يقولون راعنا من الرعونة وليس هذا مسندا وإنما هو قول لصاحب ولم يقل الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه و سلم إنكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرعكم بذلك إلى قول راعنا وإذا لم يأت بذلك نص عن الله تعالى ولا عن رسوله صلى الله عليه و سلم في قول أحد دونه
وقد قال بعض الصحابة في الحمر إنما حرمت لأنها كانت حمولة الناس وقال بعضهم إنما حرمت لأنها كانت تأكل القذر وكلا القولين غير صواب لأن الدجاج تأكل من القذر ما لا تأكل الحمير ولم يحرم قط صلى الله عليه و سلم الدجاج والناس كانوا أفقر إلى الخيل للجهاد منهم إلى الحمير وقد أباح صلى الله عليه و سلم أكل الخيل في حين تحريمه الحمير فبطل كلا القولين
وهكذا من قال إن الله تعالى إنما نهى عن قول { وقولوا } لئلا يتذرعوا بها إلى قول راعنا فلا حجة في قوله لأنه أخبر عما عنده ولم يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهذه الآية حجة عليهم لا لهم لأنهم إذ نهوا عن راعنا وأمروا بأن يقولوا { وسمعوا } ومعنى اللفظين واحد فقد صح بلا شك أنه لا يحل تعدي ظواهر

الأوامر بوجه من الوجوه وهذه حجة قوية في إبطال القول بالقياس وبالعلل وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فإنما أمر الله تعالى في نص القرآن بأن لا يقولوا { وقولوا } وأن يقولوا { وسمعوا } المؤمنين الفضلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم المعظمين له الذي لم يعنوا بقول { وقولوا } قط الرعونة وأما المنافقون الذين كانوا يقولون { وقولوا } يعنون من الرعونة فما كانوا يلتفتون إلى أمر الله تعالى ولا يؤمنون به فظهر يقين فساد قولهم وتمويههم بهذه الآية
وقالوا إنما منعنا من نكح في العدة ودخل بها أن ينكحها في الأبد لأنه استعجل نكاحها قبل أوانه قالوا وكذلك حرمنا القاتل الميراث لأنه استعجله قبل أوانه
قال علي وهذه علة مفتقرة إلى ما يصححها لأنها دعوى فاسدة ويقال لهم ومن أين لكم أن من استعجل شيئا قبل أوانه حرم عليه في الأبد ثم لم يلبثوا أن تناقضوا أسخف تناقض فقالوا من تزوج امرأة ذات زوج فدخل بها فأتى زوجها لم تحرم عليه في الأبد بل له نكاحها إن طلقها زوجها أو مات عنها
وهو قد استعجله قبل أوانه ويلزمهم أن من سرق مالا لغيره أن يحرم عليه في ملكه في الأبد لأنه استعجله قبل وقته وأن من قتل آخر أو تحرم عليه أمته في الأبد لأنه استعجل تحللها قبل أوانه ويلزمهم أيضا ألا يرث ولاء موالي من قتل لأنه استعجل استحقاقه قبل أوانه وأن من قتل لا يدخل في حبس معقب عليه بعد موت مقتوله وألا يرث من انتقل التعصيب له إليه بعد موت مقتوله وهذا كثير جدا
فإن قالوا قد يمكن أن يموت هو قبل مقتوله قلنا وقد يموت هو قبل موت مقتوله باعتباط ونحو ذلك ولا فرق
وأصحاب مالك يلزمون الطلاق ثلاثا من يشك أطلق ثلاثا أم أقل ويفرقون بين من طلق إحدى امرأتيه ثم لم يدر أيتهما المطلقة وبينهما معا فيطلقون كلتا امرأتيه ويحرمون حلالا كثيرا خوف مواقعة الحرام وفي هذا عبرة لمن اعتبر ليت شعري كما تشفقون في الاستباحة من مواقعة الحرام أما تشفقون في قطعهم بالتحريم وبالتفريق من مواقعة الحرام في تحريمهم ما لم يحرمه الله تعالى وقد علم كل ذي دين أن تحريم المرء ما لم يصح تحريمه عنده حرام عليه فقد وقعوا في نفس ما خافوا بلا شك ومن العجيب أن

خوف الحرام أن يقع فيه غيرهم ولعله لا يقع فيه قد أوقعهم يقينا في مواقعتهم يقين الحرام لأنهم حرموا ما لم يحرمه الله تعالى ومحرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق
والعجب كل العجب أنهم يحتاطون بزعمهم على هذا الذي جهل أي امرأتيه طلق خوف أن يواقع التي طلق وهو لا يعلمها فيكون قد أوقع حراما لا يعلمه بعينه ولا يتقون الله تعالى فيحتاطون على أنفسهم التي أمروا بالاحتياط عليها وقال لهم ربهم تعالى { يأيها لذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم إلى لله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } فيحرمون عليه الثانية التي هي امرأته بلا شك ولم يطلقها قط فيخرجونها عن ملكه بغير إذن من الله تعالى ويبيحون فرجها لمن لا شك في أنه حرام عليه من سائر من يتزوجها من الناس وهي غير مطلقة ولا منفسخة ولا متوفى عنها فيقعون في أعظم مما صانوا عنه غيرهم لأن الشاك في الطلاق لو واقع ذلك الحرام لكان غير آثم لأنه لا يعلمه حراما بعينه وهم يبيحون شيئا لا شك في أنه حرام غير مباح وقد كان الأولى بهم ألا يقدموا على إباحة المرأتين اللتين لم يطلق إحداهما بلا شك للأجنبيين فصاروا محلين للفروج المحرمة بيقين
وأيضا فإنهم حكموا بالطلاق على امرأة لم تطلق من أجل غيرها طلقت والله تعالى يقول { قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ولا يحل لأحد أن يحتاط في الدين فيحرم ما لم يحرم الله تعالى لأنه يكون حينئذ مفتريا في الدين والله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض فالفرض علينا ألا نحرم إلا ما حرم الله تعالى ونص على اسمه وصفته بتحريمه وفرض علينا أن نبيح ما وراء ذلك بنصه تعالى على إباحة ما في الأرض لنا إلا ما نص على تحريمه وألا نزيد في الدين شيئا لم يأذن به الله تعالى فمن فعل غير هذا فقد عصى الله عز و جل ورسوله صلى الله عليه و سلم وأتى بأعظم الكبائر

ثم عطفوا فأسقطوا الاحتياط وتعمدوا إلى إسقاط الواجب في رجل شهد عليه أربعة عدول بأنه أعتق خادمه هذه منذ عام كامل وهو منكر لذلك وهو مقر بوطئها فيحكمون بشهادتهم حين أدائها ولا يحدونه على وطء حرة بلا إنكاح فهذا غاية الإقدام على المحرمات فأين الاحتياط والعجب أنهم يكذبون الشهود إذ لم يحكموا بنص شهادتهم ولم يشهد القوم بأنها حررت الآن وإنما شهدوا أنها حررت منذ عام
وكانوا غيبا إلى اليوم وفي هذا من السقوط والإقدام غير قليل ويقال لمن جعل الاحتياط أصلا يحرم به ما لم يصح بالنص تحريمه أنه يلزمك أن يحرم كل مشتبه يباع في السوق مما يمكن أن يكون حراما أو حلالا ولا توقن بأنه حلال ولا بأنه حرام ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام وحلال وهم لا يقولون بشيء من ذلك وهذا نقض لأصولهم في الحكم بالاحتياط ورفع الذريعة والتهمة وقد تناقضوا في هذه المواضع
وقال بعضهم محتجا لأصولهم في الحكم بالاحتياط إن الحرام يدخل بأرق سبب كتحريم الله تعالى نكاح ما نكح الآباء فحرم ذلك بالعقد وإن لم يكن وطىء قالوا وأما التحليل فلا يدخل إلا بأقوى الأسباب كتحليل المطلقة لزوجها ثلاثا لا تحل له بعقد زوج آخر حتى يطأ
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه وإنما اتبعنا في كلا الموضعين النصين الواردين فيهما وقولهم إن التحريم يدخل بأرق سبب والتحليل لا يدخل إلا بأغلظ سبب قول فاسد لا دليل عليه لأنه لم يأت به نص ولا اتفق على صحته ونحن نوجدهم تحريما لا يدخل بأغلظ سبب وهو أن الله تعالى حرم الربيبة التي دخل المرء بأمها وكانت في حجره فالربيبة لا تحرم إلا بما نص الله على تحريمها به ووجدناها باتفاق منا ومنهم لا تحرم بالعقد على أمها فقط
ووجدنا التحليل في الأيمان المغلظة المعظمة باسم الله تعالى يدخل بإطعام عشرة مساكين أو بالاستثناء الذي هو كلمات يسيرة لا مؤونة فيها فإن قالوا إنما وجب هذان الحكمان بالنص قلنا لهم وكذلك تحريم ما نكح الآباء وتحليل المطلقة ثلاثة بوطء زوج آخر إنما وجبا بالنص لا بما ادعيتم من رقة سبب وغلظة
ووجدنا النبي صلى الله عليه و سلم قد حرم على نفسه ما أحل الله تعالى له فلم يحرم عليه بذلك
ولا أغلظ من تحريم النبي صلى الله عليه و سلم فلم يدخل التحريم بذلك إذ لم يكن نزل بذلك عليه نص وتحلل من تلك اليمين بكفارة فدخل التحليل بأرق سبب وأهونه فبطل ما ادعوا من ذلك
وأيضا فإن حجتهم بأن المطلقة لا تحل لزوجها الأول إلا بأغلظ سبب ثم أباحوها

وأيضا فإن حجتهم بأن المطلقة لا تحل لزوجها الأول إلا بأغلظ سبب ثم أباحوها بالوطء دون الإنزال فقد نقضوا أصولهم في ذلك وأدخلوا التحليل بسبب رقيق لأن الحسن البصري وهو أحد الأئمة يقول لا تحل للأول إلا بأن يطأها الثاني وينزل وإلا فلا وجعل الإنزال تمام ذوق العسيلة وهم لا يقولون بذلك
وأيضا فإنهم يبيحون للمرء نكاح من زنى بها أبوه ولا يحرمون عليه امرأته إن زنى بجريمتها فهنا لا يدخلون التحريم بأرق سبب بل بأغلظ سبب وهو المتفق عليه في وطء الحلال ويبيحون قتل المقر بالزنى مرة واحدة فيدخلون التحليل على الدم الحرام الذي هو أغلظ الحرمات بأرق سبب وغيرهم لا يبيح دمه إلا بإقرار أربع مرات يثبت عليها ولا يرجع عنها أصلا وكل هذا تناقض منهم وهدم لما أصلوه من أن التحريم يدخل بأرق الأسباب ولا يدخل التحليل إلا بأغلظ الأسباب
ومما يبطل قولهم غاية الإبطال قول الله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم لكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على لله لكذب إن لذين يفترون على لله لكذب لا يفلحون } وقوله تعالى { قل أرأيتم مآ أنزل لله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على لله تفترون }
فصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبا ونحن على يقين من أن الله تعالى قد أحل لنا كل ما خلق في الأرض إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر سم لله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بلمعتدين } فبطل بهذين النصين الجليين أن يحرم أحد شيئا باحتياط أو خوف تذرع
وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر من توهم أنه أحدث ألا يلتفت إلى ذلك وأن يتمادى في صلاته وعلى حكم طهارته هذا في الصلاة التي هي أوكد الشرائع حتى يسمع صوتا أو يشم رائحة فلو كان الحكم الاحتياط حقا لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكما فوجب بما ذكرنا أن كل

ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع وبطل الحكم باحتياط
وصح أن لا حكم إلا لليقين وحده والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى وبطل بهذا أن تطلق امرأة على زوجها إذ شك أطلقها أم لا لأنها زوجة بيقين فلا تحرم عليه إلا بيقين آخر من نص أو إجماع وبالله تعالى التوفيق
نعم حتى لقد أداهم هذا الأصل الفاسد إلا أن حكموا في أشياء كثيرة بالتهمة التي لا تحل فأبطلوا شهادة العدول لآبائهم وأبنائهم ونسائهم وأصدقائهم تهمة لهم بشهادة الزور والحيف
والحكم بالتهمة حرام لا يحل لأنه حكم بالظن وقد قال تعالى عائبا لقوم قطعوا بظنونهم فقال تعالى { بل ظننتم أن لن ينقلب لرسول ولمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن لسوء وكنتم قوما بورا } وقال تعالى عائبا قوما قالوا { وإذا قيل إن وعد لله حق ولساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما لساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } وقال تعالى { وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا } وقال تعالى { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل لله بها من سلطان إن يتبعون إلا لظن وما تهوى لأنفس ولقد جآءهم من ربهم لهدى }
وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الظن أكذب الحديث
قال أبو محمد فكل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد فقد حكم بالظن وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل وهذا لا يحل وهو حكم بالهوى وتجنب للحق نعوذ بالله من كل مذهب أدى إلى هذا مع أن هذا المذهب في ذاته متخاذل متفاسد متناقض لأنه ليس أحد أولى بالتهمة من أحد وإذا حرم شيئا حلالا خوف تذرع إلى حر فليخص الرجال

خوف أن يزنوا وليقتل الناس خوف أن يكفروا وليقطع الأعناب خوف أن يعمل منها الخمر وبالجملة فهذا المذهب أفسد مذهب في الأرض لأنه يؤدي إلى إبطال الحقائق كلها وبالله تعالى التوفيق
فإن تعلق متعلق بقول النبي صلى الله عليه و سلم لعقبة بن الحارث إذ تزوج بنت أبي إهاب بن عزيز فأتت الأمة السوداء فقالت إني أرضعتكما فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم دعها عنك كيف بك وقد قيل فهذا لا يقوله رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا وقد صح عنده وجوب الحكم بقول تلك الأمة السوداء والخبر إذا صح عند الحاكم والشهادة إذا ثبتت عنده لزمه أن يحكم بهما
فإن قال قائل لم يكن ذلك من قول الأمة السوداء شهادة لوجهين
أحدهما أنه لم تؤد ذلك عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما أخبرت بذلك عقبة بن الحارث وليس حكم الشهادة إلا أن تؤدى عند الحاكم
والوجه الثاني أنه صلى الله عليه و سلم قد قال إن شهادة المرأة نصف شهادة رجل فلا سبيل إلى تعدي هذه القضية ولا إلى أن تكون شهادة المرأة كشهادة رجل فكيف أن تكون كشهادة رجلين
ولا سبيل إلى أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم يأمر عقبة بأن يدع زوجه وينهاه عنها بالظن الذي قد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنه أكذب الحديث هذا ما لا يظنه مسلم بالنبي صلى الله عليه و سلم لا سيما في الفراق بين الزوجين الذي عظمه الله تعالى بقوله عز و جل واصفا للسحرة { وتبعوا ما تتلوا لشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن لشياطين كفروا يعلمون لناس لسحر ومآ أنزل على لملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين لمرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن لله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن شتراه ما له في لآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } فإذ قد بطل أن يكون حديث الأمة السوداء شهادة أو حكما بالظن فلم يبق إلا أنه خبر صدقه النبي صلى الله عليه و سلم وعلم صحته فقضى به قيل له أما قولك لم تؤده عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد أدى شهادتهما بذلك وقولها إليه صلى الله عليه و سلم الثقة وهو المقول له ذلك وشهادة واحدة على شهادة واحدة عندنا جائزة
وأما قولك أنه صلى الله عليه و سلم قال شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فنعم وهو صلى الله عليه و سلم القائل لما ذكرت وهو القائل لعقبة بن الحارث دعها عنك فهو صلى الله عليه و سلم أمره بفراقها بشهادة السوداء فالمرأة الواحدة مقبولة في هذا المكان بهذا الحديث وأما

في سواه فامرأتان مقام رجل بالنص الآخر الذي ذكرت ولا يحل ترك أحدهما للآخر
هذا على أن المالكيين الحاكمين باحتياط وقطع الذرائع في العظائم التي لم يأذن بها الله تعالى لا يحكمون بقول امرأة لزوج وامرأته إني قد أرضعتكما ولا يفرقون بينهما بذلك فهم يخالفون النصوص كما ترى حيث كان يكون لهم فيه متعلق ويفرقون بالاحتياط حيث لم يأت فيه نص يتعلق به متعلق وبالله التوفيق
فإن احتجوا بما حدث أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري أنا الحسن بن أحمد بن فراس ثنا أحمد بن محمد بن سهل المعروف ببكير بن الحداد ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي ثنا عمرو بن محمد العثماني ثنا إسماعيل بن أبي أويس عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال كل مشكل حرام وليس في الدين إشكال فهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف سنده لأن حسين بن عبد الله ضعيف وأبوه وجده غير مشهورين في أصحاب النقل
وأما كل أشياء أو شيئين أيقنا أن فيهما حراما لا نعلمه بعينه فحكمهما التوقف أو ترك التوقف على ما قد قسمناه في غير هذا الموضع حتى يتبين الحرام من الحلال لأن هذا المكان فيه يقين حرام يلزم اجتنابه فرضا وهذا بخلاف المشكوك فيه الذي لا يقين فيه أصلا
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان الثوري عن أبيه عن تميم بن سلمة عن ابن عمرة قال إن الله يحب أن يؤتى مياسره كما يحب أن تؤتى عزائمه قال فذكرت ذلك لعبد الرحمن الرحال فقال قال ابن عباس إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن يؤتى حده وبه نصا إلى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن مالك بن الحارث عن عمرو بن شرحبيل قال قال عبد الله بن مسعود إن الله يحب أن تؤتى مياسره كما يحب أن تؤتى عزائمه
قال أبو محمد فهذا يبين أنه لا يجوز التحري في اجتناب ما جاء عن الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم وإن كانت رخصة وأن كل ذلك حق وسنة ودين فبطل ما تعلقوا به من الاحتياط الذي لم يأت به نص ولا إجماع
وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل


الباب الخامس والثلاثون في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك قال أبو محمد رحمه الله إنما جمعنا هذا كله في باب واحد لأنها كلها ألفاظ واقعة على معنى واحد لا فرق بين شيء من المراد بها وإن اختلفت الألفاظ وهو الحكم بما رآه الحاكم أصلح في العاقبة وفي الحال وهذا هو الاستحسان لما رأى برأيه من ذلك وهو استخراج ذلك الحكم الذي رآه
قال المالكيون بالاستحسان في كثير من مسائلهم روى العتبي محمد بن أحمد قال ثنا أصبغ بن الفرج قال سمعت ابن القاسم يقول قال مالك تسعة أعشار العلم الاستحسان قال أصبع بن الفرج الاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس ذكر ذلك في كتاب أمهات الأولاد من المستخرجة
وأما الحنفيون فأكثروا فيه جدا وأنكره الشافعيون وأنكره من أصحاب مذهب أبي حنيفة أحمد بن محمد الطحاوي فأما القائلون به فإننا نجدهم يقولون في كثير من مسائلهم إن القياس في هذه المسألة كذا ولكنا نستحسن فنقول غير ذلك
قال أبو محمد واحتج القائلون بالاستحسان بقول الله عز و جل { لذين يستمعون لقول فيتبعون أحسنه أولئك لذين هداهم لله وأولئك هم أولو لألباب }
قال أبو محمد وهذا الاحتجاج عليهم لا لهم لأن الله تعالى لم يقل فيتبعون ما استحسنوا وإنما قال عز و جل { إن تكفروا فإن لله غني عنكم ولا يرضى لعباده لكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات لصدور } وأحسن الأقوال ما وافق القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه و سلم هذا هو الإجماع المتيقن من كل مسلم ومن قال ===============ج777777777777777777774.....................

| الصفحة الرئيسية

كتاب : الإحكام في أصول الأحكام
المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي

غير هذا فليس مسلما وهو الذي بينه عز و جل إذ يقول { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ولم يقل تعالى فردوه إلى ما تستحسنون
ومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان لأنه لو كان ذلك لكان الله تعالى يكلفنا ما لا نطيق ولبطلت الحقائق ولتضادت الدلائل وتعارضت البراهين ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانه عنه وهذا محال لأنه لا يجوز أصلا أن يتفق استحسان العلماء كلهم على قول واحد على اختلاف هممهم وطبائعهم وأغراضهم فطائفة طبعها الشدة وطائفة طبعها اللين وطائفة طبعها التصميم وطائفة طبعها الاحتياط ولا سبيل إلى الاتفاق على استحسان شيء واحد مع هذه الدواعي والخواطر المهيجة واختلافها واختلاف نتائجها وموجباتها ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون ونجد المالكيين قد استحسنوا قولا قد استقبحه الحنفيون فبطل أن يكون الحق في دين الله عز و جل مردودا إلى استحسان بعض الناس وإنما كان يكون هذا وأعوذ بالله لو كان الدين ناقصا فأما وهو تام لا مزيد فيه مبين كله منصوص عليه أو مجمع عليه فلا معنى لمن استحسن شيئا منه أو من غيره ولا لمن استقبح أيضا شيئا منه أو من غيره
والحق حق وإن استقبحه الناس والباطل باطل وإن استحسنه الناس فصح أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال وبالله تعالى نعوذ من الخذلان
وقد روى الفتيا بالرأي في مسائل عن الصحابة
فإن قال قائل إذ قد ظهر الفتيا بالرأي في الصحابة فقد أجمعوا على الرضا به
قيل له وبالله تعالى التوفيق ليس كما تقول بل لو قال قائل إنهم رضي الله عنهم أجمعوا على ذمه لكان مصيبا لأن الذين روى عنهم الفتيا منهم رضي الله عنهم مائة ونيف وثلاثون لا يحفظ التكثير منهم من الفتيا إلا عن عشرين ثم لا يحفظ عن أحد من هؤلاء المذكورين تصويب القول بالرأي ولا أنه دين ولا أنه لازم بل أكثرهم قد روي عنه ذم ما أخبر به من الرأي وعلى أي وجه أفتى به من أنه غير لازم

ثم تعكس عليهم السؤال فنسألهم أعصم أحد من الخطأ بعد النبي صلى الله عليه و سلم فمن قولهم وقول جميع المسلمين إنه لم يعصم أحد من الخطأ بعد النبي صلى الله عليه و سلم وإن كان من دونه يخطىء ويصيب فإذ الأمر كذلك أفيسوغ لأحد أن يقول إنهم قد أجمعوا على الخطأ وأراد تصحيح الخطأ بذلك وهذا ما لا يقوله أحد
وإنما يكون الإجماع صحيحا إذا أجمعوا على صحة القول بشيء ما ولم يصحح قط أحد منهم القول بالرأي وأيضا فإنه ليس منهم أحد أفتى برأيه في مسألة إلا وقد أفتى غيره فيها بنص رواه أو موافق لنص فإذ الأمر كذلك فإن الواجب عرض تلك الأقوال على القرآن والسنة فالقرآن والسنة يشهدان بصحة قول من وافق قوله النص لا من قال برأيه وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا في الاستحسان بقول يجري على ألسنتهم وهو ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وهذا لا نعلمه ينسند إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم من وجه أصلا وأما الذي لا شك فيه فإنه لا يوجد البتة في مسند صحيح وإنما نعرفه عن ابن مسعود كما حدثنا المهلب التميمي عن محمد بن عيسى بن مناس عن محمد بن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أخبرني عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن عبد الله عتبة عن عاصم بن بهدلة عن شقيق عن عبد الله بن مسعود فذكر كلاما فيه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن
قال أبو محمد وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق لأنه إنما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط لأنه لم يقل ما رآه بعض المسلمين حسنا فهو حسن وإنما فيه ما رآه المسلمون فهذا هو الإجماع الذي لا يجوز خلافه لو تيقن وليس ما رآه بعض المسلمين بأولى بالاتباع مما غيرهم من المسلمين ولو كان ذلك لكنا مأمورين بالشيء وضده وبفعل شيء وتركه معا وهذا محال لا سبيل إليه ثم يقال لهم ما معنى قولكم الاستحسان في هذه المسألة وجه كذا
فجوابهم في ذلك أحد جوابين أحدهما ما كانوا عليه فيما قارب عصر أبي حنيفة ومالك وهو الذي يرونه أحوط أو أخف أو أقرب من العادة والمعهود أو أبعد من الشناعة وهذا كله بالجملة راجع إلى ما طابت عليه أنفسهم وهذا باطل بقوله تعالى { وأما من خاف مقام ربه ونهى لنفس عن لهوى فإن لجنة هي لمأوى } { ومآ أبرىء نفسي إن لنف 4 س لأمارة بلسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم }

وبقوله تعالى { بل تبع لذين ظلموا أهوآءهم بغير علم فمن يهدي من أضل لله وما لهم من ناصرين } وقال تعالى { فإن لم يستجيبوا لك فعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من لله إن لله لا يهدي لقوم لظالمين }
وفي هذه الآي إبطال أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان من نص أو إجماع ولا يكون أحد أحوط على العباد المؤمنين من الله خالقهم ورازقهم وباعث الرسل إليهم والاحتياط كله اتباع ما أمر الله تعالى به والشناعة كلها مخالفته ولا مني لما نافرته قلوب لم تعتده وهذا كله ظنون فاسدة لا تجوز إلا عند من لم يتمرن بمعرفة الحقائق ولا حسن إلا ما أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه و سلم أو أباحاه ولا قبيح ولا شنيع إلا ما نهى عنه تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم
وجواب لهم ثان أجاب به الكرخي وهو أن قال هو أدق القياسين
قال أبو محمد وهذا القول يبطله كل ما نورده إن شاء الله في باب إبطال القياس من ديواننا هذا
وبالله تعالى التوفيق
ويقال لهم إن كان ههنا قياس يوجب ترك قياس آخر ويضاده ويبطله فقد صح بطلان دلالة القياس بإقراركم وصح بالبرهان الضروري إبطال القياس كله جملة بهذا العمل لأن الحق لا يتضاد ولا يبطل بعضه بعضا ولا يضاد برهان برهانا أبدا لأن معنى المضاد أن يبطل أحد المعنيين الآخر والشيء إذا أبطله الحق فقد بطل والباطل لا يكون حقا في حال كونه باطلا وإذا أبطل بعض الشيء بعضا فواجب أن يكون كله باطلا لما قلنا من أن الحق لا يبطل بعضه بعضا
فإذا شهد بعض القياس عندكم بإبطال بعض قياس آخر فنوع القياس كله متفاسد مبطل بعضه بعضا فهو كله باطل
فإن قالوا إن الحديث ينقض بعضه بعضا وكذلك الآي على سبيل النسخ وكذلك النظر وليس ذلك دليلا على بطلان جميع القرآن والحديث والنظر

قال أبو محمد فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق هذا تمويه شديد ولا يجوز أن تبطل آية آية أخرى ولا حديث حديثا آخر إلا من طريق النسخ أو يكون أحد الحديثين ضعيف النقل فليس داخلا حينئذ فيمال أمرنا بطاعته وكذلك النظر لأن النظر الصحيح إنما هو البرهان وإنما تأتي أغاليط وشبه بظن قوم أنها برهان وليست برهانا فليس هذا داخلا في النظر وليس ما قلتم في القياسين من هذا الباب في شيء لأن القياس ليس فيه ناسخ ولا منسوخ ولا قلتم إن أحد القياسين مموه ليس قياسا بل قلتم هما معا قياس فاستحسنا أدقهما فتركتم أحد القياسين وأبطلتموه وأنتم تقرون أنه قياس وإذا كان بعض النوع باطلا فهو كله باطل ولا يجوز أن يجمع الحق والباطل نوع واحد أبدا
ولا يظن القائلون بإبطال الاستحسان الهاربون إلى القول بترجيح العلل وتغليب كثرة الأشباه أنهم يتخلصون من هذا الإلزام بما فزعوا إليه لأنهم على كل حال قد أبطلوا العلة المرجح عليها الأخرى وأبطلوا حكم الأشباه القليلة ولم يوجبوا بها حكما ولا صححوا بها قياسا بل حكموا بأن العلل يبطل بعضها بعضا وأن بعض الأشباه لا يحكم به ولا من أجله يحكم به ولا من أجله بحكم واحد ولا يوجب الاشتباه اتفاقا في الحكم بالتشابه وبالعلل وبطل بذلك القول بالقياس جملة لأن كل طريق من الجدال أبطل بعضه بعضا وكذب بعضه بعضا وتناقض وتفاسد فهو كله فاسد باطل والحق لا يعارض الحق أبدا ولا يقوم دليل على صحة ضدين في معنى واحد أبدا
وقد اعترف مالك رحمه الله بالحق في هذا وبرىء ممن قلده كما حدثنا رجل من أصحابنا اسمه عبد الرحمن بن سلمة قال ثنا أحمد بن خليل ثنا خالد بن سعد ثنا عبد الله بن يونس المرادي من كتابه نا بقي بن مخلد نا سحنون والحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك أنه كان يكثر أن يقول إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين
قال أبو محمد ونحن نقول لمن قال بالاستحسان ما الفرق بين ما استحسنت أنت واستقبحه غيرك وبين ما استحسنه غيرك واستقبحته أنت وما الذي جعل أحد السبيلين أولى بالحق من الآخر وهذا ما لا انفكاك منه وبالله تعالى التوفيق

وأما الاستنباط فإن أهل القياس ربما سموا قياسهم استنباطا وهو مأخوذ من أنبطت الماء وهو إخراجه من الأرض والتراب والأحجار وهو غيرها فالاستنباط هو استخراج الحكم من لفظ هو خلاف لذلك الحكم وهذا باطل ومن العجب أنه احتجوا في ثباته بقول الله عز و جل { وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا } وهذا من عظيم مجاهرتهم الدالة على رقة دين من احتج بهذا في إثبات الاستنباط غشا لمن اعتبر به وتلبيسا على من أحسن الظن بكلامه
وهذه الآية مبطلة الاستنباط بلا شك لأن ( لو ) في كلام العرب الذي نزل به القرآن حرف يدل على امتناع الشيء لا امتناع غيره فنص تعالى على أن المستنبطين لو ردوه إلى الرسول وإلى أهل العلم الناقلين لسنن النبي صلى الله عليه و سلم لعلموا الحق فلم يردوه واتكلوا على استنباطهم فلم يعلموا الحق هذا شيء ظاهر لا يجوز أن يحتمل تأويلا غير ما ذكرنا ولا حجة أعظم في إبطال الاستنباط من هذه الآية لو أنصفوا أنفسهم
وقد قال بعضهم إن الضمير في قوله تعالى راجع إلى الرسول وإلى أولي الأمر لا إلى الضمير الذي في
قال أبو محمد وهذا ليس بمخرج للفظ الآية عن إبطال الاستنباط الذي يريدون نصره لأنه إن كان كما ذكروا فمعنى الآية حينئذ إنهم لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلم الحق الذين يستنبطونه أي يستخرجون علمه من عند الرسول وأولي الأمر
قال أبو محمد وهذا قولنا لا قولهم لأن كل قول أخذ عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن الإجماع فهو حق بلا شك وإنما ينكر عليهم أن يستخرجوا من كلام النبي صلى الله عليه و سلم ومن إجماع الأمة معنى لا يفهم من مسموع ذلك الكلام ولا يقتضيه موضوعه في اللغة العربية

فهذا الذي راموا نصره وخالفناهم فيه لا ما أخذ عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن الأئمة الناقلين للحكم عنه صلى الله عليه و سلم ومن استجاز مثل هذا التمويه في دين الإسلام فلا يستجيزه من له دين أو حياء
فإن تعلقوا بحديث رويناه عن عمر في سبب نزول هذه الآية وفيه أن عمر قال فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر فلا حجة لهم فيه بل هو عليهم لا لهم وهو حديث حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم حدثني زهير بن حرب نا عمر بن يونس الحنفي ثنا عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل قال حدثني عبد الله بن العباس حدثني عمر بن الخطاب فذكر حديث إيلاء النبي صلى الله عليه و سلم من أزواجه وأن عمر قال فقلت يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهم فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول ونزلت الآية آية التخيير { إن تتوبآ إلى لله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا } قال عمر فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم نساءه ونزلت هذه الآية { وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا } قال عمر فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله عز و جل آية التخيير
قال أبو محمد وقبل كل شيء فهذا اللفظ إنما روي من هذه الطريق وفيها عكرمة بن عمار وهو منكر الحديث جدا وقد روينا من طريقه حديثا موضوعا مكذوبا من طريق هذا الإسناد نفسه عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل عن ابن عباس وهكذا لا شك فيه ليس في سنده أحد متهم غيره

وهذا الحديث الذي فيه أن أبا سفيان بن حرب بعد إسلامه كان المسلمون يجتنبونه وأنه سأل النبي صلى الله عليه و سلم أن يتزوج ابنته أم حبيبة وأن يستكتب ابنه معاوية وأن يستعمله يعني نفسه ويوليه
قال أبو محمد وهذا هو الكذب البحت لأن نكاح رسول الله صلى الله عليه و سلم أم حبيبة كان وهي بأرض الحبشة مهاجرة وأبو سفيان كان بمكة قبل الفتح بمدة طويلة ولم يسلم أبو سفيان إلا ليلة يوم الفتح
ولأن الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم قوله إنا لا نستعمل على عملنا من أراده روينا ذلك من طريق أبي موسى الأشعري فظهر كذب رواية عكرمة بن عمار بيقين لا إشكال فيه ولا يخلو ضرورة هذا الخبر من أن عكرمة بن عمار وضعه أو أخذه عن كذاب وضعه فدلسه هو إلى أبي زميل وكلتاهما مسقطة لعدالته مبطلة لروايته
ثم لو صح وهو لا يصح لكان حجة عليهم لأن فيه أن آية التخيير نزلت يومئذ وهي مخالفة لرأي عمر واستنباطه فليس فيه صح إلا أن الذي استنبطه عمر ليس فيه ذكر التخيير لهن ولا أشار إليه
ثم ليس فيه أيضا إلا أمر ظاهر منصوص عليه من قدرة الله تعالى أن يبدله خيرا منهن إن طلقن وهذا أمر ظاهر لا يجهله مسلم وأن الله تعالى معه والملائكة والمؤمنين وهذا أيضا متيقن يدريه كل مسلم قبل أن يقوله عمر وليس هذا هو الاستنباط الذي يشيرون إليه ونمنعه نحن من إخراج حكم في شرع الدين ليس له نص في قرآن ولا سنة فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة والحمد لله رب العالمين
وأما الرأي فإنهم احتجوا في تصويب القول به بقول الله عز و جل { فبما رحمة من لله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ لقلب لانفضوا من حولك فعف عنهم وستغفر لهم وشاورهم في لأمر فإذا عزمت فتوكل على لله إن لله يحب لمتوكلين } وبقوله تعالى { ولذين ستجابوا لربهم وأقاموا لصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } ومن الحديث بالأثر الصحيح في مشاورة النبي صلى الله عليه و سلم المسلمين فيما يعملون به لوقت الصلاة قبل نزول الأذان فقال بعضهم نار وقال بعضهم بوق وقال بعضهم ناقوس
وبما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن أحمد السرخسني

ثنا إبراهيم بن خزيم نا عبد بن حميد نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري وذكر حديث مشاورة النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه في القتال يوم الحديبية قال الزهري فكان أبو هريرة يقول ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاور لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا المهلب ثنا ابن مناس بن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب نا إبراهيم بن نشيط عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين قال سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الحزم فقال تستشير الرجل ذا الرأي ثم تمضي إلى ما أمرك به
وبه إلى ابن وهب أخبرني عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عيسى الواسطي يرفعه قال ما شقي عبد بمشورة ولا سعد عبد استغنى برأيه حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي نا ابن مفرج نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور نا فرج بن فضالة نا محمد بن عبد الأعلى عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه قال جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لي يا عمرو اقض بينهما قلت أولى بذلك مني يا نبي الله قال وإن كان قلت على ماذا أقضي قال إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة
قال سعيد بن منصور وحدثناه فرج بن فضاله عن ربيعة بن يزيد عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم مثله إلا أنه إن أصبت فلك عشرة أجور وإن أخطأت فلك أجر واحد
حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي ثنا عبد الملك بن عمر الخولاني نا محمد بن بكر البصري نا أبو داود السجستاني نا حفص بن عمر نا شعبة عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال كيف تقضي إذا عرض لك القضاء قال أقضي بكتاب الله عز و جل قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله قال أجتهد رأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله

قال أبو داود وثناه مسدد قال ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا شعبة ثنا أبو عون هو محمد بن عبيد الله الثقفي عن الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثه إلى اليمن فذكر معناه
كتب إلى يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري قال ثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البرقي الشيخ الصالح ثنا سليمان بن بزيغ الإسكندراني ثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب قال قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم يمض فيه منك سنة قال اجمعوا له العالمين أو قال العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد
حدثنا عبد الله بن ربيع حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الأسدي ثنا أحمد بن خالد ثنا عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال السلمي ثنا عبد الحميد بن بهرام ثنا شهر بن حوشب حدثني ابن غنم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما خرج إلى بني قريظة والنضير قال له أبو بكر وعمر يا رسول الله إن الناس يزيدهم حرصا على الإسلام أن يروا عليك زيا حسنا من الدنيا فانظر إلى الحلة التي أهداها لك سعد بن عبادة فالبسها فليرك اليوم المشركون أن عليك زيا حسنا قال أفعل وأيم الله لو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا ولقد ضرب لي ربي مثلا فأمثالكما في الملائكة كمثل جبريل وميكائيل فأما ابن الخطاب فمثله في الملائكة كمثل جبريل إن الله لم يدمر أمة قط إلا بجبريل ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ قال { وقال نوح رب لا تذر على لأرض من لكافرين ديارا } ومثل ابن أبي قحافة في الملائكة كمثل ميكائيل إذ يستغفر لمن في الأرض ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم إذ قال { رب إنهن أضللن كثيرا من لناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ولو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشاورة أبدا ولكن شأنكما في المشاورة شيء كمثل جبريل وميكائيل ونوح وإبراهيم

قال أبو محمد هذا كل ما موهوا به من الحديث وقالوا قد جاء النص بوجوب طاعة أولي الأمر منا عموما فهو فيما قالوه برأيهم أيضا
وقالوا قد اتفقنا على وجوب تقديم الإمام إذا مات الإمام ولا نص على إمام بعينه فثبت أنه إنما يقدم بالرأي والإمامة من قواعد الدين
وذكروا عن الصحابة ما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي حدثنا ابن مفرج ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي ثنا سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة وأبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير كلاهما عن الأعمش عن عمارة بن عميرة عن عبد الرحمن بن يزيد قال أكثر الناس على عبد الله بن مسعود يوما فقال إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك إن الله تعالى قدر أن بلغنا من الأمور ما ترون فمن عرض قضاء منكم بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله تعالى فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه و سلم فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله تعالى وليس فيما يقضي به النبي صلى الله عليه و سلم فليقض بما قضى به الصالحون فاجتهد رأيه وليقل إني أرى وأخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك
حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي ثنا عبد الله بن يونس المرادي ثنا بقي بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا بن أبي زائدة عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود مثله بتمامه وزاد فيه فإن أتاه أمر لا يعرفه فليقر ولا يستحي
وبه إلى ابن أبي شيبة ثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه كان إذا سئل عن أمر فكان في القرآن أخبر به فإن لم يكن في القرآن فكان عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبر به فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر فإن لم يكن قال برأيه حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن المفرج ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس ثنا محمد بن علي بن زيد ثنا سعيد بن منصور ثنا سفيان بن عيينة حدثني عبيد الله بن أبي يزيد قال شهدت ابن عباس إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله تعالى قال به فإن لم يكن في كتاب الله عز و جل وحدث به عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال به وإن لم يكن في كتاب الله ولا حدث به عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أخبر به عن أبي بكر وعمر واجتهد وقال برأيه
وبه إلى سعيد بن منصور ثنا هشيم أخبرنا سيار عن الشعبي قال لما بعث عمر

شريحا على قضاء الكوفة قال انظر ما تبين لك من كتاب الله فاتبع فيه السنة وما لم يتبين في السنة فاجتهد فيه برأيك
وبه إلى سعيد بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي قال كتب عمر إلى شريح إذا أتاك أمر في كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه الرجال فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقض بما قضى به أئمة الهدى فإن لم يكن في كتاب الله عز و جل ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا فيما قضى به أئمة الهدى فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرني ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرا لك
حدثنا حمام ثنا الباجي ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقي بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا علي بن مسهر عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه الرجال فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقض بها فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقض بما قضى به أئمة الهدى فإن لم يكن في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت إن شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم وإن شئت أن تؤخر فتأخر ولا أرى التأخير إلا خيرا لك
قال أبو محمد هذا كل ما موهوا به ما نعلم لهم شيئا غيره وكله لا حجة لهم في شيء منه
أما قوله تعالى { فبما رحمة من لله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ لقلب لانفضوا من حولك فعف عنهم وستغفر لهم وشاورهم في لأمر فإذا عزمت فتوكل على لله إن لله يحب لمتوكلين } وقوله عز و جل { ولذين ستجابوا لربهم وأقاموا لصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } فإن كل مخالف ومؤلف لا يمتري أن ذلك ليس في شرع شيء من الدين ولو أن أحدا يقول إن الصلاة فرضت برأي ومشورة أو قال ذلك في الصيام أو الحج أو في شيء من الدين لكان كاذبا آفكا كافرا مع ذلك
وكيف يكون هذا مع قول الله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم لكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على لله لكذب إن لذين يفترون على لله لكذب لا يفلحون } وقوله تعالى

{ قل أرأيتم مآ أنزل لله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على لله تفترون } وقوله تعالى { تبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون } وقوله { لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون }
فصح يقينا أنه لم يجعل الله قط إلى الصحابة تحريما ولا تحليلا فقد صح أنه لم يأمره الله تعالى قط بمشورتهم في شيء من الدين لا سيما مع قوله تعالى { فبما رحمة من لله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ لقلب لانفضوا من حولك فعف عنهم وستغفر لهم وشاورهم في لأمر فإذا عزمت فتوكل على لله إن لله يحب لمتوكلين } فصح أنه ليس في الآية التي شغبوا بها قبول رأيهم أصلا بل رد تعالى الأمر إلى نبيه صلى الله عليه و سلم فيما يعزم عليه مع التوكل على الله
وكيف يسع مسلما أن يخطر هذا الجنون بباله مع قول الله عز و جل { وآعلموا أن فيكم رسول لله لو يطيعكم في كثير من لأمر لعنتم ولكن لله حبب إليكم لأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم لكفر ولفسوق ولعصيان أولئك هم لراشدون } فكيف يجوز قبول رأي قوم لو أطاعهم لوقع العنت عليهم في أكثر الأمر أم كيف يدخل في عقل ذي عقل أن النبي صلى الله عليه و سلم تجب عليه طاعة أصحابه هذا هو الكفر المحض والسخف البين بل طاعته هي الفرض عليهم التي لا يصح لهم إيمان إلا بها
قال الله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
ثم إن وجوه الحمق في هذه المقالة جملة بادية ليت شعري كيف كان يكون الأمر لو اختلفوا عليه في الشرع فإن قيل لا يلزم إلا باتفاقهم خرجنا إلى الكلام في الإجماع وبطل الكلام في الرأي وقد كتبنا في دعوى الإجماع ما فيه كفاية ولله تعالى الحمد
وأيضا فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أو إباحة بالرأي لم ينص تعالى عليه ولا رسوله صلى الله عليه و سلم وبين إبطال شريعة شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم بالرأي

والمفرق بين هذين العملين متحكم بالباطل مفتر وكلاهما كفر لا خفاء به
فصح يقينا أن الذي أمره الله تعالى بمشاورتهم فيه وغبطهم بأن يكون أمرهم فيه شورى بينهم إنما هو ما أبيح لهم التصرف فيه كيف شاؤوا فقط فتشاورهم من يولي على بني فلان وأي الطرق إلى من يغزو من القبائل أفضل وأسهل وآمن وأين يكون النزول فقط
وهذا كمشاورة المرء منا جاره إلى أي خياط أدفع ثوبي وأي لون ترى لي أن أصبغه ومثل هذا ولا مزيد وقد يكون عند الصحابة من المعرفة بالطرق المسلوكة والمياه ما ليس عنده صلى الله عليه و سلم
وأما ما لا يؤخذ من الدين إلا من الوحي فلا ولا كرامة لأحد بعده أن يكون لسواه حظ في ذلك معه ولا بعده وبالله تعالى التوفيق
فظهر فساد تمويههم بالآيتين
وأما المشاورة التي كانت قبل نزول الأذان فأعظم حجة عليهم أول ذلك أن الأمر حينئذ كان مباحا كل ما قالوه ولم ينزل في شيء منه إيجاب ولا تحريم وهذا لا ننكر فيه المشاورة إلى اليوم
ثم إنه لم يأخذ صلى الله عليه و سلم في ذلك بشيء من آرائهم بل بما صوبه الوحي مما أريه في منامه عبد الله بن زيد ولولا أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بالأذان ما جاز الالتفات إلى رؤيا عبد الله بن زيد ولا إلى رؤيا غيره فصح أن آراءهم رضي الله عنهم لا يلزم قبولها فكيف أراء من بعدهم
وأما الخبر عن أبي هريرة ما رأيت أحدا كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه و سلم بعقب ذكرى الزهري لمشاورته صلى الله عليه و سلم أصحابه في القتال يوم الحديبية فهو نفس كلامنا هذا على أن كلا الخبرين مرسل لأن الزهري لم يلق أبا هريرة قط ولا سمع منه كلمة ولم ينكر أن يشاورهم في مكايد الحروب وتعجيلها وتأخيرها
وأما الخبر الذي فيه ما الحزم فقال أن تستشير الرجل ذا الرأي ثم تمضي لما أمرك به فمرسل ثم هو بعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم لأنه قد يختلف عليك الرجلان ذوا الرأي فلأيهما تمضي حاش الله أن ينطق رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذا الباطل
وأما الخبر ما شقي عبد بمشورة فمرسل ولا حجة في مرسل ونحن لا ننكر المشورة في غير الدين كما أننا ننكر بل نكفر من يشاور أيصلي الخمس أم لا أيصوم رمضان أم لا ونقطع أن مسلما لا يخالفنا في هذا

وأما حديث عمرو بن العاص فأعظم حجة عليهم لأن فيه أن الحاكم المجتهد يخطىء ويصيب فإذ ذلك كذلك فحرام الحكم في الدين بالخطأ وما أحل الله تعالى قط إمضاء الخطأ فبطل تعلقهم به
وأما خبر علي فموضوع مكذوب ما كان قط من حديث علي ولا من حديث سعيد بن المسيب ولا من حديث يحيى بن سعيد ولا من حديث مالك ولم يروه قط أحد عن مالك إلا سليمان بن يزيع الإسكندراني وهو مجهول ولا يخلو ضرورة من أنه وضعه أو دلسه عمن وضعه
وهذا خبر لا يحل لأحد أن يرويه والكذب لا يعجز عنه من لا يتقي الله تعالى وبرهان كذب هذا الحديث ووضعه أنه لا يجوز البتة أن يقول النبي صلى الله عليه و سلم كلاما يصح نزول حكم في الدين بالناس لا قرآن فيه ولا بيان فيه من النبي صلى الله عليه و سلم مع قوله صلى الله عليه و سلم دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاتركوه ومع قول الله تعالى { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } فقد أخرج صلى الله عليه و سلم ما لم ينص فيه بأمر أو بنهي عن الفرض والندب والتحريم والكراهة وبأمره بترك ما لم يأمرنا أو ينهانا وأبقاه في جملة المباح المطلق فصار من المحال الممتنع وجود نازلة لا حكم لها في النصوص
وأما حديث ابن غنم ففيه ثلاث بلايا إحداها أنه مرسل والثانية عبد الحميد بن بهرام وهو ضعيف والثالثة شهر بن حوشب وهو متروك ثم لو صح لما كان لهم فيه متعلق لأنه ليس فيه إلا قبول رأي أبي بكر وعمر فقط لا قبول رأي غيرهما وهذا خلاف عمل أهل الرأي كلهم اليوم ثم فيه قبولهما إلا في لبس حلة وهذا مباح لا يمنع من قبول رأي خادم أو عبد أو جار إن شاء الذي أشير عليه بذاك ثم فيه اختلافهما فبطل التعلق برأي خالفه رأي آخر
وأما احتجاجهم بوجوب طاعة أولي الأمر منا فقد قلنا في ذلك قبل بما أغنى وإنه لا يخلو رأيهم من أن يوجد فيه اختلاف بينهم أو لا يوجد فإن وجد اختلاف منهم فليس بعضهم يقول رأيه أولى من بعض وإن لم يوجد فيه اختلاف فقد قلنا إن القطع بأنه إجماع أولي الأمر باطل ممتنع لا سبيل إليه مع أن قول الله تعالى { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم }

مبطل لدعوى من ادعى أنه تعالى أمرنا بطاعتهم فيما ليس فيه نص أو في خلاف النص لأنه شرع شريعة لم يشرعها الله تعالى أو إبطال شريعة شرعها الله تعالى وكلا الأمرين كفر لا يجوز البتة إجماع العلماء عليه وقد يجوز الوهم في هذا على الطائفة فصح أننا إنما أمرنا بطاعتهم فيما بلغوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقط
وأما ما قالوه في الإمامة فقد نص صلى الله عليه و سلم على أن الأئمة من قريش وأمرنا بأن نفي ببيعة الأول فالأول وأن نتعاون على البر والتقوى وأن نسمع ونطيع لمن قادنا بكتاب الله عز و جل فهذه صفة إذا وجدت في أي عين وجدت فطاعته واجبة بالنص لأنه صلى الله عليه و سلم بعث إلى كل من يأتي إلى يوم القيامة فلا معنى للأسماء المعلقة على أعيان الرجال في ذلك أصلا وهذا كالعتق في الكفارات والصدقة على المساكين وكالضحايا وغير ذلك من سائر الشريعة وكأمره تعالى في بني إسرائيل بذبح بقرة ولم يميز بقرة بعينها وإنما نرد الأحكام في الأنواع الجامعة للأشخاص
ثم في أي شخص نفذ الحق فقد أجزأ وهذا لا خلاف فيه من أحد وكالنص على الماء فبأي ماء تطهر أجزأ وإنما يبطل الرأي في شرع الشريعة بما لا نص فيه فظهر تمويههم بهذا في الرأي
وأما خبر معاذ فإنه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه وذلك أنه لم يرو قط إلا من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو حدثني أحمد بن محمد العذري ثنا أبو ذر الهروي نا زاهر بن أحمد الفقيه نا زنجويه بن محمد النيسابوري نا محمد بن إسماعيل البخاري هو مؤلف الصحيح فذكر سند هذا الحديث وقال رفعه في اجتهاد الرأي قال البخاري ولا يعرف الحارث إلا بهذا ولا يصح
هذا نص كلام البخاري رحمه الله في تاريخه الأوسط ثم هو عن رجال من أهل حمص لا يدري من هم
ثم لا يعرف قط في عصر الصحابة ولا ذكره أحد منهم ثم لم يعرفه أحد قط في عصر التابعين حتى أخذه أبو عون وحده عمن لا يدري من هو فلما وجده أصحاب الرأي عند شعبة طاروا به كل مطار وأشاعوه في الدنيا وهو باطل لا أصل له
ثم قد رواه أيضا أبو إسحاق الشيباني عن أبي عون فخالف فيه شعبة وأبو إسحاق أيضا ثقة كما حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي قال حمام نا أبو محمد الباجي نا عبد الله بن يونس نا بقي نا أبو بكر بن أبي شيبة وقال الطلمنكي نا ابن مفرج نا

إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور ثم اتفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير نا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي هو أبو عون قال لما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم معاذا إلى اليمن قال يا معاذ بما تقضي قال أقضي بما في كتاب الله
قال فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله قال أقضي بما قضي به نبيه صلى الله عليه و سلم
قال فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه قال أقضي بما قضى به الصالحون
قال فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولا قضى به الصالحون قال أؤم الحق جهدي
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الحمد لله الذي جعل رسول رسول الله يقضي بما يرضى به رسول الله فلم يذكر أجتهد رأيي أصلا وقوله أؤم الحق هو طلبه للحق حتى يجده حيث لا توجد الشريعة إلا منه وهو القرآن وسنن النبي صلى الله عليه و سلم
على أننا قد حدثنا أحمد بن محمد الله الطلمنكي نا أحمد بن عون الله نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري قال نا إسحاق بن راهويه قال قال سفيان بن عيينة اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول برأيه
وأيضا فإنه مخالفون لما فيه تاركون له لأن فيه أنه يقضي أولا بما في كتاب الله فإن لم يجد في كتاب الله فحينئذ يقضي بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم كلهم على خلاف هذا بل يتركون نص القرآن إما لسنة صحيحة وإما لرواية فاسدة كما تركوا مسح الرجلين وهو نص القرآن لرواية جاء بالغسل وكما تركوا الوصية للوالدين والأقربين لرواية جاءت لا وصية لوارث وكما تركوا جلد المحصن وهو نص القرآن لظن كاذب في تركه ومثل هذا كثير فكيف يجوز لذي دين أن يحتج بشيء هو أول مخالف له
وبرهان وضع هذا الخبر وبطلانه هو أن من الباطل الممتنع أن يقول رسول الله فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله وهو يسمع قول ربه تعالى { تبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون } وقوله تعالى { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } وقوله تعالى { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } مع الثابت عنه صلى الله عليه و سلم من تحريم القول بالرأي في الدين من قوله صلى الله عليه و سلم فاتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا

بالرأي فضلوا وأضلوا ثم لو صح لكان معنى قوله أجتهد رأيي إنما معناه أستنفذ جهدي حتى أرى الحق في القرآن والسنة ولا أزال أطلب ذلك أبدا
وأيضا فلو صح لكان لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون ذلك لمعاذ وحده فيلزمهم ألا يتبعوا رأي أحد إلا رأي معاذ وهم لا يقولون بهذا
أو يكون لمعاذ وغيره فإن كان ذلك فكل من اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به وإذ الأمر كذلك فإن كل من فعل ما أمر به فهم كلهم محقون ليس أحد منهم أولى بالصواب من آخر فصار الحق على هذا في المتضادات وهذا خلاف قولهم وخلاف المعقول بل هذا المحال الظاهر وليس حينئذ لأحد أن ينصر قوله بحجة لأن مخالفه أيضا قد اجتهد رأيه وليس في الحديث الذي احتجوا به أكثر من اجتهاد الرأي ولا مزيد فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر في الحديث وأيضا فليس أحد أولى من أحد مع هذا فلكل واحد منا أن يجتهد برأيه فليس من اتبعوا أولى من غيره ومن المحال البين أن يكون ما ظنه الجهال في حديث معاذ لو صح من أن يكون صلى الله عليه و سلم يبيح لمعاذ أن يحلل برأيه ويحرم برأيه ويوجب الفرائض برأيه ويسقطها برأيه وهذا ما لا يظنه مسلم وليس في الشريعة شيء غير ما ذكرنا البتة
وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تقع فيه المشورة منه وفرق بينه وبين الدين كما حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي نا أبو بكر بن مفرج القاضي نا محمد بن أيوب الصموت الرقي نا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار نا عمرو بن علي نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم سمع أصواتا فقال ما هذه الأصوات قالوا النخل يؤبرونه فقال لو لم يفعلوا لصلح فأمسكوا عنه فصار شيصا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم وإن كان شيئا من أمر دينكم فإلي
وبه إلى البزاز نا هدبة بن خالد نا جهاد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سمع صوتا في النخل فقال ما هذا قال يؤبرون النخل قال لو تركوها أصلحت فتركوها فصارت شيصا فأخبروه بذلك فقال أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم وأما آخرتكم فإلي

قال أبو محمد فهذه عائشة وأنس لم يدعا في روايتها إشكالا وأخبرا أنه صلى الله عليه و سلم أعلمنا أننا أعلم بما يصلحنا في دنيانا منه ففي هذا كان يشاور أصحابه وأخبرا أنه صلى الله عليه و سلم جعل أمر آخرتنا إليه لا إلى غيره وأمر الآخرة هو الدين والشريعة فقط فلم يجعل ذلك صلى الله عليه و سلم إلى أحد سواه وبطل بذلك رأي كل أحد وحرم القول بالرأي جملة في الدين وبالله تعالى التوفيق
وهذا يبين معنى قول الله عز و جل { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى } إنما هو في أمر الدين فكل ما تكلم به النبي صلى الله عليه و سلم في شيء من تحريم أو تحليل أو إيجاب فهو عن الله تعالى بيقين وما كان من غير ذلك فكما قلنا لقوله صلى الله عليه و سلم إذ قيل له حاضت صفية فقال عقري حلقي وكقوله صلى الله عليه و سلم إني اتخذت عند الله عهدا أيما امرىء سببته أو لعنته في غير كنهه أو جلدته فاجعلها له طهرة أو كما قال صلى الله عليه و سلم ومثل قوله صلى الله عليه و سلم لذي اليدين لم تقصر ولا نسيت وهذا يبين فساد قول من اعترض بمثل هذا على سائر أوامره صلى الله عليه و سلم ليردها ناطقا في ذلك بلسان أهل الإلحاد المعترضين في الإسلام ونعوذ بالله من الخذلان
حدثنا أحمد بن عمرو العذري ثنا أبو ذر الهروي ثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار
قال عبد وحدثناه أيضا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم وأبو سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار
حدثنا حمام بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن مسلم نا أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله

صلى الله عليه و سلم لا ينزع الله العلم من صدور الرجال ولكن ينزع العلم بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني نا أبو إسحاق البلخي نا محمد بن يوسف الفربري نا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا سعيد بن تليد نا ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن شريح وغيره وعن أبي الأسود عن عروة قال حج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون
وأما ما رووه عن أبي مسعود من قوله فليجتهد رأيه فهو خبر لا يصح لأن محمد بن سعيد بن نبات حدثناه قال ثنا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن أبي عدي ثنا شعبة نا الأعمش عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير قال الأعمش أحسبه قال
قال ابن مسعود لقد أتى علينا حين وما نسأل وما نحن هناك
ثم ذكر بنصه فصح أن الأعمش شك فيه أهو عن ابن مسعود أم لا
ثم لو صح لكان معناه فليجتهد رأيه أي ليجهد نفسه حتى يرى السنة في ذلك يبين هذا قوله في الخبر نفسه ولا يقل إني أخاف وأرى فنهاه عن أن يقول أرى وهذا نهي عن الفتيا بالرأي وكذلك قوله فيه نفسه فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات فإنما أمره بالتورع والطلب فقط
وأما الرواية عن عمر فإن فيها نصا تخييره بين اجتهد رأيه أو الترك ورأى الترك خيرا له فصح أنه لم ير القول بالرأي حقا لأن الحق لا خيار في تركه لأحد ثم هم مخالفون لما فيه أيضا مما ذكرنا من أنهم لا يبدؤون بالطلب في القرآن كما في ذلك الخبر ثم بالسنن بل يتركون القرآن لما يصح من السنن ولما لا يصح وهذا خلاف أمر عمر في ذلك الخبر فكيف يحتجون بشيء هم أول مخالف له هذا مع أن ظاهر ذلك الخبر الانقطاع
وأما خبر عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس فليس فيه أن ابن عباس أخبر

بذلك عن نفسه ولا أنه أمر به فإذا هو ظن من عبيد الله والثابت عن ابن عباس النهي عن تقليد أبي بكر وعمر
ثم قصة خالفوا فيها ابن مسعود وعمر وابن عباس فلو صح هذا عنهم لكان كبعض ما خالفوهم فيه فليس بعض حكمهم أولى بالتقليد من بعض مثل ما صح عن عمر وابن مسعود وابن عباس من القول بأن من تسحر يرى أنه ليل فإذا به نهار فصومه تام ومثل قضائهم ثلاثتهم في اليربوع جفرة ومثل هذا كثير
وأما ما رووه عن بعض الصحابة من الفتيا بالرأي فإنما أفتى منهم من أفتى برأيهم على سبيل الإخبار بذلك أو الصلح لا على أنه حكم بات ولا على أنه لازم لأحد فقال خصومنا إنما ذموا الرأي الذي يحكم به على غير أصل وأما الذي حكموا به فهو الرأي المردود إلى ما يشبه من قرآن أو سنة فقلنا لهم هذه دعوى منكم فإن وجدتم عن أحد منهم تصحيحا فلكم مقال وإلا فقد كذبتم عليهم فنظرنا فلم نجد قط عن أحد من الصحابة كلمة تصح تدل على الفرق بين رأي مأخوذ عن شبه لما في القرآن والسنة وبين غيره من الآراء إلا في رسالة مكذوبة عن عمر ووجدنا قولهم في ذمهم الرأي جملة وأنهم حكموا به على ما قلنا
كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب قال جاء ناس من أهل الشام إلى عمر بن الخطاب فقالوا إنا أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور فقال عمر ما فعله صاحباي قبل فأفعله فاستشار أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم فقال له علي هو حسن إن لم تكن جزية يؤخذون بها بعد راتبة
قال أبو محمد فهذا نص ما قلنا من أنهم لا يرون ما حكموا فيه برأيهم أمرا راتبا وأيضا فقد روينا عنهما وعن غيرهما في إبطال الرأي آثارا أصح مما شغبوا به ولسنا نوردها احتجاجا بها إذ لا حجة في أحد إلا في رسول الله صلى الله عليه و سلم أو في إجماع متيقن لا خلاف فيه وإنما نوردها لتلزمهم ما أرادوا إلزامنا وهو لازم لهم لأنهم يحتجون بمثله ومن جعل شيئا ما حجة في مكان ما لزمه أن يجعله حجة في كل مكان وإلا فهو متناقض متحكم في الدين بلا دليل

حدثنا أحمد بن عمر ثنا أبو ذر الهروي نا عبد الله بن أحمد السرخسي نا إبراهيم بن خزيم نا عبد بن حميد ثنا أبو أسامة عن نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال قال أبو بكر الصديق أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد
حدثنا محمد بن سعيد النباتي نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا ابن أبي عدي عن شعبة عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر عن أبي بكر الصديق قال أية أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم
حدثنا المهلب عن ابن مناس نا محمد بن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر يا أيها الناس إنما الرأي إنما كان من رسول الله مصيبا لأن الله عز و جل كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف
وبه إلى ابن وهب حدثنا عبد الله بن عياش عن ابن عجلان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال اتقوا الرأي في دينكم
كتب إلي النمري حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي وعبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي القاضي قال أحمد نا أبي وقال القاضي نا سهل بن إبراهيم قال عبد الله الباجي وسهل ثنا أحمد بن فطيس نا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي نا عبد الرحمن بن شريك حدثني أبي عن مجالد عن الشعبي عن عمرو بن حريث قال قال عمر بن الخطاب إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا
كتب إلي النمري أخبرنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين البغدادي نا أبو بكر بن أبي داود نا محمد بن عبد الملك القزاز نا أبو مريم نا نافع بن يزيد عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم قال قال عمر بن الخطاب إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلت منهم أن يحفظوه فقالوا في الدين برأيهم
حدثنا المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى

عن وهب أخبرني ابن لهيعة عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي أن عمر بن الخطاب قال أصبح أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت أن يرووها فاستقوها بالرأي
حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق بن السليم نا ابن الأعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا حفص بن غياث ثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي بن أبي طالب قال لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يمسح على ظاهر الخفين
حدثنا عبد الله بن ربيع عن عبد الله بن محمد بن عثمان عن أحمد بن خالد عن علي بن عبد العزيز عن الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن قتادة قال قال علي القضاء ثلاثة رجل حاف فهو في النار ورجل اجتهد برأيه فأخطأ فهو في النار ورجل أصاب فهو في الجنة
حدثنا حمام بن أحمد ثنا أبو محمد الباجي ثنا عبد الله بن يوسف ثنا بقي بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا شبابة بن سوار عن شعبة عن قتادة قال سمعت رفيعا أبا العالية يقول قال علي بن أبي طالب القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل جار متعمدا فهو في النار ورجل أراد الحق فأخطأ فهو في النار ورجل أراد الحق فأصاب فهو في الجنة قال قتادة قلت لأبي العالية أرأيت هذا الذي أراد الحق فأخطأ قال كان حقه إذا لم يعلم القضاء أن يكون قاضيا
حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن مفرج ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس ثنا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور نا فرج بن فضالة عن مالك بن زياد قال سمعت عراك بن مالك وقال له عمر بن عبد العزيز يا عراك ما قولك في القضاة فقال يا أمير المؤمنين القضاة ثلاثة رجل ولي القضاء ولا علم له بالقضاء فأحل حراما وحرم حلالا فهو في النار على أم رأسه ورجل ولي القضاء وله علم بالقضاء فاتبع الهوى وترك الحق فهو في النار على أم رأسه ورجل ولي القضاء وله علم بالقضاء فاتبع الحق وترك الهوى فهو يستقام به ما استقام وإن هو مال سلك مسلك أصحابه

قال أبو محمد وقد روي هذا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كما روينا بالسند الصحيح المذكور إلى سعيد بن منصور نا خلف بن خليفة ثنا أبو هاشم قال لولا حديث ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى بين الناس بجهل فهو في النار ورجل عرف الحق فخار فهو في النار لقلنا إن القاضي إذا اجتهد فليس عليه شيء
نعم وعن عمر بن الخطاب كما روينا بالسند المذكور إلى سعيد بن منصور نا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري نا موسى بن عقبة قال خطب عمر بن الخطاب بالجابية فذكر الخطبة وفيها أن عمر قال ليس لهالك هلك معذرة في تعمد ضلالة حسبها هدى ولا في ترك حق حسبه ضلالا
قال أبو محمد ليس هذا مخالفا لقول النبي صلى الله عليه و سلم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر لأن هذا فيمن لم يعرف بالحق وسائر ما ذكرنا قيل فيمن عرف بالحق فلج مقدرا أنه على صواب مغلبا لظنه الكاذب على يقين ما جاءه من الهدى والنور
ويه إلى سعيد بن منصور حدثنا خالد بن عبد الله عن أبي سنان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من أفتا فتيا يعمى بها فإنهما عليه يعني يخطىء فيها فيخطىء آخذها منه
حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن أحمد بن مفرج نا سعيد بن السكن نا الفربري نا البخاري نا موسى بن إسماعيل نا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال قال سهل بن حنيف يا أيها الناس اتهموا آراء على دينكم لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم لرددته
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري نا أبو أسامة عن مالك بن مغول عن أبي حصين عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول اتهموا آراءكم على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم لرددته

حدثنا أحمد بن عمر ثنا أبو ذر نا عبد الله بن أحمد نا إبراهيم بن خزيم ثنا عبد بن حميد حسن بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن بكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من جهنم
حدثنا المهلب نا ابن مناس نا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب أخبرني بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس قال من أحدث رأيا ليس في كتاب الله عز و جل لم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز و جل
حدثنا يونس بن عبد الله القاضي نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد الله الخشني نا محمد بن بشار نا يونس نا عبيد العمري ثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال يا أيها الناس اتهموا آراءكم على الدين فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم برأي أجتهد والله ما آلو وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب فقال اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا نكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبيت فقال يا عمر تراني قد رضيت وتأبى
قال أبو محمد أما الرواية عن أبي بكر وعلي وسهل وابن عباس والتي تورد بعد هذا عن عمر وابن مسعود فصحاح ولا سبيل لهم إلى أن يأتوا برواية عن صاحب يثبت فيها التصويب للفتيا بالرأي فأن وجد يوما ما فتيا عن أحدهم برأي فلا بد من أن يوجد عنه التبرؤ من ذلك
كما حدثنا عبد الله بن ربيع حدثنا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا علي بن حجر نا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أتاه قوم فقالوا إن رجلا منا تزوج امرأة ولم يفرض صداقا ولم يجمعها إليه حتى مات فقال عبدالله ما سئلت عن شيء مذ فارقت رسول الله صلى الله عليه و سلم أشد علي من هذا فأتوا غيري
فاختلفوا إليه فيها شهرا ثم قالوا له في آخر ذلك من نسأل وأنت أخيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذا البلد ولا نجد عندك قال سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن أتاه الله وحده لا شريك له وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله

ورسوله بريء فقد ذكر الحديث وفي آخره أنه رضي الله عنه إذ أخبر بالسنة عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك بوفاق ما أفتى به فما رئي عبد الله فرح فرحه يومئذ إلا بإسلامه
وبه إلى أحمد بن شعيب أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبدالله عن زائدة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا أتى عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها فتوفي قبل أن يدخل بها فقال عبد الله سلوا هل تجدون فيها أثرا وذكر باقي الحديث
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات عن عبد الله بن محمد بن قاسم القلعي نا محمد بن أحمد الصواف نا بشر بن موسى بن صالح الأسدي نا عبد الله بن الزبير الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش عن مسلم بن صبيح هو أبو الضحى عن مسروق قال قال ابن مسعود يا أيها الناس من علم منكم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل لم لا يعلم لا أعلم فإن الله علم المرء وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم { قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من لمتكلفين }
قال أبو محمد هذا في غاية الصحة
وكل ما رويناه الآن من ابن عمر وابن مسعود وابن عباس يبين مرادهم بقولهم فليجتهد رأيه لو صح ذلك عنهم وأنه ليس على القول في الدين بالرأي أصلا لكن بأن يجتهد حتى يرى الحق في القرآن والسنة
حدثنا حمام نا الباجي نا عبد الله بن يونس نا بقي بن مخلد نا أبو بكر بن أبي شيبة نا يزيد بن هارون نا حماد بن سلمة عن قتادة أن أبا موسى الأشعري قال لا ينبغي لقاض أن يقضي حتى يتبين له الحق كما يتبين له الليل عن النهار فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال صدق
قال أبو محمد هذا يبين أنهم لم يجيزوا القول بالرأي الذي إنما هو ظن وبين أنهم كانوا يرون خبر الواحد يوجب العلم والقطع به ولا بد

أخبرني محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا مؤمل بن إسماعيل الحميري نا سفيان الثوري نا أبو إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق قال كتب كاتب لعمر بن الخطاب هذا ما رأى الله ورأى عمر فقال عمر بئس ما قلت إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر
حدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا مجالد عن الشعبي عن مسروق قال قال عبد الله بن مسعود يذهب العلماء ويبقى قوم يقولون برأيهم قال الشعبي لعن الله أرأيت
قال أبو محمد والله ما أفتى قط أحد من الصحابة رضي الله عنهم باجتهاد رأيه إلا كما ترى بعد أن يبحث عن السنة فتغيب عنه وهي عند غيره بلا شك ثم لا يجعل رأيه ذلك إلا مما يخاف الله تعالى فيه ويشفق منه ويتبرأ من التزامه وكذلك كان التابعون رحمهم الله فأتى اليوم ناس يجعلونه دينا يبطلون به كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه و سلم
نعوذ بالله من الخذلان
وقد روينا أيضا عن ابن عمر كما نا المهلب نا ابن مناس أنا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب أخبرني عمر بن الحارث أن عمرو بن دينار أخبره أن عبد الله بن عمر كان إذا لم يبلغه شيء في الأمر يسأل عنه قال إن شئتم أخبرتكم بالظن
قال عمرو بن دينار أخبرني بذلك طاوس عنه
قال أبو محمد وهذا سند في غاية الصحة وحدثنا يونس بن عبد الله نا يحيى بن مالك بن عائذ عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عيسى الخشاب نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي نا يونس بن عبد الأعلى أنا ابن وهب أنا عمر بن الحارث قال قال لي عمرو بن دينار أخبرني طاوس عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن أمر لم يبلغه فيه شيء قال إن شئتم أخبرتكم بالظن
قال أبو محمد كتب إلي يوسف بن عبد البر النمري قال ذكر أبو يوسف يعقوب بن شيبة نا محمد بن حاتم بن ميمون حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري نا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عبد

الله بن الزبير قال أنا والله لمع عثمان بن عفان بالجحفة ومعه رهط من أهل الشام منهم حبيب بن مسلمة الفهري إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج أن أتموا الحج وخلصوه في أشهر الحج فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فإن الله قد أوسع في الخير فقال له علي عمدت إلى سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها وتنتهي عنها وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار
ثم أهل بعمرة وحج معا فأقبل عثمان على الناس فقال وهل نهيت عنها إني لم أنه عنها إنما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذه ومن شاء تركه
كتب إلي النمري حدثنا أحمد بن سعيد نا ابن أبي دليم نا ابن وضاح نا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي نا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء هو الخراساني عن أبيه قال أضعف العلم علم النظر أن يقول الرجل رأيت فلانا يفعل كذا ولعله قد فعله ساهيا
كتب إلي النمري قال ذكر الحسن بن علي الحلواني نا عامر نا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه و سلم أهيب لما لا يعلم مع أبي بكر ولم يكن أحد أهيب لما لا يعلم بعد أبي بكر من عمر وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله تعالى منها أصلا ولا في السنة أثرا فاجتهد رأيه ثم قال هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله عز و جل وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله تعالى
كتب إلي النمري قال قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ أخبرهم قال نا بكر بن حماد نا مسدد بن مسرهد نا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج حدثني سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون
كتب إلي النمري حدثنا عبد الله بن محمد نا عبد الله بن محمد القاضي بالقلزم نا محمد بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله الرازي نا الحارث بن عبد الله بهمدان نا عثمان بن عبد الرحمن الوقاص عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة

قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم يعملون بالرأي فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا
كتب إلي النمري حدثنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين الآجري نا محمد بن الليث نا جبارة بن المغلس نا حماد بن يحيى الأبح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم تعمل بعد ذلك بالرأي فإذا أعملوا بالرأي ضلوا
كتب إلي النمري أنا أبو زيد العطار نا علي بن محمد بن مسرور نا أحمد بن داود نا سحنون نا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر قال قال عمر بن الخطاب السنة ما سنه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم لا تجعلونه خطأ الرأي سنة للأمة
كتب إلي النمري حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا الحسن بن إسماعيل المهندس ثنا عبد الملك بن بحر نا محمد بن إسماعيل نا سنيد داود نا يحيى بن زكريا هو ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر الشعبي قال أتى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها فكتبوها ثم قالوا لو أخبرناه قال فأتوه فأخبروه فقال أغدرا لعل كل شيء حدثتكم خطأ إنما أجتهد لكم رأيي
وبه نصا إلى سنيد نا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قال قال لجابر بن زيد إنهم يكتبون ما يسمعون منك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون يكتبون رأيا أرجع عنه غدا
حدثنا عبد الله بن ربيع نا ابن مفرج نا قاسم بن أصبغ نا بن وضاح نا ابن وهب عن الليث بن سعد قال إن ربيعة كتب إليه يقول أرى أن كل محبوسة منتظرة زوجا في غيبة إن نفقتها لها ورب من يكون لو حمل ذلك عليه لكانت فيه هلكة دنياه وذمته
فالمرأة ذات الزوج في نفقتها حتى يقع ميراثها ويتبين هلاك زوجها وإن قائلا ليأثر عن بعض الناس بالمدينة غير ذلك وهذا رأينا والسنة أملك بذلك

حدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد نا خالد نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار بندار نا يحيى بن سعيد القطان نا صالح بن مسلم أن عامرا الشعبي قال له في مسألة من النكاح سأله عنها في حديث إن أخبرتك برأيي فبل عليه
كتب إلي النمري حدثنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين الأجري نا جعفر بن محمد الفريابي نا العباس بن الوليد بن مزيد أنا أبي سمعت الأوزاعي يقول عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول
قال الفريابي وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول سمعت حماد بن زيد يقول قيل لأيوب السختياني ما لك لا تنظر في الرأي فقال أيوب قيل للحمار ما لك لا تجتر فقال أكره مضغ الباطل
كتب إلي النمري حدثنا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير نا الحوطي نا إسماعيل بن عياش عن سوادة بن زياد وعمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه و سلم
وبه إلى قاسم حدثنا ابن وضاح نا يوسف بن عدي نا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال قال الربيع بن خيثم إياكم أن يقول الرجل لشيء إن الله حرم هذا أو نهى عنه فيقول الله عز و جل كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه أو يقول إن الله تعالى أحل هذا وأمر به فيقول الله تعالى كذبت لم أحله ولم آمر به
وكتب إلي النمري حدثنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين الأجري نا أبو بكر بن أبي داود السجستاني نا أحمد بن سنان قال سمعت الشافعي يقول مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي قد عولج حتى برأ فأغفل ما يكون قد هاج به
وبه إلى ابن أبي داود السجستاني قال سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول لا تكاد ترى أحدا نظر في هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل
كتب إلي النمري حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني نا يوسف بن

يعقوب النجيرمي بالبصرة أنا العباس بن الفضل سمعت سلمة بن شبيب يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة الآثار
كتب إلي النمري قال ذكر محمد بن حارث الخشني أنا أبو عبد الله محمد بن عثمان النحاس سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد بن الحداد يقول سمعت سحنون بن سعيد يقول ما أدري ما هذا الرأي سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستحقت به الحقوق غير أنا رأيناه رجلا صالحا فقلدناه
كتب إلي النمري أنا عبد الرحمن بن يحيى ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى أنه كان يأتي بن وهب فيقول له من أين فيقول له من عند ابن القاسم
فيقول له اتق الله فإن أكثر هذه المسائل رأي
قال أبو محمد فقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفتوا برأيهم على سبيل الإلزام ولا على أنه حق لكن على أنه ظن يستغفرون الله تعالى منه أو على سبيل صلح بين الخصمين فلا يحل لمسلم أن يحتج بشيء أتى عنهم على هذه السبيل وأما التابعون فقد ذكرنا منهم طرفا صالحا
وحدثنا أيضا يونس بن عبد الله القاضي قال ثنا يحيى بن عائذ ثنا هشام بن محمد بن قرة عن أبي جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي ثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا أبو عقيل ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة أنه قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول للحسن بن أبي الحسن البصري وقد قصدته أنا والحسن فقال أبو سلمة للحسن بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفتي برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أو كتابا منزلا
وبه إلى الطحاوي حدثنا سليمان بن شعيب ثنا خالد بن عبد الرحمن ثنا مالك بن مغول عن الشعبي قال ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فخذوا به وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش
حدثنا أحمد بن عمر ثنا أبو ذر ثنا زاهر بن أحمد نا زنجويه بن محمد ثنا محمد بن إسماعيل البخاري نا محمد بن محبوب نا عبد الواحد نا الزبرقان بن عبد

الله الأسدي أن أبا وائل شقيق بن سلمة قال له إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت
قال أبو محمد وقد روينا عن الشعبي أنه قال قد ترك هؤلاء الأرأيتيون المسجد أبغض إلي من كناسة أهلي
حدثنا عبد الرحمن بن سلمة صاحب لنا ثنا أحمد بن خليل نا خالد بن سعد أخبرني محمد بن عمر بن لبابة أخبرني أبان بن عيسى بن دينار وكان فاضلا عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب قال دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي قال أبان وكان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي وأحب الفتيا بما روي من الحديث فأعجلته المنية عن ذلك
حدثنا المهلب ثنا بن مناس نا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة قال سمعت عروة بن الزبير يقول ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم
وبه إلى ابن وهب حدثني أبي لهيعة أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال لم أسمع في هذا شيئا فقال له الرجل فأخبرني أصلحك الله برأيك قال لا ثم عاد عليه فقال إني أرضى برأيك فقال له سالم إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأوى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن محمد القلعي ثنا أبو علي محمد بن أحمد الصواف عن بشر بن موسى الأسدي ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي قال قال سفيان بن عيينة ما زال أمر الناس معتدلا حتى غير ذلك أبو حنيفة بالكوفة والبتي بالبصرة وربيعة بالمدينة
قال أبو محمد هؤلاء النفر غفر الله لنا ولهم أول من فتح باب الرأي وعول عليه واعترض بالقياس على حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم وتلك زلة عالم ووهلة فاضل سمح الله للجميع بمنه آمين
كتب إلى النمري يوسف بن عبد الله أنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن هو ابن الزيات ثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي البصري ثنا موسى بن

إسحاق نا إبراهيم بن المنذر نا معن بن عيسى قال سمعت مالك بن أنس يقول أنا بشر أخطىء وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه
أخبرني بعض أصحابنا محمد بن أبي نصر عن أبي عمر وعثمان بن أبي بكر حدثني أبو نعيم بأصبهان ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الكريم ثنا الحسن بن منصور ثنا الحنيني قال قال مالك بن أنس إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن
وحدثني ابن أبي نصر نا عثمان بن أبي بكر نا أبو نعيم إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق قال سمعت عثمان بن صالح يقول جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال له قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا فقال الرجل أرأيت فقال مالك { لا تجعلوا دعآء لرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم لله لذين يتسللون منكم لواذا فليحذر لذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }
حدثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا أحمد بن خليل ثنا خالد بن رسول ثنا عبد الله بن يونس المرادي نا بقي بن مخلد نا سحنون والحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك
أنه كان يكثر أن يقول { وإذا قيل إن وعد لله حق ولساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما لساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين }
ويه إلى خالد قال سمعت محمد بن عمر لبابة يقول أخبرني أبو خالد مالك بن علي القرشي القطني الزاهد وكان فاضلا خيرا مجتهدا في العبادة قال أخبرني القعنبي قال دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت ثم جلست فرأيته يبكي فقلت يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك فقال لي يا ابن قعنب وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت بها برأيي سوطا سوطا وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه وليتني لم أفت بالرأي أو كما قال

وبه إلى خالد حدثنا أحمد بن خالد أنا يحيى بن عمر أنا الحارث بن مسكين أنا ابن وهب قال قال لي مالك كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء
قال أبو محمد أفيحل لأحد صح هذا عنده عن النبي صلى الله عليه و سلم الذي عنه أخذنا ديننا ثم يفتي بعد ذلك بغير ما أتاه به الوحي ويستعمل الرأي والقياس معاذ الله من ذلك
أخبرنا أحمد بن عمر ثنا أحمد بن محمد بن عيسى نا محمد بن غندر نا خلف بن قاسم نا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو نا أبو مسهر نا سعيد بن عبد العزيز قال كان إذا سئل لا يجيب حتى يقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هذا رأيي والرأي يخطىء ويصيب
قال أبو محمد ويقال لمن يقضي بالرأي في الدين فحلل به وحرم وأوجب أخبرنا عنك في قولك بالرأي هذا حرام أو هذا واجب عمن تخبر بأنه حرم هذا أو أوجب هذا أعنك أم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم لله فإن كنت تخبر بذلك عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه و سلم كنت كاذبا عليهما لأنك تقول عنهما ما لم يقله الله تعالى ولا نبيه صلى الله عليه و سلم وإن كنت تقول ذلك عن نفسك فقد صرت محللا ومحرما وشارعا وفي هذا ما فيه نعوذ بالله منه
وأيضا فإنك تصير قاضيا على الباري تعالى ومتحكما عليه أن تلزم في دينه الذي لم يشرعه سواه أحكاما تشرعها أنت وفي هذا البرهان كفاية
وبالله تعالى نتأيد
حدثنا أحمد بن عمر بن أنس نا الحسين بن يعقوب نا سعيد بن فحلون نا يونس بن يحيى المفامي نا عبد الملك بن حبيب أخبرني بن الماجشون أنه قال قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة اليوم شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خان الرسالة لأن الله تعالى يقول { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا وقد ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه قال علمنا هذا رأي فمن أتانا بخير منه قبلناه
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا إسماعيل بن إسحاق البصري نا خالد بن

سعد نا محمد بن إبراهيم بن حيون الحجاري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول الحديث الضعيف أحد إلينا من الرأي
حدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب رأي فتنزل به النازلة من يسأل فقال أبي يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي ضعيف الحديث أقوى من رأي أبي حنيفة
قال أبو محمد صدق أحمد رحمه الله لأن من أخذ بما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو لا يدري ضعفه فقد أجر يقينا على قصده إلى طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم كما أمره الله تعالى
وأما من أخذ برأي أبي حنيفة أو رأي مالك أو غيرهما فقد أخذ بما لم يأمره الله تعالى قط بالأخذ به وهذه معصية لا طاعة
وقد تبرأ كل من ترى من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء من الرأي وندموا على ما قد قدموا منه وتبرؤوا ممن قلدهم في شيء منه فمن أضل ممن دان ربه تعالى برأي قد تمنى الذي رآه أن يضرب عن كل مسألة منه سوطا ولعلها أزيد من عشرة آلاف مسألة ومن أضل ممن دان ربه تعالى برأي من قال من أتانا بخير من رأينا قبلناه ولا شك عند كل ذي مسكة عقل من المسلمين أن كلام الله تعالى وكلام محمد صلى الله عليه و سلم خير من رأي أبي حنيفة ومالك
هذا مع ما قد أوردناه في هذا الباب من الأحاديث الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في تحريم الفتيا بالرأي ومن البراهين القاطعة في ذلك
وحسبنا الله ونعم الوكيل


الباب السادس والثلاثون في إبطال التقليد قال أبو محمد علي علي بن أحمد علي اعتقاد المرء قولا من قولين فصاعدا ممن اختلف فيه أهل التمييز المتكلمون في أفانين العلوم فإنه لا يخلو في اعتقاده ذلك من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده ببرهان صح عنده أو يكون اعتقده بغير برهان صح عنده فإن كان اعتقده ببرهان صح عنده يخلو أيضا من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده ببرهان حق صحيح في ذاته وإما أن يكون اعتقده بشيء يظن أنه برهان وليس ببرهان لكنه شغب وتمويه موضوع وضعا غير مستقيم
وقد بينا كل برهان حق صحيح في ذاته في كتابنا الموسوم بالتقريب وبينا في كتابنا هذا أن البرهان في الديانة إنما هو نص القرآن أو نص كلام صحيح النقل مسند إلى النبي صلى الله عليه و سلم أو نتائج مأخوذة من مقدمات صحاح من هذين الوجهين
وأما القسم الثاني الذي هو شغب يظن أنه برهان وليس برهانا فمن أنواعه القياس والأخذ بالمرسل والمقطوع والبلاغ وما رواه الضعفاء والمنسوخ والمخصص وكل قضية فاسدة قدمت بالوجوه المموهة التي قد بيناها في كتاب التقريب
وأما ما اعتقده المرء بغير برهان صح عنده فإنه لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده لشيء استحسنه بهواه وفي هذا القسم يقع الرأي والاستحسان ودعوى الإلهام وإما أن يكون اعتقده لأن بعض من دون النبي صلى الله عليه و سلم قال وهذا هو التقليد وهو مأخوذ من قلدت فلانا الأمر أي جعلته كالقلادة في عنقه وقد استحى قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه وهم يقرون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الاسم فقالوا نقلد بل نتبع
قال أبو محمد ولم يتخلصوا بهذا التمويه من قبيح فعلهم لأن الحرم إنما هو المعنى فليسموه بأي اسم شاؤوا فإنهم ما داموا آخذين بالقول لأن فلانا قاله دون النبي صلى الله عليه و سلم فهم عاصون لله تعالى لأنهم اتبعوا من لم يأمرهم الله تعالى باتباعه

ويكفي من بطلان التقليد أن يقال لمن قلد إنسانا بعينه ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدته بل قلد من هو بإقرارك أعلم منه وأفضل منه فإن قال بتقليد كل عالم كان قد جعل الدين هملا وأوجب الضدين معا في الفتيا هذا ما لا انفكاك منه لكن شغبوا وأطالوا فوجب تقصي شغبهم إذ كتابنا هذا كتاب تقص لا كتاب إيجاز وبالله تعالى نتأيد
قال أبو محمد ونحن ذاكرون إن شاء الله ما موه به المتأخرون لنصر قولهم في التقليد ومبينون بطلان كل ذلك بحول الله وقوته ثم نذكر البراهين الضرورية الصحاح على إبطال التقليد جملة وبالله تعالى التوفيق
فمما شغبوا به أن قال بعضهم روي أن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر
قال أبو محمد وهذا باطل لأن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده وإنما وافقه كما يتوافق أهل الاستدلال فقط وما نعرف رواية أن ابن مسعود رجع إلى قول عمر إلا رواية ضعيفة لا تصح في مسألة واحدة وهي في مقاسمة الجد الأخوة مرة إلى الثلث ومرة إلى السدس ولعل نظائر هذه الرواية لو تقصيت لم تبلغ أربع مسائل وإنما جاء فيها أيضا أن ابن مسعود أنفذها بقول عمر لأن عمر كان الخليفة
وابن مسعود أحد عماله فقط
وأما اختلافهما فلو تقصي لبلغ أزيد من مائة مسألة وقد ذكرنا بعد هذا بنحو ورقتين سند الحديث المذكور من اتباع ابن مسعود عمر وبينا وهي تلك الرواية وسقوطها
ومما حضرنا ذكره من خلاف ابن مسعود لعمل في أعظم قضاياه وأشهرها ما حدثناه محمد بن سعيد النباتي نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن زيد بن وهب قال انطلقت أنا ورجل إلى عبد الله بن مسعود نسأله عن أم الولد وإذا هو يصلي ورجلان قد اكتنفاه عن يمينه وعن يساره فلما صلى سألاه الخطاب
فقال لأحدهما من أقرأك قال أقرأنيها أبو عمرة أو أبو حكم المزني وقال الآخر أقرأنيها عمر بن الخطاب فبكى حتى بل الحصا بدموعه وقال له اقرأ كما

أقرأك عمر فإنه كان للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه فلما أصيب عمر انثلم الحصن فخرج الناس من الإسلام قال سألته عن أم الولد فقال تعتق من نصيب ولدها
قال أبو محمد فهذا ابن مسعود بهذا السند العجيب الذي لا مغمز فيه بعد موت عمر على ما في نص هذا الحديث من ذكره موت عمر يخالفه في أمهات الأولاد فلا يراهن حرائر من رأس مال سادتهن ولكن من نصيب أولادهن كما تعتق على كل أحد أمه إذا ملكها
ومع ذلك أن ابن مسعود إلى أن مات كان يطبق في الصلاة وعمر كان يضع اليدين على الركبتين وينهى عن التطبيق وكان ابن مسعود يضرب الأيدي لوضعها على الركب وابن مسعود يقول في الحرم هي يمين وعمر يقول هي طلقة واحدة
وكان ابن مسعود يقول في رجل زنى بامرأة ثم تزوجها لا يزالان زانيين ما اجتمعا وعمر يأمر الزاني أن يتزوج التي زنى بها وابن مسعود يقول بيع الأمة طلاقها وعمر لا يرى بيعها طلاقا ويخالفه في قضايا كثيرة جدا
والعجب كله ممن يحتج بالكذب من أن ابن مسعود كان يقلد عمر وهم لا يرون تقليد عمر ولا ابن مسعود في كل أقوالهما وإنما يقلدون من لم يقلده قط ابن مسعود ولا رآه كأبي حنيفة ومالك والشافعي وحسبك بمقدار من يحتج بمثل هذا في الغباوة والجهل وقوله مخالف لما احتج به
وكيف يجوز أن يقلد ابن مسعود عمر وقد حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي حدثنا مسلم بن الحجاج نا إسحاق بن راهويه نا عبدة بن سليمان نا الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي عن عبد الله بن مسعود قال لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أني أعلمهم بكتاب الله عز و جل ولو أعلم أن أحدا أعلم به مني لرحلت إليه قال شقيق فجلست في حلق أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه
وبه إلى مسلم نا أبو كريب نا يحيى بن آدم نا قطبة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال والذي لا إله غيره ما من كتاب

الله تعالى سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغه الإبل لركبت إليه
قال أبو محمد وكان ابن مسعود من الملازمة لرسول الله صلى الله عليه و سلم بحيث قال أبو موسى الأشعري كنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي صلى الله عليه و سلم من كثرة دخولهم ولزومهم له
وقال ابن مسعود البدري وقد قام عبد الله بن مسعود ما أعلم رسول الله صلى الله عليه و سلم ترك بعده أعلم بما أنزل الله تعالى من هذا القائم فقال أبو موسى لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذن له إذا حججنا
روينا هذا السند المذكور إلى مسلم قال حدثناه أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني نا يحيى بن آدم نا قطبة عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبي الأحوص أنه سمع أبا مسعود وأبا موسى يقولان ذلك
قال أبو محمد فمن كانت هذه صفته وهو يخبر أنه ما من آية في القرآن إلا وهو يعلم فيما أنزلت أيجوز أن يظن به ذو عقل أنه يقلد أحدا من الناس هذا محال ممتنع لا سبيل إليه وإنما يقلد من يجهل الحكم في النازلة فيأخذ بقول من يقدر أنه يعلمه وكيف يمكن أن يقلد ابن مسعود عمر وقد كان كما حدثنا محمد بن سعيد نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار بندار نا محمد بن عدي وأبو داود الطيالسي كلاهما عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيد الله بن عبد الله بن مسعود عن مسروق قال ما شهدت أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إلا بالإخاذ فالإخاذة تكفي الواحد والاثنين والثلاثة والإخاذة تكفي الفئام من الناس وإني أتيت عبد الله بن مسعود وعمر وعثمان فوجدت عبد الله كفاني فلزمت عبد الله
قال أبو محمد فقد بين مسروق أنه جربهم فوجد ابن مسعود لا يقصر عن عمر في العلم بل كلام مسروق يدل على تقدم ابن مسعود عنده على عمر في العلم ولذلك اكتفى به عنه وقد ذكرنا في باب الإجماع من كتابنا هذا في باب من ادعى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة صفة منزلة ابن مسعود عند عمر في العلم في كتابه إلى أهل الكوفة

واحتج بعضهم بأن قال لا بد من التقليد لأنك تأتي الجزار فتقلده في أنه سمى الله عز و جل وممكن أن يكون لم يسم وهكذا في كل شيء
قال أبو محمد المحتج بهذا إما كان بمنزلة الحمير في الجهل وإما كان رقيق الدين لا يستحي ولا يتقي الله عز و جل فيقال له إن كان ما ذكرت عندك تقليدا فقلد كل فاسق وكل قائل وقلد اليهود والنصارى فاتبع دينهم لأنا كذلك نبتاع اللحم منهم
ونصدقهم أنهم سموا الله تعالى على ذبائحهم كما نبتاعه من المسلم الفاضل ولا فرق ولا فضل بين ابتياعه من زاهد عابد وبين ابتياعه من يهودي فاسق ولا أثرة ولا فضيلة لذبيحة العالم الورع على ذبيحة الفاسق الفاجر فقلد كل قائل على ظهر الأرض وإن اختلفوا كما نأكل ذبيحة كل جزار من مؤمن أو ذمي
فإن قال بذلك خرج عن الإسلام وكفى مؤونته ولزمه ضرورة ألا يقلد عالما بعينه دون من سواه كما أنه لا يقلد جزارا بعينه دون من سواه وإن أبى من ذلك فقد أبطل احتجاجه بتقليد الجزار وغيره وسقط تمويهه
ولكن ليعلم الجاهل أن هذا الذي شغب به هذا المموه من تصديقنا الجزار والصانع وبائع سلعة بيده ليس تقليدا أصلا وإنما صدقناهم لأن النص أمر بتصديقهم وقد سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عن هذه بعينها فقالوا يا رسول الله إنه يأتي قوم حديثو عهد بالكفر بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها فقال صلى الله عليه و سلم سموا الله أنتم وكلوا أو كما قال صلى الله عليه و سلم
وأمر تعالى بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم فإن أتونا في تقليد رجل بعينه بنص على إيجاب تقليده أو بإجماع على إيجاب تقليده صرنا إليه واتبعناهم ولم يكن ذلك تقليدا حينئد لأن البرهان كان يكون حينئذ قد قام على وجوب اتباعه
واحتج بعضهم بأن قال روي عن عمر أنه قال إني لأستحي من الله عز و جل أن أخالف أبي بكر
قال أبو محمد وهذا يبطل من خمسة أوجه أولها أن هذا حديث مكذوب محذوف لا يصح منفردا هذا اللفظ كما أوردوه وإنما جاء بلفظ إذا حقق فهو حجة عليهم وسنورده عند الفراغ بذكر حججهم ثم الابتداء بالاحتجاج عليهم في هذا الباب إن شاء الله تعالى

والثاني أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يجهله من له أقل علم بالروايات فمن ذلك خلافه إياه في سبي أهل الردة سباهم أبو بكر وبلغ الخلاف عن عمر له أن نقض حكمه في ذلك وردهن حرائر إلى أهليهن إلا من ولدت لسيدها منهن ومن جملتهن كانت خولة الحنفية أم محمد بن علي
وخالفه في قسمة الأرض المفتتحة فكان أبو بكر يرى قسمتها وكان عمر يرى إيقافها ولم يقسمها
وخالفه في المفاضلة أيضا في العطاء فكان أبو بكر يرى التسوية وكان عمر يرى المفاضلة وفاضل
ومن أقرب ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا سليمان بن الأشعث حدثنا محمد بن داود بن سفيان وسلمة بن شبيب قالا ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال قال عمر إني إن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يستخلف وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف
قال ابن عمر فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله صلى الله عليه و سلم أحدا
وأنه غير مستخلف
قال أبو محمد فهذا نص خلاف عمر لأبي بكر فيما ظن أنه فعل النبي صلى الله عليه و سلم وقد خالفه في فرض الجد وفي غير ذلك كثيرا بالأسانيد الصحاح المبطلة لقول من قال إنه كان لا يخالفه
والثالث أن هذا لو صح كما أوردوه وموهوا به وهو لا يصح كذلك لكان غير موجب لتقليد مالك وأبي حنيفة ولا يتمثل في عقل ذي عقل إن في تقليد عمر لأبي بكر ما يوجب تقليد أهل زماننا لمالك وأبي حنيفة فبطل تمويههم بما ذكروا
والرابع أن المحتج بما ذكرنا عن عمر ينبغي أن يكون أوقح الناس وأقلهم حياء لأنه احتج بما يخالفه وانتصر بما يبطله لأنه لا يستحي مما استحى منه عمر لأن المحتجين بهذا يخالفون أبا بكر وعمر في أكثر أقوالهم وقد ذكرنا خلاف المالكيين لما رووا في الموطأ عن أبي بكر وعمر فيما خلا من كتابنا فأغنى عن ترداده وبينا أنهم رووا عن أبي بكر ست قضايا خالفوه منها من خمس وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ فقط

فهلا استحيا هذا المحتج مما استحيا منه عمر ويلزمه أن يقلد أبا بكر وعمر وإلا فقد أقر على نفسه بترك الحق إذ ترك قول عمر وهو يحتج بقوله في إثبات التقليد
والخامس أنه لو صح أن عمر قلد وقد أعاذه الله من ذلك لكان هو وسائر من خالفه من الصحابة وأبطلوا التقليد راجيا أن ترد أقوالهم إلى النص فلأيها شهد النص أخذ به والنص يشهد لقول من أبطل التقليد
واحتجوا بما حدثناه محمد بن سعيد ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني ثنا بندار ثنا غندر ثنا شعبة عن جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي أن جندبا ذكر له قول في مسألة من الصلاة لابن مسعود فقال جندب إنه لرجل ما كنت لأدع قوله لقول أحد من الناس
وبه إلى الشعبي عن مسروق قال كان ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يفتون الناس ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة كان عبد الله يدع قوله لقول عمر وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه أحدها أن راوي هذين الخبرين جابر الجعفي وهو كذاب فسقط الاحتجاج به
والثاني أنه كذب هذا الحديث الأخير بين ظاهر بما هو في الشهرة والصحة كالشمس وهو أن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده وخلاف أبي موسى لعلي كذلك ومن جملة خلافه إياه امتناعه من بيعته ومن حضور مشاهده وليس في الخلاف أعظم من هذا وكذلك خلاف زيد لأبي في القراءات والفرائض وغير ذلك أشهر من كل مشتهر فوضح كذب جابر في روايته هذه
والثالث أنه لو صح كل هذا لكان عليهم لا لهم لأن الذين كان هؤلاء المذكورون يقلدون بزعمهم هم غير الذين يقلد هؤلاء المتأخرون اليوم فلا حجة لمن قلد مالكا وأبا حنيفة والشافعي فيمن قلد عمر وعليا وأبيا بل هو حجة عليهم لأنه إن كان تقليد هؤلاء حقا فتقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة باطل وإن كان تقليد من تقدم باطلا

فتقليد من تأخر أبطل فمن المحال الباطل أن يقلد ابن مسعود عمر أو غيره مع ما حدثناه المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب قال سمعت سليمان يحدث عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول اغد عالما أو متعلما ولا تغدون إمعة قال ابن وهب فذكر لي سفيان عن أبي الزعراء عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إنه الإمعة فيكم الذي يحقب دينه الرجال
واحتجوا أيضا بالأعمى يدل على القبلة وبالراكب في السفينة يدله الملاحون على القبلة وعلى الوقت
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنه من باب قبول الخبر لا من باب قبول الفتيا في الدين بلا دليل ولا من باب تحريم أمر كان مباحا أو إيجاب فرض لم يكن واجبا أو إسقاط فرض قد وجب وهذا الذي ذكروا ليس تقليدا وإنما هو إخبار والناس مجمعون على قبول خبر الواحد في أشياء كثيرة منها الهدية وحال إدخال الزوج على الزوجة وقبول قول المرأة الذمية والمسلمة إنها طاهر فيستباح وطؤها بعد تحريمه بالحيض وغير ذلك فقبول الأعمى لخبر المخبر له عن الوقت والقبلة إذ وقع به تصديقه أمر قد قام الدليل على صحته بل أكثر هذه الأمور توجب العلم الضروري بالجبلة وبطل أن يكون ما ذكروا تقليدا واحتج بعضهم بقول الله تعالى { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا وتخذ لله إبراهيم خليلا }
قال أبو محمد وهذا من القحة ما هو لأن الشيء الذي يأمر به الله ليس تقليدا ولكنه برهان ضروري والتقليد إنما هو اتباع من لم يأمرنا عز و جل باتباعه
وإنما التقليد الذي نخالفهم فيه أخذ قول رجل ممن دون النبي صلى الله عليه و سلم لم يأمرنا ربنا باتباعه بلا دليل يصحح قوله لكن فلانا قاله فقط فهذا هو الذي يبطل ولكن من لا يتقي الله عز و جل ممن قد بهره الحق وعجز عن نصره الباطل وأراد استدامة سوقه ولا يبالي إلى ما أداه ذلك أوقع على اعتقاد الحق الذي قد ثبت برهانه اسم التقليد فسمى الانقياد لخبر الواحد تقليدا وسمى الإجماع تقليدا وسمى اتباع النبي صلى الله عليه و سلم فيما أمر باتباعه من ملة إبراهيم عليه السلام تقليدا

فإن أرادوا منا تصحيح هذه المعاني فهي صحاح لقيام النص بوجوبها وإن أرادوا أن يتطرقوا بذلك إلى تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة فذلك حرام وباطل وليس في اتباع ملة إبراهيم ما يوجب اتباع مالك وأبي حنيفة والشافعي لأنهم غير إبراهيم المأمور باتباعه ولم نؤمر قط باتباع هؤلاء المذكورين وإنما هذا بمنزلة من سمى الخنزير كبشا وسمى الكبش خنزيرا فليس ذلك مما يحل الخنزير ويحرم الكبش
وكذلك إنما نحرم اتباع من دون النبي صلى الله عليه و سلم بغير دليل ونوجب اتباع ما قام الدليل على وجوب اتباعه ولا نلتفت إلى من مزج الأسماء فسمى الحق تقليدا وسمى الباطل اتباعا وقد بينا قبل وبعد أن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم فمن قبل اشتراك الأسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها
ولذلك دعونا في كتبنا إلى تمييز المعاني وتخصيصها بالأسماء المخلفة فإن وجدنا في اللغة اسما مشتركا حققنا المعاني التي تقع تحته وميزنا كل معنى منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني حتى يلوح البيان فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة والله تعالى يلبس على من على الناس وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني ثنا بندار ثنا غندر ثنا شعبة ثنا عمرو بن مرة عن حصين عن ابن أبي ليلى قال حدثنا أصحابنا أنهم كانوا إذا صلوا مع النبي صلى الله عليه و سلم فدخل الرجل أشاروا إليه فقضى ما سبق به فكانوا من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاء معاذ فقال لا أراه على حال إلا كنت معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن معاذا قد سن لكم سنة فكذلك فافعلوا
قال أبو محمد وهذا حديث كما ترى لم يذكر ابن أبي ليلى من حدثه به والضمير الذي في كانوا لا بيان فيه أنه راجع إلى المحدثين لابن أبي ليلى بل لعله راجع إلى الصحابة غير المحدثين لابن أبي ليلى ولا تؤخذ الحقائق بالشكوك
وحتى لو صح هذا الحديث لما كانت فيه حجة لوجهين أحدهما أن الذين يقلدونهم غير معاذ فلو صح تقليد معاذ ما كان ذلك

إلا مبطلا لتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي
والثاني أن فعل معاذ لم يصر سنة إلا حيث أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم وحين أمر به لا بفعل معاذ ويكون حينئذ معنى أن معاذا سن سنة أي فعل فعلا جعله الله لكم سنة فإنما صار سنة حين أمر به عليه السلام فقط مع أنه حديث مرسل لا يحتج به
وقد روينا عن معاذ ما يبطل ظن الظان في هذا الحديث وما يبطل به التقليد وهو ما حدثنا محمد بن سعيد النباتي ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار بندار ثنا غندر ثنا شعبة قال أنبأني عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله بن سليمة يقول قال معاذ بن جبل يا معشر العرب كيف تصنعون بثلاث دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال المنافق بالقرآن فسكتوا فقال معاذ أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم فإن المؤمن أو قال المسلم يفتتن ثم يتوب وأما القرآن فإن له منارا كمنار الطريق لا يخفى على أحد فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدا وما لم تعلموا فكلوه إلى عالمه وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح ومن لا فليست بنافعته دنياه
قال أبو محمد رحم الله معاذا لقد صدع بالحق ونهى عن التقليد في كل شيء وأمر باتباع ظاهر القرآن وألا يبالي من خالف فيه وأمر بالتوقف فيما أشكل
وهذا نص مذهبنا
وبالله تعالى التوفيق
ومن العجب احتجاجهم بهذا الخبر ولا يدري أحد لماذا فإن كانوا أرادوا بذلك تقليد معاذ وأنه كان يسن السنن فقد جاء عنه أنه كان يورث المسلم من الكافر فيقلدوه وإلا فقد لعبوا بدينهم وإن كانوا يحتجون به في إيجاب تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي فهذا حمق ما سمع بأظرف منه وأين تقليد معاذ من تقليد هؤلاء
واحتج بعضهم بقوله تعالى { محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما }
وبقوله تعالى { لقد رضي لله عن لمؤمنين إذ يبايعونك تحت لشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل لسكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } وبقوله تعالى { لا يستوي لقاعدون من لمؤمنين غير أولي لضرر ولمجاهدون في سبيل لله بأموالهم وأنفسهم فضل لله لمجاهدين بأموالهم وأنفسهم على لقاعدين درجة وكلا وعد لله لحسنى وفضل لله لمجاهدين على لقاعدين أجرا عظيما }

وبقوله عز و جل { ولسابقون لأولون من لمهاجرين ولأنصار ولذين تبعوهم بإحسان رضي لله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها لأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك لفوز لعظيم } فقالوا من أثنى الله تعالى عليه فقوله أبعد من الخطأ وأقرب من الصواب
واحتجوا بقوله صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وبما روي عنه صلى الله عليه و سلم من الحديث الذي فيه اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقالوا إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم بما شهدوا
وقال بعضهم قول الخلفاء من الصحابة حكم وحكمهم لا يجب أن ينقض واحتجوا بقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } وبما روى من أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
قال أبو محمد كل هذا لا حجة لهم فيه بل الآيات التي ذكرنا حجة عليهم وأما قوله تعالى { محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } وقوله { لقد رضي لله عن لمؤمنين إذ يبايعونك تحت لشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل لسكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } وقوله تعالى { لا يستوي لقاعدون من لمؤمنين غير أولي لضرر ولمجاهدون في سبيل لله بأموالهم وأنفسهم فضل لله لمجاهدين بأموالهم وأنفسهم على لقاعدين درجة وكلا وعد لله لحسنى وفضل لله لمجاهدين على لقاعدين أجرا عظيما } وقوله تعالى { ولسابقون لأولون من لمهاجرين ولأنصار ولذين تبعوهم بإحسان رضي لله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها لأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك لفوز لعظيم } فإنما هذا كله ثناء عليهم رضوان الله عليهم ولم ننازع في الثناء عليهم ولله الحمد بل نحن أشد توقيرا لهم وأعلم بحقوقهم من هؤلاء المحتجين بهذه الآية في غير مواضعها
لأننا نحن إنما تركنا أقوال الصحابة لقول محمد صلى الله عليه و سلم الذي يجب من حقه صلى الله عليه و سلم عليهم كالذي يجب من حقه علينا ولا فرق والذي ألزموا طاعته كما ألزمناها سواء بسواء وهم إنما تركوا أقوال الصحابة الذين احتجوا في فضلهم بما ذكرنا لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي

وإنما قلنا نحن ليس وجوب الثناء عليهم بموجب أن يقلدوا إذ قد ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أبا بكر وعمر اللذين هما أفضل رجالهم بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخطأ
كما حدثنا حمام بن أحمد ثنا عبد الله بن إبراهيم نا أبو زيد المروزي نا الفربري نا البخاري نا إبراهيم بن موسى نا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم عن النبي صلى الله عليه و سلم فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد بن زرارة قال عمر بل أمر الأقرع بن حابس
فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي قال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك { يأيها لذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت لنبي ولا تجهروا له بلقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } حتى انقضت يعني الآية
قال البخاري ثنا محمد بن مقاتل ثنا وكيع عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال قال ابن الزبير فكان عمر بعد إذ حدث النبي صلى الله عليه و سلم بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه
قال البخاري نا بسرة بن صفوان بن جميل نا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال قال ابن الزبير فكان عمر بعد إذا حدث النبي صلى الله عليه و سلم بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه
قال البخاري نا بسرة بن صفوان بن جميل نا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال كاد الخيران يهلكان أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند رسول الله صلى الله عليه و سلم
وكما حدثنا عبد الله بن ربيع عن محمد بن إسحاق بن السليم عن ابن الأعرابي عن أبي داود وقال نا محمد بن يحيى بن فارس نا عبد الرزاق كتبته من كتابه قال أنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال كان أبو هريرة يحدث أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال إني رأيت الليلة رؤيا فعبر لها أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه و سلم أصبت بعضا وأخطأت بعضا فقال أقسمت يا رسول الله بأبي أنت لتحدثني بالذي أخطأت فيه فقال النبي صلى الله عليه و سلم لا تقسم

قال أبو محمد فمن أخطأ فغير جائز أن يؤخذ قوله بغير برهان يصححه والنبي صلى الله عليه و سلم إذا كان منه على طريق إرادة الخبر ما لا يوافق إرادة ربه تعالى لم يقره تعالى على ذلك حتى يبين له وأما أبو بكر رضي الله عنه فقد رام من النبي صلى الله عليه و سلم أن يبين له وجه خطئه فيما عبر فلم يفعل صلى الله عليه و سلم
وأما ما تعلقوا به بما روي عنه صلى الله عليه و سلم من قوله لأبي بكر وعمر لولا اختلافكما علي ما خالفتكما فأول ذلك أن هذا خبر لا يصح ولو صح لكان حجة في إبطال تقليدهما لأن الأمر الموجود فيهما منع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأخذ برأيهما في أمور الدنيا ففرض علينا اتباعه صلى الله عليه و سلم وألا نأخذ بقولهما في أمور الشريعة وهذا بين
وأما قوله صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين فقد علمنا أنه صلى الله عليه و سلم لا يأمر بما لا يقدر عليه ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده صلى الله عليه و سلم قد اختلفوا اختلافا شديدا فلا بد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه وهذا ما لا سبيل إليه ولا يقدر عليه إذ فيه الشيء وضده ولا سبيل إلى أن يورث أحد الجد دون الإخوة بقول أبي بكر وعائشة ويورثه الثلث فقط وباقي ذلك للإخوة على قول عمر ويورثه السدس وباقيه للإخوة على مذهب علي
وهكذا في كل ما اختلفوا فيه فبطل هذا الوجه لأنه ليس في استطاعة الناس أن يفعلوه فهذا وجه
أو يكون مباحا لنا بأن نأخذ بأي ذلك شيئا وهذا خروج عن الإسلام لأنه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولا إلى اختيارنا فيحرم كل واحد منا ما يشاء ويحل ما يشاء ويحرم أحدنا ما يحله الآخر وقول الله تعالى { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } وقوله تعالى { لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون } وقوله تعالى { وأطيعوا لله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وصبروا إن لله مع لصابرين } يبطل هذا الوجه الفاسد ويوجب أن ما كان حراما حينئذ فهو حرام إلى يوم القيامة وما كان واجبا يومئذ فهو واجب إلى يوم القيامة وما كان حلالا يومئذ فهو حلال إلى يوم القيامة

وأيضا فلو كان هذا لكنا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم ولا بد من ذلك فلسنا حينئذ متبعين لسنتهم فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور وحصلوا فيه شاؤوا أو أبوا
ولقد أذكرنا هذ مفتيا كان عندنا بالأندلس وكان جاهلا فكانت عادته أن يتقدمه رجلان كان مدار الفتيا عليهما في ذلك الوقت فكان يكتب تحت فتياهما أقول بما قاله الشيخان فقضى أن ذينك الشيخين اختلفا فلما كتب تحت فتياهما ما ذكرنا قال له بعض من حضر إن الشيخين اختلفنا فقال وأنا أختلف باختلافهما
قال أبو محمد فإذ قد بطل هذان الوجهان فلم يبق إلا الوجه الثالث وهو أخذ ما أجمعوا عليه وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة رضوان الله عليهم معهم وفي تتبعهم سنن النبي صلى الله عليه و سلم والقول بها
وأيضا فإن الرسول صلى الله عليه و سلم إذا أمر باتباع سنن الخلفاء الراشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين إما أن يكون صلى الله عليه و سلم أباح أن يسنوا سننا غير سننه فهذا ما لا يقوله مسلم ومن أجاز هذا فقد كفر وارتد وحل دمه وماله لأن الدين كله إما واجب أو غير واجب وإما حرام وإما حلال لا قسم في الديانة غير هذه الأقسام أصلا فمن أباح أن يكون للخلفاء الراشدين سنة لم يسنها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد أباح أن يحرموا شيئا كان حلالا على عهده صلى الله عليه و سلم إلى أن مات أو أن يحلوا شيئا حرمه رسول الله صلى الله عليه و سلم أو أن يوجبوا فريضة لم يوجبها رسول الله صلى الله عليه و سلم أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يسقطها إلى أن مات وكل هذه الوجوه من جوز منها شيئا فهو كافر مشرك بإجماع الأمة كلها بلا خلاف وبالله تعالى التوفيق فهذا الوجه قد بطل ولله الحمد
وأما أن يكون أمر باتباعهم في اقتدائهم بسنته صلى الله عليه و سلم فهكذا نقول ليس يحتمل هذا الحديث وجها غير هذا أصلا
وقال بعضهم إنما نتبعهم فيما لا سنة فيه
قال أبو محمد وإذ لم يبق إلا هذا فقد سقط شغبهم وليس في العالم شيء إلا وفيه سنة منصوصة وقد بينا هذا في باب إبطال القياس من كتابنا هذا وبالله تعالى التوفيق

واحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن ربيع قال نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن بشار نا أبو عمر نا سفيان هو الثوري عن الشيباني هو أبو إسحاق عن الشعبي عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقض بما قضى به الصالحون فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يقض فيه الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك والسلام عليكم
قال أبو محمد وهذا عليهم لا لهم لأن عمر لم يقل بما قضى به بعض الصالحين وإنما قال ما قضى به الصالحون فهذا هو إجماع جميع الصالحين وفي هذا الحديث إباحة عمر ترك الحكم بالقياس واختياره لذلك
ويقال لهم في احتجاجهم بما روي من الأمر بإلتزام سنة الخلفاء الراشدين المهديين هذا حجة عليكم لأن سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم بلا خلاف منهم ألا يقلدوا أحدا وألا يقلد بعضهم بعضا وأن يطلبوا سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها وقد أنكر عمر رضي الله عنه أشد الإنكار على رجل سأله عن مسألة في الحج فلما أفتاه قال له الرجل هكذا أفتاني رسول الله صلى الله عليه و سلم فضربه عمر بالدرة وقال له سألتني عن شيء قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي أخالفه
رويناه من طريق عبد الرزاق وقال عمر رضي الله عنه إن الرأي منا هو التكليف وإن الرأي من النبي صلى الله عليه و سلم كان حقا
قال أبو محمد فمن كان متبعا لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا فيه من ترك التقليد
وفيما أجمعوا عليه من اتباع سنن النبي صلى الله عليه و سلم وفيما نهوا عنه من التكلف فإنه يوافق بذلك الحق وقول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه و سلم وهؤلاء الخلفاء قد خالفهم من في عصرهم فقد خالف عمر زيد وعلي وغيرهما وخالف عثمان وعمر وخالف عمر أبا بكر في قضايا كثيرة فما منهم أحد قال لمن خالفه لم خالفتني وأنا إمام فلو كان تقليدهم واجبا لما تركوا أحدا يعمل بغير الواجب وأما تمويه من احتج بقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فهذه الآية مبطلة للتقليد إبطالا لا خفاء

به وهي أعظم الحجج عليهم لأنه تعالى إنما أمر بطاعتهم فيما نقلوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا في غير ذلك وإن قالوا بل فيما قالوه باجتهادهم قلنا قد سلف منا إبطال هذا الظن ثم لو سلم ذلك لما وجب ذلك إلا في جميعهم لا في بعضهم لأن الله عز و جل لم يقل وبعض أولي الأمر منكم وإنما أمرنا باتباع أولي الأمر منا وهم أهل العلم كلهم فإذا أجمعوا على أمر ما فلا خلاف في وجوب اتباعهم وقد بين تعالى ذلك في الآية نفسها ولم يدعنا في لبس فقال تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فأسقط تعالى عند التنازع الرد إلى أولي الأمر وأوجب الرد إلى القرآن والسنة فقط وإنما أمر بطاعة أولي الأمر منا ما لم يكن تنازع وهذا هو قولنا ولله الحمد
وأما الرواية إن معاذا سن لكم فقد قلنا إنه حديث لا يصح سنده ولو صح لما كانت لهم فيه حجة لأن الدخول مع الإمام كيد وجد ليس من قبل أن معاذا فعله لكن من قبل أن النبي صلى الله عليه و سلم صوبه وأمر به فقوله صلى الله عليه و سلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وإلا فقد فعل معاذ في تطويل الصلاة أمرا غضب منه صلى الله عليه و سلم ونهاه عن العودة فلو كان ما فعل معاذ سنة لكان تطويله الصلاة إذ أم الناس سنة وهذا خطأ فصح أنه ليس فعل معاذ ولا غيره سنة إلا حتى يأمر بها النبي صلى الله عليه و سلم ويصححها وهذا قولنا لا قولهم
وأما الرواية اقتدوا باللذين من بعدي فحديث لا يصح لأنه مروي عن مولى لربعي مجهول وعن المفضل الضبي وليس بحجة كما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور نا أحمد بن الفضل الدينوري نا محمد بن جبير نا عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي نا محمد بن كثير الملائي نا المفضل الضبي عن ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل العتري عن جدته عن النبي صلى الله عليه و سلم قال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد

وكما حدثناه أحمد بن قاسم قال نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ قال حدثني قاسم بن أصبغ نا إسماعيل بن إسحاق القاضي نا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير عن مولى الربعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد
وأخذناه أيضا عن بعض أصحابنا عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي عن ابن الدخيل عن العقيلي نا محمد بن إسماعيل نا محمد بن فضيل نا وكيع نا سالم المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة
قال أبو محمد سالم ضعيف وقد سمى بعضهم المولى فقال هلال مولى ربعي وهو مجهول لا يعرف من هو أصلا ولو صح لكان عليهم لا لهم لأنهم نعني أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي أترك الناس لأبي بكر وعمر وقد بينا أن أصحاب مالك خالفوا أبا بكر مما رووا في الموطأ خاصة في خمسة مواضع وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ خاصة وقد ذكرنا أيضا أن عمر وأبا بكر اختلفا وأن اتباعهما فيما اختلفا فيه متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد
وإنما الصحيح في هذا الباب ما ناولنيه بعض أصحابنا وحدثنيه أيضا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري كلاهما عن أبي الوليد عبد الله بن يوسف القاضي عن ابن الدخيل عن العقيلي نا محمد بن إسماعيل نا إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الله بن أبي عبد الله البصري وثور بن يزيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم اعقلوا أيها الناس قولي فقد بلغت وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه وبه إلى العقيلي ثنا موسى بن إسحاق ثنا محمد بن عبيد المحاربي ثنا صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدا ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولم يتفرقا حتى يردا علي الحوض
وأما الرواية أصحابي كالنجوم فرواية ساقطة وهذا حديث حدثنيه

أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري قال أنا أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي الأنصاري قال أنا علي بن عمر بن أحمد الدارقطني ثنا القاضي أحمد كامل بن كامل خلف ثنا عبد الله بن روح ثنا سلام بن سليمان ثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
قال أبو محمد أبو سفيان ضعيف والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك فهذا رواية ساقطة من طريق ضعيف إسنادها
وكتب إلي أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري أن هذا الحديث روي أيضا من طريق عبد الرحمن بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر قال وعبد الرحيم بن زيد وأبوه متروكان وحمزة الجزري مجهول
وكتب إلي النمري حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الرحمن بن مفرج حدثهم قال ثنا محمد بن أيوب الصموت قال قال لنا البزار وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا كلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلا بلا شك أنها مكذوبة لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه صلى الله عليه و سلم { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى } فإذا كان كلامه صلى الله عليه و سلم في الشريعة حقا كله فهو من الله تعالى بلا شك وما كان من الله تعالى فلا اختلاف فيه بقوله تعالى { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا }
وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله { وأطيعوا لله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وصبروا إن لله مع لصابرين } فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم وفيهم من يحلل الشيء وغيره منهم يحرمه ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن

جندب ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة وحراما اقتداء بغيره منهم ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبا اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب وحراما اقتداء بعائشة وابن عمر ولكان بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالا اقتداء بعمر حراما اقتداء بغيره منهم وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة تركناها خوف التطويل بها وقد بينا آنفا إخباره عليه السلام أبا بكر بأنه أخطأ
وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره صلى الله عليه و سلم فيبلغه ذلك فيصوب المصيب ويخطىء المخطىء فذلك بعد موته صلى الله عليه و سلم أفشى وأكثر فمن ذلك فتيا أبي السنابل لسبيعة الأسلمية بأن عليها في العدة آخر الأجلين فأنكر صلى الله عليه و سلم ذلك وأخبر أن فتياه باطل
وقد أفتى بعض الصحابة وهو صلى الله عليه و سلم حي بأن على الزاني غير المحصن الرجم حتى افتداه والده بمائة شاة ووليدة فأبطل صلى الله عليه و سلم ذلك الصلح وفسخه وذكر صلى الله عليه و سلم السبعين ألفا من أمته يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر فقال بعض الصحابة هم قوم ولدوا على الإسلام فخطأ النبي صلى الله عليه و سلم قائل ذلك
وقالوا إذ نام النبي صلى الله عليه و سلم عن صلاة الصبح ما كفارة ما صنعنا فأنكر النبي صلى الله عليه و سلم قولهم ذلك وأراد طلحة بحضرة عمر بيع الذهب بالفضة نسيئة فأنكر ذلك عمر وأخبر أن النبي صلى الله عليه و سلم حرم ذلك
وباع بلال صاعين من تمر بصاع من تمر فأنكر النبي صلى الله عليه و سلم ذلك وأمره بفسخ تلك البيعة وأخبره أن هذا عين الربا وباع بعض الصحابة بريرة واشترط الولاء فأنكر النبي صلى الله عليه و سلم ذلك ولام عليه وقال عمر لأهل هجرة الحبشة نحن أحق برسول الله صلى الله عليه و سلم منكم فكذبه النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك
وقال جابر كنا نبيع أمهات الأولاد ورسول الله صلى الله عليه و سلم حي بين أظهرنا وأخبر أبو سعيد أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر والنبي صلى الله عليه و سلم حي فذكر الأقط والزبيب وإنما فرض صلى الله عليه و سلم التمر والشعير فقط وأمر سمرة النساء بإعادة الصلاة أيام الحيض وقال قوم من الصحابة بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم أما أنا فأفيض على رأسي يعنون في غسل الجنابة كذا وكذا مرة فأنكر ذلك النبي صلى الله عليه و سلم وكان علي يغتسل من المذي والنبي صلى الله عليه و سلم حي فأنكر ذلك النبي صلى الله عليه و سلم

وقال أسيد وغيره إذ رجع سيف أبي عامر الأشعري عليه بطل جهاده وقالوا ذلك في عامر بن الأكوع فكذبهم النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك وأفتى عمر المجنب في السفر ألا يصلي شهرا بالتيمم ولكن يترك الصلاة حتى يجد الماء وقال عمر للنبي صلى الله عليه و سلم أن يناول القدح أبا بكر وهو عن يسار النبي صلى الله عليه و سلم فأبى ذلك النبي صلى الله عليه و سلم وأخبر أن الواجب غير ذلك وهو أن يناوله الأيمن فالأيمن وكان عن يمينه أعرابي وتمعك عمار في التراب كما تتمعك الدابة فأنكر ذلك النبي صلى الله عليه و سلم
وأنكر النبي صلى الله عليه و سلم على عمر نداءه إياه إذ أخر صلى الله عليه و سلم العتمة وقال له ما كان لكم أن تنذروا رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال أسامة إذ قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله يا رسول الله إنما قالها تعوذا فقال له النبي صلى الله عليه و سلم هلا شققت عن قلبه وأنكر عليه قتله إياه وخطأه في تأويله حتى قال أسامة وددت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم وقال خالد رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنكر فعله ببني جذيمة
وتنزه قوم منهم عن أشياء فعلها صلى الله عليه و سلم فأنكر ذلك صلى الله عليه و سلم وغضب منه وتأول عمر أنه أخطأ إذ قبل وهو صائم فخطأه صلى الله عليه و سلم في تأويله ذلك وأخبر أنه لا شيء عليه فيه وتأول الأنصاري تقبيله صلى الله عليه و سلم وهو صائم وإصباحه جنبا وهو صائم أن ذلك خصوص له صلى الله عليه و سلم فخطأه صلى الله عليه و سلم في ذلك وغضب منه وتأول عدي في الخيط الأبيض أنه عقال أبيض والنبي صلى الله عليه و سلم حي
وأعظم من هذا كله تأخر أهل الحديبية عن الحلق والنحر والإحلال إذ أمرهم بذلك صلى الله عليه و سلم حتى غضب وشكاهم إلى أم سلمة أم المؤمنين وكل ما ذكرنا محفوظ عندنا بالأسانيد الصحاح الثابتة وأخبرني أحمد بن عمر ثنا أبو ذر نا زاهر بن أحمد السرخسي أنا أبو محمد بن زنجويه بن محمد النيسابوري أنا محمد بن إسماعيل البخاري نا أبو النعمان نا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال سعيد هو ابن المسيب قضى عمر في الإبهام وفي التي تليها بخمس وعشرين وقال سعيد ووجد بعد ذلك في كتاب آل حزم في الأصابع عشرا عشرا فأخذ بذلك
أخبرني محمد بن سعيد نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا الخشني نا بندر نا يحيى القطان عن شعبة عن أبي إسحاق عن مسروق قال سألت ابن عمر عن نقض الوتر فقال ليس أرويه عن أحد إنما هو شيء أقوله برأيي

قال أبو محمد فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون أم كيف يحل لمسلم يتقي الله تعالى أن يقول في فتيا الصاحب مثل هذا لا يقال بالرأي وكل ما ذكرناه فقد قالوه بآرائهم وأخطؤوا فيه
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا الخشني نا بندار نا شعبة قال سمعت أبا إسحاق يحدث عن رجل من بني سليم قال سمعت ابن عباس يقول في العزل إن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فيه شيئا فهو كما قال وأما أنا فأقول برأيي هو زرعك إن شئت سقيته وإن شئت أعطشته
وقالعلي في مسيره إلى صفين هو رأي رأيته ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه بشيء وقال عمر الرأي منا هو التكلف وقال معاوية في بيع الذهب بالذهب متفاضلا هذا رأي وقال ابن مسعود في قصة بروع بنت واشق أقول فيها برأيي فإن كان حقا فمن الله وإن كان باطلا فمني والله ورسوله بريئان وقال عمران بن الحصين وذكر متعة الحج قال فيها رجل برأيه ما شاء يعني عمر
وقال عبيدةلعلي رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة وقال أبو هريرة في حديث النفقة وزاد في آخره زيادة فقيل له هذا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا هذا من كيس أبي هريرة فها هم رضي الله عنهم يعترفون أنهم يقولون برأيهم وأنهم قد يخطئون في ذلك فصح بذلك بطلان قول من ذكرنا وحدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد عن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم نا أبو كريب وإسحاق بن راهويه وإسحاق بن يونس وقال أبو كريب نا أبو معاوية واللفظ له قالا جميعا عن الأعمش عم مسلم وهو أبو الضحى عن مسروق عن عائشة قالت ترخص رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمر استنزه عنه ناس من الناس فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فغضب حتى بان الغضب في وجهه ثم قال ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية
قال أبو محمد ورواه مسلم أيضا عن زهير بن حرب عن جرير عن الأعمش بسنده فقال بلغ ذلك ناسا من أصحابه
حدثنا أحمد بن عمر نا علي بن الحسين بن فهر نا الحسن بن علي بن شعبان وعمر بن محمد بن عراك قالا نا أحمد مروان نا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل

الترمذي نا حرملة عن ابن وهب سئل مالك عمن أخذ بحديثين مختلفين حدثه بهما ثقة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتراه من ذلك في سعة قال لا والله حتى يصيب الحق وما الحق إلا في واحد قولان مختلفان يكونان صوابا ما الحق وما الصواب إلا في واحد
قال أبو محمد وهذا حجة على المالكيين القائلين بتقليد من احتجوا به من الصحابة وقد اختلفوا
فصح بكل ما ذكرنا أنه لا يحل اتباع فتيا صاحب ولا تابع ولا أحد دونهم إلا أن يوجبها نص أو إجماع ويبطل بذلك قول من قال فيما رواه عن الصاحب بخلاف ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم مثل هذا لا يقال بالرأي وصح أنه قد يخطىء المرء منهم فيقول برأيه ما يخالف ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم
واحتجوا بمنع عمر من بيع أمهات الأولاد بما روي من سنة وضع الأيدي على الركب في الصلاة ومن قوله في جوابه لعمرو بن العاص إذ قال له وقد احتلم خذ ثوبا غير ثوبك فقال لو فعلتها لصارت سنة
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم في شيء منه
أما بيع أمهات الأولاد فقد خالف في ذلك ابن مسعود وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس عمر فرأوا بيعهن فما الذي جعل عمر أولى بالتقليد من هؤلاء وإنما منعنا من بيعهن لنص ثابت أوجب ذلك فقد ذكرناه في كتاب الإيصال إلى فهم الخصال
وقال أصحابنا إنما منعنا من ذلك لإجماع الأمة على المنع من بيعهن إذا حملن من وسادتهن ثم اختلفوا في بيعهن بعد الوضع فقلنا نحن لا نترك ما اتفقنا عليه إلا بنص أو إجماع آخر طردا لقولنا باستصحاب الحال
وأما وضع الأيدي على الركب فقد صح من طريق أبي حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه و سلم مسندا وضع الأيدي على الركب في الركوع
وأما قول عمر لو فعلتها لكانت سنة فليس على ما ظن الجاهل المحتج بذلك في التقليد ولكن معنى ذلك لو فعلتها لاستن بذلك الجهال بعدي فكره عمر أن يفعل شيء يلحقه أحد من الجهال بالسنن كما قال طلحة إذ رأى عليه ثوبا

مصبوغا وهو محرم إنكم قوم يقتدى بكم فربما رآك من يقول رأيت على طلحة ثوبا مصبوغا وهو محرم أو كلاما هذا معناه
فعلى هذا الوجه قال عمر لو فعلتها لكانت سنة لا على أن يسن في الدين ما لم ينزل به وحي وقد كانوا رضي الله عنهم يفتون بالفتيا فيبلغهم عن النبي صلى الله عليه و سلم خلافها فيرجعون عن قولهم إلى الحق الذي بلغهم وهذا لا يحل غيره
وقد فعل أبو بكر نحو ذلك في الجدة وبحث عن فعل النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك وفعل ذلك عمر في الاستئذان ثلاثا حتى قال له أبي بن كعب يا عمر لا تكن عذابا على أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم
فقال عمر سبحان الله إنما سمعت شيئا فأردت أن أتثبت
ورجع عن إنكاره لقول أبي موسى ولم يعرف حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة وكذلك أمر المجوس وباع معاوية سقاية من ذهب بأكثر من وزنها حتى أنكر ذلك عليه عبادة بن الصامت وبلغه أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن ذلك وأراد عمر قسمة مال الكعبة فقال له أبي إن النبي صلى الله عليه و سلم لم يفعل ذلك فأمسك عمر
وكان يرد الحيض حتى يطهرن ثم يطفن بالبيت حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه و سلم خلاف ذلك فرجع عن قوله وكان يرد المفاضلة في دية الأصابع حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه و سلم المساواة بينها فرجع عن قوله إلى ذلك وترك قوله
وكان لا يرى توريث المرأة في دية زوجها حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه و سلم خلاف ذلك فترك قوله ورجع إلى ما بلغه وكان ينهى عن متعة الحج حتى وقف على أنه صلى الله عليه و سلم أمر بها فترك قوله ورجع إلى ما بلغه وأمر برجم مجنونة زنت حتى أخبره علي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال كلاما معناه إن المجنون قد رفع عنه القلم فرجع عن رجمها
ونهى عن التسمي بأسماء الأنبياء فأخبره طلحة أن النبي صلى الله عليه و سلم كناه أبا محمد فأمسك ولم يتماد على النهي عن ذلك وأراد ترك الرمل في الحج ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه و سلم فعله فرجع عما أراد من ذلك ومثل هذا كثير
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبر أن أصحابه قد يخطئون في فتياهم فكيف يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول إنه صلى الله عليه و سلم يأمر باتباعهم فيما قد خطأهم فيه وكيف يأمر بالاقتداء بهم في أقوال قد نهاهم عن القول بها وكيف يوجب اتباع من يخطىء ولا ينسب مثل هذا إلى النبي صلى الله عليه و سلم إلا فاسق أو جاهل لا بد من إلحاق

إحدى الصفتين به وفي هذا هدم الديانة وإيجاب اتباع الباطل وتحريم الشيء وتحليله في وقت واحد وهذا خارج عن المعقول وكذب على النبي صلى الله عليه و سلم ومن كذب عليه ولج في النار
نعوذ بالله من ذلك
وأما قولهم إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم به فإنه يلزمهم على هذا أن التابعين شهدوا الصحابة فهم أعلم بهم فيجب تقليد التابعين
وهكذا قرنا فقرنا حتى يبلغ الأمن إلينا فيجب تقليدنا
وهذه صفة دين النصارى في اتباعهم أساقفتهم وليست صفة ديننا والحمد لله رب العالمين
وقد قلنا ونقول إن كل ما احتجوا به مما ذكرنا لو كان حقا لكان عليهم لا لهم لأنه ليس في تقليد الصحابة ما يوجب تقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي فمن العجب العجيب أنهم يقلدون مالكا وأبا حنيفة والشافعي فإذا أنكر ذلك عليهم احتجوا بأشياء يرومون بها إيجاب تقليد الصحابة وهم يخالفون الصحابة خلافا عظيما فهل يكون أعجب من هذا ونعوذ بالله من الخذلان
وليس من هؤلاء الفقهاء المذكورين أحد إلا وهو يخالف كل واحد من الصحابة في مئين من القضايا وفي عشرات منها فقد بطل ما نصروا وتركوا ما حققوا وقد ذكرنا في باب الإجماع إبطال قول من قال باتباع الصاحب الذي لا مخالف له يعرف من الصحابة
وبينا هنالك أنهم الناس لذلك وأنهم قد خالفوا أحكاما كثيرة لعمر بحضرة المهاجرين والأنصار لم يرو عن واحد منهم إنكارا لفعله ذلك كإضعافه الغرم على حاطب في ناقة المزني وغير ذلك وهذا حكم مشتهر منتشر لم يعارضه فيه أحد من الصحابة ولا روي عن أحد منهم إنكارا لذلك فقد تركوه هم يشهدون أن حكم الصاحب الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة هو الحق فقد أقروا على أنفسهم أنهم تركوا الحق وأنهم أصروا على ما فعلوا وهم يعلمون
ويقال لهم أيضا كيف كان حال حكم الصحابي الواحد الذي لا يعرف له مخالف قبل أن يشتهر وينتشر أكان لازما أن يؤخذ به أو كان غير لازم فإن قال كان غير لازم أوجب أن ذلك الحكم في الدين وجب بعد أن كان غير واجب وهذا كفر وتكذيب لله عز و جل في قوله { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم }

وإن قال كان لازما فقد أوجب لزومه قبل الانتشار وسقط شرطهم الفاسد في الانتشار وهذا القول الفاسد يوجب أن دين الله مترقب فإن انتشر لزم وإن لم ينتشر لم يلزم وهذا كفر بارد وشرك وسخف
وبالله تعالى التوفيق
وهم يخالفون عمر وزيد بن ثابت في قضاء عمر في الضلع بحمل وفي الترقوة بحمل وفي قضاء زيد في العين القائمة بمائة دينار ولا يعرف له من الصحابة مخالف حتى تحكم بعضهم فلم يستحي من الكذب فقال إنما كان ذلك منهما على وجه الحكومة
قال أبو محمد وهذه دعوى فاسدة لا دليل لهم على صحتها أصلا
ولا يعجز عن مثلها أحد ويقال لهم مثل ذلك في تقويم الدية بألف دينار وبعشرة آلاف درهم أو باثني عشر ألف درهم ولا فرق
وخالفوا ابن عمر وأبا برزة في قولهما إن كل متبايعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا بأبدانهما عن مكان البيع ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة
وخالف مالك ابن عمر وابن عباس في قولهما إن استطاعة الحج ليست إلا الزاد والراحلة
وخالفوا جابر بن عبد الله في نهيه عن بيع المصاحف ولا يعرف لابن عمر ولا لابن عباس ولا لجابر في هاتين المسألتين مخالف من الصحابة
وخالف مالك والشافعي أم سلمة وعثمان بن أبي العاص في قولهما إن أقصى أمد النفاس أربعون يوما ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة
وخالف مالك ابن مسعود وأبا الدرداء والزبير وقدامة بن مظعون في إباحة نكاح المريض وجواز ميراثه للمرأة ولا يعلم لهم من الصحابة مخالف في ذلك
وخالفوا أبا بكر وعمر وخالد بن الوليد وسويد بن مقرن في إقادتهم من اللطمة ولا يعلم لهم في ذلك مخالف من الصحابة
قال أبو محمد وقد أبطلنا في باب الإجماع قول من قال باتباع الأكثر وهذه نصوص يوجب تكرارنا إياها أنها تقليد صحيح فتدخل في باب التقليد وادعوا هم أنها إجماع فوجب التنبيه عليها أيضا في باب الإجماع لذلك
وقد بينا هنالك وفي باب الأخبار من كتابنا هذا بطلان قول من قال محال أن

يغيب حكم النبي صلى الله عليه و سلم عن الأكثر ويعلمه الأقل وذكر حديث أبي هريرة إن أخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول لله صلى الله عليه و سلم
وهذا الحديث وإن كان منقولا من طريق الآحاد فإن البرهان يضطر إلى تصديقه لأنه لا شك عند كل ذي عقل ومعرفة بالأخبار أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في ضنك شديد من العيش
وكانوا مكدودين في تجارة يضربون لها آفاق بلاد العرب على خشونتها وقلة أموالها وفي نخل يعاونونه بالنص والكد الشديد فإذا وجد أحدهم فرجة حصر وسمع
فبطل قول من قال إنه لا يجوز أن يغيب حكمه عليه السلام عن الأكثر ويعلمه الأقل
وصح ضد ذلك لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فنقول لمن قال باتباع الأكثر إنه يلزمك أن تعدهم كلهم ثم تعرف من قال بأحد القولين وتعرف عدد من قال بالقول الثاني وهذا أمر لم يفعلوه قط في شيء من مسائلهم وقد قال تعالى { يأيها لذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند لله أن تقولوا ما لا تفعلون }
ونقول لهم أيضا هلا قلتم بالأكثر عددا في الشهود إذا اختلفوا على أن عليا يقول بذلك فأين تقليدكم الإمام الصحابي وأين قولكم باتباع الأكثر عددا فإن قالوا النص منعنا من ذلك وتركوا قولهم إن الصحابي أعلم منا ولا شك أن عليا رضي الله عنه قد عرف من النص الوارد في الشهادات كالذي عرف مالك وأبو حنيفة والشافعي مع أن النص لم يرد في عدد الشهود إلا في الزنى والطلاق والديون فقط
وقد رجع الصحابة من قول إلى قول وخالف كل إمام منهم الإمام الذي كان قبله فقد كانت الضوال أيام عمر مهملة لا تمس ثم رأى عثمان بيعها وقد ذكرنا ما خالف فيه عمر أبا بكر قبل هذا وقد نهى عثمان عن القران فلبى علي بهما معا قاصدا معلنا بخلافه فلما قال له في ذلك قال له علي ما كنت لأترك سنة النبي صلى الله عليه و سلم لقول أحد
وحدثني أحمد بن عمر بن عمر نا أبو ذر نا زاهر بن أحمد أنا زنجويه بن محمد نا محمد بن إسماعيل البخاري نا محمد بن يوسف نا سفيان عن أسلم

المنقري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال قلت لأبي بن كعب لما وقع الناس في أمر عثمان أبا المنذر ما المخرج من هذا الأمر قال كتاب الله تعالى ما استبان لك فاعمل به
وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه
قال أبو محمد فليقلدوا عليا وأبيا في هذا فإنهما على الحق المبين فيه الذي لا يحل خلافه أصلا
وهؤلاء عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود يرون رد فضلات المواريث على ذوي الأرحام وزيد بن ثابت وحده يرى رد الفضل على بيت المال دون ذوي الأرحام وإن كان خصمنا مالكيا أو شافعيا فقد ترك قول الأئمة من الصحابة وقول الجمهور منهم وأخذ بقول زيد وحده وكذلك فعلوا في الأقراء فقالوا هي الأطهار وجمهور الصحابة على أنه الحيض والأقل على أنها الأطهار
فإن قالوا قد جاء النص إن زيدا أفرضكم قيل هذا الحديث لا يصح ولو صح لكان عليكم لأن في ذلك الحديث ومعاذ أفقهكم فقلدوا معاذا في الفتيا وفي قتل المرتد دون أن يستتاب وفي توريث المؤمن من الكافر وفي أشياء كثيرة خالفتموه فيها
واحتج بعضهم بقوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بلمعروف وتنهون عن لمنكر وتؤمنون بلله ولو آمن أهل لكتاب لكان خيرا لهم منهم لمؤمنون وأكثرهم لفاسقون }
وبقوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على لناس ويكون لرسول عليكم شهيدا وما جعلنا لقبلة لتي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع لرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على لذين هدى لله وما كان لله ليضيع إيمانكم إن لله بلناس لرءوف رحيم }
قال أبو محمد وهذا لا يوجب التقليد لأنه قد بينا أنهم لم يتفقوا إلا على ما لا خلاف فيه وعلى الأخذ بسنن النبي صلى الله عليه و سلم وإنكار رأيهم إذا كان فيه خلاف للسنن وعلى ما قد خالفه هؤلاء الحاضرون كالمساقات إلى غير أجل
لكن نقركم ما أقركم الله تعالى ونخرجكم إذا شئنا وغير ذلك مما قد كتبناه في موضعه فقط وقد

وجدنا أبا أيوب ترك صلاة الركعتين بعد العصر طول مدة عمر فلما مات رجع يصليهما فسأله عن ذلك سائل فقال كان عمر يضرب الناس عليهما
وقال ابن عباس قولا فقيل له أين كنت عن هذا أيام عمر
فقال هبته
حدثنا بذلك يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا ابن دحيم ثنا إبراهيم بن حماد ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا علي بن عبد الله بن المديني ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه كان عند ابن عباس فذكر عول الفرائض فأنكره ابن عباس فقال له زفر بن أوس ما منعك يا ابن عباس أن تشير بهذا الرأي على عمر
قال هبته وقد روينا عن ابن عباس من طرق صحيحة أنه هم أن يسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فبقي سنة كاملة لا يقدم على أن يسأله عن ذلك هيبة له
وروينا عنه أنه قال كنت أضرب الناس مع عمر على الركعتين بعد العصر ثم روينا عنه القول بصلاتهما بعد عمر كما حدثنا محمد بن سعيد النباتي ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني ثنا بندار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبي حمزة قال قال لي ابن عباس لقد رأيت عمر يضرب الناس على الصلاة بعد العصر وقال ابن عباس صل إن شئت ما بينك وبين أن تغيب الشمس
وقد ذكر أبو موسى حديث الاستئذان فتهدده عمر بضرب ظهره وبطنه فصح بهذا أن سكوتهم قد يكون تقبة للإسلام أو لئلا يقع تنازع واختلاف
وقد يكون تثبتا أو لما شاء الله عز و جل وليس قول أحد لا سكوته حجة إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن قوله وسكوته حجة قائمة على ما أعلم
واحتج بعضهم بأن حكم الإمام لا ينقض لأن أبا بكر ساوى بين الناس وأن عمر فاضل بينهم فلم يرد أحد ما أعطاه أبو بكر
قال أبو محمد وهذا خطأ لأن ما ذكروا من مساواة أبي بكر ومفاضلة عمر ليس حكما وإنما هي قسمة مال موكولة إلى اجتهاد الإمام مباح له أن يفاضل ومباح له أن يسوي وليس هذا شريعة تحليل ولا تحريم ولا إيجاب
وقد دون عمر ولم يدون أبو بكر وبالجملة فقد يخطىء الإمام غيره واتباع من يجوز أن يخطىء هو الحكم بالظن

وقد نهى الله تعالى عن اتباع الظن
وأما وجوب طاعة الأئمة فذلك حق كل إمام عدل كان أو يكون إلى يوم القيامة وإنما ذلك فيما وافق طاعة الله عز و جل وكان حقا وليس ذلك في أن يشرعوا لنا قولا لم يأتنا به نص ولا إجماع وبالجملة فكل ما تكلموا به في هذا المكان وموهوا به عن المسلمين وسودوا كتبهم بما سيطول الندم عليه يوم القيامة فهم أترك الناس وأشدهم خلافا للأمة الذين أوجبوا تقليدهم فيه وقد بينا ذلك في غير مكان من كتبنا
وبالله تعالى التوفيق
واحتج بعضهم بما حدثنا المهلب ثنا ابن مناس ثنا ابن مسرور ثنا يوسف بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أخبرني من سمع الأوزاعي يقول حدثني عبدة بن أبي لبابة أن ابن مسعود قال ألا لا يقلدن رجل رجلا دينه إن آمن آمن وإن كفر كفر فإن كان مقلدا لا محالة فليقلد الميت ويترك الحي فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة
قال أبو محمد وهذا باطل لأن ابن وهب لم يسم من أخبره ولا لقي عبدة بن أبي لبابة بن مسعود مع أنه كلام فاسد لأن الميت أيضا لا تؤمن عليه الفتنة إذا أفتي بما أفتي ولا فرق بينه وبين الحي في هذا هذا على أن بعض من يخالفنا في التقليد عكس هذا الأمر برأيه وهو المعروف بالباقلاني قال من قلد فلا يقلد إلا الحي ولا يجوز تقليد الميت
فكان هذا طريقا من الضلالة جدا لأنه دعوى فاسدة بلا برهان وقول مع سخفه ما نعلم قاله قبله أحد
أخبرني أحمد بن عمر العذري ثنا أحمد بن محمد بن عيسى البلوي غندر ثنا خلف بن قاسم ثنا ابن الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النضري الدمشقي ثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن زيد بن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب يقول إن حديثكم شر الحديث
إن كلامكم شر الكلام
فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل قال فلان وقال فلان ويترك كتاب الله من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس
فهذا قول عمر لأفضل قرن على ظهر الأرض فكيف لو أدرك ما نحن فيه من ترك القرآن وكلام محمد صلى الله عليه و سلم والإقبال على ما قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحسبنا الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون

واحتج بعضهم في ذلك بقبول قول المقومين لأثمان المتلفات والشهادة على أمثالها وهذا من باب الشهادة والخبر لا من باب التقليد لأن الله عز و جل قد أمرنا بالانتصاف من المعتدي بمثل ما اعتدى فيه فلم نأخذ عن الشاهد بأن هذا الشيء مماثل لقيمة كذا شريعة حرمها الله ولا أوجبها ولكنا علمناه عالما بتلك السلعة أو تلك الجرحة فقبلنا شهادته في ذلك على الظالم وليس هذا من باب قال مالك وأبو حنيفة هذا حرام وهذا واجب وهذا مباح فيما لا نص فيه ولا إجماع وقد أمرنا بالشهادة على الحقوق وبقبولها وبالحكم بها وكل ما أمرنا به فليس تقليدا فينبغي لمن اتقى الله عز و جل ألا يلبس على المؤمنين فليس في كتمان العلم وتحريف الكلم عن مواضعه أشد ولا أضر من أن يضل المرء جليسه الذي أحسن الظن به وقعد إليه ليعلمه دين الله عز و جل يسمي له باسم التقليد المحرم شريعة حق ثم يدس له معها التقليد المحرم فيكون كمن دس السم في العسل والبنج في الكعك فيتحمل إثمه وإثم من اتبعه إلى يوم القيامة
وقد قال بعض أهل الجهل لو كلفنا النظر لضاعت أمورنا
قال أبو محمد وهذا كلام فاسد من وجوه أحدها أنه يقال له بل لو كلفنا التقليد لضاعت أمورنا لأننا لم نكن ندري من نقلد من الفقهاء المفتين وهم دون الصحابة أزيد من مائتي رجل معروفة أسماؤهم
وفي الحقيقة لا يدري عددهم إلا الله تعالى إذ بالضرورة ندري أنه قد كان في كل قرية كبيرة للمسلمين مفت وفي كل مدينة من مدائنهم عدة من المفتين والمسلمون قد ملؤوا الأرض من السند إلى آخر الأندلس وسواحل البربر ومن سواحل اليمن إلى ثغور أذربيجان وإرمينية فما بين ذلك والحمد لله رب العالمين
وأيضا فإن النظر به صلاح الأمور لا ضياعها وأيضا فإن كل امرىء منا مكلف أن يعرف ما يخصه من أمر دينه على ما بينا قبل مما يجب على كل أحد من معرفة أحكام صلاته وصيامه وما يلزمه وما يحرم عليه وما هو مباح له وهذا هو النظر نفسه ليس النظر شيئا غير تعريف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه و سلم في هذه اللوازم لنا ولو كلفنا الله تعالى إضاعة أمورنا للزمنا ذلك كما لزم بني إسرائيل قتل أنفسهم إذا أمروا بذلك وهذا أعظم من إضاعة الأمور وقد أمرنا بهرق الخمور وطرح الجيف

ورمي السمن الذائب يموت فيه الفأر وحرم علينا الربا وفي هذا كله إضاعة أموال عظيمة لها قيم كثيرة لو أبيحت لكانت من أنفس المكاسب وأوفرها فكيف وليس في النظر إضاعة أمر بل فيه حفظ كل شيء وتوفية كل الأمور حقها
ولله الحمد
وقد صح عن الصحابة أنهم قالوا بآرائهم صح ذلك عن أبي بكر وابن مسعود وعمر وعلي وغيرهم وكلهم يقول أقول في هذا برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني وزاد بعضهم ومن الشيطان والله ورسوله بريئان وفعل ذلك أيضا من بعدهم فإذا صح ذلك صح أنهم تبرؤوا من ذلك الرأي ولم يروه على الناس دينا فحرام على كل من بعدهم أن يأخذ من فتاويهم بشيء يتدين به إلا أن يصح به نص عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه و سلم
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا أحمد بن خالد نا أبو علي الحسن بن أحمد قال حدثني محمد بن عبيد بن حساب نا حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد رده إلى أبي العالية قال قال العباس ويل للأتباع من عثرات العالم
قيل له كيف ذلك قال يقول العالم من قبل رأيه ثم يبلغه عن النبي صلى الله عليه و سلم فيأخذ به وتمضي الأتباع بما سمعت
قال حماد بن زيد حدثنا النعمان بن راشد قال كان الزهري ربما أملى علي حتى إذا جاء الرأي ووقفته عليه فأكتبه فيقول اكتب إنه رأي ابن شهاب وإنه لعلك أن يبلغك الشيء فيقول ما قاله ابن شهاب إلا بأثر فليعلم أنه رأيي
قال أبو محمد لم يدعا رضي الله عنهما من البيان شيئا إلا أتيا به فأعلمك ابن عباس أن كاتب رأي العالم والآخذ به له الويل وأن العالم يقول برأيه وأنه يلزمه ترك ذلك الرأي إذا سمع عن النبي صلى الله عليه و سلم خلافه وأعلمك الزهري أنه يقول برأيه وينهاك عن أن تقول فيما أتاك عنه إنه لم يقله إلا بأثر وهكذا يفعل هؤلاء الجهال فإنهم يقولون لم يقل هذا مالك وفلان وفلان إلا بعلم كان عندهم عن النبي صلى الله عليه و سلم فيكذبون على النبي صلى الله عليه و سلم ويحكمون بالظن ويتركون اليقين نعوذ بالله من الخذلان
واحتج بعضهم في إثبات التقليد بغريبة جروا فيها على عادتهم في الاحتجاج بكل ما جرى على أفواههم وذلك الحديث الذي فيه إن ابني كان عسيفا على هذا قالوا فقد كان الناس يفتون ورسول الله صلى الله عليه و سلم حي

قال أبو محمد وهذا أعظم حجة عليهم في إبطال التقليد لأن المفتين اختلفوا في تلك المسألة ورسول الله صلى الله عليه و سلم حي فأفتى بعضهم على الزاني غير المحصن بالرجم وأفتى بعضهم عليه بجلد مائة وتغريب عام فكان هذا التنازع لما وقع قد وجب فيه الرد إلى الرسول صلى الله عليه و سلم فرد الأمر إليه فحكم بالحق وأبطل الباطل
وهكذا الأمر الآن قد اختلف المفتون حتى الآن في تلك المسألة بعينها فقال أبو حنيفة عليه الجلد ولا تغريب عليه حرا كان أو عبدا وقال مالك عليه الجلد والتغريب إلا أن يكون عبدا وقلنا نحن وأصحاب الشافعي عليه الجلد والتغريب على العموم عبدا كان أو غير عبد فوجب أن يرد هذا التنازع الذي بيننا إلى القرآن والسنة فوجدنا نص السنة يشهد لقولنا فوجب الانقياد له فهذا الحديث يبطل التقليد جملة ونحن لم ننكر فتيا العلماء للمستفتين وإنما أنكرنا أن يؤخذ بها برهان يعضدها ودون رد لها إلى نص القرآن والسنة لأن ذلك يوجب الأخذ بالخطأ وإذا كان في عصره صلى الله عليه و سلم من يفتي بالباطل فهم من بعد موته صلى الله عليه و سلم أكثر وأفشى فوجب بذلك ضرورة أن نتحفظ من فتيا كل مفت ما لم تستند فتياه إلى القرآن والسنة والإجماع
واحتجوا أيضا فقالوا إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا أسباب الأوامر منه صلى الله عليه و سلم وما خرج منها على رضا وما خرج منها على غضب فوجب اتباعهم في فتاويهم لذلك
قال أبو محمد فيقال لهم وبالله التوفيق إن رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما بعث مبينا على كل من يأتي إلى يوم القيامة لا على أصحابه وحدهم فكل سبب من غضب أو رضى يوجب حكما فقد نقلوه إلينا ولزمهم أن يبلغوه فرضا بقوله صلى الله عليه و سلم ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فقد نقلوا كل ما شهدوه من ذلك إذا لم يكونوا في سعة من كتمانه وقد أعاذهم الله من ذلك ولو كتموا شيئا مما يوجب حكما في الشريعة مما سمعوا أو مما شاهدوا لاستحقوا أقبح الصفات وقد أعاذهم الله من ذلك ونزههم عنه فلم يقتصروا رضي الله عنهم على فتاويهم دون تبليغ منهم لما سمعوا منه صلى الله عليه و سلم وشاهدوه منه كما نقلوا إلينا غضبه على الأنصاري الذي أراد أن يقول بالخصوص في قبلة الصائم وغضبه على معاذ في تطويله الصلاة إذا كان إماما وغضبه على من

تنزه عما فعل صلى الله عليه و سلم وغضبه على اليهود إذ قال والذي اصطفى موسى على البشر وإعراضه عن عمار إذ تخلق وعن عائشة وفاطمة إذ علقتا السترين المزينين وسروره بقول مجزز المدلجي في أسامة بن زيد وسروره باجتماع الصدقة بين يديه إذ أمر بالصدقة إذا أتاه القوم المجتابون للثمار وإشاحته بوجهه المكرم صلى الله عليه و سلم وأفضل التحيات إذ ذكر النار أورده مسلم في كتاب الزكاة وحياءه صلى الله عليه و سلم من الأنصارية المستفتية في غسل المحيض ووصفه الجبة التي على البخيل إذا أراد أن يتصدق وإشارته على كعب بن مالك بيده في إسقاط النصف من دينه على ابن أبي حدرد وتعجبه بنظره وهيئة وجهه من العباس إذ احتمل المال الكثير دون أن يكون منه صلى الله عليه و سلم في ذلك كلام وضربه صلى الله عليه و سلم بعود في يده بين الماء والطين في حديث أبي موسى ومثل هذا كثير جدا
فلم يكن له صلى الله عليه و سلم هيئة ولا حال يوجب حكما من كراهة أو نهي أو إباحة أو ندب أو أمر إلا وقد نقلت إلينا لأن كل ذلك مما بين به صلى الله عليه و سلم مراد ربه تعالى ولو كتموا ذلك عنا لما بلغوا كما لزمهم ولو اقتصروا على تبليغ بعض ذلك دون بعض لدخلوا في جملة من يكتم العلم ولسقطت عدالتهم بذلك وقد نزههم الله تعالى عن هذا وحفظ دينه وقضى بتبليغه إلينا جيلا بعد جيل إلى أن يأتي بعض آيات ربك { هل ينظرون إلا أن تأتيهم لملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل نتظروا إنا منتظرون }
وقد علموا رضي الله عنهم أن فتاويهم لا تلزمنا وإنما يلزمنا قبول ما نقلوا إلينا عن نبينا صلى الله عليه و سلم وقد خالف بعض التابعين الصحابة بحضرتهم فما أنكر الصحابة عليهم ذلك كما أنكروا عليهم مخالفة ما رووه كفعل ابن عمر في ابنه إذ روى حديث الخذف وحديث النهي عن منع النساء إلى المساجد فقال ابنه لا تفعل ذلك فأنكر ابن عمر ذلك إنكارا شديدا وكان لا ينكر على من خالفه في فتياه
وكذلك سائر الصحابة رضي الله عنهم كإنكار ابن عباس على عروة وغير معارضة

حديث النبي صلى الله عليه و سلم بأبي بكر وعمر وكإنكار عمرأن ابن الحصين إذ ذكر حديث الحياء على من عارضه بما كتب في الحكمة وكقول أبي هريرة إذا حدثتك عن النبي صلى الله عليه و سلم فلا تضرب له الأمثال في حديث الوضء مما مست النار
ووجدنا ابن عباس لم ينكر على عكرمة مخالفته له في الذبيح ولم ينكر أبو هريرة على من خالفه بحديث النبي صلى الله عليه و سلم في إفطار من أصبح جنبا وجميعهم رضي الله عنهم على هذا السبيل لا ينكر على من يخالفه في فتياه وينكر على من خالف روايته عن النبي صلى الله عليه و سلم أشد الإنكار
ولكن أصحابنا يغفر الله لهم ويسددهم أضربوا على الواجب عليهم من تدبر أحكام القرآن ورواية أخبار النبي صلى الله عليه و سلم واختلاف العلماء ومعرفة مراتب الاستدلال المفرق بين الحق والباطل وأقبلوا على ظلمات بعضها فوق بعض من قراءة طروس معكمة مملوءة من قلت أرأيت فقنعوا بجوابات لا دلائل عليها وأفنوا في ذلك أعمارهم فصفرت أيديهم من معرفة الحقائق وظلموا من اغتر بهم والأقل منهم شغلوا أنفسهم في أنواع القياس وتخصيص العلل واستخراج علل لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله ولا يقوم على صحتها برهان فقطعوا أيامهم بالترهات ولو اعتنوا بما ألزمهم الله تعالى الاعتناء به من تدبر القرآن وتتبع سنن النبي صلى الله عليه و سلم لاستناروا واهتدوا ولاستحقوا بذلك الفوز والسبق وما توفيقنا إلا بالله تعالى
وقال بعض من قوي جهله وضعف عقله ورق دينه إذا اختلف العالمان وتعلق أحدهما بحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أو آية وأتى الآخر بقول يخالف ذلك الحديث وتلك الآية
فواجب اتباع من خالف الحديث لأننا مأمورون بتوقيرهم ونحن عالمون أن هذا العالم لو تعمد خلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم لكان كافرا أو فاسقا وفي براءته من ذلك ما يوجب أنه كان عنده علم يوجب ترك ذلك الحديث ورفع حكم تلك الآية لم يكن عند القائل بهما وبهذا يوصل إلى توقير جميعهم
قال أبو محمد وهذا القول في غاية الفساد من وجوه أحدهما أن قائل هذا من أي المذاهب كان أترك الناس لهذا الأصل ويلزمه أن يبيح بيع الخمر تقليدا لسمرة وألا يبيح التيمم للجنب في السفر أصلا تقليدا لعمر وأن يبيح بيع الثمار قبل أن يبدو

صلاحها تقليدا له وأن يسقط الكفارة عن الواطىء في نهار رمضان تقليدا لإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير وأن يتعمد بالجملة كل قولة خالف صاحبها الحديث والقرآن فيأخذ بها وهذا ما لا يفعله مسلم وفيه ترك لمذاهب في الأكثر
ومنها أنه لو صح ما ذكر هذا الجاهل لوجب تفسيق ذلك العالم ضرورة ولاستحق لعنة الله عز و جل لأنه كان يكون كاتما لعلم عنده عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن فعل هذا فقد استحق اللعنة بقول الله تعالى { إن لذين يكتمون مآ أنزلنا من لبينات ولهدى من بعد ما بيناه للناس في لكتاب أولئك يلعنهم لله ويلعنهم للاعنون }
وأيضا فلو كان ما ذكر هذا الجاهل لكان ذلك النص الذي توهمه عند ذلك العالم المخالف للحديث قد ضاع ولم ينقل وهذا باطل لأن كلامه صلى الله عليه و سلم كله وحي والوحي ذكر والذكر محفوظ قال الله تعالى { إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون }
وأيضا فيقال لهذا الجاهل ولعل هذا العالم لم يبلغه هذا الحديث أو بلغه فنسيه جملة أو لم ينسه لكنه لم يخطر على باله إذا خالفه كما نسي عمر أن بين يديه محمد بن مسلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبا أيوب الأنصاري صاحب رحل النبي صلى الله عليه و سلم وأبا موسى الأشعري عامله صلى الله عليه و سلم على بعض اليمن وهذان لا يعرفان إلا بكناهما حتى إن أكثر الناس لا يعرف اسمهما البتة
فنهى عن التسمي بأسماء الأنبياء عليهم السلام فإذا جاز كما ترى أن لا يمر بباله شيء وهو بين يديه وفي حفظه حتى ينهى عنه فهو فيما يمكن مغيبة عنه أمكن وأحرى وكما نسي عمر أيضا قوله تعالى { إنك ميت وإنهم ميتون } حين موت النبي صلى الله عليه و سلم فقال والله ما مات ولا يموت حتى يسوسنا كلنا
حتى تليت عليه هذه الآية فخر مغشيا عليه ثم قام وقال والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا
وكما نهى عن المغالاة في صدقات النساء حتى ذكرته المرأة بقول الله تعالى { وإن أردتم ستبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } فاعترف بالحق ورجع عن قوله وقد كان حافظا

لهذه الآية ولكنه لم يذكرها في ذلك الوقت وكما نسي عثمان رضي الله عنه وهو أحفظ الناس للقرآن قوله تعالى { ووصينا لإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك لتي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من لمسلمين } أمر برجم التي ولدت لستة أشهر وهو حافظ للآية المذكورة حتى ذكر بها فذكرها وأمر ألا ترجم
أو لعل ذلك العالم كان ذاكرا لتلك الآية وذلك الحديث ولكنه تأول تأويلا ما من خصوص أو نسخ بما لا يصح وجهه كما فعلوا رضي الله عنهم في نهيه صلى الله عليه و سلم عن لحوم الحمر الأهلية
فقال بعضهم إنما نهى عنها لأنها كانت حمولة الناس وقال بعضهم لأنها لم تخمس وقال بعضهم لأنها كانت تأكل القذر وقال بعضهم بل حرمت البتة ومثل هذا كثير فهذا كله يخرج تارك الحديث من العلماء السالفين عن الفسق وعن المجاهرة بخلاف نص القرآن والحديث ومعصية النبي صلى الله عليه و سلم الموجبة سخط الله تعالى
حدثنا محمد بن سعيد النباتي ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني ثنا بندار ثنا غندار نا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام ضال يضل الناس بغير ما أنزل الله ومصور ورجل قتل نبيا أو قتله نبي
قال أبو محمد فنعيذ الله من سلف من القصد إلى هذه المرتبة وإنما البلية على من تدين بما لم يؤده إليه اجتهاده مما هو عالم مقر أنه لم ينزله الله تعالى وكل من سلف من الأئمة رضي الله عنهم إنما أداهم إلى ما أفتوا به اجتهادهم فالمخطىء منهم معذور مأجور أجرا واحدا هذا لا يظن بهم مسلم سواه
وإنما أن يكون عندهم علم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من أجله ترك الحديث المنقول ولم يبلغوه ولا نقلوه فهم مبرؤون من ذلك ومنزهون عنه لأن فاعل ذلك ملعون وأما الخطأ فليس ذلك منفيا عنهم بل هو ثابت عليهم وعلى كل بشر
فصح بما ذكرنا أن التأويل الذي ذكره الجاهل الذي وصفنا قوله ورام به إثبات

التقليد هو الذي يوجب لو صح على العلماء الفسق ضرورة ويوجب لهم اللعنة وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك وأما نحن فننزههم عن ذلك
ولكنا نقول إنهم يصيبون ويخطئون وكان كل ما قالوه مردود إلى القرآن والسنة ومعروض عليهما فلأيهما شهد القرآن والسنة فهو الصحيح وغيره متروك معذور صاحبه الذي قاله ومأجور باجتهاده وأما مقلده ومتبعه فملوم آثم عاص لله عز و جل وبالله تعالى التوفيق
وذكر بعضهم أن إبراهيم النخعي قال لو رأيتهم يتوضؤون إلى الكوعين ما تجاوزتهما وأنا أقرؤها { لمرافق ومسحوا }
قال أبو محمد هذا كذب على إبراهيم ولو صح ما انتفعوا به ولكان ذلك خطأ من إبراهيم عظيما فما إبراهيم معصوم من الخطأ فكيف ولا يصح عنه لأن راويه عنه أبو حمزة ميمون وهو ساقط جدا غير ثقة وإنما الصحيح عنه خلاف هذا من الطرق الصحاح
كما حدثنا أحمد بن عمر بن أنس ثنا أبو ذر الهروي ثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ثنا إبراهيم بن خزيم نا عبد بن حميد الكسي ثنا محمد بن بشر العبدي عن الحسن بن صالح عن أبي الصباح عن إبراهيم النخعي قال لا طاعة مفترضة إلا لنبي
وكما حدثنا حمام بن أحمد عن عبد الله بن إبراهيم الأصلي عن أبي زيد المروزي عن محمد بن يوسف الفربري عن البخاري محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان هو الثوري عن منصور عن سعيد بن جبير قال كان ابن عمر يدهن بالزيت قال فذكرته لإبراهيم النخعي فقال ما تصنع بقوله حدثني الأسود عن عائشة قالت كأني أنظر وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو محرم
قال أبو محمد فهذا الذي يليق بإبراهيم رحمه الله وهو ألا يلتفت إلى قول ابن عمر إذا وجد عن النبي صلى الله عليه و سلم خلافه فكيف يظن من له مسكة عقل أن إبراهيم يترك قول

ابن عمر لشيء رواه عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم ويترك نص القرآن لقوم لم يسمعهم ما يظن هذا بإبراهيم وينسبه إليه وقاح سخيف جاهل وبالله تعالى نعوذ من الخذلان
وأتى بعضهم بعظيمة فقال إن عمر بن عبد العزيز قال يحدث للناس أحكام بمقدار ما أحدثوا من الفجور
قال أبو محمد هذا من توليد من لا دين له ولو قال عمر ذلك لكان مرتدا عن الإسلام وقد أعاذه الله تعالى من ذلك وبرأه منه فإنه لا يجيز تبديل أحكام الدين إلا كافر
والصحيح عن عمر بن عبد العزيز ما حدثناه حمام بن أحمد عن عبد الله بن إبراهيم عن أبي أحمد الجرجاني عن الفربري عن البخاري ثنا العلاء بن عبد الجبار ثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا يقبل إلا حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد فهذا عمر بن عبد العزيز لا يأمر ولا يجيز إلا حديث النبي صلى الله عليه و سلم وحده
وروي أيضا أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه عدي بن عدي الكندي عامله على الموصل يقول إن وجدتها أكثر البلاد سرقا ونقبا أفآخذهم بالظنة أم أحكم بمر الحق فكتب إليه عمر بن عبد العزيز إن أخذتم بمر الحق فمن لم يصلحه الحق فلا أصلحه الله
قال فما خرجت منها إلا وهي أصلح البلاد
قال أبو محمد والذي اخترع هذه الكذبة على عمر بن عبد العزيز لا يخلو من أحد وجهين إما إن يكون كافرا أو زنديقا ينصب للإسلام الحبائل
أو يكون جاهلا لم يدرك مقدار ما أخرج من رأسه لأن إحداث الأحكام لا يخلو من أحد أربعة أوجه إما إسقاط فرض لازم كإسقاط بعض الصلاة أو بعض الصيام أو بعض الزكاة أو بعض الحج أو بعد حد الزنى أو حد القذف أو إسقاط جميع ذلك وإما زيادة في شيء منها أو إحداث فرض جديد وإما إحلال محرم كتحليل لحم الخنزير والخمر والميتة وإما تحريم محلل كتحريم لحم الكبش وما أشبه ذلك

وأي هذه الوجوه كان فالقائل به مشرك لاحق باليهود والنصارى والفرض على كل مسلم قتل من أجاز شيئا من هذا دون استتابة ولا قبول توبة إن تاب واستصفاء ماله لبيت مال المسلمين لأنه مبدل لدينه وقد قال صلى الله عليه و سلم من بدل دينه فاقتلوه ومن الله تعالى نعوذ من غضبه لباطل أدت إلى مثل هذه المهالك واحتجوا بكتابة أبي بكر المصحف بعد أن لم يكن مجموعا وذكروا حديثا عن زيد بن ثابت أنه قال افتقدت آية من سورة براءة هي { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بلمؤمنين رءوف رحيم }
فلم أجدها إلا عند رجل واحد وذكروا في ذلك تكاذيب وخرافات أنهم كانوا لا يثبتون الآية إلا حتى يشهد عليها رجلان وهذا كله كذب بحت من توليد الزنادقة
وأما جمع أبي بكر رضي الله عنه المصحف فنعم ووجه ذلك بين وهو أن النبي صلى الله عليه و سلم كان ينزل عليه القرآن مفرقا فيأمر بضم الآية النازلة إلى آية كذا من سورة كذا فلم يكن يمكن أن يكتب القرآن في مصحف جامع لأجل ذلك فلما مات صلى الله عليه و سلم واستقر الوحي وعلم أنه لا مزيد فيه ولا تبديل كتبه أبو بكر حينئذ وأثبته
وأما افتقار زيد بن ثابت الآية فليس ذلك على ما ظنه أهل الجهل وإنما معناه أنه لم يجدها مكتوبة إلا عند ذلك الرجل وهذا بين في حديث حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله عن أبي إسحاق البلخي عن الفربري عن البخاري حدثنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري قال أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت قال لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم شهادته شهادة رجلين { من لمؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا لله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا }
قال أبو محمد بيان ما قلناه منصوص في هذا الحديث نفسه وذلك أن زيدا حكى أنه سمع هذه الآية من النبي صلى الله عليه و سلم
فقد كانت عند زيد أيضا وقد يدخل هذا الحديث علة وهي أن خارجة لم يحك أنه سمعه من أبيه

وأيضا فقد حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال ثنا محمد بن معاوية المرواني ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن معمر ثنا أبو داود هو الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثنيها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سارها قبل وفاته فقال لها إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة وإنه عارضني به العام مرتين ولا أرى الأجل إلا قد اقترب وذكر باقي الحديث فهذا نص جلي على أن القرآن إنما هو جمعه وألفه الله تعالى وأقرأه جبريل للنبي صلى الله عليه و سلم في عام موته مرتين كما هو وإنه لم يجمعه أحد دون الله تعالى فهو كما هو الآن على ذلك الجمع الأول
وأيضا فقد حدثنا أحمد بن محمد الجسوري ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال أي القراءتين تعدون أول قلنا قراءة عبد الله قال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان مرة إلا العام الذي قبض فيه فإنه عرض عليه مرتين فحضره عبد الله فشهد ما نسخ منه وما بدل
قال أبو محمد أبو ظبيان هو حصين بن جندب الجنبي وقد ذكرنا من جمع القرآن على عهده صلى الله عليه و سلم ولا شك أن هذه الآية في جملته عندهم وليس عدم زيد وجودها إلا عند خزيمة بموجب أنها لم تكن إلا عند خزيمة بل كل من قرأ على عثمان وأبي الدرداء وابن مسعود وعلي قد قرؤوا عليهم هذه الآية بلا شك وفي هذا كفاية
وقد روى قوم أن الآية التي افتقد زيد من سورة براءة وهي { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بلمؤمنين رءوف رحيم } وهذا كذب بحت لكل ما ذكرنا آنفا
وأيضا فقد روي عن البراء أن آخر سورة نزلت سورة براءة وبعث النبي بها صلى الله عليه و سلم فقرأها على أهل الموسم علانية
وقال بعض الصحابة وأظنه جابر بن عبد الله ما كنا نسمي براءة إلا الفاضحة

قال أبو محمد فسورة قرئت على جميع العرب في الموسم وتقرع بها كثير من أهل المدينة ومنها يكون منها آية خفيت على الناس هذا ما لا يظنه من له رمق وبه حشاشة
ويبين كذب هذه الأخبار ما رويناه بالأسانيد الصحيحة أنه صلى الله عليه و سلم كان لا يعرف فصل سورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم وأنه صلى الله عليه و سلم كانت تنزل عليه الآية فيرتبها في مكانها ولذلك تجد آية الكلالة وهي آخر آية نزلت وهي في سورة النساء في أول المصحف وابتداء سورة { قرأ بسم ربك لذي خلق } في آخر المصحف وهما أول ما نزل فصح بهذا أن رتبة الآي ورتبة السور مأخوذة عن الله عز و جل إلى جبريل ثم إلى النبي صلى الله عليه و سلم لا كما يظنه أهل الجهل أنه ألف بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم ولو كان ذلك ما كان القرآن منقولا نقل الكافة
ولا خلاف بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس أنه منقول عن محمد صلى الله عليه و سلم نقل التواتر
ويبين هذا أيضا ما صح أنه صلى الله عليه و سلم كان يعرض القرآن كل ليلة في رمضان على جبريل فصح بهذا أنه كان مؤلفا كما هو عهد الرسول صلى الله عليه و سلم وقوله صلى الله عليه و سلم تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي
والأحاديث الصحاح أنه صلى الله عليه و سلم قرأ المص والطور والمراسلات في صلاة المغرب وأن معاذا قرأ في حياته صلى الله عليه و سلم البقرة في صلاة العتمة وأنه صلى الله عليه و سلم خطب ب { ق ولقرآن لمجيد } وذكر صلى الله عليه و سلم خواتم آل عمران وسورة النساء وأمره صلى الله عليه و سلم أن يؤخذ القرآن من أربعة من أبي وعبد الله بن مسعود وزيد ومعاذ
وقول عبد الله بن عمرو بن العاص للنبي عليه السلام في قراءة القرآن كل ليلة وأمره صلى الله عليه و سلم أن لا يقرأ في أقل من ثلاث والذين جمعوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه و سلم جماعة ذلك منهم أبو زيد وزيد وأبي ومعاذ وسعيد بن عبيد وأبو الدرداء وأمر صلى الله عليه و سلم عبد الله بن عمرو بقراءة القرآن في أيام لا تكون أقل من ثلاث فكيف يقرأ ويجمع وهو غير مؤلف هذا محال لا يمكن البتة
وهذا كلها أحاديث صحاح الأسانيد لا مطعن فيها وبهذا يلوح كذب الأخبار المفتعلة بخلافها لأن تلك لا تصح من طريق النقل أصلا فبطل ظنهم أن أحدا جمع

القرآن وألفه دون النبي صلى الله عليه و سلم
ومما يبين بطلان هذا القول ببرهان واضح أن في بعض المصاحف التي وجه بها عثمان رضي الله عنه إلى الآفاق واوات زائدة على سائرها وفي بعض المصاحف { له ما في لسماوات وما في لأرض وإن لله لهو لغني لحميد } في سورة الحديد وفي بعضها بنقصان هو
وأيضا فمن المحال أن يكون عثمان رضي الله عنه أقرأ الخلفاء وأقدمهم صحبة وكان يحفظ القرآن كله ظاهرا ويقوم به في ركعة ويترك قراءته التي أخذها من فم النبي صلى الله عليه و سلم ويرجع إلى قراءة زيد وهو صبي من صبيانه وهذا ما لا يظنه إلا جاهل غبي
ومنها أن عاصما روى عن زر وقرأ عليه لم يقرأ على زيد ولا على من قرأ على زيد شيئا إلا أنه قد صح عنه أنه عرض على زيد فلم يخالف ابن مسعود وهذا ابن عامر قارىء أهل الشام لم يقرأ على زيد شيئا ولا على من قرأ على زيد وإنما قرأ على أبي الدرداء ومن طريق عثمان رضي الله عنهما وكذلك حمزة لم يأخذ من طريق زيد شيئا
وقد غلط قوم فسموا الأخذ بما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم وبما اتفق عليه علماء الأمة تقليدا وهذا هو فعل أهل السفسطة والطالبين لتلبيس العلوم وإفسادها وإبطال الحقائق وإيقاع الحيرة فلا شيء أعون على ذلك من تخليط الأسماء الواقعة على المعنى ومزجها حتى يوقعوا على الحق اسم الباطل لينفروا عنه الناس ويوقعوا على الباطل اسم الحق ليوقعوا فيه من أحسن الظن بهم وليجوزوه عند الناس
كما يحكى عن فساق باعة الدواب أنهم يسمون أورايهم بأسماء البلاد فإذا عرض الحمار للبيع أقسم بالله إن البارحة نزل من بلد كذا وكذا وهو يعني الآري الذي اعتلف فيه ويظن المبتاع أنه من جلب المذكور فهذا فعل أهل الشر والفسق
وفاعل هذا في الديانة أسوأ حالا وأعظم جرما من فاعله في سائر المعاملات فاعلم الآن أن قبول ما صح بالنقل عن النبي صلى الله عليه و سلم وقبول ما أوجبه القرآن بنصه وظاهره

وقبول ما أجمعت عليه الأمة ليس تقليدا ولا يحل لأحد أن يسميه تقليدا لأن ذلك تلبيس وإشكال ومزج الحق بالباطل لأن التقليد على الحقيقة إنما هو قبول ما قاله قائل دون النبي صلى الله عليه و سلم بغير برهان
فهذا هو الذي أجمعت الأمة على تسميته تقليدا وقام البرهان على بطلانه وهو غير ما قام البرهان على صحته فحرام أن يسمى الحق باسم الباطل والباطل باسم الحق وقد قال تعالى { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل لله بها من سلطان إن يتبعون إلا لظن وما تهوى لأنفس ولقد جآءهم من ربهم لهدى } وقد أنذر عليه السلام بقوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها
وقد احتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى { وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } قالوا وقد أوجب الله تعالى على الناس قبول نذارة المنذر لهم قالوا وهذا أمر منه تعالى بتقليد العامي للعالم
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن الله تعالى لم يأمر قط بقبول ما قال المنذر مطلقا لكنه يقال إنما أمر بقبول ما أخذ ذلك في تفقههم في الدين عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن الله عز و جل لا ما اخترع مخترع من عند نفسه ولا ما زاد زائد في الدين من قبل رأيه ومن تأول ذلك على الله عز و جل وأجاز لأحد من المخلوقين أن يشرع شريعة غير منقولة عن النبي صلى الله عليه و سلم فقد كفر وحل دمه وماله وقد سمى الله من فعل ذلك مفتريا فقال تعالى { قل أرأيتم مآ أنزل لله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على لله تفترون }
قال أبو محمد وظن قوم أنهم تخلصوا من التقليد بوجه به تحققوا بالدخول فيه وتوسطوا عنصره وهو أنهم يبطلون حجاجا تؤيد ما وجدوا أسلافهم عليه فقط ثم لا يبالون أشغبا كانت الحجاج أم حقا ويضربون عن كل حجة خالفت قولهم
فإن كانت آية أو حديثا تأولوا فيها التأويلات البعيدة وحرفوهما عن مواضعهما فدخلوا في قوله تعالى { من لذين هادوا يحرفون لكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا وسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في لدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا وسمع ونظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم لله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } فإن أعياهم ذلك قالوا هذا خصوص وهذا متروك وليس عليه العمل

قال أبو محمد وهذا أقبح ما يكون من التقليد وأفحشه كالذي يفعل مقلدو مالك وأبي حنيفة والشافعي فإنهم إنما يأخذون من الحجاج ما وافق مذهبهم وإن كان خبرا موضوعا أو شغبا فاسدا ويتركون ما خالفه وإن كان نص قرآن أو خبرا مسندا من نقل الثقات
والعجب أنهم ينسون التقليد ويقولون إن المقلد عاص لله ويقولون لا يجوز أن يؤخذ من أحد ما قامت عليه حجة ويقولون ليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك ثم إنهم مع هذا لا يفارقون قول صاحبهم بوجه من الوجوه
وأما أهل بلادنا فليسوا ممن يتغنى بطلب دليل على مسائلهم وطالبه منهم في الندرة إنما يطلبه كما ذكرنا آنفا فيعرضون كلام الله تعالى وكلام الرسول صلى الله عليه و سلم على قول صاحبهم وهو مخلوق مذنب يخطىء ويصيب فإن وافق قول الله وقول رسوله صلى الله عليه و سلم قول صاحبهم أخذوا به وإن خالفاه تركوا قول الله جانبا وقوله صلى الله عليه و سلم ظهريا وثبتوا على قول صاحبهم وما نعلم في المعاصي ولا في الكبائر بعد الشرك المجرد أعظم من هذه وأنه لأشد من القتل والزنى
لأن فيما ذكرنا الاستخفاف بالله عز و جل وبرسوله صلى الله عليه و سلم وبالدين ولأن من ذكرنا قد جاءته موعظة من ربه فلم ينته وعاد إلى ما نهي عنه وعرف أنه باطل فتدين به واستحله وعلمه الناس وأما القاتل والزاني فعالمان أن فعلهما خطأ وأنهما مذنبان فهما أحسن حالا ممن ذكرنا وقد قال تعالى { لذين يأكلون لربا لا يقومون إلا كما يقوم لذي يتخبطه لشيطان من لمس ذلك بأنهم قالوا إنما لبيع مثل لربا وأحل لله لبيع وحرم لربا فمن جآءه موعظة من ربه فنتهى فله ما سلف وأمره إلى لله ومن عاد فأولئك أصحاب لنار هم فيها خالدون }
هذا وهم يقرون أن الفقهاء الذين قلدوا مبطلون للتقليد وأنهم قد نهوا أصحابهم عن تقليدهم وكان أشدهم في ذلك الشافعي فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار والأخذ بما أوجبته الحجة حيث لم يبلغ غيره وتبرأ من يقلد جملة وأعلن بذلك نفعه الله به وأعظم أجره فلقد كان سببا إلى خير كثير فمن أسوأ حالا ممن يعتقد أن التقليد ضلال وأن التقليد هو اعتقاد القول قبل اعتقاد دليله ثم هم

لا يفارقون في شيء من دينهم وهذا مع ما فيه من المخالفة لله عز و جل ففيه من نقص العقل والتمييز عظيم نعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة فكل شيء بيده لا إله إلا هو
وحدثنا طائفة من الأشعرية أبدعوا في قولهم بالتقليد قولا طريفا في السخف وهو أن قالوا الفرض على العامي إذا نزلت به النازلة أن يسأل عن أفقه من في ناحيته فإذا دل عليه سأله فإذا أفتاه لزمه الأخذ به ولا يحل للعامي أن يأخذ بقول ميت من العلماء قديما كان أو حديثا صاحبا كان أو تابعا أو من بعدهم فإن نزلت بذلك العامي تلك النازلة بعينها مرة أخرى لم يجز له أن يأخذ تلك الفتيا التي أفتاه الفقيه بها ولكن يسأله مرة ثانية أو يسأل غيره فما أفتاه به أخذ به سواء كانت تلك الفتيا الأولى غيرها وقالوا إن الفرض على كل أحد إنما هو ما أداه إليه اجتهاده فيما لا نص فيه فكل مجتهد في هذا الموضع فهو مصيب
قال أبو محمد ويكفي من بطلان هذا القول أنها كلها قضايا مفتراة ودعاوى بلا برهان أصلا
فإن قالوا قال الله تعالى { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل لذكر إن كنتم لا تعلمون } قلنا صدق الله تعالى وكذب محرف قوله أهل الذكر هم رواة السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم والعلماء بأحكام القرآن برهان ذلك قوله تعالى { ثاني عطفه ليضل عن سبيل لله له في لدنيا خزي ونذيقه يوم لقيامة عذاب لحريق } فصح أن الله تعالى إنما أمرنا بسؤالهم ليخبرونا بما عندهم من القرآن والسنن لا لأن يشرعوا لنا من الدين ما لم يأذن به الله تعالى بآرائهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة وفي هذا كفاية وبالله تعالى التوفيق


فصل ما قاله الله تعالى في إبطال التقليد قال أبو محمد قد ذكرنا كل ما موه به القائلون بالتقليد وبينا بطلانه وانتقاضه بعون الله تعالى لنا ولله الحمد ونحن الآن ذاكرون ما قاله الله تعالى في إبطال التقليد ونبين وجه الحجاج في بيان سقوطه وأنه لا يحل تصريفه في دين الله عز و جل أصلا
فمن ذلك أن يقال لمن قلد ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدت أنت فإن أخذ يحتج في فضل من قلد ووصف سعة علمه سئل أكان قبله أحد أفضل منه وأعلم أم لم يكن قبله أحدا أعلم منه ولا أفضل منه
فإن قال لم يكن قبله أحد أفضل منه كذب رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله إننا لا ندرك بإنفاقنا مثل أحد ذهبا مد أحد من أصحابه ولا نصيفه وبقوله صلى الله عليه و سلم إنه ما من عام إلا والذي بعده دونه وقائل هذا مخالف للإجماع وخارج عن سبيل المؤمنين
ولا شك عند كل مؤمن أن أبا بكر وعائشة وعليا وعمر ومعاذا وأبيا وزيدا وابن مسعود وابن عباس أعلم بما شاهدوا من نزول القرآن وحكم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأفضل من سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وابن القاسم وداود ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأبي ثور
وهؤلاء الفقهاء رحمهم الله هم الذين قلدتهم الطوائف بعدهم ما نعلم الآن على ظهر الأرض أحدا يقلد غيرهم لا سيما وقد حدثنا أحمد بن عمر العذري ثنا علي بن الحسن بن فهر ثنا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهلي ثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قلت لمالك بن أنس يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا ونأخذ بقول إبراهيم
قال مالك صح عندهم قول عمر قلت إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم
فقال مالك هؤلاء يستتابون

قال أبو محمد فإن قال بلى قد كان من ذكرتم وغيرهم مما كان بعد ما ذكرتم ومع هؤلاء المذكورين وقبلهم أفضل منهم وأعلم بالدين
قيل له فلم تركت الأفضل والأعلم وقلدت الأنقص فضلا وعلما
فإن قال لأنه أتى بعض الأولين متعقبا قيل له فقلد من أتى بعدهم أيضا متعقبا على هؤلاء
فإن كان مالكيا أو شافعيا أو حنفيا أو سفيانيا أو أوزاعيا قيل له فقلد أحمد بن حنبل فإنه أتى هؤلاء ورأى علمهم وعلم غيرهم وتعقب على جميعهم ولا خلاف بين أحد من علماء أهل السنة أصحاب الحديث منهم وأصحاب الرأي في سعة علمه وتبجحه في حديث النبي صلى الله عليه و سلم وفتاوى الصحابة والتابعين وفقهه وفضله وورعه وتحفظه في الفتيا أو قلد إسحاق بن إبراهيم الحنظلي فقد كان كذلك مع دقة النظر وصحة الفهم أو قلد أبا ثور فقد كان غاية في ذلك كله
وإن كان حنبليا فقيل له قلد محمد بن نصر المروزي فإنه أتى متعقبا بعد أحمد ولقد لقي أحمد وأخذ عنه وحوى علمه ولقي أصحاب مالك والشافعي وأصحاب أصحاب أبي حنيفة وأخذ علمهم وقد كان في الغاية التي لا وراء بعدها في سعة العلم بالقرآن والحديث والآثار والحجاج ودقة النظر مع الورع العظيم والدين المتين أو محمد بن جرير الطبري فكان في علمه ودينه بحيث عرف أو الطحاوي فقد كان من العلم أو داود بن علي فكان من سعة الرواية والعلم بالقرآن والحديث والآثار والإجماع والاختلاف ودقة النظر والورع بحيث لا مزيد وقد أتى متأخرا متعقبا مشرفا على مذهب كل من تقدمه
فإن قلد داود قيل له قلد من أتى بعده متعقبا عليه ومخالفه كولده وابن سريج وكالطبري وكمحمد بن نصر المروزي والطحاوي وهكذا أبدا يقلد الآخر فالآخر وهذا خروج عن المعقول والقياس وعن الدين جملة
وحتى لو مالوا إلى تقليد الأفضل لبطل عليهم بأن الأفاضل على خلاف ذلك فقد رجع عمر إلى قول المرأة من عرض النساء إذ هم بالمنع من المغالاة في الصداق وعمر أفضل منها بلا شك وقد كان أبو بكر وعمر يجمعان الصحابة ويسألانهم فلو كان قول الأفضل واجبا أن يتبع لما كان لجمعهما الصحابة معنى لأنهما أفضل ممن جمعا ليعرفا ما عندهم ولكانا في ذلك مخطئين

وكل هذه أقوال فاسدة بلا برهان على صحة شيء منها وليس طريق الفضل من طريق الاتباع في شيء فقد يخطىء الفاضل فيحرم اتباعه على الخطأ ولا ينقص ذلك من فضله شيئا وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي الدرداء سلمان أفقه إذ منعه سلمان من قيام جميع الليل ومن مواترة الصيام فكان سلمان أفقه من أبي الدرداء
وكان أبو الدرداء أفضل من سلمان فأبو الدرداء بدري عقبي لا تجزأ سلمان منه وأول مشاهد سلمان فالخندق فقد شهد صلى الله عليه و سلم أن الأنقص فضلا أتم فقها وقد قال صلى الله عليه و سلم فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه
وقد قال صلى الله عليه و سلم ورب مبلغ أوعى من سامع وإنما خاطب بذلك الصحابة فغير منكر ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق
ويكفي من هذا أن كل ما ذكرنا من الفقهاء الذين قلدوا مبطلون التقليد ناهون عنه مانعون منه مخبرون أن فاعله على باطل وقد حدثنا حمام عن الباجي عن أسلم القاضي عن المازني عن الشافعي أنه نهى الناس عن تقليده وتقليد غيره
وحدثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا أحمد بن خليل ثنا خالد بن سعد ثنا أحمد بن خالد أنا يحيى بن عمر أنا الحارث بن مسكين ثنا ابن وهب قال سمعت مالكا وقال له ابن القاسم ليس أحد بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر قال له مالك من أين علموا ذلك قال منك يا أبا عبد الله قال مالك ما أعلمها أنا فكيف يعلمونها هم قال أبو محمد كيف وقد أغنانا الله تعالى عن قولهم في ذلك بما نص في كتابه من إبطال التقليد فمن قول الله عز و جل { مثل لذين تخذوا من دون لله أوليآء كمثل لعنكبوت تخذت بيتا وإن أوهن لبيوت لبيت لعنكبوت لو كانوا يعلمون } ثم قال الله تعالى على أثر هذه الآية { وتلك لأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا لعالمون }
قال أبو محمد فمن اتخذ رجلا إماما يعرض عليه قول ربه وقول نبيه صلى الله عليه و سلم فما وافق فيه قول ذلك الرجل قبله وما خالفه ترك قول ربه تعالى وقول نبيه صلى الله عليه و سلم

وهو يقر أن هذا قول الله عز و جل وقول رسوله صلى الله عليه و سلم والتزم قول إمامه فقد اتخذ دون الله تعالى وليا ودخل في جملة الآية المذكورة
اللهم إننا نبرأ إليك من هذه الفعلة فلا كبيرة أعظم منها
وقال تعالى { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم لله لذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون لله ولا رسوله ولا لمؤمنين وليجة ولله خبير بما تعملون } { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم لله لذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون لله ولا رسوله ولا لمؤمنين وليجة ولله خبير بما تعملون } }
قال أبو محمد ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه عيارا من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه و سلم وكلام سائر علماء الأمة وقال تعالى { يوم تقلب وجوههم في لنار يقولون يليتنآ أطعنا لله وأطعنا لرسولا وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا لسبيلا } وقال تعالى { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } وقال تعالى { وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }
قال أبو محمد فمن لم يأت بكتاب الله تعالى شاهد لقوله أو ببرهان على صدق قوله وإلا فليس صادقا لكنه كاذب آفك مفتر على الله عز و جل ومن أطاع سادته وكبراءه وترك ما جاءه عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم فقد ضل بنص القرآن واستحق الوعيد بالنار نعوذ بالله منها وما أدى إليها
وقال تعالى حاكيا عن الجن الذين أسلموا مصدقا لهم ومثبتا عليهم { وأنا ظننآ أن لن تقول لإنس ولجن على لله كذبا } فبطل ظن من ظن ذلك في رئيس قلده لم يأمر الله تعالى بأن يقلده
وقال تعالى { إذ تبرأ لذين تبعوا من لذين تبعوا ورأوا لعذاب وتقطعت بهم لأسباب }

قال أبو محمد هكذا والله يقول هؤلاء الفضلاء الذين قلدهم أقوام قد نهوهم عن تقليدهم فإنهم رحمهم الله تبرؤوا في الدنيا والآخرة من كل من قلدهم وفاز أولئك الأفاضل الأخيار وهلك المقلدون لهم بعد ما سمعوا من الوعيد الشديد والنهي عن التقليد وعلموا أن أسلافهم الذين قلدوا قد نهوهم عن تقليدهم وتبرؤوا منهم إن فعلوا ذلك
ومن ذلك ما حدثنا أحمد بن عمر ثنا علي بن الحسن بن فهر حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهلي ثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا مالك قال كان ربيعة يقول لابن شهاب إن حالي ليس يشبه حالك أنا أقول برأيي من شاء أخذه وعمل به ومن شاء تركه
وقد ذكرنا قول مالك وندامته على القول به
وقال أبو حنيفة علمنا هذا رأي من أتانا بخير منه قبلناه منه
وقال عز و جل { وإذا قيل لهم تبعوا مآ أنزل لله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون }
قال أبو محمد وهذا نص ما فعل خصومنا بلا تأويل ولا تدبر بل تعرض عليهم الآية والحديث الصحيح الذي يقرون بصحته وكلاهما مخالف لمذاهب لهم فاسدة فيأبون قبولها لا بفارق ما وجدنا عليه آباءنا وكبراءنا فقد أجابهم تعالى جوابا كافيا وحسبنا الله ونعم الوكيل
وقال تعالى { فإن لم يستجيبوا لك فعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من لله إن لله لا يهدي لقوم لظالمين } وقال تعالى { أفرأيت من تخذ إلهه هواه وأضله لله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد لله أفلا تذكرون }

قال أبو محمد هذه صفة ظاهرة من كل مقلد يعرفها من نفسه ضرورة لأنه هوى تقليد فلان فقلده بغير علم ووجدناه لا ينتفع بسمعه فيما يسمع من الآي والسنن المخالفة لمذهبه
ولا انتفع بصره فيما أري من ذلك ولا بعقله فيما علم من ذلك ووجدناه ترك طلب الهدى من كتاب الله تعالى وكتاب نبيه صلى الله عليه و سلم وطلب الهدى ممن دون الله تعالى فضل ضلالا بعيدا فواحسرتاه عليهم وواأسفاه لهم
وقال تعالى { قل أندعوا من دون لله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا لله كلذي ستهوته لشياطين في لأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى لهدى ئتنا قل إن هدى لله هو لهدى وأمرنا لنسلم لرب لعالمين }
قال أبو محمد وهذا نص فعل المقلد لأنه التزم اتباع من لا ينفعه ولا يضره ولا يشفع له يوم القيامة ولا ينيله من حسناته حسنة ولا يحط عنه من سيئاته سيئة وكذلك دعاه أصحابه إلى الهدى بزعمهم فأكذبهم تعالى وقال { ولن ترضى عنك ليهود ولا لنصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى لله هو لهدى ولئن تبعت أهوآءهم بعد لذي جآءك من لعلم ما لك من لله من ولي ولا نصير } فلم يجعل هدى إلا ما جاء من عنده تعالى
وقال تعالى { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا ولله أمرنا بها قل إن لله لا يأمر بلفحشآء أتقولون على لله ما لا تعلمون }
وهكذا فعل المقلدون فإنهم أباحوا لحوم السباع والحمر الأهلية وقد جاء أمر الرسول صلى الله عليه و سلم بتحريمها وآخذوا الناسي وألزموا شريعة الكفارة المخطىء وقد جاء نص القرآن والسنة بإسقاط ذلك كله فلما أخبروا أن ذلك كله فواحش قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها
وقال تعالى ذاما لقوم قلدوا أسلافهم وحاكيا عنهم أنهم قالوا { بل قالوا إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون }

وقال تعالى { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل لله وإلى لرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } وقال تعالى { يأيها لناس كلوا مما في لأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات لشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بلسوء ولفحشآء وأن تقولوا على لله ما لا تعلمون وإذا قيل لهم تبعوا مآ أنزل لله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون }
ومن قلد فقد قال على الله ما لا يعلم وهذا نص كلام رب العالمين الذي إليه معادنا وبين يديه موقفنا وهو سائلنا عما أمرنا به من ذلك ومجازينا بحسب ما أطعنا أو عصينا فليتق الله على نفسه أمرؤ يعلم أن وعد الله حق وأن هذه عهود ربه إليه وليتب عن التقليد وليفتش حاله فإن رأى فيها هذه الصفات التي ذمها الله تعالى فليتدارك نفسه بالتوبة من ذلك وليرجع إلى بشرى قبول قول ربه تعالى إذ يقول { ولذين جتنبوا لطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى لله لهم لبشرى فبشر عباد لذين يستمعون لقول فيتبعون أحسنه أولئك لذين هداهم لله وأولئك هم أولو لألباب } { ولذين جتنبوا لطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى لله لهم لبشرى فبشر عباد لذين يستمعون لقول فيتبعون أحسنه أولئك لذين هداهم لله وأولئك هم أولو لألباب } فالمحروم من حرم هذه البشرى وخرج عن هذه الصفة المحمودة نسأل الله أن يكتبنا في عداد أهلها وأن يثبتنا في جملتهم آمين فقد فاز من وصفه الله تعالى بأنه هداه وبأنه مبشر وأنه من أولي الألباب وهذه صفة من استمع الأقوال فلم يقلد واختار أحسنها والأحسن هو ما شهد الله عز و جل ورسوله صلى الله عليه و سلم بالحسنى مما وافق القرآن والسنة وبالله تعالى التوفيق
فقد صح بنص كلام الله تعالى بطلان تقليد الرجال والنساء جملة وتحريم اتباع الآباء والرؤساء البتة وعلى هذا كله السلف الصالح
أخبرنا محمد بن سعيد النباتي ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر غندر ثنا

شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء وهو ما دون الولد والوالد فقال عمر بن الخطاب إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر
قال أبو محمد هذا هو الحديث الذي موهوا به واستحلوا الكذب بإبراء مفردا مما قبله وإنما استحى عمر من مخالفة أبي بكر رضي الله عنهما في اعترافه بالخطأ وأنه ليس كلامه كله صوابا لا في قوله في الكلالة
وبرهان ذلك أن عمر أقر عند موته أنه لم يقض في الكلالة بشيء وقد اعترف بأنه لم يفهمها قط وحتى لو صح أنه وافق أبا بكر في الكلالة في الحديث المذكور لما كانت فيه حجة لأن الشعبي راوي الحديث لم يدرك عمر وأبعد روايته فعن علي على اختلاف في رؤيته أيضا
وأما الاضطراب عن عمر في الجد فإن محمد بن سعيد أخبرني عن أحمد بن عون الله عن قاسم بن أصبغ عن الخشني عن بندار عن ابن أبي عدي شعبة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال قال عمر بن الخطاب حين طعن إني لم أقض في الجد شيئا
وأما الاختلاف عنه رضي الله عنه في الكلالة فهو أن حماما حدثني قال ثنا ابن مفرج عن عبد الأعلى بن محمد بن الحسن قاضي صنعاء عن الديري عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كتب في الجد والكلالة كتابا فمكث يستخير الله يقول اللهم إن علمت فيه خيرا فأمضه حتى إذا طعن دعا بالكتاب فمحي فلم يدر أحد ما كان فيه فقال إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتابا وكنت أستخير الله فيه فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه
قال عبد الرزاق وحدثنا ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب أوصى عند الموت فقال الكلالة كما قلت قال ابن عباس وما قلت قال من لا ولد له
قال أبو محمد هذا أصح سند يرد في هذا الباب عن عمر لاتصاله وعدالة ناقليه

وإمامتهم وصحة سماع بعضهم من بعض وهو كما ترى مخالف لرأي أبي بكر في الكلالة لأن أبا بكر كان يقول الكلالة من لا ولد له ولا والد وعمر عند الموت يقول الكلالة من لا ولد له فقط بالسند الذي لا داخلة فيه فبطل بهذا ما رواه الشعبي الذي أبعد ذكره رؤيته عليا رضي الله عنه بالكوفة يتوضأ في الرحبة هذا إن صح أنه رآه أيضا أخبرنا محمد بن سعيد النباتي ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر غندر ثنا شعبة عن عاصم عن الشعبي قال سئل عبد الله بن مسعود عن امرأة توفي عنها زوجها ولم يفرض لها فاختلف إليه شهرا فقال ما سئلت عن شيء منذ توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم أشد علي منه لم ينزل فيه قرآن ناطق ولا سنة ماضية أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان والله منه بريء وذكر الحديث
قال أبو محمد فهذا ابن مسعود يعترف بالخطأ وبمغيب السنن عنه وفي هذه القصة سنة صحيحة خفيت عنه ثم علمها بعد ذلك ولا سبيل إلى أن يوجد عن أحد من الصحابة والتابعين غير الاعتراف بجواز الخطأ عليهم
والصحيح من رواية الشعبي في الخبر الذي ذكرنا هو ما أخبرناه محمد بن سعيد بن نبات عن أحمد بن عون الله عن قاسم بن أصبغ عن الخشني عن بندار عن غندر ثنا شعبة عن يحيى بن سعيد التيمي تيم الرباب قال ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقض حتى يبين لنا فيهن أمرا ينتهي إليه الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا فهذا هو المتصل من طريق الشعبي
ثم إنا نقول إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم يصحبه من الله عز و جل معجزة ولا ظهرت عليه آية ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ ولا بالولاية وأعجب من ذلك إن كان من التابعين فمن دونهم ممن لا يقطع على غيب إسلامه ولا بيد مقلده أكثر من حسن الظن به وأنه في ظاهر أمره فاضل من أفاضل المسلمين لا يقطع له على غيره من الناس بفضل ولا يشهد له على نظارته بسبق إن هذا لهو الضلال المبين

فليت شعري ما الذي أوجب عليه أن يميل إليه دون أن يميل إلى غيره ممن هو مثله في الظاهر أو أفضل منه في الظاهر أو في الحقيقة من سابقي الصحابة حتى صاروا يتدينون بقوله في دينهم الذي هو وسليتهم إلى الله تعالى لا يرجون النجاة من عذاب الآخرة بسواه ونجدهم المساكين في أمور دنياهم لا يقلدون أحدا ولا يبتاع أحدهم شيئا فما دونه أو فما فوقه إلا حتى يقيسه ويتأمل جددته ويتقي الغبن فيه وهو لا يتقي الغبن في دينه الذي فيه هلاكه أو نجاته في الأبد فتجده قد قبله مجازفة وأخذه مطارفة هات ما قال مالك وابن القاسم وسحنون إن كان مالكيا أو ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إن كان حنفيا أو ما قال الشافعي إن كان شافعيا ولا مزيد
ووالله لو أن هؤلاء رحمهم الله وردوا عرصة القيامة بملء السموات والأرض حسنات ما رحموه منها بواحدة ولو أنه المغرور ورد ذلك الموقف بملء السموات والأرض سيئات ما حطوا منها واحدة ولا عرجوا عليه ولا التفتوا إليه ولا نفعوه بنافعة
ونجده يضرب عن كلام نبيه صلى الله عليه و سلم الذي لا يرجو شفاعة سواه ولا أن ينقذه من أطباق النيران بعد رحمة الله تعالى إلا اتباعه إياه فأين الضلال إن لم يكن في فعل هؤلاء القوم
ثم ننحط في سؤالهم درجة فنقول ما الذي دعاكم إلى التهالك على قول مالك وابن القاسم فهلا تبعتم أقوال عمر بن الخطاب وابنه فتهالكتم عليها فهما أعلم وأفضل من مالك وابن القاسم عند الله عز و جل بلا شك ونقول للحنفيين
ما الذي حملكم على التماوت على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن فهلا طلبتم أقوال عبد الله بن مسعود وعلي فتماوتم عليها فهما أفضل وأعلم من أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن عند الله تعالى بلا شك
ونقول لمن قلد الشافعي رحمه الله ألم ينهكم عن تقليده وأمركم باتباع كلام النبي صلى الله عليه و سلم حيث صح
فهلا اتبعتموه في هذا القولة الصادقة التي لا يحل خلافها لأحد أو ليس قد قال رحمه الله وقد ذكر حديث النبي صلى الله عليه و سلم فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليه فقال

رحمه الله إن صح هذا الحديث فبه أقول ونبرأ من كل مذهب خالف حديث النبي صلى الله عليه و سلم والحديث المذكور في غاية الصحة من طريق عائشة رضي الله عنها ثم أنتم دأبا تتحيلون في إبطاله بأنواع من الحيل الباردة ونهاكم عن قبول المرسل
ثم أنتم تأخذون به في تحريم بيع اللحم بالحيوان تقليدا لغلطه رحمه الله الذي لم يعصم منه أحد فقد كان تقليد ابن عباس أولى بكم إذ ولا بد لأنه أفضل وأعلم عند الله عز و جل من الشافعي
وقد قال قائلون منهم نحن لم نرزق من العقل والفهم ما يمكننا أن نأخذ الفقه من القرآن وحديث النبي صلى الله عليه و سلم فأتوا بالتي تملأ الفم فيقال لهم أمنعكم الله تعالى العقل الذي تفهمون به عند ما قد ألزمكم فهمه إذ يقول عز و جل { أفلا يتدبرون لقرآن أم على قلوب أقفالهآ }
وقد سمعتموه يقول { يأيها لذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم إلى لله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } وسمعتموه يقول { قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } وسمعتموه يقول { لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين } فلولا أن في وسعكم الفهم لأحكام القرآن ما أمركم بتدبره ولولا أن في وسعكم الفهم لكلام النبي صلى الله عليه و سلم ما أمره بالبيان عليكم ولا أمركم بطاعته هذا إن كنتم تصدقون كلام ربكم
فليت شعري كيف قصرت عقولكم عن فهم ما افترض الله تعالى عليكم تدبره والأخذ به واتسعت عقولكم للفهم عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وما أمركم الله تعالى قط بالسماع منهم خاصة دون سائر العلماء ولا ضمن لكم ربكم تعالى قط العون على فهم كلامهم كما ضمن لكم في فهم كلامه إنه لا يكلفكم إلا وسعكم
وقد أيقنا أن الله عز و جل لا يأمرنا بشيء إلا وقد سبب لنا طرق الوصول إليه وسهلها وبينها فقد أيقنا بلا شك عندنا أن وجوه معرفة أحكام الآي والأحاديث التي

أمرنا بقبولها بينة لمن طلبها إن صدقتم ربكم وإن كذبتم كفرتم
وأما ما لم نؤمر باتباعه من رأي مالك وأبي حنيفة وقول الشافعي فلا سبيل إلى أن نقطع بأن فهمه ممكن لنا
حدثنا أحمد بن عمر العذري نا أبو محمد الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فراس أنا أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي نا أبو الحسن علي بن عبد العزيز نا الأصبهاني نا عبد السلام نا غطيف بن أعين المحاربي عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه و سلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي يا ابن حاتم ألق هذا الوثن من عنقك فألقيته
ثم افتتح سورة براءة فقرأ حتى بلغ قوله تعالى { تخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون لله ولمسيح بن مريم ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } فقلت يا رسول الله ما كنا نعبدهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه قلت بلى قال فتلك عبادتكم
قال أبو محمد فسمى النبي صلى الله عليه و سلم اتباع من دون النبي صلى الله عليه و سلم في التحليل والتحريم عبادة وكل من قلد مفتيا يخطىء ويصيب فلا بد له من أن يستحل حراما ويحرم حلالا وبرهان ذلك تحريم بعضهم ما يحله سائرهم ولا بد أن أحدهم مخطىء
أفليس من العجب إضراب المرء عن الطريق التي أمره خالقه بسلوكها وضمن له بيان نهج الصواب فيها
وأمره أن يكون همه نفسه لا ما سواها فيترك ذلك كله ويقصد إلى طريق لم يؤمر بسلوكها ولا ضمن له نهج الصواب فيها بل قد نهي عن ذلك وعيب عليه ولامه ربه عز و جل على ذلك أشد الملامة مع أن الذي قلدوه ينهاهم عن تقليده فمن أضل من هؤلاء
وقد احتج بعض من قلد مالكا بأنه المعني بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في إنذاره بزمان يأتي لا يوجد فيه عالم أعلم من عالم المدينة
أخبرنا عبد الله بن ربيع التميمي عن محمد بن معاوية عن أحمد بن شعيب أنا

علي بن محمد ثنا محمد بن كثير عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله يضربون أكباد الإبل ويطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة
فقال النسائي قوله أبو الزناد خطأ إنما هو أبو الزبير
قال أبو محمد وهكذا حدثناه أحمد بن عبد الله الطلمنكي ثنا ابن مفرج قال ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا عمرو بن علي ثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريح عن أبي الزبير عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوشك أن تضرب أكباد المطي فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة قال البزار لم يرو ابن جريج عن أبي صالح غير هذا الحديث
حدثنا أحمد بن عمر ثنا علي بن الحسن بن فهر أنا محمد بن علي ثنا محمد بن عبد الله البيع إجازة أنا أبو النضر الفقيه أحمد بن محمد العنزي ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا أبو مسلم عن عبد الرحمن بن يونس المستلمي نا معن بن عيسى حدثني زهير أبو المنذر التميمي ثنا عبيد الله بن عمر بن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج ناس من المشرق في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة وقال عالم أهل المدينة
حدثنا أحمد بن عمر ثنا فهر نا ابن أحمد بن إبراهيم بن فراس ثنا ابن الأعرابي ثنا محمد بن إسماعيل الصوفي ثنا علي بن المديني ثنا سفيان بن عيينة فذكر الحديث فقال ابن عيينة وضعناه على مالك بن أنس قال ابن فراس ثنا محمد بن أحمد اليقطيني نا محمد بن أحمد بن سلم الحراني ثنا أبو موسى الأنصاري وذكر هذا الحديث فقال بلغني عن ابن جريج أنه كان يقول نرى أنه مالك بن أنس
قال أبو محمد هذا حديث لم يقنعوا بقبيح فعلهم في التقليد حتى أضافوا إلى ذلك الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصفة المذكورة في الحديث المذكور على أن في سنده أبو الزبير وهو مدلس ما لم يقل حدثنا أو أخبرنا ومع ذلك فليست تلك الصفة موجودة في عصر مالك لأنه كان في عصره ابن أبي ذئب وعبد العزيز

بن الماجشون وسفيان الثوري والليث والأوزاعي وكل هؤلاء لا يمكن لمن له أقل إنصاف وعلم أن يفضله في علمه وورعه على واحد منهم ولا في فهمه للقرآن ولا لحديث النبي صلى الله عليه و سلم وأقوال الصحابة رضي الله عنهم وليت شعري ما الذي دلهم على أنه مالك دون أن يقولوا إنه سعيد بن المسيب الذي كان أفقه من مالك وأفضل
وذكروا عن سفيان بن عيينة أنه قال كانوا يرونه مالكا قالوا فإنما عنى سفيان بذلك التابعين
قال أبو محمد فزادوا كذبة وما دليلهم على أن سفيان عنى بذلك التابعين لو صح عن سفيان ولعله عنى بذلك مقلدي مالك من صغار أصحابه
قال أبو محمد هذا بارد وكذب وليت شعري أي شيء من إدراك سفيان للتابعين مما يوجب أنه عناهم بهذا القول فكيف يصح عن سفيان إلا ما رويناه آنفا من أنه ظن منه ومثل هذا من الإقدام على القطع بالظنون لا يستسهله إلا من يستسهل الكذب نعوذ بالله من ذلك
ومما يوضح كذبهم في هذا على سفيان بن عيينة ما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس العذري ثنا أحمد بن عيسى بن إسماعيل البلوي ثنا غندر ثنا خلف بن القاسم الحافظ ثنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري قال محمد بن أبي عمر قال سفيان بن عيينة لو سئل أي الناس أعلم لقالوا سفيان يعني الثوري فهذا سفيان بن عيينة يقطع بأنهم كانوا يقولون سفيان أعلم الناس فدخل في ذلك مالك وغيره
وأما الرواية عن أبي جريج فلا يدرى عمن هي وإنما هي بلاغ ضعيف كما ترى
وبالله تعالى التوفيق
وقد ضربت آباط الإبل أيام عمر في طلب العلم حقا الذي هو العلم بالحقيقة وهو القرآن وسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهاجر الناس في خلافته إلى المدينة متعلمين للعلم ومتفقهين في الدين وما كان في أقطار البلاد يومئذ أحد يقطع على أنه أعلم من عمر لا سيما مع شهادة النبي صلى الله عليه و سلم له بالعلم والدين وأقصى ما يمكن أن يشك هل يساويه في العلم علي وعائشة ومعاذ وابن مسعود وأما أن يقطع بأنهم أعلم منه جملة فلا أصلا

وأما الإكثار من الرأي فليس علما أصلا ولو كان علما لكان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن أعلم من مالك لأنهم أكثر فتيا ورأيا منه فإذا ليس الرأي علما وإنما العلم حفظ سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقوال الصحابة والتابعين فقد كان في عصر مالك من هو أوسع علما منه كشعبة وسفيان ومن هو مثله كسفيان بن عيينة والأوزاعي وهشيم وغيره فظهر كذب من كذب في الحديث المذكور وبالله تعالى التوفيق
ثم لو صح وصح أنه مالك باسمه ونسبه لكان إنما فيه أنه لا يوجد أعلم منه قط وليس فيه أنه لا يوجد مثله في العلم فبطل احتجاجهم ولم يمنع وجود مثله في العلم وعارضهم بعض الشافعيين بما حدثناه هشام بن سعيد الخير بن فتحون قال ثنا عبد الجبار المقرىء بمصر نا الحسن بن الحسين النجيرمي ثنا جعفر بن محمد الأصبهاني نا يونس بن حبيب نا أبو داود الطيالسي نا جعفر بن سليمان عن النضر بن معبد عن الجارود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما اللهم إنك أذقت أولها عذابا أو وبالا فأذق آخرها نوالا
فقالوا هذه صفة الشافعي فما ملأ الأرض علما قرشي غيره وحدثنا أحمد بن محمد بن الجسور قال نا ابن أبي دليم نا ابن وضاح نا أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر الأزهري عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال تعلموا من قريش ولا تعلموها وقدموا قريشا ولا تؤخروها
فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش
قال أبو محمد وهذا حديث صحيح أصح من حديثهم الذي شنعوا به
وأما الحقيقة في ذلك الحديث فهي أن الصفة التي بين صلى الله عليه و سلم في ذلك الحديث لم تأت بعد هذا إن صح الحديث المذكور لأن الزمان إلى الآن لم تكن قط فيه البلاد عارية من عالم يضاهي علماء المدينة فقد كان في عصر الصحابة بالعراق ابن مسعود وعلي وسليمان وكان بالشام معاذ وأبو الدرداء وكان بمكة ابن عباس ولا يحل لذي ورع وعلم أن يقول إن عمر وعائشة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت كانوا أفقه من علي وابن مسعود ومعاذ وما ابن عباس بمتأخر عمن ذكرنا
ثم أتى التابعون فلا يقدر ذو ورع وعلم أن يقول إن سعيد بن المسيب

وسليمان بن يسار كانا أفقه من عطاء والحسن وعلقمة والأسود ثم أتى صغار التابعين فلا يقدر ذو ورع وعلم أن يقول إن ربيعة والزهري وأبا الزناد كانوا أفقه من إبراهيم النخعي وعامر والشعبي وسعيد بن جبير وأيوب السختياني وعمر بن عبد العزيز ثم أتى عصر مالك فكان معه ابن أبي ذئب وسفيان الثوري والأوزاعي وابن جريج والليس وليس أحد ممن ذكرنا دونه في رواية ولا دراية ولا ورع ثم هكذا إلى أن انقطع الفقه من المدينة جملة
واستقر في الآفاق
فإنما ذلك الحديث إن صح إذا قرب قيام الساعة وأرز الإيمان إلى المدينة ومكة وغلب الدجال على الأرض حاشا مكة والمدينة فحينئذ يكون ذلك وإنما حتى الآن فلم تأت صفة ذلك الحديث وهذا بين ظاهر
وأما الإنذار بما ذكرنا فكما حدثنا حمام بن أحمد عن عبد الله بن إبراهيم عن أبي زيد المروزي عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا إبراهيم بن المنذر نا أنس بن عياض حدثني عبيد الله عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها
وكما حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رافع والفضل بن سهل الأعرج ثنا شبابة بن سوار قال ثنا عاصم بن محمد العمري عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها
وكما حدثنا حمام بن أحمد عن عبد الله بن إبراهيم عن أبي زيد عن الفربري عن البخاري ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا الوليد بن مسلم ثنا أبو عمرو الأوزاعي ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وذكر باقي الحديث
ثم نقول لهم هبكم حتى لو صح الحديث المذكور ثم لو صح أنه مالك بلا شك أي شيء كان يكون فيه مما يوجب اتباعه دون غيره من العلماء ولا شك عند أحد من نقلة الحديث في صحة الحديث المسند إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه

رأى رؤيا فيها أنه أعطي قدحا فشرب منه حتى رأى الري يجري في أظفاره ثم ناول فضله عمر فقيل له يا رسول الله ما أولت ذلك فقال صلى الله عليه و سلم العلم وصحة الحديث أنه صلى الله عليه و سلم أري أمته وعليهم قمص بعضها إلى الثديين وعلى عمر قميص يجره وأنه صلى الله عليه و سلم أخبر أن ذلك الدين فقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن عمر من أعلم أمته وأصحابه ومن أئمتهم دينا
ولا خلاف بين أحد المسلمين أن عمر وعليا وابن مسعود وعائشة
أعلم من مالك بلا شك وليس ذلك يوجب تقليد أحد ممن ذكرنا ولا اتباعه على جميع أقواله كما فعلوا هم بمالك فبطل تعلقهم بالحديث المذكور لو صح وتأولهم فيه كذب بحت لا يحل لأحد نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
وما الفرق بينهم في الإقدام وبين الشافعيين لو استحلوا أن يقولوا إن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس تبع لقريش في هذا الأمر برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم إن المراد بهذا هو الشافعي لأنه قرشي النسب فيجب أن يكون الناس تبعا له وبين الداوديين لو أنهم استحلوا فقال إن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لو أن العلم أو هذا الدين بالثريا لتناوله رجل أو رجال من أبناء فارس المراد بهذا داود وأبو حنيفة لأنهما من أبناء فارس هذا على أن هذين الحديثين صحيحان لا شك في صحتهما وحديث عالم المدينة معلول لا يصح
فإن قالوا قد كان في قريش علماء غير الشافعي وفي الفرس علماء غير داود وأبي حنيفة قيل لهم وقد كان بالمدينة علماء غير مالك بلا شك وكان هذا استحلال للكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يستجيزه ذو ورع
قال أبو محمد وأما احتجاجهم بقول مالك هذا العمل ببلدنا فهذا لا معنى له لأن العمل بالمدينة قبل مولد مالك بثلاث وعشرين سنة لم يجز إلا بالظلم والجور والفسق ولا وليهم إلا الفساق من عمال بني مروان ثم عمال بني العباس كالحجاج وحبيش بن دلجة وطارق وعبد الرحمن بن الضحاك وغيرهم ممن لا يعتد بهم
وما أدرك مالك قط بالمدينة بعقله عمل أمير ووال يقتدي به أصلا ولقد كان التغيير بدأ في السنن من قبل ما ذكرنا كقول مروان ذهب ما هنالك
ودليل ما ذكرنا تركهم عمل عمر وعثمان في نصوص الموطأ فبطل الاحتجاج بالعمل جملة ولا يبق

إلا الرواية التي رواها ثقات العلماء عن أمثالهم إذ لم يمكن الظالمين أن يحولوا بينهم وبين ألسنتهم كما حالوا بينهم وبين العمل وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد ومن البرهان اللائح على بطلان التقليد أن أهل العصر الأول والعصر الثاني والعصر الثالث وهي القرون التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه و سلم كما حدثنا عبد الله بن ربيع عن محمد بن إسحاق بن السليم عن ابن الأعرابي عن أبي داود عن مسدد وعمرو بن عون قالا ثنا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن الحصين قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والله أعلم أذكر الثالث أم لا ثم يظهر قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ويحربون ولا يؤتمنون ويفشون فيهم السمن
قال أبو محمد وهكذا في كتابي والصواب يخونون ولا يؤتمنون
و بلفظة يخونون رويناه من طريق مسلم عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن أبي حمزة عن زهدم عن عمران عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان أهل هذه القرون الفاضلة المحمودة يطلبون حديث النبي صلى الله عليه و سلم والفقه في القرآن ويرحلون في ذلك إلى البلاد فإن وجدوا حديثا عنه صلى الله عليه و سلم عملوا به واعتقدوه ولا يقلد أحد منهم أحدا البتة فلما جاء أهل العصر الرابع تركوا ذلك كله وعولوا على التقليد الذي ابتدعوه ولم يكن قبلهم فاتبع ضعفاء أصحاب أبي حنيفة أبا حنيفة وأصحاب مالك مالكا ولم يلتفتوا إلى حديث يخالف قولهما ولا تفقهوا في القرآن والسنن ولا بالوا بهما إلا من عصمه الله عز و جل وثبته على ما كان عليه السلف الصالح في الأعصار الثلاثة المحمودة من اتباع السنن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والتفقه في القرآن وترك التقليد
وأما أفاضل أصحاب أبي حنيفة ومالك فما قلدوهما فإن خلاف ابن وهب وأشهب وابن الماجشون والمغيرة وابن أبي حازم لمالك أشهر من أن يتكلف إيراده وقد خالفه أيضا ابن القاسم وكذلك خلاف أبي يوسف وزفر ومحمد والحسن بن زياد لأبي حنيفة أشهر من أن يتكلف إيراده وكذلك خلاف أبي ثور والمزني للشافعي رحمه الله
وكذلك خالف أصبغ وسحنون ابن القاسم وخالف بن المواز أصبغ وكذلك خالف محمد بن علي بن يوسف المزني في كثير وكذلك خالف الطحاوي أيضا أبا حنيفة وأصحابه فإن كان النظر حقا فقد أخطؤوا في التقليد وإن كان التقليد

حقا فقد أخطؤوا النظر وترك التقليد فقد ثبت الخطأ عليهم على كل حال والخطأ واجب أن يجتنب
قال أبو محمد وقد سألناهم فقلنا لهم أنتم مقرون معنا بأن عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله عليه السلام ينزل إذا خرج الدجال اللعين فيدبر أهل الإسلام بملتهم لا بملة أخرى فقالوا لنا أبرأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أو بتقليد مالك وابن القاسم وسحنون يحكم بين المسلمين ويقضي في الدين ويفتي المستفتين ألا إن هذا هو الضلال المبين
ولقد نكس الإسلام وذلت النبوة وهانت الرسالة وخزي الحق وأهله إن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم وروحه وكلمته يرجع تابعا لمثل هؤلاء الذين لا يقطع لهم بنجاة ولا يضمن ما هم عليه عند الله تعالى فلا والله بل ما يقضي ويحكم ويفتي إلا بما أتى به أخوه في الرسالة وصاحبه في النبوة وقسيمه في نزول الوحي محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم وليبطلن الآراء الفاسدة فلا خوف من أحد
فمن أضل طريقه ممن يدين بشيء هو موقن أنه لم يكن أول الإسلام ولا يكون عند نزول المسيح عليه السلام ومن يضلل الله فما له من هاد
ابن فراس نا محمد بن علي بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور نا هشيم أنا ابن أبي ليلى عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل أن رجلا مات وترك ابنته وابنة ابنه وأخته لأبيه وأمه فأتوا أبا موسى الأشعري فسألوه عن ذلك فقال لابنته النصف والنصف الباقي للأخت فأتوا ابن مسعود فذكروا ذلك له فقال لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين إن أخذت بقول الأشعري وتركت قول رسول الله صلى الله عليه و سلم
فهذا ابن مسعود يسمي القول من الصاحب إذا خالف النص ضلالا وخلافا للهدى
وحدثنا أحمد بن عمر نا أبو ذر نا عبد الله بن أحمد نا إبراهيم بن خزيم نا عبد بن حميد نا أبو نعيم عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال سئل حذيفة عن قوله تعالى { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج لرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فلله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } قال لم يكونوا يعبدونهم ولكن إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه

قال أبو محمد هذه صفة المقلدين لأبي حنيفة ومالك والشافعي ولا يحرمون إلا ما جاء عن صاحبهم تحريمه ولا يحلون إلا ما جاءهم عن صاحبهم تحليله نبرأ إلى الله تعالى من مثل هذا الاعتقاد ونعوذ به منه في أحد من ولد آدم حاشا رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا عبد الرحمن بن سلمة نا أحمد بن خليل نا خالد بن سعد أخبرني أسلم بن عبد العزيز القاضي وسعيد بن عثمان العناني قالا نا يونس بن عبد الأعلى نا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه و سلم
كتب إلي يوسف بن عبد الله النمري أنا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا دحيم نا ابن وهب نا ابن لهيعة عن بكير بن الأشج أن رجلا قال للقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عجبا لعائشة كانت تصلي في السفر أربعا ورسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي ركعتين فقال يا ابن أخي عليك بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث وجدتها فإن من الناس من لا يعاب
كتب إلي النمري ثنا سعيد بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن إسماعيل الترمذي نا الحميدي نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال عمر بن الخطاب إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء
قال سالم قالت عائشة أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه و سلم لحله قبل أن يطوف بالبيت قال سالم فسنة رسول الله أحق أن تتبع
قال أبو محمد فنحن نسألهم أن يعطونا في الأعصار الثلاثة المحمودية عصر الصحابة وعصر التابعين وعصر تابعي التابعين رجلا واحدا قلد عالما كان قبله فأخذ بقوله كله ولم يخالفه في شيء فإن وجدوه ولن يجدوه والله أبدا لأنه لم يكن قط فيهم فلهم متعلق على سبيل المسامحة ولم يجدوه فليوقنوا أنهم قد أحدثوا بدعة في دين الله تعالى لم يسبقهم إليها أحد
وليعلموا أن عصابة من أهل العصر الرابع ابتدعوا في الإسلام هذه البدعة الشنعاء إلا من عصم الله تعالى منهم والبدع محرمة وشر الأمور محدثاتها وليعلموا أن طلاب

سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث كانت والعاملين بها والمتفقهين في القرآن الذين لا يقلدون أحدا هم على منهاج الصحابة والتابعين والأعصار المحمودة وأنهم أهل الحق في كل عصر والأكثرون عند الله تعالى بلا شك وإن قل عددهم وبالله تعالى التوفيق
وليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة نعني التقليد إنما حدثت في الناس وابتدىء بها بعد الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة وبعد أزيد من مائة عام وثلاثين عاما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنه لم يكن قط في الأسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدا على هذه البدعة ولا وجد فيهم رجل يقلد عالما بعينه فيتبع أقواله في الفتيا فيأخذ بها ولا يخالف شيئا منها ثم ابتدأت هذه البدعة من حين ذكرنا في العصر الرابع في القرن المذموم ثم لم تزل تزيد حتى عمت بعد المائتين من الهجرة عموما طبق الأرض إلا من عصم الله عز و جل وتمسك بالأمر الأول الذي كان عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين بلا خلاف من أحد منهم نسأل الله تعالى أن يثبتنا عليه وألا يعدل بنا عنه وأن يتوب على من تورط في هذه الكبيرة من إخواننا المسلمين وأن يفيء بهم إلى منهاج سلفهم الصالح
حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال نا محمد بن إسحاق بن السليم قال نا ابن الأعرابي عن أبي داود نا أبو بكر بن شيبة نا وكيع عن الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي قلابة قال قال أبو مسعود وهو البدري لأبي عبد الله وهو حذيفة أو قال أبو عبد الله وهو حذيفة لأبي مسعود البدري
ما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في زعموا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بئس مطية الرجل
وقد نص رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث عذاب القبر على أن المنافق أو المرتاب يقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فهذا التقليد مذموم في التوحيد فكيف ما دونه
وقال ابن مسعود لا تكن إمعة
فسئل ما هو فقال الذي يقول أنا مع الناس
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا بشار بندار نا ابن أبي عدي أنبأنا شعبة عن

الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال لا يكونن أحدكم إمعة يقول إنما أنا مع الناس ليوطن أحدكم نفسه إن كفر الناس ألا يكفر وبه إلى بندار نا محمد بن جعفر نا شعبة قال سمعت أبا إسحاق يقول سمعت هبيرة وأبا الأحوص عن ابن مسعود قال إذا وقع الناس في الشر قل لا أسوة لي في الشر
وبه إلى بندار قال ثنا سعيد بن عامر نا شعبة عن الحكم قال ليس أحد من الناس إلا وأنت آخذ من قوله أو تارك إلا النبي صلى الله عليه و سلم
وبه إلى بندار نا أبو داود نا شعبة عن منصور عن سعيد بن جبير أنه قال في الوهم يعيد قال فذكرت ذلك لإبراهيم فقال ما تصنع بحديث سعيد بن جبير مع قول رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا محمد بن سعيد عن القلعي عن الصواف عن بشر بن موسى عن الحميدي قال قال سفيان ما زال أمر الناس معتدلا حتى غير أبو حنيفة بالكوفة والبتي بالبصرة وربيعة بالمدينة
قال أبو محمد وصدق سفيان فإن هؤلاء أول من تكلم بالآراء ورد الأحاديث فسارع الناس في ذلك واستحلوه والناس سراع إلى قبول الباطل والحق مر ثقيل
وقد أوردنا قبل هذا المكان بأوراق يسيرة أن النبي صلى الله عليه و سلم لما تلا { تخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون لله ولمسيح بن مريم ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } قال له عدي بن حاتم وكان قبل ذلك نصرانيا يا رسول الله ما كنا نعبدهم فقال له صلى الله عليه و سلم كلاما معناه إنهم كانوا يحرمون ما حرموا عليهم ويحلون ما أحلوا لهم وأخبر صلى الله عليه و سلم أن هذه هي العبادة
قال أبو محمد ولا جرم فقد حرم مقلدو مالك شحوم البقر والغنم إذا ذبحها يهودي وحرموا الجمل والأرنب إذا ذكاهما يهودي تقليدا لخطأ مالك في ذلك وردوا قول الله تعالى في ذلك بعينه { ليوم أحل لكم لطيبات وطعام لذين أوتوا لكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ولمحصنات من لمؤمنات ولمحصنات من لذين أوتوا لكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بلإيمان فقد حبط عمله وهو في لآخرة من لخاسرين }
وأحل أصحاب أبي حنيفة ثمن الكلب الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه و سلم وحرم من اتبعه منهم المساقاة التي أحلها الله تعالى تقليدا لخطأ أبي حنيفة في ذلك وردوا كلام النبي صلى الله عليه و سلم وإخباره في ثمن الكلب أنه سحت وتحريمه إياه وهذا نص ما حرم الله

تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم من فعل اليهود والنصارى وقد أنذر صلى الله عليه و سلم بذلك وقال لتركبن سنن من كان قبلكم فقيل له يا رسول الله اليهود والنصارى فقال صلى الله عليه و سلم كلاما معناه نعم
حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود نا ابن دحيم بن حماد نا إسماعيل بن إسحاق نا حجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة نا عطاء بن السائب عن أبي البختري أن سلمان قال لزيد بن صوحان وأبي قرة كيف أنتما عند زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق ودنيا مطغية تقطع الأعناق ثم قال أما زلة العالم فإن اهتدى فلا تحملوه دينكم وإن زل فلا تقطعوا منه أناتكم وأما جدال المنافق بالقرآن والقرآن حق فإن للقرآن منارا كمنار الطريق فما أضاء لكم فاتبعوه وما شبه عليكم فكلوه إلى الله عز و جل وذكر باقي الحديث
قال أبو محمد فهذا سلمان ينهى أن يقلد العلماء ويأمر باتباع ظاهر القرآن الذي هو كمنار الطريق وينهى عن التأويلات والمتشابه منه وهذا نص قولنا والحمد لله رب العالمين
حدثنا يوسف بن عبد الله النمري أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن هو ابن الزيات نا محمد بن أحمد القاضي المالكي البصري نا موسى بن إسحاق
نا إبراهيم بن المنذر الخزامي قال نا معن بن عيسى القزاز قال سمعت مالك بن أنس يقول إنما أنا بشر أخطىء وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه فهذا مالك ينهى عن تقليده وكذلك أبو حنيفة وكذلك الشافعي فلاح الحق لمن لم يغش نفسه ولم تسبق إليه الضلالة نعوذ بالله منها


فصل في سؤال الرواة عن أقوال العلماء قال أبو محمد فإن قال قائل فكيف يفعل العالم إذا سئل عن مسألة فأعيته أو نزلت به نازلة فأعيته قيل له وبالله تعالى التوفيق يلزمه أن يسأل الرواة عن أقوال العلماء في تلك المسألة النازلة ثم يعرض تلك الأقوال على كتاب الله تعالى وكلام النبي صلى الله عليه و سلم كما أمره الله تعالى إذ يقول { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل لذكر إن كنتم لا تعلمون } وإذ يقول { وما ختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى لله ذلكم لله ربي عليه توكلت وإليه أنيب } وقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ولم يقل تعالى فردوه إلى مالك وأبي حنيفة والشافعي فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليرد ما اختلف فيه من الدين إلى القرآن والسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه و سلم وليتق الله ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين لم يؤمر بالرد عليه ومن أبى فسيرد ويعلم
وقد قال الله تعالى { بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } فلم يجعل البيان إلا لنبيه صلى الله عليه و سلم فمن رد إلى سواه فقد عدم البيان وحصل على الضلالة ونعوذ بالله منها
فالتقليد كله حرم في جميع الشرائع أولها عن آخرها من التوحيد والنبوة والقدر والإيمان والوعيد والإمامة والمفاضلة وجميع العبادات والأحكام
فإن قال قائل فما وجه قوله تعالى { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل لذكر إن كنتم لا تعلمون } قيل له وبالله تعالى التوفيق إنه تعالى أمرنا أن نسأل أهل العلم عما حكم به الله تعالى في هذه المسألة وما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها ولم يأمرنا أن نسألهم عن شريعة جديدة يحدثونها لنا من آرائهم وقد بين ذلك صلى الله عليه و سلم بقوله فليبلغ

الشاهد الغائب وبينه تعالى بقوله { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } فالدين قد كمل فلا مدخل لأحد فيه بزيادة ولا نقص ولا تبديل وكل هذا كفر ممن أجازه
وقد أمر تعالى المتفقهين أن ينفروا لطلب أحكام الدين ولم يأمرهم أن يقولوا من عند شيئا بل حرم تعالى ذلك بذمه قوما شرعوا لهم في الدين ما لم يأذن به الله وبقوله عز و جل { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا }
فإنما نحن دعاة إلى تفهم القرآن وكلام النبي صلى الله عليه و سلم ومبلغون من ذلك إلى من تقدمناه في الطلب ما بلغه إلينا من تقدمنا ومعلمون إياه ومعاذ الله من التزيد في هذا أو من تبديله أو من النقص منه
فإن قال قائل فكيف يصنع العامي إذا نزلت به النازلة
قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق إنا قد بينا تحريم الله تعالى للتقليد جملة ولم يخص الله تعالى بذلك عاميا من عالم ولا عالما من عامي وخطاب الله تعالى متوجه إلى كل أحد فالتقليد حرام على العبد المجلوب من بلده والعامي والعذراء المخدرة والراعي في شعف الجبال كما هو حرام على العالم المتبحر ولا فرق والاجتهاد في طلب حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم في كل ما خص المرء من دينه لازم لكل من ذكرنا كلزومه للعالم المتبحر ولا فرق فمن قلد من كل من ذكرنا فقد عصى الله عز و جل وأثم ولكن يختلفون في كيفية الاجتهاد فلا يلزم المرء منه إلا مقدار ما يستطيع عليه لقوله تعالى { لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين } ولقوله تعالى { فتقوا لله ما ستطعتم وسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم لمفلحون } والتقوى كله هو العمل في الدين بما أوجبه الله تعالى فيه ولم يكلفنا تعالى منه إلا ما نستطيع فقط ويسقط عنا ما لا نستطيع وهذا نص جلي على أنه لا يلزم أحدا من البحث على ما نزل به في الديانة إلا بقدر ما يستطيع فقط فعلى كل أحد حظه من الاجتهاد ومقدار طاقته منه فاجتهاد العامي إذا سأل العالم على أمور دينه فأفتاه أن يقول له هكذا أمر الله ورسوله فإن قال له نعم أخذ بقوله ولم يلزمه أكثر من هذا

البحث وإن قال له لا أو قال له هذا قولي أو قال له هذا قول مالك أو ابن القاسم أو أبي حنيفة أو أبي يوسف أو الشافعي أو أحمد أو داود أو سمى له أحد من صاحب أو تابع فمن دونهما غير النبي صلى الله عليه و سلم أو انتهزه أو سكت عنه فحرام على السائل أن يأخذ بفتياه وفرض عليه أن يسأل غيره من العلماء وأن يطلبه حيث كان إذ إنما يسأل المسلم من سأل من العلماء عن نازلة تنزل به ليخبره بحكم الله تعالى وحكم محمد صلى الله عليه و سلم في ذلك وما يجب في دين الإسلام في تلك المسألة ولو علم أنه يفتيه بغير ذلك لتبرأ منه وهرب عنه
وفرض على الفقيه إذا علم أن الذي أفتاه به هو في نص القرآن والسنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أو الإجماع أن يقول له نعم هكذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه و سلم وحرام عليه أن ينسب إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه و سلم شيئا قاله بقياس أو استحسان أو تقليد لأحد دون النبي صلى الله عليه و سلم فإنه إن فعل ذلك كان بذلك كاذبا على رسوله عليه السلام ومقولا له ما لم يقل وقد وجبت له النار يقينا بنص قوله صلى الله عليه و سلم من كذب علي فليلج النار وهذا الذي قلنا لا يعجز عنه واحد وإن بلغ الغاية في جهله لأنه لا يكون أحد من الناس مسلما حتى يعلم أن الله تعالى ربه وأن النبي عليه السلام وهو محمد بن عبد الله رسول الله بالدين القيم
فإن قال قائل فإن أفتاه الفقيه بفتيا منسوخة أو مخصوصة أو أخطأ فيها فنسبها إلى النبي صلى الله عليه و سلم وليست من قوله سهوا أو تعمد ذلك فما الذي يلزم العامي من ذلك وقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال قلت لأبي رحمه الله الرجل تنزل به النازلة وليس يجد إلا قوما من أصحاب الحديث والرواية لا علم لهم بالفقه وقوما من أصحاب الرأي من يسأل فقال يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث خير من الرأي
قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن هذا ينقسم ستة عشر قسما وهي من بلغه خبر منسوخ أو آية منسوخة ولم يعلم بنسخ ذلك فالعامي والعالم في ذلك سواء والواجب عليهما بلا شك العمل بذلك المنسوخ ولم يؤمرا قط بتركه إلا إذا بلغهما النسخ قال تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } فأخبر تعالى

أنه لا تلزم النذارة إلا من بلغه الأمر فما دام النسخ لم يبلغه فلم يلزمه
وإذا لم يلزمه فلم يؤمر به { لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين } وليس في وسع أحد أن يعلم ما لم يعلم في حين جهله به ولا أن يعرف الشريعة قبل أن تبلغه وقد لزمه الأمر الأولى بيقين فلا يسقط عنه إلا ببلوغ الناسخ إليه بنص القرآن
وهكذا كان الصحابة الذين بأرض الحبشة والصلاة قد فرضت بمكة إلى بيت المقدس وعرفوا ذلك فصلوا كذلك بلا شك ثم حولت القبلة إلى الكعبة بالمدينة بعد ستة عشر شهرا من الهجرة ولا خلاف بين أحد أنهم لم يلزمهم التحول إلى الكعبة ولا سقط عنهم فرض الصلاة ولا كان لهم أن يصلوا إلى غير القبلة التي صح عندهم الأمر بها ما لم يبلغهم النسخ وقد سمى الله تعالى صلاة من مات قبل أن يبلغهم بالنسخ إيمانا فقال تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على لناس ويكون لرسول عليكم شهيدا وما جعلنا لقبلة لتي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع لرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على لذين هدى لله وما كان لله ليضيع إيمانكم إن لله بلناس لرءوف رحيم } وهكذا فعل أهل قباء صلوا نصف صلاتهم إلى بيت المقدس ولا شك أنهم لم يبتدئوها إلى بيت المقدس إلا والقبلة قد نسخت لكن لما لم يعلموا ذلك لم يلزمهم ما لم يعلموا ولا سقط عنهم ما كان لزمهم إلا بعد بلوغ النسخ إليهم
وهكذا القول في كل ما صح نسخه ولم يصح عند بعض الناس
وأما إن قامت عليه الحجة فعاند تقليدا ففاسق وهذا في غاية البيان فيما قلنا والحمد لله رب العالمين
وأما من بلغه الخبر المنسوخ أو الآية المنسوخة ولم يعرف أنهما منسوخان فأقدم على تركهما بغير علم الناسخ فهو عاص لله تعالى لأنه ترك الفرض الواجب عليه لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق
فهذا وجهان في النص المنسوخ الذي لم يبلغ المرء نسخه
ثم وجهان آخران في عكس هذه المسألة وهما نص غير منسوخ من آية أو كلام النبي صلى الله عليه و سلم ظنه عالم من العلماء منسوخا فترك العمل به وأفتى بذلك عاميا وأخبره أن الحديث أو الآية منسوخان فتركه العامي أو عملا به وهما يظنان ويقدران أنه منسوخ وهذا خلاف ما تقدم لأنهما ههنا تركا العمل بما أوجبه الله تعالى عليهما إلا أن من ترك ذلك مجتهدا يرى أن الذي فعل هو الحق ولم يتبين له غيره

بعد فهو مخطىء له أجر واحد ومن ترك ذلك مقلدا فهو عاص لله عز و جل آثم لا حظ له في الآخرة أصلا لأنه ترك الحق للباطل دون اجتهاد
فهذه أربعة أوجه ثم وجهان آخران وهما من بلغه حديث صحيح فلم يصح عنده فعمل به أو تركه فأما الذي عمل بحديث صحيح وهو يعتقد فيه أنه غير صحيح فإنه مقدم على ما يرى أنه باطل فهو عاص لله تعالى بنيته في ذلك فإن تركه وهو عنده غير صحيح ولم تقم الحجة عليه بصحته فهو محسن مأجور ولا شيء عليه لأنه لم يبلغه بعد ما يلزمه اتباعه
وأما من صح عنده الخبر فتركه فإنه لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون مقدما مستجيزا لخلاف ما صح عنده من الله عز و جل ولا إثم عليه في نفس عمله بما وافق الحق فهذا قسم
وقسم ثان وهو أن يستحل خلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو كافر مشرك لقول الله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
ثم وجهان آخران وهما عكس اللذين قبلهما وهما من بلغه حديث غير صحيح فظنه صحيحا فعمل به فهذا مأجور على نيته واجتهاده أجرا واحدا ولا إثم عليه فيما خالف فيه الحق لأنه لم يقصد والأعمال بالنيات فلو تركه عمدا لكان متسهلا لخلاف ما صح عنده عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه و سلم فهو عاص لله تعالى بهذه النية فقط آثما فيها فإن لم يكن مستسهلا لذلك لكن اتفق له ترك العمل بذلك
فلا إثم عليه لأنه لم يترك حقا وهذا حكم من أفتاه فقيه بفتيا غير صحيحة
فإنها لا تلزمه ولا هو مأمور بها
ولو كان عاصيا بترك العمل بها لكان مأمورا بها وهي باطل
فكان يكون مأمورا بالباطل
وهذا خطأ متيقن
لكنه إن تركها مستسهلا لترك العمل

بالواجب عليه فهو عاص بهذه النية فقط لا بتركه للعمل بغير الواجب
وبالله تعالى التوفيق
ومن أفتى آخر بفتيا صحيحة إلا أنه لم يأته عليها بدليل فإنه إن عمل بها مقلدا فهو آثم في تقليده مأجور إن شاء الله تعالى بعمله بها إن أراد الله تعالى
ثم وجهان وهما من بلغه نص مخصوص فعمل به على عمومه ولم يبلغه الخصوص وترك العمل بعمومه فوافق الحق وهو لا يعلمه أو بلغه نص عام فتأول فيه الخصوص
فأما الذي عمل بالعموم في الخصوص ولم يبلغه الخصوص وهو يظنه عموما فمأجور أجرين لأن فرضه أن يعمل بما بلغه حتى يبلغه خلافه إذ وجوب الطاعة لله تعالى فرض عليه فلو تأول أنه مخصوص دون دليل يقوم له على ذلك لكن مطارفة فعمل بالخصوص فوافق الحق فإن كان مستسهلا لمخالفة ظاهر ما يأتيه عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه و سلم بلا دليل فهو فاسق عاص بهذه النية فقط غير عاص فيما فعل لأنه لم يخطىء في ذلك فإن فعل ذلك باتفاق دون قصد إلى خلاف ما بلغه من الظواهر عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم فلا إثم عليه البتة
والقياس وقول من دون النبي صلى الله عليه و سلم بغير نص ولا إجماع والرأي كل ذلك خطأ ولم يكن قط حقا البتة
ثم وجهان وهما حاكم شهد عنده رجلان هما عنده عدلان فوافق أن شهدا بباطل إما عمدا وإما غلطا فإنه حق مأمور بالحكم بشهادتهما
لأنه قد ورد النص بقبول شهادة العدول عندنا
ولم نكلف علم غيبهما وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فقد أخبر صلى الله عليه و سلم أنه يحكم بظاهر الشهادة أو اليمين ولعل الباطن خلاف ذلك وهو صلى الله عليه و سلم لا يحكم إلا بالحق الذي لا يحل خلافه
ففرض على الحاكم أن يحكم بشهادة العدول عنده وإن كانوا كاذبين أو مغفلين وهو في ذلك مأجور أجرين ولا إثم عليه فيما خفي عنه فإن لم يحكم بتلك الشهادة فهو عاص لله عز و جل
فاسق بتلك النية وبعمله معا والإثم عليه في تركه الحكم بها
ثم وجهان وهما حاكم شهد عنده عدلان بحق فلم يعرفهما فهو غير مأمور

بالحكم بشهادتهما ولا يحل له أن يحكم بها أصلا وهما عنده مجهولان ولا إثم عليه فيما خفي عنه من ذلك فلو حكم بها فهو آثم عاص بهذه النية وبعمله فاسق بها والإثم عليه في نفس حكمه وإن كان بما وافق الحق
وعمدة القول في هذا الباب كله أن الإثم ساقط عن المرء فيما لم يبلغه والإثم لازم له فيما بلغه فخالفه عمدا أو تقليدا وأنه لا يجب على المرء إلا ما جاء به النص أو الإجماع حقا لا ما أفتاه به المفتون مما لم يأت به نص ولا إجماع وأخبر بأنه نص أو إجماع وأنه مأجور على نيته ومثاب عليها فإن كانت خيرا فخير وإن كانت شرا فشر وإن المرء لا يأثم بعمل ما أمر به وإن لم يعلم أنه مأمور به ولا يأثم بترك ما لم يؤمر به
وإن لم يعلم أنه ليس مأمورا به وإن ظن أنه مأمور به لأن النية غير العمل إلا أن يبلغه نص فيخالفه وإن كان مخصوصا أو منسوخا بعد أن يبلغه الناسخ أو المخصص
ومن هذا الباب من لقي امرأة فراودها عن نفسها فأجابته فوطئها وهو يظنها أجنبية فإذا بها امرأته ولم يكن عرفها بعد ولا كان دخل بها أو لقي إنسانا فقتله وهو يظنه مسلما حرام الدم فإذا به قاتل أبيه عمدا أو كافر حربي أو انتزاع مالا من مسلم كرها فإذا به ماله نفسه فكل هذا إن كان مستسهلا للزنى أو لغصب المال وقتل النفس فهو آثم بتلك النية فاسق بها عاص لله عز و جل ولا إثم عليه في وطئه ولا أخذه ماله
ولا قتله الحربي ولا قاتل أبيه لأنه لم يواقع في ذلك إلا مباحا له
وقد يظن ظان أن المستسهل للإثم وإن لم يواقعه لا يكتب عليه إثم ذلك لما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم من قوله من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة
قال أبو محمد وهذا الحديث بين أن الذي لا يكتب عليه إثم فهي السيئة التي لم يعملها وهذا ما لا شك فيه ولم يقل صلى الله عليه و سلم إن إثم الهم بالسيئة لا يكتب عليه والهم بالشيء غير العمل به قال ضابىء بن الحارث البرجمي هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله ثم استدركنا هذا وتأملنا النصوص فوجدناها مسقطة حكم الهم جملة وأنه هو اللمم المغفور جملته

فإن قال قائل فقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أخبر أن من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة قيل له قد صح ذلك وأخبر صلى الله عليه و سلم أن الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى فمن هم بسيئة ثم تركها قاصدا بتركها إلى الله تعالى كتبت له حسنة بهذه النية الجميلة فإن تركها لا لذلك لكن ناسيا أو مغلوبا أو بدا له فقط فإنها غير مكتوبة عليه لأنه لم يعملها ولا أجر له في تركها لأنه لم يقصد بذلك الله تعالى
ولا يكون من هم بالسيئة مصرا إلا من تقدم منه مثل ذلك الفعل قال الله تعالى { ولذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا لله فستغفروا لذنوبهم ومن يغفر لذنوب إلا لله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } فصح أن لا إضرار إلا على من قد عمل بالشيء الذي هو مصر عليه وهو عالم بأنه حرام عليه وأما من هم بقبيح ولم يفعله قط فهو هام به لا مصر عليه بالنصوص التي ذكرنا
فإن قال قائل ما تقولون في حربي كافر لقي مسلما فدعاه المسلم إلى الإسلام فأسلم ثم علمه الشرائع وقال له هذه شرائع الإسلام أيلزمه العمل بما أخبره من ذلك أم لا قيل له وبالله تعالى التوفيق الكلام في هذا كالكلام فيما تقدم
وهو أن ما كان مما أمره به موافقا للنص أو الإجماع فهو واجب عليه قبوله ومأجور فيه إن عمله أجران وعاص فيه إن لم يفعله وما كان من ذلك بخلاف النص فهو غير واجب عليه ولا يأثم في ترك العمل به إلا إن استسهل خلاف ما ورد عليه من النص فهو آثم في هذه النية فقط فلو عمل بذلك أجر أجرا واحدا بقصده إلى الخير فقط ولم يؤجر على ذلك العمل ولا إثم فيه لأنه ليس حقا فيؤجر عليه ولم يقصد عمل الخطأ وهو يعلمه فيأثم عليه وهذا حكم العامي في كل ما أفتاه فيه فقيه من الفقهاء
وهذا حكم العالم فيما اعتقده وأفتى به باجتهاد لا يوقن فيه أنه مصيب للحق عند الله عز و جل
فهي أربع مراتب هو إنسان عمل بالحق وهو يدري أنه حق فله أجران أجر النية وأجر العمل وآخر عمل الباطل وهو يدري أنه حق فله أجران أجر النية وأجر العمل وآخر عمل الباطل وهو يدري أنه باطل فله إثمان إثم النية وإثم العمل

وقال تعالى { ومن جآء بلسيئة فكبت وجوههم في لنار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون }
فالنية عمل النفس المجرد والعمل على الجوارح بتحريك النفس لها فهما عملان متغايران وثالث عمل بالحق وهو يظنه باطلا أو ترك الباطل وهو يظن أن ذلك الباطل الذي ترك حق فلا إثم عليه فيما عمل ولا فيما ترك لأنه لم يعمل محرما عليه ولا ترك واجبا عليه ولا يؤجر أيضا في شيء من ذلك لأنه لم يقصد بنيته في ذلك وجه الله تعالى فإن نوى في ذلك استسهال مخالفة الحق فهو آثم بهذه النية فقط لا بما فعل ولا بما ترك
ورابع عمل بالباطل وهو يظنه حقا أو ترك الحق وهو يظنه باطلا فهذا مأجور في نيته للخير أجرا واحدا ولا إثم عليه فيما فعل ولا فيما ترك ولا أجر أيضا لأنه لم يعمل صوابا فيؤجر
ولا قصد الباطل وهو يعلمه باطلا فيأثم فهذه حقيقة البيان في هذه المسألة واليقين فيها والحق عند الله بلا شك وما عدا هذا فحيرة ودعوى بلا دليل
فإن سأل العامي فقيهين فصاعدا فاختلفوا عليه فقد قال قوم يأخذ بالأخف وقال قوم يأخذ بالأثقل وقال قوم لا يلزمه منها وقال قوم هو مخير يأخذ ما يشاء من ذلك
قال أبو محمد أما من قال هو مخير فقد أمره باتباع الهوى وذلك حرام وأخطأ بلا شك وجعل الدين مردودا إلى اختيار الناس يعمل بما شاء وأجاز فيه الاختلاف والله تعالى يقول { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا } وقال تعالى { وأطيعوا لله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وصبروا إن لله مع لصابرين } وقال تعالى { فإن لم يستجيبوا لك فعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من لله إن لله لا يهدي لقوم لظالمين } فالاختلاف ليس من أمر الله تعالى الذي أباحه وأمر به
وقد علمنا أن حكم الله تعالى في الدين حكم واحد وأن سائر ذلك خطأ وباطل فقد خيره هذا القائل في أخذ الحق أو تركه وأباح له خلاف حكم الله تعالى وهذا الباطل المتيقن بلا شك فسقط هذا القول بالبرهان الضروري

وأما من قال يأخذ بالأثقل فلا دليل على صحة قوله أيضا وكذلك قول من قال يأخذ بالأخف وكل قول بلا دليل فهي دعوى ساقطة فإن احتج بقول الله عز و جل { شهر رمضان لذي أنزل فيه لقرآن هدى للناس وبينات من لهدى ولفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد لله بكم ليسر ولا يريد بكم لعسر ولتكملوا لعدة ولتكبروا لله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } فقد علمنا أن كل ما ألزم الله تعالى فهو يسر وبقوله تعالى { وجاهدوا في لله حق جهاده هو جتباكم وما جعل عليكم في لدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم لمسلمين من قبل وفي هذا ليكون لرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على لناس فأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وعتصموا بلله هو مولاكم فنعم لمولى ونعم لنصير }
قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق إنه إن أفتاه فقيهان فصاعدا بأمور مختلفة نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو غير فاسق بتركه قبول شيء منها لأنه إنما يلزمه ما ألزمه النص في تلك المسألة وهو لم يدره بعده فهو غير آثم بتركه ما وجب مما لم يعلمه لكنه يتركهم ويسأل غيرهم ويطلب الحق
مثال ذلك رجل سأل كيف أحج فقال له فقيه أفرد فهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجته التي لم يكن له بعد الهجرة غيرها
وقال له آخرون اقرن فهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجته التي لم تكن له بعد الهجرة غيرها
وقال له آخرون تمتع فهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجته التي لم يكن له بعد الهجرة غيرها ففرض عليه أن يتركهم ويستأنف سؤال غيرهم ثم يلزمه ما قلنا آنفا قبل هذا من موافقته للحق أو حرمانه إياه بعد اجتهاده
ويكون العامي حينئذ بمنزلة عالم لم يبين له وجه الحكم في مسألة ما إما بتعارض أحاديث أو آي أو أحاديث وآي فحكمه التوقف والتزيد من الطلب والبحث حتى يلوح له الحق أو يموت وهو باحث عن الحق عالي الدرجة في الآخرة في كلا الأمرين ولا يؤاخذه الله تعالى بتركه أمرا لم يلح له الحق فيه لما قدمنا قبل من أن الشريعة لا تلزم إلا من بلغته وصحت عنده
والأصل إباحة كل شيء بقوله تعالى { هو لذي خلق لكم ما في لأرض جميعا ثم ستوى إلى لسمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم } وبقوله صلى الله عليه و سلم أعظم الناس جرما في الإسلام من سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته

والأصل ألا يلزم أحدا شيء إلا بعد ورود النص وبيانه وبقوله تعالى { يأيها لذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل لقرآن تبد لكم عفا لله عنها ولله غفور حليم } وبقوله عليه السلام لو قلتها لوجبت فاتركوني ما تركتكم وبقوله صلى الله عليه و سلم في قيام رمضان خشيت أن يفرض عليكم فمن علم أن عليه الحج ولم يدر كيف يقيمه فلا يؤاخذ من تركه ما وجب عليه من عمل الحج إلا بما علم لا بما لا يعلم ولكن عليه التزيد في البحث حتى يدري كيف يعمل ثم حينئذ يلزمه الذي علم ولا يؤاخذ الله تعالى أحدا بشيء لم تقم عليه الحجة ولا صح عنده وجهه لأنه لم يبلغه ذلك الحكم قال تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون }
وأما من قال إن الفرض على العامي أن يقبل ما أفتاه به الفقيه ولم يفسر كما فسرنا فقد أخطأ
ونحن نسأل قائل هذا القول فنقول له إن كنت شافعيا فماذا تقول في عامي سأل مالكيا أو حنفيا عن رجل أعتق أمته وتزوجها وجعل عتقها صداقها
فأفتاه بأنها ليست له بزوجة وأن نكاحه فاسد أتجيز له أن يعتر بغير طلاق فيزوجها من غيره فيبيح له فرجا حرمه الله عليه أو تراه عاصيا إن قام معها
وإن كان مالكيا قلنا له ما تقول في عامي سأل شافعيا أو حنبليا عن نكاح امرأة أمه أرضعته رضعتين فأفتاه بنكاحها أتبيح له ذلك وتقول إنه لازم الأخذ بقوله
أو سأل حنفيا عن المساقاة أتجوز فحرمها عليه أيكون الأخذ بتحريم المساقاة واجبا عليه
فإن قال نعم قيل له من أوجب عليه تحريم ذلك إذ يقول إنه واجب عليه أن يأخذ بقول الفقيه الذي يفتيه أنت أم الله عز و جل فإن قال الله عز و جل كذب على الله تعالى وأقر مع ذلك أن الله تعالى أوجب عليه خلاف مذهبه وإن قال أنا أوجبت ذلك ترك مذهبه وزادنا أنه يحرم ويحلل وهذا خروج عن الإسلام

وكذلك يسأل الحنفي عن عامي استفتى مالكيا عن كلام الإمام في الصلاة بما فيه إصلاحها فأفتاه بجواز ذلك أيلزمه الأخذ بقوله فيصير له الكلام في الصلاة مباحا ثم يلزمه كل ما ذكرنا آنفا
وهكذا نسأل كل معتقد لمسألة يستعظم مخالفة من خالفه فيها من عامي سأل فقيها فأفتاه بما يستعظمه هذا الذي نسأله نحن أفرض الله تعالى عليه قبول ذلك المعنى أم لا فإن قال لا ترك قوله الفاسد إن العامي قد فرض الله تعالى عليه قبول ما أفتاه الفقيه المسؤول وإن لج وقال نعم صار حاكما بتحريم شيء وتحليله في وقت واحد وجعل حكم الله تعالى مردودا إلى حكم ذلك المفتي وجعل حكم ذلك المفتي مبطلا لحكم الله تعالى ولحكم رسوله صلى الله عليه و سلم وجعل دين الله تعالى موكولا إلى آراء الرجال ومتبدلا بتبدل الفتاوى فمرة ساقطا ومرة لازما وفي هذا مفارقة الإسلام ومكابرة العقل وإبطال الحقائق وبالله تعالى التوفيق
والناس فيما يعتقدونه ولا يخلون من أحد أربعة أوجه لا خامس لها إما أن يكون المرء طلب الصواب فأداه اجتهاده إلى الصواب حقا فاعتقده على بصيرة وإما أن يكون طلب الصواب فحرم إدراكه لبعض العوارض التي سبقت له في علم الله تعالى وإما أن يكون قلد فوافق في تقليده الصواب وإما أن يكون قلد فوافق في تقليده الخطأ
فأما الوجهان الأولان فقد قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن من اجتهد فأصاب فله أجران وأن من اجتهد فأخطأ فله أجر وقوله صلى الله عليه و سلم إذا اجتهد الحاكم عموم لكل مجتهد لأن كل من اعتقد في مسألة ما حكما ما فهو حاكم فيها لما يعتقد هذا هو اسمه نصا لا تأويلا لأن الطلب غير الإصابة وقد يطلب من لا يصيب على ما قدمنا ويصيب من لا يطلب فإذا طلب أجر فإذا أصاب فقد فعل فعلا ثانيا يؤجر عليه أجرا ثانيا أيضا
فإن أشكل عليه بعد طلبه فلم يأت محرما عليه ولا اعتمد معصية فلا إثم عليه ولم يفعل ما أمر به من الإصابة فلا أجر له فيما لم يفعل وله بالطلب أجر واحد
ولكن الطلب يختلف فمنه طلب أمر به وطلب لم يؤمر به فالطلب الذي أمر به هو الطلب في القرآن والسنن ودليلهما فمن طلب في هذه المعادن الثلاثة فقد طلب كما أمر
فله أجر الطلب لأنه مؤد لما أمر به منه على ما ذكرنا

والطلب الذي لم يؤمر به هو الطلب في القياس وفي دليل الخطاب وفي الاستحسان وفي قول من دون النبي صلى الله عليه و سلم فلم يطلب كما أمر فلا أجر له على طلب ذلك لكن لما كانت نيته بذلك القصد إلى الله عز و جل وطلب الحق وابتغاءه كان غير قاصد إلى الخطأ وهو يدري أنه خطأ فله من ذلك نية من هم بخير وهم بحسنة وهي الطلب الذي لم يفعله
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال من هم بحسنة ولم يعملها فإنها تكتب له حسنة والحسنة بلا شك أجر فالأجر هنا يتفاضل فمن هم بالطلب ثم طلب كما أمر فله عشر حسنات لأنه هم بحسنة فعملها ومن هم بالطلب كما أمر فله حسنة واحدة لأنه لم يعملها كما أمر
حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم ثنا أبو كريب ثنا أبو خالد الأحمر عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب وإن عملها كتبت
وبه إلى مسلم حدثنا شيبان بن فروخ ثنا عبد الوارث هو ابن سعيد التنوري عن الجعد أبي عثمان ثنا أبو رجاء العطاري عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يروي عن ربه تعالى قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة
قال أبو محمد وأما القسم الثالث وهو المقلد المصيب فهو في تقليده عاص لله عز و جل لأنه فعل أمرا قد نهاه الله عنه وحرمه عليه فهو آثم بذلك ويبعد عنه أجر المعتقد للحق لأنه لم يصبه من الوجه الذي أمره الله تعالى به وكل من عمل عملا بخلاف أمر الله تعالى فهو باطل
ولا شك أن المجتهد المخطىء أعظم أجرا من المقلد المصيب وأفضل لأن المقلد المصيب آثم بتقليده غير مأجور بإصابته والمجتهد المخطىء مأجور باجتهاده غير آثم لخطئه فأجر متيقن وأجر مضمون أفضل من أجر محروم وإثم متيقن بلا شك

فإن قال قائل فردوا شهادة كل مسلم لم يعرف الإسلام من طريق الاستبدال لأنه مقلد والمقلد عاص قيل له ليس من اتبع من أمره الله تعالى باتباعه مقلدا بل هو مطيع فاعل ما أمر به محسن وإنما المقلد من اتبع من لم يأمره الله تعالى باتباعه
فهذا عاص لله تعالى ثم لو علمنا أن هذا المسلم إنما اعتقد من الإسلام تقليدا لأبيه وجاره ولمن نشأ معه ولو أنه نشأ من غير المسلمين لم يكن مسلما لما جاز قبول شهادته وهذا لا يبعد من الكفر بل إن عقد نيته على هذا فهو كافر بلا شك
وكذلك أخبر النبي صلى الله عليه و سلم إذ وصف فتنة الناس في قبورهم فقال صلى الله عليه و سلم وأما المنافق أو المرتاب لا ندري أسمى أي ذلك قال فيقول لا أدري
سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وهذا نص ما قلنا والمسلمون بحمد الله في أغلب أمورهم مبعدون عن هذا بل تجد منهم الأكثر من عقد قلبه على أنه لو كفر أبوه وأهل مصره ما كفر هو ولو أحرق بالنار فهذا ليس مقلدا والحمد لله رب العالمين
وكذلك من قلد في فتيا أو نحلة وقامت عليه الحجة فعند فهو فاسق مردود الشهادة ولو لم يفهمها فهو معذور ولا يضر ذلك شهادته قال الله تعالى { يجادلونك في لحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى لموت وهم ينظرون } فذم عز و جل من عند بعد أن تبين له الحق وعذر النبي صلى الله عليه و سلم
عمر إذ لم يفهم آية الكلالة فهذا فرق ما بين الأمرين وبالله تعالى التوفيق وأما القسم الرابع وهو المقلد المخطىء فله إثم معصية التقليد وإثم المعصية باعتقاده الخطأ فعليه إثمان
وقد يخرج على القسم الثالث الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه و سلم إن الرجل ليصلي الصلاة وما له منها إلا نصفها ثلثها ربعها فيكون ذلك على قدر ما وافق فيه الحق من أحكام صلاته
وقد بينا فيما خلا كيفية اجتهاد طالب الفقه وما يلزمه من معرفة الرواة والثقات والمجرحين والمسند المرسل وبناء النصوص بعضها على بعض من الآي والأحاديث والاستثناء والإضافة وزيادات العدول والناسخ والمنسوخ والمحكم والعام والخاص والمجمل والمفسر والإجماع والاختلاف وكيفية الرد إلى القرآن والسنة وفهم البراهين والشغب على

حسب ما تنتهي إليه طاقته وبينا في هذا الباب وجه اجتهاد العامي
وأما من أباح للعامي أن يقلد فقد أخطأ بالبراهين التي قدمنا من نهي الله تعالى عن التقليد جملة ومع خطئه فقد تناقض لأن القائل بما ذكرنا قد أوجب على العامي البحث عن أفقه أهل بلده وهذا النوع من أنواع الاجتهاد فقد فارق التقليد وتركه ولم يقل أحد أن العامي يقلد كل من خرج إلى يده
فقد صح معنى ترك التقليد من العامي وغيره بإجماع لما ذكرنا آنفا وإن أجاز لفظه مجيزون ناقضون في إجازتهم إياه وكل من أقر بلفظ وأنكر معناه فقد أقر بفساد مذهبه وأيضا فإنه إن بحث عن أفقه أهل بلده لم يكد يجد اتفاقا على ذلك بل في الأغلب يدله قوم على رجل ويدله آخرون على آخر
وأيضا فقد يحمل اسم التقدم في الفقه في بلد ما عند العامة من لا خير فيه ومن لا يعلم عنده ومن غيره أعلم منه وقد شهدنا نحن قوما فساقا حملوا اسم التقدم في بلدنا وهم ممن لا يحل لهم أن يفتوا في مسألة من الديانة ولا يجوز قبول شهادتهم
وقد رأيت أنا بعضهم وكان لا يقدم عليه في وقتنا هذا أحد في الفتيا وهو يتغطى الديباج الذي هو الحرير المحض لحافا ويتخذ في منزله الصور ذوات الأرواح من النحاس والحديد تقذف الماء أمامه ويفتي بالهوى للصديق فتيا وعلى العدو فتيا ضدها ولا يستحي من اختلاف فتاويه على قدر ميله إلى من أفتى وانحرافه عليه شاهدنا نحن هذا عيانا وعليه جمهور أهل البلد إلى قبائح مستفيضة لا نستجيز ذكرها لأننا لم نشاهدها
هذا مع ما فشا في الناس من فتيا من يسمونه في الفقه بالتقليد والقياس والاستحسان وإنما أوقع العامة في سؤالهم حسن الظن بهم أنهم لا يقدمون على الفتيا بغير علم ولا بما لا يصح عندهم عن النبي صلى الله عليه و سلم ولو علمت العامة أنهم ليس عندهم في أكثر ما يفتونهم به علم عن الله عز و جل ولا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنهم يوقعونهم في مخالفة القرآن والسنة ما سألوهم ولا استفتوهم بل لعلهم كانوا يقدمون عليهم إقداما يتلفهم
فمن استفتى فقيهين فأفتاه كل واحد منهما بفتيا غير الذي أفتى به الآخر وقال له أحدهما كذا قال الله عز و جل وقال الآخر كذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فاللازم له أن

يأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لقوله عز و جل { بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } ولأنه صلى الله عليه و سلم لا يخالف ربه عز و جل لكنه يبين مراده تعالى ولأنه لولا رسول الله صلى الله عليه و سلم لم نعلم أن القرآن كلام الله تعالى ولا درينا دين الله تعالى ولا عرفنا مراد ربنا تعالى ولا أوامره ولا نواهيه ولا خلاف بين أحد المسلمين في وجوب المصير إلى قوله صلى الله عليه و سلم وترك ما أمرنا أن نترك العمل به من القرآن
فمن ذلك أنه لا خلاف بين أحد من المسلمين حاشا الأزارقة في وجوب الرجم على الزاني المحصن وليس ذلك في القرآن ولا في عدد الصلوات وكيفية أخذ الزكوات وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها إلا من شذ عن الحق في ذلك وليس في القرآن شيء من ذلك أصلا
وهكذا سائر الأحكام والعبادات كلها وبالله تعالى التوفيق وبرهان قولنا في هذا ما حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي ثنا محمد بن إسحاق بن السليم عن أبي داود نا أحمد بن حنبل نا سفيان بن عيينة عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر بما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدناه في كتاب الله تبعناه
فصل هل يجوز تقليد أهل المدينة وقال قوم بتقليد أهل المدينة وقد ذكرنا في باب الكلام في الأخبار من كتابنا هذا وفي باب الإجماع من كتابنا هذا بطلان من احتج بعمل أهل المدينة وإجماعهم فأغنى عن تردده ولكن لا بد أن نذكر ههنا طرفا نشاكل غرضنا في هذا الباب إن شاء الله تعالى

احتج قوم في تقليد أهل المدينة بقبول قولهم في المد والصاع وهذا لا حجة لهم فيه لأن هذا داخل فيما نقلوه مسندا بالتواتر على أن ذلك أيضا مما قد اختلفوا فيه فقد روي عن موسى بن طلحة بن عبيد الله وهو مدني ما يخالف قولهم ويوافق قول أبي حنيفة
ولو كان قبول قولهم في المد والصاع موجبا لقبول قولهم في غير ذلك لوجب تقليد أهل مكة في جميع أقوالهم لاتفاق الأمة كلها يقينا بلا خلاف من أحد منهم على قبول قولهم في موضع عرفة وموضع مزدلفة وموضع منى وموضع الجمار وموضع الصفا وموضع المروة وحدود الحمى
فما خالف أحد من جميع فرق الإسلام لا قديما ولا حديثا قول أهل مكة
وهذا أكثر من المد والصاع على أن الأمة لم توافق قولهم في المد والصاع
وأيضا فإن قولهم في المد والصاع هو أقل ما قيل فهو حجة عندنا من هذه الجهة كما لو قال غيرهم ذلك سواء ولا فرق لأن ما قالوا الصاع ثمانية أرطال وقال قوم أكثر من ذلك وقال جمهور أهل المدينة وقوم من غيرهم خمسة أرطال ونيف
فكان هذا المقدار متفقا على وجوب إخراجه في زكاة الفطر وجزاء الصيد وكفارة الواطىء في رمضان والمظاهر وحلق الرأس للمحرم قبل بلوغ الهدي محله فوجب الوقوف عند الإجماع في ذلك وكان ما زاد مختلفا فيه لم يجب القول به إلا بنص
ولا نص مسندا صحيحا في ذلك فلم يجب القول بإخراج الزيادة على ذلك بغير نص ولا إجماع وأجمعت الأمة كلها بلا خلاف في أحد منها على أن المد والصاع المذكورين في زكاة الفطر هما المذكوران في المقدار الذي تلزم فيه الزكاة من الحب والتمر وأنهما سواء فلما صح المقدار المذكور في زكاة الفطر صح أنه يعينه في زكاة الحب والتمر ولا فرق ويكفي من هذا أنه نقل مبلغ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالكافة
وأما الخلاف في المد والصاع فإنما هو خلاف رأي لا خلاف رواية عن النبي صلى الله عليه و سلم فسقط ذلك الخلاف والحمد لله رب العالمين
واحتجوا في ذلك بما روي من قول عبد الرحمن بن عوف لعمر رضي الله عنهما إن الموسم يجمع رعاع الناس فاصبر حتى تأتي المدينة فتخلو بوجوه الناس
فالجواب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أولى أن يتبع من عبد الرحمن بن عوف وهذا رسول

الله صلى الله عليه و سلم لم يجعل التبليغ الذي أمره الله به إلا في مكة في حجة الوداع في الموسم الجامع لكل عالم وجاهل
وهنالك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا هل بلغت فقال الناس اللهم نعم فقال صلى الله عليه و سلم اللهم اشهد ولم يجعل صلى الله عليه و سلم ذلك التبليغ العام الذي أقام به الحجة في المدينة ولا في خاص من الناس ولا بحضرة وجوه الناس خاصة دون الرعاع وكذلك لم يكتف رسول الله صلى الله عليه و سلم بقراءة سورة براءة في المدينة وهي آخر سورة نزولا وهي الجامعة للسير وأحكام الخلافة والإمامة حتى يبعث بها عليا ليقرأ في الموسم بمكة في حجة أبي بكر رضي الله عنهما بحضرة كل من حضر
وإنما يكون الانفراد بوجوه الناس في الآراء التي تدار ويستضر بكشفها وتجري مجرى الأسرار ومثل هذا كانت مقالة عمر التي حضه عبد الرحمن على تأخيرها إلى أن يخلو بوجوه الناس ولم تكن من الشرائع الواجب معرفتها من الفرض والحرام والمباح ونحن إنما نتكلم مع خصومنا في الشرائع التي تلزم أهل صين الصين والخالدات ومن في حوزارين وأقاضي الزنج وأقاضي بلاد الصقالبة
كما يلزم الصحابة وأهل المدينة لزوما مستويا لا تفاضل فيه ولم ننازعهم في إدارة رأي ولا في تحذير من طالب خلافة
فلو تركوا التمويه لكان أولى بهم ولو كانت تلك المقالة من واجبات الشرائع ما أخرها عمر ولا أمره ابن عوف بتأخيرها
والعجب أن القائلين بهذا قد خالفوا إجماع أهل المدينة حقا فمن ذلك سجودهم مع عمر في { إذا لسمآء نشقت } يوم جمعة فقالوا ليس عليه العمل فتركوا إجماع أهل المدينة
ومن ذلك اشتراكهم في الهدي يوم الحديبية
فقالوا ليس عليه العمل فتركوا إجماع أهل المدينة الصحيح وادعوه حيث لا يصح وهكذا يكون عكس الحقائق والأمور في الديانة لا تؤخذ إلا من نص منقول ولا نص على وجوب اتباع أهل المدينة دون غيرهم فإذا كان ذلك دعوى بلا برهان فهو افتراء على الله عز و جل أنه أوجب ذلك
وهو تعالى لم يوجبه وهذا عظيم جدا ونسأل الله التوفيق
وإذا كان نقل أهل المدينة وغيرهم إنما حكمه أن يراعى الفاسق فيجتنب نقله والعدل فيقبل نقله ففي المدينة عدول وفساق ومنافقون وغيرهم شر خلق الله تعالى

وفي الدرك الأسفل من النار وقال تعالى { وممن حولكم من لأعراب منافقون ومن أهل لمدينة مردوا على لنفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } وقال تعالى { إن لمنافقين في لدرك لأسفل من لنار ولن تجد لهم نصيرا }
وفي سائر البلاد أيضا عدول وفساق ومنافقون ولا فرق
وكيف يدعي هؤلاء المغفلون تقليد أهل المدينة وهم يخالفون عمر بن الخطاب في نيف وثلاثين قضية من موطأ مالك خاصة وخالفوا أبا بكر وعائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري وغيرهم من فقهاء المدينة في كثير من أقوالهم جدا فإن كان تقليد أهل المدينة واجبا فمالك مخطىء في خلافه لهؤلاء فيجب عليهم أن يتركوه إذا خالف من أهل المدينة
والحقيقة التي لا شك فيها هي أن مرادهم بالدعاء إلى أهل المدينة والتشييع بوجوب طاعتهم إنما هو دعاء إلى قول مالك وحده لا يبالون بأحد سواه من أهل المدينة وأعجب من هذا أنهم فيما يدعون فيه إجماع أهل المدينة من المسائل ليس عندهم في صحة ذلك إلا نقل مالك وحده ومن المحال أن يثبت الإجماع بنقل واحد لا برهان بيده وكل ما جوزوه على سائر الثقات من رواة الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم وعمن دونه إلى قيام الساعة فهو جائز على مالك ولا فرق فظهر بطلان قولهم لكل ذي حس سليم
وأيضا فإن مالك بن أنس رحمه الله لم يدع إجماع أهل المدينة في موطئه إلا في نحو ثمان وأربعين مسألة فقط مع أن الخلاف موجود من أهل المدينة في أكثر تلك المسائل بأعيانها وأما سائرها فلا خلاف فيها بين أحد لا مدني ولا غيره ولم يدع إجماعا في سائر مسائله فاستجاز أهل الجهل على الحقيقة من اتباعه الكذب المجرد والجهل الفاضح ونعوذ بالله من الخذلان في إطلاق الدعوى على جميع أقوالهم أو أكثرها أنها إجماع أهل المدينة
وحتى لو صح لهم هذا القول الفاسد لوجب ألا تقبل رواية القاسم وأشهب وابن عبد الحكم وسائر المالكيين قديما وحديثا لأنهم ليسوا مدنيين
فإن قال قائل إنهم أخذوا عن أهل المدينة
قيل وكذلك أهل البصرة والكوفة

والشام ومصر ومكة واليمن أخذوا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين هم أفضل وأعلم من الذين أخذ عنهم المذكورون وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي به هدى الله تعالى من شاء من أهل المدينة وغيرهم والقرآن واحد مشهور في غير المدينة كما هو بالمدينة وسنن الرسول صلى الله عليه و سلم معروفة منقولة في غير المدينة كما هي بالمدينة والدين واحد ويهب الله من يشاء من أهل المدينة وغير أهل المدينة ما شاء من الحظ في دينه والفهم في كتابه وأهل المدينة وغيرهم سواء ولا فرق بينهم وما عدا هذا القول فإفك وزور وكذب وبهتان وبالله التوفيق
وقد ذكرنا أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي لم يقلدوا ولا أجازوا لأحد أن يقلدهم ولا أن يقلد غيرهم
وروي أن مالكا أفتى في مسألة في طلاق البتة أنها ثلاث فنظر إلى أشهب قد كتبها فقال امحها أنا كلما قلت قولا جعلتموه قرآنا ما يدريك لعلي سأرجع عنها غدا فأقول هي واحدة
وهذا ابن القاسم لا يرى بيع كتب الرأي لأنه لا يدري أحق فيها أم باطل ويرى جواز بيع المصاحف وكتب الحديث لأنها حق
وقال مالك عند موته وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأيي سوطا على أنه لا صبر لي على السياط
وذكر الشافعي حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم فقال له بعض جلسائه يا أبا عبد الله أنأخذ به فقال له يا هذا أرأيت علي زنارا أرأيتني خارجا من كنيسة حتى تقول لي في حديث النبي صلى الله عليه و سلم أنأخذ بهذا ولم يزل رحمه الله في جميع كتبه ينهي عن تقليده وتقليد غيره وهكذا حدثني القاضي أبو بكر حمام بن أحمد عن عبد الله بن محمد الباجي عن القاضي أسلم بن عبد العزيز بن هشام عن أبي إبراهيم المزني عن الشافعي
فترك هؤلاء القوم ما أمرهم به أسلافهم وعصوهم في الحق واتبعوا آراءهم تقليدا وعنادا للحق
حدثنا القاضي يونس بن عبد الله ومحمد بن سعيد بن نبات قال يونس نا يحيى بن مالك بن عائن نا أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل الخشاب نا أبو جعفر أحمد

بن محمد الطحاوي نا إبراهيم بن أبي الجحيم نا محمد بن معاذ نا سفيان بن عيينة وقال محمد بن سعيد نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا أبو موسى الزمن هو محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري ثم اتفق ابن عيينة والثوري واللفظ للثوري عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال قال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي قال لا ولا على ملة عثمان أنا على ملة النبي صلى الله عليه و سلم
قال محمد بن المثنى وثنا مؤمل نا سفيان الثوري عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال قال لي معاوية أنت قلت ما أنا بعلوي ولا عثماني ولكني على ملة رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا يونس بن عبد الله نا يحيى بن مالك بن عائذ حدثنا الحسين بن أحمد بن أبي حنيفة نا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي نا يوسف بن يزيد القراطيسي نا سعيد بن منصور نا هشيم عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي قال كان يكره أن يقال سنة أبي بكر وعمر ولكن سنة الله عز و جل وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد فإذا كان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم لا يستجيزون نسبة ما يعبدون به ربهم ولا مذاهبهم إلى أبي بكر ولا إلى عمر ولا إلى عثمان ولا إلى علي ولا ينتسبون إلى أحد دون رسول الله صلى الله عليه و سلم فكيف بهم لو شاهدوا ما نشاهده من المصائب الهادمة للإسلام على من امتحنه الله به من الانتماء إلى مذهب فلان وفلان والإقبال على أقوال مالك وأبي حنيفة والشافعي وترك أحكام القرآن وكلام النبي صلى الله عليه و سلم ظهريا والحمد لله على تثبيته إيانا على دينه وسنته التي مضى عليها أهل الأعصار المحمودة قبل أن تحدث بدعة التقليد وتفشو وبالله نعتصم
كتب إلي النمري يوسف بن عبد الله الحافظ نا سعيد بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان الثوري عن يزيد بن أبي زيادة عن إبراهيم هو النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم عليها الكبير وتتخذ سنة المبتدعة جرى عليها الناس فإذا غير منها شيء قيل غيرت السنة قيل متى ذلك يا أبا عبد الرحمن قال إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم وكثر أمراؤكم وقل أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين

حدثنا أحمد بن عمر العذري نا أبو ذر عبد بن أحمد نا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي نا إبراهيم بن خزيم بن مهر نا عبد بن حميد نا محمد بن الفضل نا الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق الهمداني عن سويد بن غفلة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله قال أتدري أي الناس أفضل قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذ فقهوا في دينهم ثم قال يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله قال هل تدري أي الناس أعلم قلت الله ورسوله أعلم قال أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن كان تزحف على استه
كتب إلي النمري نا سعيد بن سيد نا عبد الله بن محمد نا أحمد بن خالد نا ابن وضاح نا إبراهيم بن محمد الشافعي نا أبو عصام رواد بن الجراح العسقلاني عن سعيد بن بشر عن قتادة قال من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه
كتب إلي النمري ثنا أحمد بن سعيد بن بشر نا أحمد بن أبي دليم نا ابن وضاح نا إبراهيم بن يوسف الفريابي نا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال لا ينبغي لأحد أن يفتي أحدا من الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه هكذا روينا عن سعيد بن جبير
وهكذا قال أحمد بن حنبل وغيره
كتب إلي النمري قال روى عيسى بن دينار عن أبي القاسم قال سئل مالك قيل له لمن تجوز الفتيا قال لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه قيل له اختلاف أهل الرأي قال لا اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن وحديث النبي صلى الله عليه و سلم وكذلك يفتي ولا يجوز لمن لم يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إلي قال النمري وقال يحيى بن سلام لا ينبغي لمن لم يعرف الاختلاف أن يفتي ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إلي
كتب إلي النمري نا خلف بن القاسم نا الحسن بن رشيق نا علي بن سعيد الرازي نا محمد بن المثنى نا عيسى بن إبراهيم سمعت يزيد زريع يقول سمعت سعيد بن أبي عروبة يقول من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما

كتب إلي النمري أخبرني خلف بن القاسم نا محمد بن شعبان القرظي نا إبراهيم بن عثمان نا عباس الدوري قال سمعت قبيصة بن عقبة يقول لا يفلح من لم يعرف الاختلاف
كتب إلي النمري أخبرني قاسم بن محمد نا خالد بن سعيد نا محمد بن فطيس نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت أشهب يقول سئل مالك عن اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال خطأ وصواب فانظر في ذلك
كتب إلي النمري وذكر يحيى بن إبراهيم بن مزين حدثني أصبغ قال قال ابن القاسم سمعت مالكا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس كما قال ناس فيه توسعة ليس كذلك إنما هو خطأ وصواب
كتب إلي النمري أخبرني عبد الرحمن بن يحيى أنا أحمد بن سعيد نا محمد بن ريان نا الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك أنه قال في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مخطىء ومصيب فعليك بالاجتهاد وذكره إسماعيل في المبسوط عن أبي ثابت المدني عن ابن القاسم عن مالك
كتب إلي النمري نا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير حدثني أبي عن سعيد بن عامر ثنا شعبة عن الحاكم بن عتيبة قال ليس أحد من خلق الله تعالى إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه و سلم
كتب إلي النمري ثنا خلف بن القاسم نا ابن أبي العقب بدمشق نا أبو زرعة ثنا ابن أبي عمر نا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال ليس أحد من خلق الله عز و جل إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه و سلم
كتب إلي النمري نا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير أنا الغلاقي نا خالد بن الحارث قال قال سليمان التيمي لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله
كتب إلي النمري نا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا يوسف بن عدي نا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن أبي البختري في قوله عز و جل { تخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون لله ولمسيح بن مريم ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } قال

أما أنهم لو أمروهم أن تعبدوهم من دون الله تعالى ما أطاعوهم ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله تعالى حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية
قال ابن وضاح وحدثنا موسى بن معاوية نا وكيع نا سفيان والأعمش جميعا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال قيل لحذيفة بن اليمان في قول الله تعالى { تخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون لله ولمسيح بن مريم ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } أكانوا يعبدونهم قال لا ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه
كتب إلي النمري أنا سعيد بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال قال معاذ بن جبل يا معشر العرب كيف تصنعون بثلاث دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال المنافق بالقرآن فسكتوا فقال أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب وأما القرآن فله منار كمنار الطريق لا يخفى على أحد فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه ما شئتم فيه فكلوه إلى عالمه
وذكر باقي الحديث
قال أبو محمد هذا هو نص ما ذهبنا والحمد لله رب العالمين في اتباع الظاهر وترك تقليد
كتب إلي النمري ثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا أبو سعيد البصري بمكة ثنا الحسن بن عفان العامري ثنا الحسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال قال سليمان الفارسي
كيف أنتم عند ثلاث زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق فما عرفتم منه فخذوا وما لم تعرفوا فكلوه إلى عالمه
كتب إلي النمري ثنا عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا أنا قاسم بن أصبغ ثنا بكر بن حماد ثنا بشر بن حجر أنا خالد بن عبد الله الواسطي عن عطاء يعني ابن السائب عن أبي البختري عن علي بن أبي طالب قال

إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله عز و جل فيه وذكر الحديث
كتب إلي النمري قال ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك قال ليس كل ما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه يقول الله عز و جل { لذين يستمعون لقول فيتبعون أحسنه أولئك لذين هداهم لله وأولئك هم أولو لألباب }
قال أبو محمد لو اتبع مقلدوه وهذا القول منه لاهتدوا
ونعوذ بالله من الخذلان
وقالوا أيضا إن جمهور الصحابة كانوا بالمدينة وإنما خرج عنها الأقل ومن المحال أن تغيب السنة عن الأكثر ويدريها الأقل
قال أبو محمد وهذا فاسد من القول جدا لأن الرواية إنما جاءت عن ألف صاحب وثلاثمائة صاحب ونيف أكثرهم من غير أهل المدينة وجاءت الفتيا عن مائة ونيف وثلاثين منهم فقط أكثرهم من غير أهل المدينة وهذه الأمور لا تطلق جزافا ولا يؤخذ الدين عمن لا يبالي أن يطلق لسانه بما لا يدري ولا اهتبل به يوما من دهره قط ولا شغل بالبحث عنه ليلة من عمره وإنما يؤخذ ممن جعله وكده وعمدته وآثره على طلب رياسة الدنيا وأعده حجة ليلقى بها ربه إذا سئل يوم القيامة
ثم إن كل قولة قلدوا فيها مالكا من تلك الآراء المضطربة وتلك المسائل التي فيها القولان والثلاثة وهي أكثر أقواله فليس كل واحدة منها شهدها جميع أصحابه الباقين بالمدينة نعم ولا سائر الأحكام التي أسندها إلى من أسندها إليه إنما هي حكم حكم بها حاكم إما رضيه غيره منهم وإما سخطه ومن ادعى إجماعهم عليه فقد ادعى الكذب الذي لا يخفى على أحد إذ لا شك أنهم لم يكونوا كلهم ملازمين لكل حكم حكم به الإمام هنالك أو قاضيه فظهر سقوط ما احتجوا به وبالله تعالى التوفيق


الباب السابع والثلاثون في دليل الخطاب قال أبو محمد هذا مكان عظيم فيه خطأ كثير من الناس وفحش جدا واضطربوا فيه اضطرابا شديدا وذلك أن طائفة قالت إذا ورد نص من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه و سلم معلقا بصفة ما أو بزمان ما أو بعدد ما فإن ما عدا تلك الصفة وما عدا ذلك الزمان
وما عدا ذلك العدد فواجب أن يحكم فيه بخلاف الحكم في هذا المنصوص وتعليق الحكم بالأحوال المذكورة دليل على أن ما عداها مخالف لها وقالت طائفة أخرى وهم جمهور أصحاب الظاهريين وطوائف من الشافعيين منهم أبو العباس بن سريج وطوائف من المالكيين إن الخطاب إذا ورد كما ذكرنا لم يدل على أن ما عداه بخلافه بل كان موقوفا على دليل
قال أبو محمد هذا القول هو الذي لا يجوز غيره وتمام ذلك في قول أصحابنا الظاهريين أن كل خطاب وكل قضية فإنما تعطيك ما فيها ولا تعطيك حكما في غيرها لا أن ما عداها موافق لها ولا أنه مخالف لها لكن كل ما عداها موقوف على دليله
وتحير في هذا بعض أصحاب القياس من الحنفيين والشافعيين والمالكيين كأبي الحسين القطان الشافعي وأبي الفرج القاضي المالكي لما رأوا عظيم تناقضهم في هذا الباب فقالوا دليل الخطاب على مراتب فمنه ما يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها فحكمها كحكم هذه التي خوطبنا
ومنه ما لا يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها فحكمها بخلاف حكم هذه التي خوطبنا
ومنه ما لا يفهم أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها موافق لحكم هذه التي خوطبنا بها ولا مخالف

ومثلوا القسم الأول بقوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } قالوا ففهمنا أن غير { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } وبآيات كثيرة سنذكرها في باب القياس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى لأن ذلك المكان أمكن بذكرها
ومثلوا القسم الثاني بأمثلة اضطربوا فيها فقال الشافعيون والحنفيون من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة قالوا فدل ذلك على أن ما عدا السائمة لا زكاة فيها وأنها ليست بمنزلة السائمة وأدخل المالكيون هذا الحديث في القسم الأول وقالوا بل ما دل إلا أن غير السائمة بمنزلة السائمة وقال الألوان هذا بمنزلة من قال إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما فيعلم أن هذا شرط فيه وإنه إن دخل أعطى درهما وإن لم يدخل لم يعط شيئا
ومثل المالكيون هذا القسم الآخر بقوله تعالى { ولخيل ولبغال ولحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } قالوا فدل ذكر الركوب والزينة على أن ما عداهما ممنوع كالأكل ونحوه
قال أبو محمد فأما هؤلاء المتحيرون الذين ذكرنا آخرا يعني الذين قالوا إن الخطاب قد يدل في مواضع على أن ما عداه بخلافه ويدل في مواضع أخر على أن ما عداه ليس بخلافه فإنهم لعبوا في هذا المكان بالخطاب كما يلعب بالمخراق فمرة حكموا لغير المنصوص بأن المنصوص يدل على أن حكمه كحكمه ومرة حكموا بأن المنصوص يدل على أن حكمه ليس كحكمه فليت شعري كيف يمكن أن يكون خطابان يردان بالحكم في اسمين فيفهم من أحدهم أن غير الذي ذكر مثل الذي ذكر ويفهم من الآخر أن غير الذي ذكر بخلاف الذي ذكر
وهذا ضد ما فهم من الأول وتالله ما خلق الله تعالى عقلا يقوم فيه هذا إلا عقل من غالط نفسه فتوهم ما لا يصح بدعوى لا يعجز عن مثلها أحد بلا دليل وكل من لم يبال بما قال يقدر أن يدعي أنه فهم من هذا اللفظ غير ما يعطي ذلك اللفظ

قال أبو محمد وأما أكياسهم فإنهم سموا القسم الأول قياسا وسموا الثاني دليل الخطاب فقد رأوا إذ فرقوا بين معنى واحد باسمين أنهم قد سلموا بذلك من التناقض وهم من التورط فيه بمنزلة من سمى كل ذلك دليل الخطاب ولا فرق
ونحن نسألهم من كلامهم فنقول لهم ما الفرق بينكم إذ قالت طائفة منكم إن ذكر السائمة يدل على أن غير السائمة بخلاف السائمة وقالت طائفة أخرى بل ذكر السائمة إلا على أن غير السائمة موافق لحكم السائمة ما الفرق بينكم وبين من عكس عليكم قولكم إن قول الله تعالى { ومن أهل لكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في لأميين سبيل ويقولون على الله لكذب وهم يعلمون }
إن ذكر القنطار يدل على أن ما عدا القنطار مثل القنطار فقال بل ما يدل ذكر القنطار إلا على أن ما عدا القنطار بخلاف القنطار فقد يفزع الخائن من خيانته إذا كانت كثيرة وقد يحتقر اليسير فلا يخونه فهلا جعلتم القنطار ههنا حدا للكثير كما جعلت طوائف منكم ذكره صلى الله عليه و سلم المائتي درهم في وجوب الزكاة فيها دليلا على أن العشرين دينارا كثير فلا يحلف عند المنبر أحد في أقل منها وأن ما دونها قليل فلا يحلف فيها إلا في مجلس الحاكم وجعلت طوائف أخر منكم ذكره صلى الله عليه و سلم ربع الدينار في قطع السارق دليلا على أن ربع الدينار كثير وأن ما عداه قليل فلا يستباح فرج بأقل منه ولا يحلف عند المنبر في أقل منه وجعلت طوائف أخر ما رووا من ذكره صلى الله عليه و سلم عشرة دراهم في قطع السارق دليلا على أن العشرة دراهم كثيرة وإن ما دونها قليل فلا يستباح فرج بأقل منها حتى جعلوا ذلك حدا فيما يسقط مما بين قيمة العبد ودية الحر
قال أبو محمد ومما ادعوا فيه أنهم فهموا منه أن المسكوت عنه بخلاف حكم المنصوص عليه قوله تعالى { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } قالوا فهذا يدل على أن غير الحامل بخلاف الحامل
قال أبو محمد هذا خطأ لأن المطلقة لا تخلو من أن يكون طلاقها رجعيا أو غير رجعي فإن كان رجعيا فلها النفقة إذا كانت ممسوسة كانت حاملا أو كانت غير

جججججججججججججججججججججج8888888888888888888888جججججججججج

كتاب : الإحكام في أصول الأحكام
المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي

حامل باتفاق من جميعنا وإن كان غير رجعي فلا نفقة لها بنص السنة سواء كانت حاملا أو غير حامل وإنما جاء النص المذكور في الطلاق الرجعي وبنص الآيات في قوله تعالى في الآية التي ابتدأ فيها في هذه السورة بتعليم الطلاق
ثم عطف سائر الآيات عليها { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا لشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بلله وليوم لآخر ومن يتق لله يجعل له مخرجا } وهذا لا يكون إلا في رجعي وأمسك تعالى عن ذكر غير الحامل في هذه السورة فبينت السنة أن التي هي موطوءة وليست حاملا بمنزلة الحامل ولا فرق ولا يحل لأحد أن يقول لم سكت عن ذكر غير الحامل ههنا فإن قال ذلك مقدم قيل له سكت عن ذلك كما سكت فيها عن ذكر الخلع وعن ذكر المتوفى عنها زوجها وعن الفسخ وغير ذلك
فإن قالوا قد ذكر الله تعالى ذلك في آيات أخر قيل وكذلك أيضا قد ذكر وجوب النفقة لغير الحامل بسنة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ومن أراد أن يجد جميع الأحكام كلها في آية واحدة فهو عديم عقل متعلل في إفساد الشريعة ويأبى الله إلا أن يتم نوره
وادعوا أن جماعة من أهل اللغة منهم المبرد وثعلب قالوا بذلك
قال أبو محمد أما إدخال هذا الباب في اللغة فتمويه ضعيف وإيهام ساقط لأن اللغة إنما يحتاج فيها إلى أربابها في معرفة الحروف المجموعة التي تقوم منها الكلمات وأن يخبرونا على ماذا تركبت من المسميات فقط
وأما معرفة هل يدخل في حكم الخبر عن الاسم ما قد أقروا لنا أنه ليس يقع عليه ذلك الاسم أو لا يدخل في حكمه فليس هذا في قوة علم اللغة ولا من شروطها إنما يظن هذا من اختلطت عليه العلوم ولم تبلغ قوته أن يفرق بينها
وهذا أمر موجود في طبائع العرب والعجم وحتى لو صح ذلك عن ثعلب وعن المبرد وعن الأصمعي وخلف معهم لكان قولهم مع قول جميع أهل اللغة أولهم عن آخرهم بلا خلاف منهم بل قول أهل كل لغة للناس من عرب وعجم إن اسم حجر لا يفهم منه فرس وإن اسم جمل لا يفهم منه كلب
وإن من قال ركبت اليوم سفينة أنه لا يفهم منه أنه ركب أيضا حمارا أو أنه لم

يركبه وأن من قال أكلت خبزا أنه لا يفهم منه أكل لحما مع الخبز أم لم يأكله ولكان في شهادة العقول كلها باتفاقها على صحة ما ذكرنا كغاية في إبطال قول من قال بخلاف ذلك كائنا من كان ومبين صدق من قال إنما عدا الخبر المخبر به موقوف على دليله
قال أبو محمد واعترض بعضهم بما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قوله في الاستغفار لمن مات من المنافقين لأزيدن على السبعين فقال هذا القائل في هذا دليل على أن ما عدا السبعين يغفر لهم به ولا بد
قال أبو محمد وهذا خطأ من وجهين أحدهما أن ذلك دعوى بلا دليل ولو قطع صلى الله عليه و سلم بذلك لكان حقا ولكنه لم يقطع على ذلك وأنه لما يئس من المغفرة لهم بالسبعين رجا بالزيادة وهذا الحديث من أعظم حجة عليهم في دعواهم التي نسوا أنفسهم فيها فقالوا إن ما عدا القنطار في قوله تعالى { وإن أردتم ستبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } وما عدا الأف من قوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } بمنزلة القنطار والأف فهلا قالوا إن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين كما قالوا إن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين كما قالوا إن ما عدا القنطار بمنزلة القنطار أو هلا قالوا إن ما عدا القنطار بخلاف القنطار
كما قالوا إن ما عدا السبعين بخلاف السبعين بل قد أكذب الله تعالى قولهم بإنزاله { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر لله لهم إن لله لا يهدي لقوم لفسقين } وبنهيه تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم عن الصلاة عليهم جملة فبين تعالى بهذه الآية العامة أن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين
ولا يظن جاهل أننا بهذا القول يلزمنا أن ما عدا المنصوص عليه له حكم المنصوص ومعاذ الله من ذلك ولو ظننا ذلك كما ظنوا لكنا مخالفين لرسول الله صلى الله عليه و سلم إذ رجا أن يكون ما عدا السبعين بخلاف السبعين فإننا لم نقل إن بذكر السبعين وجب أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين ولا مخالفا لها بل قلنا ممكن أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين في ألا يغفر لهم وممكن أن يكون بخلاف السبعين في أن يغفر لهم
وإنما ننتظر في ذلك ما يرد في البيان كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا فرق ثم ينزل الله تعالى ما شاء إما بموافقة لما قد ذكر وإما بمخالفة له وكان الأصل إباحة الاستغفار جملة

بقوله عز و جل { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم } والصلاة ههنا الدعاء بلا خلاف والاستغفار دعاء وهو نوع من أنواع الدعاء فلما نص على خروج السبعين من جملة الدعاء لهم كان ما بقي على ظاهر الإباحة المتقدمة حتى نهى عن الاستغفار لهم جملة وعن الصلاة عليهم البتة
وقد جاء نص الحديث هكذا كما قلنا من أخباره صلى الله عليه و سلم أنه مخير في ذلك فأخذ بظاهر اللفظ حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو أسامة نا عبيد الله بن عمير عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال حين اعترضه عمر في الصلاة على عبد الله بن أبي إنما خيرني الله فقال { ستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر لله لهم ذلك بأنهم كفروا بلله ورسوله ولله لا يهدي لقوم لفاسقين } وسأزيد على السبعين فأخذ صلى الله عليه و سلم بظاهر اللفظ في التخيير والأصل المتقدم في إباحة الاستغفار حتى نهى عن ذلك جملة
وقال بعضهم ما عدا الاسم المذكور فبخلاف المذكور إلا أن تقترن إليه دلالة
قال أبو محمد فنقول له ما الفرق بينك وبين من عارضك من أهل مذهبك أراد أن ينصر القياس نفسه كما أردت أنت أن تنصر دليل الخطاب فنسيت نفسك فقال لك ما عدا الاسم المذكور فهو داخل في حكم المذكور ما لم تقترن إليه دلالة
قال أبو محمد وهكذا يعرض للحمل المائل المرتب على غير اعتدال وبخلاف القوام إذا أراد صاحبه أن يعدل أحد شقيه مال عليه الآخر ثم يقال لهم جميعا ما هذه الدلالة المقترنة التي يشير كل واحد منكما إليها أهي كهانة منكم أم هي طبيعية توجب ضرورة فهم ما ذكر كل واحد منكما على تضادكما أم هي نص واحد فهم لا يدعون كهانة فلم يبق إلا أن يقولوا هي ضرورة توجب فهم كل ما لم يذكر أو أن يقولوا هو نص يبين حكم ما لم يذكره في هذا النص الآخر فأي ذلك قالوا فقد وافقونا في قولنا إنه لا يدل شيء مذكور على شيء لم يذكر وإن الذي لم يذكر في هذا النص فإنما ننتظر فيه نصا آخر إلا أن توجب ضرورة ما أن نعرف حكمه كما أوجبت ضرورة الحس في قوله

تعالى { هو لذي جعل لكم لأرض ذلولا فمشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه لنشور } إننا لا نقدر أن نمشي في الهواء ولا في السماء ولا أن نأكل من غير رزقه
واحتج بعضهم في قول أبي عبيد في قوله صلى الله عليه و سلم لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعرا وأنكر أبو عبيد قول من قال إن ذلك إنما هي في الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أبو عبيد لو كان ذلك لكان قد أباح القليل من الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك لا يحل
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه بل هو على خلاف ما ظنوا وهو أن الأصل أن رواية الشعر حلال باستنشاد النبي صلى الله عليه و سلم للأشعار وسماعه إياها
وأما رواية ما هجي به صلى الله عليه و سلم فحرام سماعه وقراءته وكتابته وحفظه بقول الله تعالى { يأيها لذين آمنوا لا تدخلوا بيوت لنبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فدخلوا فإذا طعمتم فنتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي لنبي فيستحيي منكم ولله لا يستحيي من لحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول لله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند لله عظيما } وبقوله تعالى آمرا بتعزيره وتوقيره في غير ما آية
فلما جاء النهي عن امتلاء الجوف من الشعر كان ذلك مخرجا لكثير منه من جمله كله المباح وبقي ما دون الامتلاء مما سوى هجو النبي صلى الله عليه و سلم على الإباحة وحد الامتلاء هو ألا يكون للإنسان علم إلا الشعر فقط وحد ما دون الامتلاء أن يعلم المرء ما يلزمه ويروي مع ذلك من الشعر ما شاء
واحتجوا أيضا بقول أبي عبيد فيما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته أن ذلك مخرج لغير الواحد عن إحلال العرض والعقوبة
قال أبو محمد وليس هذا كما ظنوا ولكن لما أخبر صلى الله عليه و سلم أن أعراضنا علينا حرام وأن المسلم أخو المسلم لا يسلمه لا يظلمه
كان كل أحد حرام العرض والعقوبة فلما جاء النص بتغيير المنكر باليد وكان لي الواجد منكرا لأنه منهي عنه كان ذلك مدخلا لعقوبته في جملة تغيير المنكر المأمور به ومخرجا له مما حرم من أعراض الناس جملة وعقوباتهم هذا الذي لا يفهم ذو لب سواه ولا ينفقه غيره واحتجوا بأن الشافعي أحد أئمة أهل اللغة وقد قال إن ذكره صلى الله عليه و سلم السائمة دليل على أن ما عدا السائمة بخلاف السائمة
قال أبو محمد أما إمامة الشافعي رحمه الله في اللغة والدين فنحن معترفون بذلك

ولكنه رضي الله عنه بشر يخطىء ويصيب وليت شعري أين كان الشافعي رحمه الله عن هذا الاستدلال إذ قال جل ذكره في رقبة القتل أن تكون مؤمنة دليل على أن المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار بمنزلة المنصوص في رقبة القتل أن تكون أيضا مؤمنة وليت شعري أي فرق بين ذكره تعالى الأيمان في رقبة القتل وذكره صلى الله عليه و سلم السائمة في حديث أنس
فبقول قائل رقبة الظهار التي سكت عن ذكر دينها بمنزلة رقبة القتل التي ذكر دينها وأما غير السائمة من الغنم وإن كان السوم لم يذكر في حديث ابن عمر فبخلاف السائمة وما الفرق بين من عكس الحكم فقال بل غير السائمة بمنزلة السائمة كما قال المالكيون
وأما الرقبة المسكوت عن دينها فبخلاف الرقبة المنصوص على دينها فتجزىء في الظهار كافرة كما قال الحنفيون وفي هذا كفاية
وأما نحن فنقول لو لم يرد في السائمة إلا حديث أنس لما أوجبنا زكاة في غير السائمة لأن الأصل أن لا زكاة على أحد إلا أن يوجبها نص فلو لم يأت نص إلا في السائمة لما وجبت زكاة إلا فيها لكن لما ورد حديث ابن عمر بإيجاب زكاة كل أربعين من الغنم كان حديث السائمة بعض الحديث الذي فيه ذكر الغنم جملة فأوجبنا الزكاة في الغنم سائمة كانت أو غير سائمة ولما نص تعالى في القتل على رقبة مؤمنة قلنا لا يجزىء في القتل إلا مؤمنة كما أمر الله تعالى ولما لم يذكر الإيمان في رقبة الظهار قلنا يجزىء الظهار أي رقبة كانت كما قال تعالى سواء كانت كافرة أو مؤمنة إلا أن المؤمنة أحب إلينا لقوله تعالى { ولا تنكحوا لمشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا لمشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى لنار ولله يدعو إلى لجنة ولمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } { ولمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق لله في أرحامهن إن كن يؤمن بلله وليوم لآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل لذي عليهن بلمعروف وللرجال عليهن درجة ولله عزيز حكيم } إلا أن الكافرة تجزىء لعموم ذكره تعالى الرقبة فقط
واحتجوا أيضا بإجماع المسلمين على أن ما عدا المنصوص عليه من عدد الزوجات أن يكون أربعا حرام
قال أبو محمد وليس هذا من الوجه الذي ظنوا ولكنه لما أمر تعالى بحفظ الفروج جملة حرم النساء البتة إلا ما استثنى منهن فقط أيضا فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد فسخ نكاح

الزائدة على أربع فكفى حكمه صلى الله عليه و سلم من كل دليل سواه وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بقوله تعالى { ولمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق لله في أرحامهن إن كن يؤمن بلله وليوم لآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل لذي عليهن بلمعروف وللرجال عليهن درجة ولله عزيز حكيم }
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنه تعالى قد أباح لهن النكاح بالنص فقال عز و جل { ولذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بلمعروف ولله بما تعملون خبير }
قال أبو محمد والنكاح المباح من المعروف
واحتجوا أيضا بقوله تعالى { ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم لرضاعة وعلى لمولود له رزقهن وكسوتهن بلمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى لوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بلمعروف وتقوا لله وعلموا أن لله بما تعملون بصير }
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه
لأن الأم إن أرادت أن ترضعه أقل من حولين أو أكثر من حولين فذلك مباح لها ما لم يكن في الفطام قبل الحولين ضرر على الرضيع
وكنا نقول إنه لا يحرم إلا ما كان في الحولين من الرضاع لأن الأصل أن الرضاع لا يحرم شيئا فلما حرم تعالى نكاح النساء بالرضاع ووجدناه تعالى قد جعل حكم الرضاع الذي أمر به حولين وما زاد عن الحولين فليس مأمورا ولكنه مباح وجب أن يكون الرضاع المحرم هو الرضاع المأمور به لا ما سواه إلا أن يقوم دليل على ما سواه من نص أو إجماع فيصار إليه
ولكن المصير إلى قول الله تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما } وحمل ذلك على عمومه
وكلام رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ أخبر أن سالما وهو رجل ذو لحية تحرم عليه التي أرضعته لا يجوز مخالفة شيء من ذلك وبالله تعالى التوفيق
هذا على أن أكثر القائلين بدليل الخطاب المذكور قد جعلوا ما زاد على الحولين بشهر وقال بعضهم بستة أشهر وقال بعضهم بسنة كاملة بمنزلة الحولين وحرموا بكل ذلك تناقضا لما أصلوه وهدما لما أسسوه وبيانا منهم أن حكمهم بذلك من عند غير الله تعالى

واحتجوا فقالوا قد أعطي رسول الله صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم فمحال أن يذكر الله عز و جل أو رسوله صلى الله عليه و سلم لفظة إلا لفائدة وقد ذكر عليه السلام السائمة فلو لم يكن لها فائدة لما ذكرها
قال أبو محمد وهذا سؤال أهل الإلحاد وهو مع ذلك غث وتمويه شديد ونحن مقرون أن الله تعالى لم يذكر لفظه إلا لفائدة وكذلك رسوله صلى الله عليه و سلم ولكنا نخالفهم في ماهية تلك الفائدة فنحن نقول إن الفائدة في كل لفظة هي الانقياد لمعناها والحكم بموجبها والأجر الجزيل في الإقرار بأنها من عند الله عز و جل وألا نسأل لأي شيء قبل هذا وألا نقول لم لم يقل تعالى كذا وألا نتعدى حدود ما أمرنا الله به فنضيف إلى ما ذكر ما لم يذكره أو نحكم فيما لم يسم من أجل ما سمي بخلاف أو وفاق وألا تخرج مما أمرنا به شيئا بآرائنا بل نقول إن هذه كلها أقوال فاسدة واعتراضات كل جاهل زائغ عظيم الجرأة فلا فائدة أعظم مما أدى إلى الجنة وأنقذ من النار
وأما هم فهم أعرف بالفوائد التي يبطلونها من غير ما ذكرنا
وقالوا قد كان يغني ذكر الغنم جملة عن ذكر السائمة
قال أبو محمد فيقال لهم هذا تعليم منكم لربكم عز و جل كيف ينزل وحيه ولنبيه صلى الله عليه و سلم كيف يبلغ عن ربه تعالى فمن أضل ممن ينزل نفسه في هذه المنزلة ويقال لهم ما الفرق على مذهبكم الفاسد بين ذكره تعالى في الاستغفار سبعين مرة ومراده تعالى بلا خوف منا ومنكم أن ما فوق السبعين بمنزلة السبعين بما بين في الآية الأخرى وبين ذكره صلى الله عليه و سلم السائمة ومراده أيضا مع السائمة غير السائمة بما بين في حديث آخر وهلا اكتفى بذكر النهي عن الاستغفار جملة عن السبعين مرة
ويقال لهم في سؤالهم فما معنى ذكر السائمة وقد كان يغني ذكر الغنم جملة ما معنى ذكره تعالى جبريل وميكائيل بعد ذكره الملائكة في قوله تعالى { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن لله عدو للكافرين } وقد كان يغني ذكر الملائكة جملة وما معنى قوله تعالى { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } أترى إسماعيل لم يكن حليما أواها وما معنى قوله تعالى في إسماعيل { وذكر في لكتاب إسماعيل إنه كان صادق لوعد وكان رسولا نبيا } أترى إبراهيم وموسى وعيسى لم يكن وعدهم صادقا

ويقال لهم قد وجدنا الله تعالى يأتي في القرآن وهو المعجز نظمه بذكر قصة من خبر أو شريعة أو موعظة فيذكر من كل ذلك بعض جملته في مكان ثم يذكر تعالى ذلك الخبر بعينه وتلك الشريعة بعينها وتلك الموعظة بعينها في مكان آخر بأتم مما ذكرها به في غير ذلك الموضع ولا يعترض في هذا إلا طاعن على خالقه عز و جل لأن الذي ذكرنا موجود في أكثر من مائة موضع في القرآن في قصة موسى ونوح وإبراهيم وآدم وصفة الجنة والنار وأمر الصلاة والحج والصدقة والجهاد وغير ذلك
وقد كان صلى الله عليه و سلم يكرر الكلام إذا تكلم به ثلاثا ولا فرق بين تكرار جميعه وبين تكرار بعضه فكرر صلى الله عليه و سلم ذكر الغنم السائمة في مكان وذكر في مكان آخر الغنم جملة كما كرر قوله تعالى { ليس على لذين آمنوا وعملوا لصالحات جناح فيما طعموا إذا ما تقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ولله يحب لمحسنين }
وكما كرر تعالى ذكر موسى عليه السلام في القرآن في مائة وثلاثين موضعا وإبراهيم عليه السلام في أربع وستين موضعا ولم يذكر إدريس واليسع وإلياس وذا الكفل إلا في موضعين من القرآن فقط وكما كرر تعالى { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أكثر من آية ) في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة فهل لأحد أن يعترض فيقول هلا بلغها أكثر أو هلا اقتصر على عدد منها أقل أو ما كان يكفي مرة واحدة كما قال هؤلاء المخطئون هلا اكتفى بذكر الغنم عن ذكر السائمة وقد بينا أنه لا فائدة لله تعالى في شيء مما خلق ولا في تركه ما ترك وأن الفائدة لنا في ذلك الأجر العظيم في الإيمان بكل ذلك كما قاله تعالى { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما لذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون } وأخبر تعالى أن الكفار قالوا { وما جعلنآ أصحاب لنار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن لذين أوتوا لكتاب ويزداد لذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب لذين أوتوا لكتاب ولمؤمنون وليقول لذين في قلوبهم مرض ولكافرون ماذآ أراد لله بهذا مثلا كذلك يضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر } فنحن نزداد إيمانا بما أوردنا ولا نسأل ماذا أراد الله بهذا مثلا فليختاروا لأنفسهم أي السبيلين أحبوا كما قال علي بن عباس أمامك فانظر أي نهجيك تنهج طريقان شتى مستقيم وأعوج وقد يمكن أن تكون الفائدة في تكرار السائمة والاقتصار عليها في بعض المواضع فائدة زائدة على ما ذكرنا وهي أننا قد علمنا أن بعض الفرائض أوكد من بعض مثل الصلاة فإنها أوكد من الصيام
وليس ذلك بمخرج صيام رمضان على أن يكون فرضا ومثل القتل والشرك فإنهما أوكد في التحريم من لطمة المرء المسلم ظلما وليس ذلك بمخرج للطمة ظلما من أن تكون

حراما وإنما المعنى فيما ذكرنا من التأكيد أن هذا أعظم أجرا وهذا أعظم وزرا وما استواء كل ذلك في الوجوب وفي التحريم فسواء لا تفاضل في شيء من ذلك
وكل ذلك سواء إن هذا حرام وهذا حرام وإن هذا واجب وهذا واجب فيكون على هذا أجر المزكي غير للسائمة أعظم من أجر المزكي غير السائمة وكل مؤد فرضا ومأجور على ما أدى ويكون إثم مانع زكاة السائمة أعظم من إثم مانع زكاة غير السائمة وكلاهما مانع فرض ومحتقب إثم فلتخصيص السائمة بالذكر في بعض المواضع على هذا فائدة عظيمة كما أن الزاني بامرأة جاره أو امرأة المجاهد والحريمة أعظم إثما من الزاني بامرأة أجنبية أو امرأة أجنبي ذمي أو حربي وكل زان وآت كبيرة وآثم إلا أن الإثم يتفاضل
ومثل هذا قوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } وكقوله تعالى { فأما ليتيم فلا تقهر وأما لسآئل فلا تنهر } فهل في هذا إباحة قهر غير اليتيم ونهر غير المسكين أو المنع من الإحسان إلى غير الآباء من ذوي القربى والجيران وسائر المسلمين ولكنه لما كان قهر اليتيم ونهر المسكين وترك الإحسان إلى الوالدين أعظم وزرا وأعظم أجرا خصوا بالذكر في بعض المواضع وعموا مع سائر الناس في مواضع أخر فلعل السائمة مع غير السائمة كذلك وكذلك ذكره تعالى الصلوات إذ يقول عز من قائل { حافظوا على لصلوات ولصلاة لوسطى وقوموا لله قانتين } فيسأل هؤلاء المقدمون كما سألوا فيقال لهم المعنى في تخصيص النبي صلى الله عليه و سلم السائمة بالذكر في بعض الأحاديث كالمعنى في تخصيصه تعالى الصلاة الوسطى بالمحافظة دون الصلوات في لفظ مفرد وقد عمهما تعالى في سائر الصلوات كما عم رسوله صلى الله عليه و سلم السائمة مع غير السائمة في حديث ابن عمر فبطل بما ذكرنا اعتراضهم بطلب الفائدة في تكرار السائمة وبأن ذكر الغنم جملة كان يكفي ولاح أن سؤالهم سؤال إلحاد وشر
وبالله تعالى التوفيق
وقد يكفي من هذا قوله تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } وما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هلك المتنطعون ولا تنطع أعظم من قول قائل لم قال الله تعالى

أمرا كذا ولم يقل أمرا كذا وبالله تعالى نستعين
وقالوا إن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما الولاء لمن أعتق دليل على أن ولاء لمن لم يعتق
قال أبو محمد وليس كما ظنوا ولكن لما كان الأصل أن لا ولاء لأحد على أحد بقوله تعالى { يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس لتقوى ذلك خير ذلك من آيات لله لعلهم يذكرون }
وبقوله تعالى { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال لكافرون هذا شيء عجيب } وبقوله صلى الله عليه و سلم كل المسلم على المسلم حرام ثم جاء الحديث المذكور وجب به الولاء لمن أعتق وبقي من لم يعتق على ما كان عليه مذ خلق من أن لا ولاء لأحد عليه إلا من أوجب عليه الإجماع المنقول المتيقن إلى حكم النبي صلى الله عليه و سلم ولولا مثل من تناسل من المعتق من أصلاب أبنائه الذكور من كل من يرجع إليه نسبه ممن حمل به بعد الولاء المنعقد على الذي ينتسب إليه كأسامة بن زيد وغيره ولولا قوله صلى الله عليه و سلم إنما الولاء لمن أعتق ما وجب المعتق ولاء على المعتق لأن ذلك إيجاب شريعة وشرط والشرائع لا تكون إلا بإذن من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم وكل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ووجدنا هذا الحديث الذي احتجوا به لم يمنع من وجوب الولاء لغير من أعتق مثل ما ذكرنا من وجوب ولاء ولد المعتق ولم يعتقه أحد ولا ولدته أمه ولا حمل به إلا وهو حر لولد معتق أبيه وهو لم يعتقه قط ولا ملكه قط ولا أعتق أباه ولا جده ولا ملكهما قط ولا أعتقه أبو هذا الذي ولاؤه الآن ولا جده ولا ملكاه قط فبطل ما ادعوه من القول بدليل الخطاب
ومن أعجب الأشياء أن هؤلاء المحتجين بهذا الحديث في تصحيح الحكم بدليل الخطاب هم أشد الناس نقضا لأصولهم في ذلك وهدما لما احتجوا به لأنهم قد حكموا بالولاء لغير المعتق على من لم يعتق قط بلا دليل لا من نص ولا من إجماع لكن تحكما فاسدا فأوجبت طوائف منهم أن الولاء يجزىء العم والجد إذا أعتقا
وأوجبوه ينتقل كانتقال الكرة في اللعب بها وقد أكذبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب لا ينتقل فوجب ضرورة أن الولاء كالنسب لا ينتقل
وهم يقولون في العبد ينكح معتقة فتلد له إن ولاء ولدها لسادتها
قالوا أعتق أبوهم يوما ما عاد ولاء والدها إلى معتق أبيهم

قال أبو محمد أفيكون أعجب من هذا بينما المرء من بني تميم لكون أمه مولاة منهم ويقول رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي حملوه على غير وجهه مولى القوم منهم
إذ صار بلا واسطة من الأزد بعتق رجل من الأزد لأبيه أفيكون في خلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم المبلع عن ربه تعالى أكثر من هذا أو يكون في إكذابهم أنفسهم أن قالوا قوله صلى الله عليه و سلم إنما الولاء لمن أعتق دليل على أن لا ولاء لمن لم يعتق وهذا الذي حروا ولاءه مرة من اليمانية إلى المضرية ومرة من الفرس إلى قريش لم يعتقه أحد ولا ملك قط ولا حملته أمه إلا وهو حر
وأوجبوا الولاء لموالي الأم على ولدها من حربي وعلى ولد الملاعنة بلا نص ولا إجماع فأين احتجاجهم بدليل الخطاب ولكن غرض القوم إقامة الشغب في المسألة التي هم فيها فقط ولا يبالون أن ينقضوا على أنفسهم ألف مسألة بما يريدون به تأييد هذه حتى إذا صاروا إلى غيرها لم يبالوا بإبطال ما صححوا به هذه التي انقضى الكلام فيها في نصرهم للتي صاروا إليها فهم دأبا ينقضون ما أبرموا ويصححون ما أبطلوا ويبطلون ما صححوا فصح أن أقوالهم من عند غير الله عز و جل لكثرة ما فيها من الاختلاف والتفاسد وإنما هم قوم توغلوا فانتسبوا في التقليد لأقوال فاسدة يهدم بعضها بعضا فألفوها ألفة كل ذي دين لدين أبيه ودين من نشأ معه فلا يبالون بما قالوا في إرادتهم نصر ما لم ينصره الله تعالى من تلك المذاهب الفاسدة
وقالوا قوله صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالنيات دليل على أن لا عمل إلا بنية وأن ما عمل بغير نية باطل
قال أبو محمد ليس ذلك كما ظنوا ولكن لما قال الله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وقال تعالى { ومآ أمروا إلا ليعبدوا لله مخلصين له لدين حنفآء ويقيموا لصلاة ويؤتوا لزكاة وذلك دين لقيمة } كان قد بطل كل أمر إلا تأدية ما أمرنا به من العبادة بإخلاص القصد بذلك إلى الله تعالى فبهذه الآية بطل أن يجزى عمل بغير نية إلا ما أوجبه نص أو إجماع فكان مستثنى من هذه الجملة مثل ما ثبت بالإجماع المنقول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم من جواز لحاق دعاء الحي للميت بالميت ومثل لحاق صيام الولي عن الميت بالميت وصدقته عنه والحج عنه وتأدية الديون إلى الله تعالى وللناس عنه وإن لم يأمر هو بذلك

ولا نواه ولحاق الأجر من كل عامل بمن علمه ذلك العمل أو سنه ولحاق الوزر من كل عامل بمن علمه ذلك العمل أو سنه
وإنما وجب بالحديث الذي ذكروا أن من عمل شيئا بنية ما فله ما نوى فإن نوى به الله تعالى وتأدية ما أمر به من كيفية ذلك العمل فله ذلك وقد أدى ما لزمه وإن نوى غير ذلك فله أيضا ما نوى فإن لم ينو شيئا فلا ذكر له في هذا الحديث لكن حكمه في سائر ما ذكرنا قبل
والعجب ممن احتج بهذا الحديث من أصحاب القياس وهم أترك الناس له فأما الحنفيون فينبغي لهم التقنع عند ذكر هذا الحديث والاحتجاج به فإنهم يجيزون تأدية صيام الفرض بلا نية أصلا بل بنية الفطر وتأدية فرض الوضوء بغير نية الوضوء لكن بنية التبرد
وقالوا كلهم وأصحاب الشافعي وأصحاب مالك إن كثيرا من فرائض الحج التي يبطل الحج بتركها تجزي بغير نية
فأما الحنفيون فقالوا من أحرم وحج ينوي التطوع أجزأه ذلك عن حج الإسلام
وقال الشافعيون أعمال الحج كلها حاشا الإحرام تجزيه بلا نية أداء الفرض
وقال المالكيون الوقوف بعرفة يجزي بلا نية وأن الصيام لآخر يوم من رمضان يجزي بنية كانت قبله بنحو ثلاثين يوما والصلاة تجزيه بلا نية مقترنة بها
وقال بعضهم غسل الجمعة يجزي من غسل الجنابة
وقال بعضهم دخول الحمام بلا نية يجزي من غسل الجنابة
فأبطلوا احتجاجهم بالحديث المذكور وأكذبوا قولهم في دليل الخطاب وأوجبوا جواز أعمال بلا نية حيث أبطلها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم وأبطلوا صيام الولي عن الولي والحج عن الميت وأداء ديون الله تعالى عنه وقد أوجبها الله تعالى
واحتجوا أن لا عمل إلا بنية العامل ولا نية للمعمول عنه في ذلك فاستدركوا على ربهم ما لم يستدركوه على أنفسهم وهذا غاية الخذلان
واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن يعلى بن منبه رحمة الله عليه إذ سأل عن قصر الصلاة وقد ارتفع الخوف قالوا فلما جاء القصر في القرآن في حال الخوف دل ذلك على أن الأمر بخلاف الخوف

قال أبو محمد وقد غلط في ذلك من أكابر أصحابنا أبو الحسن عن عبد الله بن أحمد بن المغلس فظن مثل ما ذكرنا وهذا لا حجة لهم فيه لأن الأصل في الصلوات كلها على ظاهر الأمر الإتمام وقد نص رسول الله صلى الله عليه و سلم على عدد ركعات كل صلاة ثم جاء النص بعد ذلك في القصر في حال السفر مع الخوف فكان ذلك مستثنى من سائر الأحوال فلما رأى عمر القصر متماديا مع ارتفاع الخوف أنكر خروج الحال التي لم تستثن في علمه عن حكم النص الوارد في إتمام الصلاة في سائر الأحوال غير الخوف فأخبر صلى الله عليه و سلم أن حال السفر فقط مستثناة أيضا من إيجاب الإتمام وإن لم يكن هنالك خوف فكان هذا نصا زائدا في استثناء حال السفر مع الأمن فإنما أنكر ذلك من جهل أن هذه الصدقة الواجب قبولها قد نزل بها الشرع وهو عمر رضي الله عنه ولسنا ننكر مغيب الواحد من الصحابة أو الأكثر منهم عن نزول حكم قد علمه غيره منهم
وأما الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة فلا حجة فيه علينا بل هو حجة لنا وقد يظن عمر إذا نقلت صلاة الحضر إلى أربع ركعات أن صلاة السفر أيضا منقولة والغلط غير مرفوع عن أحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد وتعلل بعض من غلط في هذا الباب من أصحابنا بأن قالوا قوله صلى الله عليه و سلم استنشق اثنتين بالغتين إلا أن تكون صائما في حديث لقيط بن صبرة الأيادي في ذلك مانع من مبالغة الصائم في الاستنشاق
قال أبو محمد وليس ذلك كما ظنوا ولكن حديث لقيط فيه إيجاب المبالغة على غير الصائم فرضا لا بد له من ذلك وفيه استثناء الصائم من إيجاب ذلك عليه فسقط عن الصائم فرض المبالغة وليس في سقوط الفرض ما وجب المنع منها فليس في الحديث المذكور منع الصائم منها لكنه له مباحة لا واجبة ولا محظورة لأن الإباحة واسطة بين الحظر والإيجاب
فإذا سقط الإيجاب لم ينتقل إلى الحظر إلا بنهي وارد لكن ينتقل إلى أقرب المراتب إليه وهي الإباحة أو الندب وإذا سقط التحريم ولم ينتقل إلى الوجوب إلا بأمر وارد لكنه ينتقل إلى أقرب المراتب إليه وهي الإباحة أو الكراهة وقد بينا هذا في باب النسخ من هذا الكتاب

قال أبو محمد وقال بعض من غلط في هذا الفصل أيضا من أصحابنا إن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث صفوان بن عسال المرادي ألا ينزع المسافرون الخفاف ثلاثا إيجاب لنزعها بعد الثلاث وإيجاب على المقيم نزعها بعد يوم وليلة فأوجبوا من ذلك أن يصلي الماسح بعد انقضاء الأمدين المذكورين حتى ينزع خفيه ولم يوجبوا عليه بعد ذلك أن يجدد غسل رجليه ولا إعادة وضوئه وأنكر ذلك أبو بكر بن داود رحمهما الله وأصاب في إنكاره
قال أبو محمد وليس في الحديث المذكور إيجاب نزع الخفين ولا المنع من نزعهما وإنما فيه المنع من إحداث مسح زائد فقط وهو الخيار بعد انقضاء أحد الأمدين بين أن ينزع ويصلي دون تجديد وضوء ولا غسل رجليه وبين ألا ينزعهما ويصلي بالمسح المتقدم ما لم ينتقض وضوءه فإذا انتقض وضوءه فقد حرم عليه المسح وإذا حرم عليه المسح لزمه فرض الوضوء فلا بد حينئذ من غسل الرجلين وإذا لم يكن بد من غسل الرجلين فلا سبيل إلى ذلك إلا بإزالة الخفين فحينئذ لزم نزع الخفين لا قبل أن يحدث
وبلغنا عن بعض أصحابنا أنه يقول إن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم الماء لا ينجسه شيء دليل على أن ما عداه ينجس فيقال له وبالله تعالى التوفيق هذا ليس بشيء لوجوه أولها أنها دعوة مجردة بلا دليل ويقال ما الفرق بينك وبين من قال بل ما هو إلا دليل على أنه مثل الماء في أنه لا ينجس فإن قال هذا قياس والقياس باطل قيل له هل كان القياس باطلا إلا لأنه حكم بغير نص فلا بد له من نعم فنقول له وهكذا حكمك لما عدا الماء أنه بخلاف الماء حكم بغير نص ولا فرق ومنها أننا نقول به أرأيت قوله صلى الله عليه و سلم الطعام بالطعام مثلا بمثل أفيه منع من بيع ما عدا الطعام مثل بمثل أرأيت قوله صلى الله عليه و سلم نعم الإدام الخل أفيه حكم على أن ما عداه بئس الإدام أرأيت قوله صلى الله عليه و سلم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أو لم ينجس على أنه أصح من حديث بئر بضاعة أيصح منه أن ما دون القلتين ينجس ومثل هذا كثير لو تتبع فلو قال قد جاء فيما عدا ما ذكر في هذه الأحاديث نصوص صح بها عندنا حكمها قلنا له وقد جاء فيما عدا الماء نص على إباحته بقوله تعالى ف { يأيها لناس كلوا مما في لأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات لشيطان إنه لكم عدو مبين }

فلا سبيل إلى تحريم شيء من ذلك إلا بنص وارد فيه ولا إلى تنجيس شيء منه من أجل نجاسة حلته إلا بنص وارد فيه ولا فرق وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد واحتجوا بأن الناس مجمعون على أن من قال لآخر لا تعط غلامي درهما حتى يعمل شغلا كذا قالوا فهذا يقتضي أنه إذا عمله وجب أن يعطي الدرهم
قال أبو محمد وهذا خطأ وإن أعطاه المقول له هذا القول الدرهم بعد انقضاء ذلك الشغل وكان ذلك الدرهم من مال السيد فعليه ضمانه إن تلف الدرهم ولم يوجد المدفوع إليه ودليل ذلك إجماع الناس على أن المقول له ذلك يسأل الآمر فيقول له إذا عمل ذلك الشغل أعطيه الدرهم أم لا فلو اقتضى هذا الكلام إعطاءه الدرهم بعمل الشغل المذكور ما كان للاستفهام المأمور به معنى وأيضا فإن الأمة مجمعة على أن الآمر لو قال للمأمور عند استفهامه إياه لا تعطه إياه حتى أجد لك ما تعمل فيه أن ذلك حسن في الخطاب ولازم للمأمور وإنما في الكلام المذكور المنع من إعطاء الدرهم قبل عمل الشغل وليس فيه بعد عمل الشغل لا إعطاؤه ولا منعه وذلك موقوف على أمر له حادث إما بمنع وإما بإعطاء
فإن قالوا فقول الله تعالى { قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون } أليس إعطاؤهم الجزية مانعا من قتلهم
قيل لهم وبالله تعالى التوفيق إنما في الآية الأمر بقتلهم إلى وقت إعطاء الجزية ثم ليس فيها إلا المنع من قلتهم بعد إعطائها ولا إيجاب قتلهم ولكن لما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يقتل ذا عهد في عهده وقال صلى الله عليه و سلم لمن كان يبعث من قواده فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم
هذا نص كلامه صلى الله عليه و سلم لكل من يبعثه إلى كتابي حربي حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن هاشم قال أبو بكر ثنا وكيع بن الجراح وقال إسحاق ثنا يحيى بن آدم وقال

عبد الله ثنا عبد الرحمن بن مهدي كلهم قالوا ثنا سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد فلما قال صلى الله عليه و سلم ذلك مبينا أن دماءهم وأموالهم وأذاهم بالظلم وسبي عيالهم وأطفالهم حرام بإعطائهم الجزية بنص قوله صلى الله عليه و سلم كف عنهم فالكف يقتضي كل هذا وكثير ممن يحتج علينا بما ذكرنا قد نسوا أنفسهم فقالوا في نهيه صلى الله عليه و سلم عن بيع الزرع حتى يشتد إن ذلك غير مبيح لبيعه بعد اشتداده ولكن حتى يضفى من تبنه ويداس
قال أبو محمد وبيع الزرع عندنا بعد اشتداده مباح وإن لم يصف ولا ديس لقوله تعالى { لذين يأكلون لربا لا يقومون إلا كما يقوم لذي يتخبطه لشيطان من لمس ذلك بأنهم قالوا إنما لبيع مثل لربا وأحل لله لبيع وحرم لربا فمن جآءه موعظة من ربه فنتهى فله ما سلف وأمره إلى لله ومن عاد فأولئك أصحاب لنار هم فيها خالدون } فلا يخرج من هذه الجملة إلا ما جاء نص أو إجماع بتحريمه ولهذه الجملة أجزنا بيع منخل بعد أن تزهى والعنب بعد أن يسود والثمر بعد أن يبدو فيه الطيب وليس لأن هذه النواهي توجب إباحة البيع بعد حلول الصفات المذكورة فيها
وكذلك قلنا في قوله تعالى { أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون } وإنما حرم الأكل من حين يتبين طلوع الفجر بالأمر المتقدم لهذا النسخ فإن الأمر قد كان ورد بتحريم الأكل والشرب والوطء مذ ينام المرء إلى غروب الشمس من غد ثم نسخ ذلك وأبيح لنا الوطء والأكل والشرب إلى حين يتبين طلوع الفجر الثاني فبقي ما بعده على الأصل المتقدم في التحريم وبنصوص وردت في ذكر تحريم كل ذلك بطلوع الفجر الثاني وبقوله تعالى { أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون } ولو لم يكن ههنا إلا قوله تعالى { أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون } ما كان فيه إيجاب الصيام ولا المنع منه
وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله إنما حرم القتال بقوله صلى الله عليه و سلم فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وهكذا سائر النصوص التي وردت على هذا الحسب وبالله تعالى التوفيق

وذكروا في ذلك قوله صلى الله عليه و سلم من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع أو كما قال صلى الله عليه و سلم
قالوا فدل ذلك على أن التي لم تؤبر بخلاف التي أبرت وأنها للمبتاع
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأننا لم نقض من هذا الحديث أن الثمرة التي تؤبر للمبتاع لكن لما كانت التي تؤبر غائبة لم تظهر بعد كانت معدومة وكانت بعض ما في عمق النخلة المبيعة كانت داخلة في المبيع لأنها بعضه
ثم نقول لهم وبعد أن بينا بطلان ظنكم فنحن نريكم إن شاء الله تعالى تناقضكم في هذا المكان فنقول إن كنتم إذا قضيتم بأن المسكوت عنه بخلاف المذكور فما قولكم لمن قال لكم بل ما المسكوت عنه ههنا إلا في حكم المذكور قياسا عليه فتكون الثمرة التي لم تؤبر للبائع أيضا قياسا على التي أبرت وقد قال أبو حنيفة لا فرق بين الإبار وعدمه فنسي قوله لم يذكر صلى الله عليه و سلم السائمة إلا لأنها بخلاف غير السائمة ولولا ذلك لما كان في زكاة السائمة فائدة وجعل ههنا ذكره صلى الله عليه و سلم الإبار لا لفائدة وجعله كترك الإبار فبان اضطراب هؤلاء القوم جملة وبالله تعالى التوفيق
واحتج الطحاوي في إسقاط الزكاة عما أصيب في أرض الخراج بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم منعت العراق قفيزها ودرهمها الحديث قال فلو كان في أرض الخراج شيء غير الخراج لذكره صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد فيقال للطحاوي أرأيت إن قال لك قائل إن قوله صلى الله عليه و سلم فيما سقت السماء العشر دليل على أن لا خراج على شيء من الأرض لأنه لو كان فيها خراج لذكره في هذا الحديث فإن قال قد ذكر الخراج في الحديث الذي قدمنا آنفا قيل له وقد ذكر العشر ونصف العشر في الحديث الذي ذكر آنفا
فإن قال قائل ما تقولون في خطاب ورد من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه و سلم معلقا بشرط قيل له ينظر أتقدمت ذلك الخطاب جملة حاظرة لما أباح ذلك الخطاب أو مبيحة لما حظر أم لم يتقدمه جملة بشيء من ذلك لكن تقدمت جملة تعمه وتعم معه غيره موافقة لما في ذلك النص
ولا بد من أحد هذه الوجوه لأن الجملة التي نص عليها بقوله تعالى { هو لذي خلق لكم ما في لأرض جميعا ثم ستوى إلى لسمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم } مبيحة عامة لا يشذ عنها إلا ما نص عليه وفصل

بالتحريم فلا سبيل إلى خروج شيء من النصوص عن هذه الجملة
ولا بد لكل نص ورد من أن يكون مذكورا فيه بعض ما فيها بموافقة أو يكون مستثنى منها بتحريم فإن وجدنا النص الوارد وقد تقدمته جملة مخالفة له استثنيناه منها وتركنا سائر تلك الجملة على حالها ولم نحظر إلا ما حظر ذلك النص فقط
ولم نبح إلا ما أباح فقط ولم نتعده وإن وجدناه موافقا لجملة تقدمته أبحنا ما أباح ذلك الخطاب وأبحنا أيضا ما أباحته الجملة الشاملة له ولغيره معه أو حظرنا ما حظره لك الخطاب وحظرنا أيضا ما حظرته الجملة الشاملة له ولغيره معه ولم نسقط من أجل ذلك الشرط شيئا مما هو مذكور في الجملة الشاملة له ولغيره وهذا هو مفهوم الكلام في الطبائع في كل لغة من لغات بني آدم عربهم وعجمهم ولا يجوز غير ذلك
وقد ذكرنا في باب الأخبار من كتابنا هذا بيان هذا العمل ونظرناه بمسائل جمة ولكن لا بد لنا أيضا ههنا من تشخيص شيء من ذلك ليتم البيان بحول الله وقوته فليس كل أحد يسهل عليه تمثيل مسائل تقضيها الجملة التي ذكرنا وبالله تعالى التوفيق
وليس قولنا آنفا تقدمته جملة بمعنى تقدم وقت النزول فليس لذلك عندنا معنى إلا في النسخ وحده وإلا فالقرآن والحديث كله عندنا ككلمة واحدة وكأنه نزل معا لوجوب طاعة جميع ذلك علينا وإنما نعني بقولنا تقدمته أي عمت ذلك الخطاب وغيره معه ولكن لما كنا نجعل تلك الجملة مقدمة يستثنى منها ذلك النص أو نضيفه إليها على معنى البيان لها سمينا ورودها من أجل ما ذكرنا تقدما
قال أبو محمد فمما ذكرنا قوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } فالجملة المتقدمة لهذا الشرط هي أمره تعالى باستعمال الماء فرضا على كل حال لمن أراد الصلاة الواجبة أو التطوع فإن تيمم مع وجود الماء والصحة ولم يستعمل الماء كان عاصيا لأنه لم يأت بما أمر به ولأنه لم يستعمل ما أمر باستعماله في غسل أعضائه المذكورة في آية الوضوء والغسل فإن تيمم مع وجود الماء والصحة واستعمل الماء أيضا كان متكلفا لم يؤمر به والمتكلف لذلك إن سلم من سلم من الإسم لم يسلم من الفضول وسوء الاختيار وقد أمر الله تعالى فيه صلى الله عليه و سلم أن يقول { قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من لمتكلفين } فإن اعتقد

وجوب التيمم مع استعمال الماء في حال الصحة ووجود الماء كان عاصيا كافرا لاعتقاده ما لا خلاف أنه لم يؤمر به وزيادة في الدين وتعديه حدود الله تعالى فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا استعمال التيمم عند عدم الماء المقدور عليه في السفر وعند المرض
وهكذا القول في قوله تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح لمحصنات لمؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم لمؤمنات ولله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بلمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على لمحصنات من لعذاب ذلك لمن خشي لعنت منكم وأن تصبروا خير لكم ولله غفور رحيم } إلى منتهى قوله { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح لمحصنات لمؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم لمؤمنات ولله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بلمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على لمحصنات من لعذاب ذلك لمن خشي لعنت منكم وأن تصبروا خير لكم ولله غفور رحيم }
قال أبو محمد فنظرنا هل نجد جملة متقدمة لإباحة نكاح الفتيات المؤمنات بالزواج فوجدنا قبلها متصلا بها ذكر ما حرم الله تعالى من النساء من قوله تعالى { ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما } إلى منتهى قوله فحرم الله تعالى بهذا النص كل محصنة والإحصان يقع على معان منها العفة ومنها الزوجية ومنها الحرية فلم يجز لنا إيقاع لفظة { ة على بعض ما يقع تحتها دون بعض بالبراهين التي ذكرنا في باب العموم فحرم بقوله تعالى كل عفيفة من أمة أو حرة وكل حرة وكل ذات زوج وقد حرم الزواني من الإماء والحرائر بقوله تعالى { لزانية ولزاني فجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين لله إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر وليشهد عذابهما طآئفة من لمؤمنين } فحرمت كل امرأة في الأرض بهذين النصين إلا ما استثنى من ذلك بنص أو إجماع
ثم قال تعالى متصلا بالتحريم المذكور غير مؤخر لبيان مراده تعالى { ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما } فأباح تعالى ما شاء مما ملكت أيماننا وليس في هذا إباحة الزواج ثم زادنا تعالى بيانا متصلا فقال { ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما } فاستثنى تعالى الزواج أيضا بالإباحة المذكورة

والعمل في هذا يكثر إلا أن اختصار القول والغاية في ذلك قول الله تعالى { خلق لكم ما في الأرض جميعا } فهذه آية لو تركنا وظاهرها لكان كل ما خلق الله تعالى في الأرض حلالا لنا لكن حرم الله تعالى أشياء مما في الأرض فكانت مستثناة من جملة التحليل فمن ذلك قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم } { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } مع الآية التي تلونا آنفا من قوله تعالى في آية التحريم { والمحصنات من النساء } فلو تركنا وهذين النصين لحرم النساء كلهن وكن مستثنيات من جملة التحليل
ثم قال تعالى { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } فاستثنى الله عز و جل من جملة النساء المحرمات الأزواج وملك اليمين فلو تركنا وهذه الآية لحلت كل امرأة بالزواج خاصة وبملك اليمين فقط لا بالزنى من أم أو إبنة أو حريمة لأن المتزوجات والمملوكات بعض النساء وكانت هذه الآية موافقة لقوله تعالى { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ولقوله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } ولا فرق بين شيء من هذه الآيات ثم قال تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم } الآية إلى منتهى قوله { وأن تجمعوا بين الاختين } وقال تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } وقال تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } وقال تعالى { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا }

وحرم النبي صلى الله عليه و سلم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وحرم بالرضاعة ما يحرم من النسب وحرم النص فعل قوم لوط ونكاح الزواني ونكاح الزناة للمسلمات وحرم بالإجماع والنص بقوله تعالى { وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } إلى قوله تعالى { وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } ووطء البهائم والمشركة وبدليل النص أيضا فكان كل ما ذكرنا مستثنى مما أبيح من النساء بالزواج وملك اليمين لأن ما في هذه النصوص أقل مما ذكر في آية إباحة الأزواج وملك اليمين
وقال تعالى { ليوم أحل لكم لطيبات وطعام لذين أوتوا لكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ولمحصنات من لمؤمنات ولمحصنات من لذين أوتوا لكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بلإيمان فقد حبط عمله وهو في لآخرة من لخاسرين } إلى قوله عز و جل { ليوم أحل لكم لطيبات وطعام لذين أوتوا لكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ولمحصنات من لمؤمنات ولمحصنات من لذين أوتوا لكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بلإيمان فقد حبط عمله وهو في لآخرة من لخاسرين } فاستثنى تعالى الكتابيات بالنكاح خاصة وهذا يقع على الإماء منهن والحرائر وبقيت الأمة الكتابية حراما وطؤها بملك اليمين خاصة وبقوله تعالى { ولا تنكحوا لمشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا لمشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى لنار ولله يدعو إلى لجنة ولمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } ولما يأت في شيء من النصوص ما يبيحها
ثم نظرنا في قوله تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح لمحصنات لمؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم لمؤمنات ولله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بلمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على لمحصنات من لعذاب ذلك لمن خشي لعنت منكم وأن تصبروا خير لكم ولله غفور رحيم } فوجدناه تعالى إنما ذكر في هذه الآية إباحة نكاح الأمة لمن لم يجد طولا وخشي العنت وبقي حكم واحد الطول الذي لا يخاف العنت فلم نجده تعالى ذكر في هذه الآية إباحة ولا تحريما عليه فرجعنا إلى سائر الآي فوجدناه تعالى قد أباح نكاح الإماء المؤمنات لكل مسلم ولم يخص فقيرا من غني ولا من عنده حرة ممن ليست عنده حرة بقوله تعالى { وأنكحوا لأيامى منكم ولصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم لله من فضله ولله واسع عليم } فكان للعبد مباحا أن ينكح حرة وأمة وللحر أيضا كذلك ولا فرق

وكذلك الأمة الكتابية نكاحها للمسلم حلال بقوله تعالى { ليوم أحل لكم لطيبات وطعام لذين أوتوا لكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ولمحصنات من لمؤمنات ولمحصنات من لذين أوتوا لكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بلإيمان فقد حبط عمله وهو في لآخرة من لخاسرين } وهذا قول عثمان البتي وغيره
والعجب من الحنفيين في منعهم الزكاة عن غير السائمة بذكره صلى الله عليه و سلم السائمة في حديث أنس وإباحتهم ههنا نكاح الأمة المسلمة لمن وجد طولا لحرة مسلمة فهلا سألوا أنفسهم عن الفائدة في ذكره تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح لمحصنات لمؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم لمؤمنات ولله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بلمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على لمحصنات من لعذاب ذلك لمن خشي لعنت منكم وأن تصبروا خير لكم ولله غفور رحيم } كما سألوا هناك عن الفائدة في ذكر السائمة ولكن هكذا يكون من اتبع رأيه وقياسه وهواه المضل
والعجب من المالكيين في عكسهم ذلك فقالوا ليس في قوله صلى الله عليه و سلم ( في السائمة ) ما يوجب أن يسقط الزكاة من غير السائمة وقالوا ههنا ذكره تعالى عادل الطول والأمة المؤمنة موجب التحريم الأمة الكتابية ثم في الوقت أباحوا الأمة المؤمنة لواجد الطول
قال أبو محمد فكلا الفريقين تناقض كما ترى وحرم بعضهم نكاح الأمة المؤمنة على واجد الطول بحرة كتابية وليس هذا في نص الآية أصلا وإنما منع من منع من ذلك قياسا للكتابية على المسلمة وقد أكذب الله تعالى هذا القياس الفاسد بقوله { أفنجعل لمسلمين كلمجرمين ما لكم كيف تحكمون } فلو كان القياس حقا لكان هنا باطلا وإذا قاسوا واجد الطول للحرة الكتابية على واجد الطول للحرة المسلمة ولم ينص تعالى إلا على واجد الطول للحرة المسلمة فقط فهلا فعلوا مثل ذلك فقاسوا إباحة الأمة الكتابية بالنكاح لعادم الطول لحرة وخائف العنت على إباحة الأمة المؤمنة لخائف العنت وعادم الطول كما فعلوا في التي ذكرنا قبل
قال أبو محمد وهذا مما تركوا فيه القول بدليل الخطاب لأنه كان يلزمهم على أصلهم أن يقولوا إن ذكره تعالى المحصنات المؤمنات دليل على أن الكافرات بخلافهم ولكن أكثرهم لم يفعلوا ذلك فنقضوا أصلهم في دليل الخطاب
ونحن وإن وافقنا أبا حنيفة في بعض قوله ههنا فلسنا ننكر اتفاقنا مع خصومنا في هذه المسائل وقد يجتمع المصيب والمخطىء في طريقهما الذي يطلبانه أحدهما بالجد والبحث والعلم بيقين ما يطلب والثاني بالجد والبحث والاتفاق وغير منكر أن يخرجهم الرؤوف

الرحيم تعالى إلى الغرض المطلوب وإن تعسفوا الطريق نحوه ولكنهم مع ذلك تحكموا بلا دليل أصلا فقالوا من كانت عنده حرة فحرام عليه نكاح الأمة وهذا قول ليس في النص ما يوجبه أصلا وقولنا في هذا هو قول عثمان البتي وغيره
وقد روي عن مالك إجازة نكاح الأمة على الحرة إذا رضيت بذلك الحرة وأجاز أبو حنيفة وأصحابه نكاح المسلمة والكتابية لواجد طول لحرة مسلمة وإن لم يخش العنت إذا لم تكن عنده حرة فيؤخذ من قول كل واجد ما أصاب فيه فبان بما ذكرنا تحليل الله تعالى حرائر أهل الكتاب وإماءهم في الزواج وبقي ما ملكت منهن على التحريم لبراهين ذكرناها في باب الإخبار من كتابنا هذا
ويقال لهم إنكم منعتم من نكاح الأمة الكتابية وقلتم ليست كالأمة المسلمة فنقيسها عليها وقد تناقضتم فأبحتم نكاح الحرة الكتابية لواجد طول لحرة مسلمة وإن لم يخف عنتا وحرمتم عليه نكاح الأمة المسلمة حتى أن بعضهم قال إن من وجد طولا لحرة كتابية لم يحل له نكاح الأمة المسلمة وحتم أن بعضهم لم يقتل الحر الكتابي المسلم ولا خلاف بين مسلمين أن الأمة المسلمة خير عند الله عز و جل وعند كل مسلم من كل حرة كتابية كانت في الدنيا أو تكون إلى يوم البعث
فإن قالوا فأي معنى أو أي فائدة في قصد الله تعالى بالذكر في الآية المذكورة آنفا عادم الطول وخائف العنت والمحصنة المؤمنة والأمة المؤمنة إذا كان واجد الطول وآمن العنت والأمة الذمية والمحصنة والكافرة سواء في كل ذلك
قال أبو محمد فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق هذا سؤال إلحاد وقد ذكر الله تعالى في بعض الآيات التي تلونا بعض ما ذكره في غيرهن فلم يكن ذلك متعارضا وقد قال تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } وليس تخصيصه الذين آمنوا بالذكر ههنا موجبا أن طاعة الله عز و جل لا تلزم الذين كفروا بل هي لازمة للكفار كلزومها للمؤمنين ولا فرق وقد ذكرنا طرقا من هذا في باب الأخبار وفي باب العموم من كتابنا هذا
قال أبو محمد وكذلك قوله تعالى { وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } وهم كلهم قد وافقونا على أن كل من لم يخف أيضا

ألا يعدل فمباح له الاقتصار على واحدة وعلى ما ملكت يمينه فتركوا ههنا مذهبهم في دليل الخطاب وكان يلزمهم ألا يبيحوا الواحدة فقط إلا لمن خاف ألا يعدل
فإن قالوا إن ذلك إجماع قيل لهم قد أقررتم أن الإجماع قد صح بإسقاط قولكم في دليل الخطاب
ويقال لهم سلوا أنفسكم ههنا فقولوا أي فائدة وأي معنى لقصد الله تعالى بالذكر من خاف أن يعدل كما قلتم لنا أي فائدة وأي معنى لقصد الله تعالى بالذكر لمن خاف العنت وعدم الطول وهذا ما لا انفكاك منه والحمد لله
فإن قالوا فهلا قلتم مثل هذا في قوله تعالى { وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب } وقوله تعالى أيضا { وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب } وقوله تعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما } فتوجبوا إباحة الصيام لمن وجد الرقبة والهدي قلنا لا سواء والأصل أنه لا يلزمنا صيام فرض أصلا إلا ما أوجبه نص كما أن الأصل إباحة نكاحة الإماء بقوله تعالى { ليوم أحل لكم لطيبات وطعام لذين أوتوا لكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ولمحصنات من لمؤمنات ولمحصنات من لذين أوتوا لكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بلإيمان فقد حبط عمله وهو في لآخرة من لخاسرين } وقوله تعالى { وأنكحوا لأيامى منكم ولصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم لله من فضله ولله واسع عليم } فلم نوجب الصوم فرضا إلا حيث أوجبه النص وأحللنا النكاح في كلتا الآيتين لأنهما معا نص واجب وطاعته
وأيضا فإن حكم واجد الرقبة في كفارة الوطء وواجد النسك من الهدي في التمتع وواجد الغنى في الإطعام والكسوة والرقبة في كفارة اليمين منصوص على لزوم كل ذلك لهم فلو صام كان عاصيا لله عز و جل تاركا لما نص على وجوبه عليه وليس كذلك واجد الطول وآمن العنت لأنه لا نص على منعه من نكاح الإماء أصلا لا في نص ولا في إجماع فبين الأمرين أعظم الفرق
وقد ذهب بعضهم وهو أبو يوسف إلى المنع من صلاة الخوف على ما جاءت به الروايات ولقوله تعالى { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم لصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود لذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن لله أعد للكافرين عذابا مهينا } قال فدل ذلك على أنه صلى الله عليه و سلم إذا لم يكن فينا لم نصل كذلك

قال أبو محمد فأول ما يدخل عليه أنه لا يلزمه ألا يأخذ الأئمة زكاة من أحد لأن الله تعالى قال { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم } فإنما خوطب بذلك النبي صلى الله عليه و سلم كما خوطب بتعليمه كيفية صلاة الخوف ولا فرق فقد ظهر تناقضه
وأيضا فإن قول النبي صلى الله عليه و سلم صلوا كما رأيتموني أصلي ملزم لنا أن نصلي صلاة الخوف وغير صلاة الخوف كما رئي صلى الله عليه و سلم يصليهما وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم أرضوا مصدقيكم وقوله صلى الله عليه و سلم في كتاب الزكاة فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فرقها فلا يعط موجب لأخذ الأئمة الزكاة بإرسال المصدقين وبالله تعالى التوفيق
فصل من هذا الباب قال أبو محمد كل لفظ ورد بنفي ثم استثني منه بلفظة إلا أو لفظة حتى فهو غير جار إلا بما علق به مثل قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ
ومثل لا صلاة إلا بأم القرآن و لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وهذا هو المفهوم من الخطاب بالضرورة لأنه نفى قبول الصلاة إلى أن يتوضأ ووجب قبولها بعد الوضوء بالآية التي فيها { يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } وبالحديث من توضأ كما أمر ونفى الصلاة إلا بأم القرآن وأثبتها بأم القرآن لأنه لا بد لكل مصل من أن يقرأ أم القرآن أو لا يقرؤها
ولا سبيل إلى وجه ثالث أصلا بوجه من الوجوه والصلاة فرض فلما لم يكن بد من الصلاة ولم يكن فيها بد من قراءة أم القرآن أو ترك قراءتها وكان من لم يقرأها ليس مصليا فمن قرأها فيها فهو مصل بلا شك وفرض على كل مسلم بالغ أن يصلي كما أمر ففرض عليه أن يقرأ أم القرآن وهذا برهان ضروري قاطع

وكذلك نفيه صلى الله عليه و سلم القطع جملة ثم أوجبه مستثنى في ربع دينار فصاعدا إلا أن هذا لو لم يتقدم فيه نص أو إجماع لم قطعنا إلا في الذهب فقط
ولكن لما قال تعالى { ولسارق ولسارقة فقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من لله ولله عزيز حكيم } وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده وأجمعت الأمة على أن حديث ربع دينار لم يقصد به صلى الله عليه و سلم إبطال القطع في غير الذهب وجب علينا أن نستعمل الآية على عمومها فلا يخرج منها إلا سارق أقل من ربع دينار ذهب فقط
فمن سرق أقل من ربع دينار ذهب فلا قطع عليه ومن سرق من غير الذهب شيئا قل أو كثر أي شيء كان له قيمة وإن قلت فعليه القطع بالآية والحديث الذي فيه لعن الله السارق
قال أبو محمد ومن أبى هذا فإنما يلجأ أن يقول المراد بقوله صلى الله عليه و سلم في ذكره ربع الدينار إنما عنى القيمة
قال أبو محمد وهذه دعوى لا دليل عليها وأن من ظن النبي صلى الله عليه و سلم سها عما تنبه له هذا المتعقب فقد عظم غلطه { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا } وليت شعري أي شيء كان المانع لرسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقول لا قطع إلا في قيمة ربع الدينار فصاعدا فيكشف عنا الإشكال وقد أمره ربه تعالى بالبيان والذي نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم من أنه أراد القيمة ولم يبينها فإنما هو تلبيس لا بيان وقد أعاذ الله تعالى من ذلك
والحديث الذي فيه ذكر القيمة ليس فيه بيان بأن القطع من أجل القيمة فليس لأحد أن يقول إن التقويم كان من أجل القطع إلا كان لآخر أن يقول بل لتضمين السارق ما جنى في ذلك
قال أبو محمد ثم يقنعوا إلا بأن نسبوا إلى الذي وصفه ربه تعالى بأنه رؤوف بنا رحيم وأنه عزيز عليه ما عنتنا إنه زادنا تلبيسا بقوله صلى الله عليه و سلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده إنه إنما في بيضة الحديد التي يقاتل بها وأنه صلى الله عليه و سلم عنى حبلا مزينا يساوي ربع دينار هذا مع أنها دعاوى بارية عارية من الأدلة فهي أيضا فاسدة لأنه صلى الله عليه و سلم لم يرد بهذا عذر السارق وكيف يريد عذره وهو يلعنه وإنما أراد صلى الله عليه و سلم شدة مهانة السارق ورذالته وأنه يبيح يده فيما لا خطب له من بيضة أو حبل وهذا الذي لا يعقل سواه

ولهم من مثل هذا ما ينسبونه إلى مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه و سلم غثائث جمة يوقرون أنفسهم عن مثلها فمن ذلك ما ينسبون إلى الآية التي في الوصية في السفر أن قول الله تعالى { يا أيها لذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم لموت حين لوصية ثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في لأرض فأصابتكم مصيبة لموت تحبسونهما من بعد لصلاة فيقسمان بلله إن رتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة لله إنآ إذا لمن لآثمين } أي من غير قبيلتكم وهذا من الهجنة بحيث لا يجوز أن ينسب إلى من له أدنى معرفة باللغة ومجاري الكلام فكيف بخالق الكلام والبيان لا إله إلا هو
ومن ذلك قول بعض المالكيين في قوله صلى الله عليه و سلم للذي خطب المرأة ولا شيء معه التمس ولو خاتما من حديد قال هذا القائل إنما كلفه صلى الله عليه و سلم خاتما مزينا مليحا يساوي ربع دينار
وهذا وهم يسمعون كلام الرجل أنه لا يملك إلا إزاره فقط وأنه لا يقدر على حيلة فيقول له صلى الله عليه و سلم ولو خاتما من حديد أفيسوغ عن عقل من له مسكة أن يظن أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يكلف من هذه صفته خاتما بديعا يساوي ربع مثقال وهذا مع ما فيه من الافتراء على رسول الله صلى الله عليه و سلم والكذب عليه فقول مفضوح ظاهر العوار لأنه لم يكن بلغ عن غلاء الحديد بالمدينة ومنه مساحيهم ومناحلهم لعمل النخل ودروعهم للقتال أن يساوي خاتم منه قريبا من وزنه من الذهب ولو نطقت بهذا مخدرة غريرة لأضحكت بقولها وبالله عز و جل نستعين
قال أبو محمد وقد اعترض بعض الحنفيين على قوله صلى الله عليه و سلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا فقال هذا اللفظ لا يوجب قطعا في الربع دينار
قال أبو محمد وهذه قحة ظاهرة ومجاهرة لا يرضاها لنفسه من في وجهه حياء وهو بمنزلة من قال { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } أن هذا اللفظ لا يوجب نهيا ولا منعا ومن قال في مثل هذا إن هذا الخطاب لا يوجب القطع في ربع دينار وأن لا صلاة إلا بقراءة القرآن ألا يوجب القراءة ثم قال في الأوامر أنها غير لازمة وأنها على الندب

ثم قال في الألفاظ إنها على الخصوص ثم قال في الكلام إنه ليس على ظاهره ثم ترك النص فلم يحكم به ثم أتى إلى أشياء لم تنص فحرمهاوأحلها برأيه فما نعلم أحدا ولا الحلاج ولا الغالية من الروافض أشد كيدا للإسلام منه وأما الجاهل فهو معذور وأما من قامت عليه الحجة فتمادى فهو فاسق بلا شك وسيرد فيعلم وما توفيقنا إلا بالله فإن قال قائل إن مثل هذا قوله صلى الله عليه و سلم لا إيمان لمن لا أمانة له قيل له وبالله تعالى التوفيق
هذا على ظاهره ونعم لا إيمان أصلا لمن لا أمانة له ولا يجوز أن نخص بذلك أمانة دون أمانة والإسلام هو الأمانة التي عرضها الله تعالى على السماوات والأرض وقبول الشرائع فمن عدم هذه الأمانة التي هي بعض الأمانات فلا إيمان له ومن قيل فيه لا أمانة له فهو محمول على كل أمانة لا على بعضها دون بعض وأما قوله صلى الله عليه و سلم لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه فكذلك نقول إن الفعل المذموم منه ليس إيمانا لأن الإيمان هو جميع الطاعات والمعصية إذا فعلها فليس فعله إياها إيمانا فإذا لم يفعل الإيمان فلم يؤمن يعني في تركه ذلك الفعل خاصة وإن كان مؤمنا بفعله للطاعات في سائر أفعاله وقد بينا هذا في كتاب الفصل والإيمان هو الطاعات كلها وليس التوحيد وحده إيمانا فقط فمعنى لا إيمان له أي لا طاعة وكذلك إذا عصى فلم يطع وإذا لم يطع فلم يؤمن وليس يلزمنا أنه إذا لم يؤمن في بعض أحواله أنه كفر ولا أنه لا يؤمن في سائرها لكن إذا لم يطع فلم يؤمن في الشيء الذي عصى به وآمن فيما أطاع فيه
فإن قال أنه يلزمكم بهذا أن تقولوا إنه مؤمن لا مؤمن قلنا نعم هو مؤمن بما آمن به غير مؤمن فيما لم يؤمن به وهذا شيء يعلم ضرورة ولم نقل إنه مؤمن لا مؤمن على الإطلاق وهكذا يلزم خصومنا في مسيء ومحسن ولا فرق
فإن قلتم من أحسن في جهة وأساء في أخرى فهو مسيء عاص فيما أساء فيه ومحسن طائع فيما أحسن فيه أفترى يلزمكم من هذا أن تقولوا هو عاص طائع ومحسن مسيء على الإطلاق ونحن لا نأبى هذا إذا كان من وجهين مختلفين ولا نعيب به أحدا

وأما من قال لا صلاة لمن لم يقرأ و لا صيام لمن لن يبيته من الليل إنما معناه لا صلاة كاملة فهذه دعوى لا دليل عليها وأيضا فلو صح قولهم لكان عليهم لا لهم لأن الصلاة إذا لم تكن كاملة فهي بعض صلاة وبعض الصلاة لا تقبل إذا لم تتم كما أن صيام بعض يوم لا يقبل حتى يتم اليوم فإن قال إنما معناه أنها صلاة كاملة إلا أن غيرها أكمل منها فهذا تمويه لأن الصلاة إذا تمت بجميع فرائضها فليس غيرها أكمل منها في أنها صلاة ولكن زادت قراءته وتطويله الذي لو تركه لم يضر ولا سميت صلاته دون ذلك ناقصة وقد أمر تعالى بإتمام الصيام وإقامة الصلاة فمن لم يقمها ولا أتم صيامه فلم يصل ولا صام لأنه لم يأت بما أمر به وإنما فعل غير ما أمر به والناقص غير التام
وقد قال صلى الله عليه و سلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وليس هذا مما يكتفى به في إقامة الصلاة وإتمام الصيام فقط لكن كل ما جاءت به الشريعة زائدا أبدا ضم إلى هذا
ومن العجب العجيب أن قوما لم يبطلوا الصلاة بما أبطلها به صلى الله عليه و سلم من عدم القراءة لأم القرآن ومن ترك إقامة الأعضاء في الركوع والسجود ومن فساد الصفوف وأبطلوها بما لم يبطلها به الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه و سلم من وقوف الإمام في موضع أرفع من المأمومين ومن اختلاف نية الإمام والمأموم
ثم فعلوا مثل ذلك في الصيام فلم يبطلوه بما أبطله به الله تعالى من عدم النية في كل ليلة ومن الغيبة والكذب ثم أبطلوه بما لم يبطله به الله تعالى من الأكل ناسيا ومن الحقنة ومن الكحل بالعقاقير فقلبوا الديانة كما ترى وحرموا الحلال وأحلوا الحرام وبالله تعالى نعوذ من الخذلان وإياه نسأل التوفيق لا إله إلا هو
قال أبو محمد وكذلك نقول في حديث أبي ذر رضي الله عنه فيما يقطع الصلاة فذكر الكلب الأسود وأنه سأل النبي صلى الله عليه و سلم ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض فقال صلى الله عليه و سلم الكلب الأسود شيطان فليس في هذا الحديث أن سائر الكلاب لا تقطع الصلاة ولا أنها تقطع فلما ورد حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب كان هذا عموما لكل كلب وهو قول أنس وابن عباس وغيرهما

ومن أنكر هذا علينا من الشافعيين والمالكيين فليتفكروا في قولهم في قول النبي صلى الله عليه و سلم ومن تولى رجلا بغير إذن مواليه فيلزمهم أن يبيحوا له تولي غير مواليه بإذنهم وهذا قول عطاء وغيره وهم يأبون ذلك ومثل هذا من تناقضهم كثير
فصل في إبطال دعواهم في دليل الخطاب قال أبو محمد والمفهوم من الخطاب هو أن التأكيد إذا ورد فإنه رفع للشغب وحسم لظن من ظن أن الكلام ليس على عمومه وقد ضل قوم في قوله تعالى { فسجد لملائكة كلهم أجمعون } فقالوا إن حملة العرش ومن غاب عن ذلك المشهد لم يسجد
قال أبو محمد ويكفي من إبطال هذا الجنون قوله تعالى { مآ أشهدتهم خلق لسماوات ولأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ لمضلين عضدا } فليت شعري من أين استحلوا أن يقولوا إن أحدا من الملائكة لم يسجد مع قوله تعالى { فسجد لملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع لساجدين } ومثل هذا من الإقدام يسيء الظن بمعتقد قائله إذ ليس فيه إلا رد قول الله تعالى بالميت
وقد رام بعض الشافعيين أن يجعل قول الله تعالى { فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين } بعد قوله تعالى { فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين } من استطاع إليه على معنى أن ذلك ليس بيانا للذين ألزموا الحج ولا على أنه موافق لقوله تعالى { لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين } وقال إن هذا خطاب فائدة أخرى موجب أن الاستطاعة من غير قوة
قال أبو محمد ولسنا نأبى أن تكون الاستطاعة أيضا شيئا غير القوة للجسم لكننا نقول إن الاستطاعة كل ما كان سببا إلى تأدية الحج من زاد وراحلة وقوة جسم ولا نقول كما قال المالكيون إن الاستطاعة هي قوة الجسم فقط وإن من عدمها وقدر على زاد وراحلة فهو غير مستطيع ولا كما قال الشافعيون إنما الاستطاعة إنما هي الزاد والراحلة فقط وأن قوة الجسم ليست استطاعة بل نقول

إن قوة الجسم دون الراحلة استطاعة وإن الزاد والراحلة وإن كان واجدهما مقعد الرجلين مبطل اليدين أعمى أنه مستطيع بماله حملا للآية على عمومها مع شهادة قول الله تعالى وحديث النبي صلى الله عليه و سلم لصحة قولنا يعني حديث الخثعمية وقوله تعالى { وأذن في لناس بلحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق }
قال أبو محمد وقد ذكرنا فيما خلا أن النبي صلى الله عليه و سلم إذا سئل عن شيء فأجاب أن ذلك الجواب محمول على عموم لفظه لا على ما سئل عنه صلى الله عليه و سلم فقط لأنه صلى الله عليه و سلم إنما بعث معلما فلا فرق بين ابتدائه بأمر وتعليم وبين جوابه عما سئل ومخبرا أيضا عما لم يسأل عنه
فإن قال قائل فاحملوا قوله صلى الله عليه و سلم الخراج بالضمان على عمومه فاجعلوا الخراج للغاصب بضمانه قيل له وبالله تعالى التوفيق الحديث في ذلك لا يقوم بمثله حجة لأنه عن مخلد بن خفاف وعن مسلم بن خالد الزنجي وكلاهما ليس قويا في الحديث وأيضا فلو صح لمنع من حمله على الغاصب قوله صلى الله عليه و سلم من الطريق المرضية ليس لعرق ظالم حق
حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي عن محمد بن إسحاق عن ابن الأعرابي عن سليمان بن الأشعث حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب هو الثقفي حدثنا أيوب هو السختياني عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد فخص هذا الحديث الظالمين من جملة الضامنين فنفى الخراج للمشتري بحق وأيضا فقوله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بلباطل وتدلوا بها إلى لحكام لتأكلوا فريقا من أموال لناس بلإثم وأنتم تعلمون } مانع من أكل مال بغير حق جملة وبالله تعالى التوفيق
وقد أمر صلى الله عليه و سلم بالبيان فلفظه كله جوابا كان أو غير جواب محمول على عمومه فإن لم يعط الجواب عموما غير ما سئل عنه لم يحمل على ما سواه حينئذ كما أفتى صلى الله عليه و سلم الواطىء في رمضان بالكفارة فوجب ألا يجعل على غير الواطىء لأنه ليس في لفظه صلى الله عليه و سلم ما يوجب مشاركة غير الواطىء للواطىء في ذلك وكذلك أمره صلى الله عليه و سلم لمن أساء الصلاة أو صلى

خلف الصفوف منفردا بالإعادة أمر لمن فعل مثل ذلك الفعل وحكم في ذلك الفعل متى وجد وأمره صلى الله عليه و سلم بغسل المحرم أمر في كل ميت في حال إحرام وذكر صلى الله عليه و سلم أو ذكر ربه تعالى المسجد الحرام حكما في المسجد الحرام أنه لا يشركه فيه غيره لأنه ليس ههنا مسجد حرام غيره وليس لكل لفظ إلا مقتضاه ومفهومه فقط وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم الأئمة من قريش حكم في قريش لا يشاركهم فيه غيرهم ولا يقتصر به على بعضهم دون بعض إلا من منع منه إجماع من امرأة أو مجنون أو من لم يبلغ وكذلك حب الأنصار فضل في جميع الأنصار لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يقتصر به على بعضهم دون بعض
وكذلك ذو القربى وكذلك فضل أبي بكر لا يشركه فيه غيره وكذلك فضل علي لا يشركه فيه غيره لأن الحكم على الأسماء فكل اسم مسماه لا يعدي به إلى غيره ولا يبدل منه غيره ولا يقتصر به على بعض مسماه دون بعض ولا في الأحوال دون بعض
فصل في إبطال دعواهم في دليل الخطاب
قال أبو محمد قد أوعينا بحول خالقنا تعالى لا بحولنا الكلام في كل ما شغبوا به وأبنا حل شكوكهم جملة ثم نأتي بالبراهين المبطلة لدعواهم في ذلك إن شاء الله عز و جل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
يقال لهم أرأيتم قول الله عز و جل { ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا لكيل ولميزان بلقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد لله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } فيه إباحة أن يقرب مال من ليس يتيما بغير التي هي أحسن فإن قالوا لا ما فيه إباحة لذلك تركوا قولهم الفاسد إن ذكر السائمة دليل على أن غير السائمة بخلاف السائمة ولا فرق بين ذكره صلى الله عليه و سلم السائمة في موضع والغنم جملة في موضع آخر وبين قوله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بلباطل وتدلوا بها إلى لحكام لتأكلوا فريقا من أموال لناس بلإثم وأنتم تعلمون } في مكان ثم قال في آخر { ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا لكيل ولميزان بلقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد لله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } وكذلك

لا فرق بين من قال إن الحديث الذي فيه ذكر السائمة بيان للحديث الذي فيه ذكر الغنم جملة وبين من قال إن ذكر مال اليتيم في الآية بيان للأحوال المحرمة ويعلم أن المراد بها مال اليتيم خاصة
ويقال لهم أترون قول الله تعالى { إن عدة لشهور عند لله ثنا عشر شهرا في كتاب لله يوم خلق لسماوات ولأرض منهآ أربعة حرم ذلك لدين لقيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا لمشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة وعلموا أن لله مع لمتقين } مبيحا للظلم في سائر الأشهر غير الحرم أو ترون قوله تعالى { لملك يومئذ لله يحكم بينهم فلذين آمنوا وعملوا لصالحات في جنات لنعيم } مانعا من أن يكون الملك في غير يومئذ لله وكذلك قوله تعالى { وليستعفف لذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم لله من فضله ولذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال لله لذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على لبغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض لحياة لدنيا ومن يكرههن فإن لله من بعد إكراههن غفور رحيم } أتراه مبيحا للبغاء إن لم يردن تحصنا
وكذلك قوله تعالى { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة لنسآء أو أكننتم في أنفسكم علم لله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة لنكاح حتى يبلغ لكتاب أجله وعلموا أن لله يعلم ما في أنفسكم فحذروه وعلموا أن لله غفور حليم } أتراه مبيحا لمواعدتهن في العدة جهرا وكذلك قوله تعالى { لعن لذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } أتراه مانعا من لعن من كفر من غير بني إسرائيل وكذلك قوله تعالى { أحل لكم صيد لبحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد لبر ما دمتم حرما وتقوا لله لذي إليه تحشرون } أتراه مانعا من أكل الثمار والحبوب وما ليس من صيد البحر ولا طعامه كما قال المالكيون إن قوله تعالى { ولخيل ولبغال ولحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } مانع من أكل الخيل إذ لم يذكر الأكل وإذا عارضوا بهذه الآية الحديث الذي فيه إباحة للخيل فهلا عارضوا بالآية التي ذكرنا إباحة كل ما اختلف فيه فحرموه بها
ويقال لهم أترون قوله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها مسقطا لقتلهم إن جحدوا نبوة موسى وعيسى عليهما السلام

ويقال لهم لو كان قولكم حقا إن الشيء إذا علق بصفة ما دل على أن ما عداه بخلافه لكان قول القائل مات زيد كذبا لأنه كان يوجب على حكمهم أن غير زيد لم يمت وكذلك زيد كاتب وكذلك محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كان ذلك يوجب ألا يكون غيره رسول الله ويلزمهم أيضا إذ قالوا بما ذكرنا أن يبيحوا قتل الأولاد لغير الإملاق لأن الله تعالى إنما قال { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا } ويلزمهم في قوله تعالى { وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فتقون } إن ذلك مبيح لأن يشترى بها ثمن كثير
فلما تركوا مذهبهم في كل ما ذكرنا وكان قول القائل مات زيد وزيد كاتب ومحمد رسول الله صلى الله عليه و سلم ومسيلمة كذاب حقا ولم يكن في ذلك منع من أن غير زيد قد مات وأن غير زيد كتاب كثير وأن موسى وعيسى وإبراهيم رسل الله وأن الأسود العنسي والمغيرة الجلاح وبناتا كذابون بطل قول هؤلاء القوم إن الخطاب إذا ورد بصفة ما وفي اسم ما أو في زمان ما أن ما عداه بخلاف
ولا يغلط علينا من سمع كلامنا هذا فيظن أننا إذ أنكرنا قولهم إن غير المذكور بخلاف المذكور إننا نقول إن غير المذكور موافق للمذكور بل كلا الأمرين عندنا خطأ فاحش وبدعة عظيمة وافتراء بغير هدى
ولكنا نقول إن الخطاب لا يفهم منه إلا ما قضي لفظه فقط وأن لكل قضية حكم اسمها فقط وما عداه فغير محكوم له لا بوفاقها ولا بخلافها لكنا نطلب دليل ما عداها من نص وارد اسمه وحكم مسموع فيه أو من إجماع ولا بد من أحدهما وبالله تعالى التوفيق


فصل في عظيم تناقضهم في هذا الباب قال أبو محمد وبالجملة فإن مذهبهم في القياس ومذهبهم في دليل الخطاب ومذهبهم في الخصوص مذاهب يبطل بعضها بعضا ويهدم بعضها بعضا وذلك أنهم قالوا في القياس إذا نص على حكم ما فنحن ندخل ما لا ينص عليه في حكم المنصوص عليه ونتبع السنة ما لا سنة فيه فإذا أوجب الربا في البر بالبر أوجبناه نحن في التبن بالتبن وإذا وجبت الكفارة على العامد في الصيد أوجبناه نحن على المخطىء وقالوا في دليل الخطاب إذا نص على حكم ما فنحن نخرج ما لم ينص عليه من حكم المنصوص عليه ولا نتبع السنة ما لا سنة فيه
فقالت طوائف منهم لا نزكي غير السائمة لأنه ذكرت السائمة في بعض الأحاديث
وقالت طائفة منهم لا نأكل الخيل لأنه إنما ذكر في الآية الركوب والزينة
وقالت طوائف منهم لا نقضي بالمتعة إلا التي طلقت ولم تمس ولا فرض لها لأن هذه قد ذكرت بصفتها في بعض الآيات
قال أبو محمد وهذا ضد قولهم في القياس وإبطاله
وقالوا في الخصوص لا نقضي لجميع ما اقتضاه النص لكن نخرج منه بعض ما يقع عليه لفظ فقالوا في قوله تعالى { يستفتونك قل لله يفتيكم في لكلالة إن مرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ثنتين فلهما لثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ لأنثيين يبين لله لكم أن تضلوا ولله بكل شيء عليم } إنما عنى الذكر من الأولاد دون الإناث
وقالوا في قوله تعالى { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا لشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بلله وليوم لآخر ومن يتق لله يجعل له مخرجا } إنما عنى من الأحرار لا من العبيد ومن الأباعد لا من الإخوة والآباء والأبناء والأزواج
وقالوا في قوله تعالى { لشهر لحرام بلشهر لحرام ولحرمات قصاص فمن عتدى عليكم فعتدوا عليه بمثل ما عتدى عليكم وتقوا لله وعلموا أن لله مع لمتقين } وفي قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون } لا قصاص من

جرح إلا من الموضحة فقط ولا قصاص من متلف ولا من لطم ولا من نتف شعر
قال أبو محمد وهذا مذهب يبطل قولهم في القياس وفي دليل الخطاب معا ونحن نرى إن شاء الله تعالى تناقضهم في مذاهبهم هذه في مسألة واحدة
روى المالكيون حديث القطع في ربع دينار فقالوا لا يستباح فرج زوجة بأقل من ربع دينار قياسا على ما يقطع فيه يد السارق وذكر ربع الدينار في القطع موجب ألا يكون الصداق أقل منه ثم قالوا لا يقطع المستعير لأنه ليس سارقا وذكر الله تعالى السارق موجب ألا يقطع من ليس سارقا
ثم قالوا من سرق شيئا فأكله قبل أن يخرج من حرزه وإن كان يساوي دنانير فلا قطع عليه فخصوا بالقطع بعض السراق دون بعض
وكذلك فعل الحنفيون سواء بسواء إلا أنهم قالوا لا يقطع سارق لحم ولا مصحف ولا فاكهة ولا زرنيخ
وروى محمد بن المغيرة المخزومي عن مالك أن الإناء يغسل من ولوغ الخنزير سبعا قياسا على الحديث الوارد في الكلب ثم قالوا لا يغسل من لعاب الكلب ثوب ولا جسد لأنه إنما ذكر في الحديث الإناء ولم يذكر غيره ثم روى ابن القاسم عنه أنه قال لا يهرق الإناء إلا أن يكون فيه ماء وأما غير الماء فلا يضره ولوغ الكلب
وأما الشافعيون فأتوا إلى آية الظهار فقاسوا على الأم والأخت وقالوا ذكر الله تعالى الأم دليلا على أن الأخت مثلها ثم قالوا ذكر الله تعالى المظاهر دليلا على أن المرأة إذا ظاهرت من زوجها بخلاف ذلك ثم قالوا ومن ظاهر من أمته فلا كفارة عليه فخصوا بعض النساء المذكورات في الآية بلا دليل كل ذلك ومثل هذا في أقوالهم كثير بل هو أكثر أقوالهم وما سلم منها من التناقض إلا الأقل وكلها يهدم بعضها بعضا ويدل هذا دلالة قطع على أن أقوالهم من عند غير الله تعالى إذا ما كان من عند الله تعالى فلا اختلاف فيه ولا تعارض وبعضه يصدق بعضا


فصل من تناقضهم في ذلك أيضا قال أبو محمد نص الله تعالى على إيجاب الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ فأوجبها القياسيون في قتل المؤمن الذمي خطأ ولا ذكر له في الآية أصلا ثم اختلفوا فطائفة أوجبت الكفارة في قتل العمد قياسا على قتل الخطأ وطائفة منعت من ذلك وكان تناقض هذه الطائفة أعظم لأنهم أوجبوا الكفارة على قاتل الصيد خطأ قياسا على قاتله عمدا ومنعوا من الكفارة في قتل المؤمن عمدا ولم يقيسوه على قتله خطأ هذا وكلهم يسمع قول الله تعالى { دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما } وقول رسول الله صلى الله عليه و سلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فوجب بهذين النصين ألا يؤخذ أحد بخطأ من فعله إلا ما جاء به النص من إيجاب الكفارة على المخطىء في قتل المؤمن وما أجمعت الأمة عليه من ضمان الخطأ في إتلاف الأموال وأن الوضوء ينتقض بالأحداث الخارجة من المخرجين بالنسيان كالعمد فقط
ومن تناقضهم أن قالت طوائف منهم في قول النبي صلى الله عليه و سلم من باع نخلا وفيها تمر قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترط المبتاع فقال بعضهم إذا ظهر أبر أو لم يؤبر فهو للبائع وهذا قول أبي حنيفة وقد كثر تناقض أصحابه في دليل الخطاب جدا
وقالت طوائف منهم واجب أن تكون الرقبة في الظهار إلا مؤمنة لأن الرقبة التي ذكرت في كفارة القتل لا تكون إلا مؤمنة فوجب أن تكون الرقبة المسكوت عن ذكر دينها في الظهار مثل الرقبة المذكور دينها في القتل
ثم قال بعض هذه الطائفة لما ذكر صلى الله عليه و سلم القلتين في قوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وجب أن يكون لها ما دون القلتين بخلاف القلتين
قال أبو محمد فهلا قالوا في الرقبة كذلك وأوجبوا أن يكون المسكوت عنها بخلاف المذكور دينها كما جعلوا المسكوت عنه فيما دون القلتين بخلاف المذكور من القلتين أو

هلا جعلوا المسكوت عنه مما دون القلتين مثل القلتين كما جعلوا المسكوت عن دينها في الظهار مثل المذكور دينها في القتل
وقالت طائفة أخرى منهم لا يقول المأموم سمع الله لمن حمده لأن ذلك لم يذكر في بعض الأحاديث ولا يقول الإمام آمين لأنه لم يذكر ذلك في بعض الأحاديث وإن كان قد ذكر في غيرها لكن يغلب المسكوت ههنا فلا نقول إلا ما جاء في كلا الحديثين ذكره
ثم قالت الجزية من غير أهل الكتاب وإن كان الله تعالى لم يأمر بأخذها إلا من أهل الكتاب وادعوا ذلك على عثمان رضي الله عنه
قال أبو محمد وهذا لا يصح عن عثمان أصلا وأول من أخذ الجزية من غير أهل الكتاب فالقاسم بن محمد الثقفي قائد الفاسق الحجاج أخذها من عباد البد من كفرة أهل السند وأما عثمان رضي الله عنه فلم يتجاوز إفريقية وأهلها نصارى ولا تجاوز في الشرق خراسان وفي الشمال أذربيجان وأهلها مجوس
ومن عجائبهم التي تغيظ كل ذي عقل ودين والتي كان يجب عليهم أن يراقبوا الله تعالى في القول بها أو يستحيوا من تقليد من أخطأ فيها إطباقهم على أن قول الله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب لله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } فليس يدخل فيه القاتل خطأ وأن القاتل خطأ بخلاف القاتل عمدا في ذلك ثم أجمع الحنفيون والشافعيون والمالكيون على قول الله تعالى { يأيها لذين آمنوا لا تقتلوا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من لنعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ لكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا لله عما سلف ومن عاد فينتقم لله منه ولله عزيز ذو نتقام } إلى منتهى قوله تعالى { يأيها لذين آمنوا لا تقتلوا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من لنعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ لكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا لله عما سلف ومن عاد فينتقم لله منه ولله عزيز ذو نتقام } فقالوا كلهم إن القاتل الصيد وهو محرم خطأ تحت هذا الحكم وهم يسمعون هذا الوعيد الشديد الذي لا يستحقه مخطىء بإجماع الأمة فيكون في عكس الحقائق والتحكم في دين الله تعالى أعظم من هذا التلاعب في حكمين وردا بلفظ العمد ففرقوا بينهما كما ترى وحسبنا الله ونعم الوكيل

وقالوا ذكر الله تعالى { لذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا للائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من لقول وزورا وإن لله لعفو غفور } فقالوا نقيس من يظاهر بجريمته أو بشيء محرم على الأم ونلحق المسكوت عنه بالمذكور
ثم قالوا لا نقيس تظاهر المرأة من زوجها بتظاهره منها ولا نلحق عنه بالمذكور ثم قالوا نوجب الكفارة على المرأة الموطوءة نهارا في رمضان قياسا على الرجل الواطىء في رمضان فيلحق المسكوت عنه بالمذكور وقد قالوا كما ذكرنا نلحق الرقبة المسكوت عنها في الظهار بالرقبة المذكور دينها في القتل ثم قالوا نوجب في التعويض من الصيام في كفارة القتل إطعاما وإن كان قد عوض من الصيام بالإطعام في كفارة الظهار التي قسنا آنفا رقبتها على رقبة القتل وقاس بعضهم التيمم على الوضوء أن لا بد من بلوغ التيمم إلى المرفقين وأبوا أن يقيسوا مسح الرأس في التيمم على مسحه في الوضوء
وقالوا الحكم المسكوت عنه بحكم المذكور ههنا ثم لم يقيسوا قوله تعالى في الرجعة { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا لشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بلله وليوم لآخر ومن يتق لله يجعل له مخرجا } على قوله تعالى في الدين { يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم } فقالوا هذا لا نحكم عنه للمسكوت عنه بحكم المذكور وقالوا هنالك نحكم للمسكوت عنه بحكم المذكور
وأما الحنفيون فحكموا في آيتي الشهادة المسكوت عنه بحكم المذكور فقبلوا النساء في الرجعة والطلاق والنكاح وفي آية التيمم فأوجبوا إلى المرفقين ولم يحكموا في رقب الظهار والقتل والكفارة للمسكوت عنه بحكم المذكور ولا حكموا لغير السائمة بحكم السائمة ففرقوا ههنا بين المسكوت عنه وبين المذكور فكل طائفة منهم تحكمت في دين الله بعقولها وتقليدها الفاسد بلا برهان
وقد احتج بعضهم علي حيث وافق هواه بأن البدل حكمه حكم المبدل منه فأعلمته بأن ذلك باطل بلغة العرب التي خوطبنا بها في القرآن والسنة وبحكم الشريعة أما اللغة فإن البدل على أربعة أضرب بدل البعض من الكل وبدل البيان وبدل الغلط وبدل الصفة من الموصوف فليس في هذه الوجوه بدل يكون حكمه حكم المبدل منه إلا بدل البيان وحده كقولك مررت بزيد رجل صالح على أن أحدهما نكرة الآخر معرفة

وأما القرآن فقد أبدل الله تعالى من عتق رقبة الكفارة صيام ثلاثة أيام ومن عتق رقبة الظهار صيام شهرين متتابعين وأبدل من عتق رقبة الكفارة إطعام عشرة مساكين ومن هؤلاء العشرة صيام ثلاثة أيام وأبدل من صيام الشهرين إطعام ستين مسكينا وأبدل تعالى من هدي المتعة صيام عشرة أيام ومن هدي الأذى صيام ثلاثة أيام فبطل ما ادعوه
وقالت طائفة منهم في قوله صلى الله عليه و سلم من مس فرجه فليتوضأ لا ينقض الوضوء إلا من مسة بباطن يده دون ظاهرها فلم يحكموا في ذلك بكل ما يقع عليه اسم مس
ثم قالوا في ذلك بحديث لا يصح فيه من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ
قال أبو محمد ولو صح لما كان مانعا من إيجاب الوضوء في مسه بغير اليد لأنه إنما يكون في هذه الرواية التي احتجوا بها ذكر الإفضاء باليد فقط وكان يكون في الحديث الآخر المس جملة كما لم يكن في قوله صلى الله عليه و سلم من مس فرجه فليتوضأ ما يوجب إسقاط الوضوء من الريح والغائط بل كان مضافا إليه ومجموعا معه
ثم نقضوا هذا فقالوا في حديثين وردا أحدهما إذا وقعت الحدود فلا شفعة والآخر إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فاستعملوا كلا اللفظين ولم يجعلوهما حديثا واحدا بل أوجبوا قطع الشفعة بتحديد الحدود وإن لم تصرف الطرق وقالوا نعم إذا حدث الحدود فلا شفعة وإذا زيد في ذلك فصرفت الطرق فلا شفعة أيضا
قال أبو محمد ولم يفعل ذلك الحنفيون ههنا ولكنهم قد نقضوه فيما ذكرنا آنفا من مس الفرج ونقضه بعضهم في حديثين رويا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في أحدهما أنه عليه السلام مسح بناصيته وفي الآخر أنه مسح على العمامة فقالوا هذا حديث واحد ولا يجزىء المسح على العمامة دون الناصية
قال أبو محمد وهذا خلاف ما فعلوا في الشفعة مع أن كون الحديث الذي فيه ذكر الناصية غير الحديث الذي فيه ذكر العمامة أبين من أن يحتاج فيه كلفة لأن راوي الناصية المغيرة بن شعبة وراوي العمامة فقط بلال وعمرو بن أبي أمية الضمري معا فمن ادعى أنهما حديث واحد فقد افترى وقفا ما ليس له به علم وذلك لا يحل وقد كان ينبغي لهم أن يحكموا المسكوت عنه من المسح على الرأس المستور بحكمهم على الرجلين المستورين كما حكموا بالمسح على الجرموقين قياسا على الخفين وكما قاسوا المسح على الجبائر

في الذراعين على المسح على الخفين في الرجلين والجبائر لم يأت ذكرها في نص صحيح أصلا وإذا جاز عندهم تعويض المسح عليها من غسل الذراعين فتعويض المسح على العمامة من مسح الرأس أولى لأن هذا مسح عوض من مسح وذلك مسح عوض من غسل وكان قياس الرأس على الرجلين لأنهما طرفا الجسد ولأنهما جميعا يسقطان في التيمم أولى من قياس الذراعين بالجبائر على الرجلين ولكن القوم ليسوا في شيء وإنما يقولون ما خرج إلى أفواههم دون تعقب وقلدهم من تلاهم
وأتوا إلى قوله تعالى { يأيها لذين آمنوا كتب عليكم لقصاص في لقتلى لحر بالحر ولعبد بلعبد ولأنثى بلأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فتباع بلمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن عتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } فتناقضوا فقالوا هذه الآية موجبة أنه لا يقتل الحر بالعبد وليست موجبة ألا يقتل الذكر بالأنثى أفيكون أقبح تحكما ممن يقول إن قوله تعالى { لحر بالحر } موجب ألا يقتل حر بعبد ويقولون إن قوله تعالى { ولأنثى بلأنثى } موجبا ألا تقتل الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى وأما نحن فإن قوله صلى الله عليه و سلم المؤمنون تتكافأ دماؤهم عموم موجب عندنا قتل الحر بالعبد والعبد بالحر والذكر بالأنثى والأنثى بالذكر وكذلك قوله تعالى { وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على لله إنه لا يحب لظالمين } موجب القصاص بين الحر والعبد والذكر والأنثى فيما دون النفس يقص فيه للحر من العبد وللعبد من الحر والإماء والحرائر فيما بينهن ومع الرجال كذلك ولا قصاص لكافر من مؤمن أصلا لنصوص أخر ليس هذا مكان ذكرها
وقال بعضهم قوله تعالى { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } يدل على أن الدم الذي يكون مسفوحا ليس حراما
قال أبو محمد وهم قد نسوا أنفسهم في هذه الآية لأنه إذا كان ذكر المسفوح موجبا أن يكون غير المسفوح مباحا فوجب أن يكون ذكر لحم الخنزير في الآية

نفسها موجبا إباحة جلده وشعره وهم لا يقولون هذا فقد تناقضوا فإن ادعوا إجماعا كذبوا لأن كثيرا من الفقهاء يبيحون بيع جلده والانتفاع به إذا دبغ والخرز بشعره فهذا تناقض لم يبعد عنهم فينسوه
وأيضا فإن قوله تعالى في سورة المائدة في آية منها من آخر ما نزل { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } مبين أن كل دم فهو حرام ويدخل في ذلك المسفوح وغير المسفوح وهذا بين وبالله تعالى التوفيق


الباب الثامن والثلاثون في إبطال القياس في أحكام الدين قال أبو محمد علي بن أحمد رضوان الله عليه ذهب طوائف من المتأخرين من أهل الفتيا إلى القول بالقياس في الدين وذكروا أن مسائل ونوازل ترد لا ذكر لها في نص كلام الله تعالى ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أجمع الناس عليها قالوا فننظر إلى ما يشبهها مما ذكر في القرآن أو في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فنحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع بمثل الحكم الوارد في نظيره في النص والإجماع فالقياس عندهم هو أن يحكم لما لا نص فيه ولا إجماع بمثل الحكم فيما فيه نص أو إجماع لاتفاقهما في العلة التي هي علامة الحكم هذا قول جميع حذاق أصحاب القياس وهم جميع أصحاب الشافعي وطوائف من الحنفيين والمالكيين وقالت طوائف من الحنفيين والمالكيين لاتفاقهما في نوع من الشبه فقط
وقال بعض من لا يدري ما القياس ولا الفقه من المتأخرين وهو محمد بن الطيب الباقلاني القياس هو حمل أحد المعلومين على الآخر في إيجاب بعض الأحكام لهما أو إسقاطه عنهما من جمع بينهما بأمر أو بوجه جمع بينهما فيه
قال علي وهذا كلام لا يعقل وهو أشبه بكلام المرورين منه بكلام غيرهم وكله خبط وتخليط ثم لو تحصل منه شيء وهو لا يتحصل لكان دعوى كاذبة بلا برهان وأطرف شيء قوله أحد المعلومين فليت شعري ما هذان المعلومان ومن علمهما ثم ذكر إيجاب بعض الأحكام أو إسقاطه وهما ضدان ثم قال من جمع بينهما بأمر أو بوجه جمع بينهما فيه وهذه لكنه وعي وتخليط ونسأل الله السلامة وإنما أوردناه ليقف على تخليطه كل من له أدنى فهم ثم نعود إلى ما يتحصل منه معنى يفهم وإن كان باطلا من أقوال سائر أهل القياس وبالله تعالى التوفيق
وقال أبو حنيفة الخبر المرسل والضعيف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أولى من القياس ولا يحل القياس مع وجوده قال والرواية عن الصاحب الذي لا يعرف له مخالف

منهم أولى القياس قال ولا يجوز الحكم بالقياس في الكفارات ولا في الحدود ولا في المقدرات
وقال الشافعي لا يجوز القياس مع نص قرآن أو خبر صحيح مسند فقط وأما عند عدمهما فإن القياس واجب في كل حكم وقال أبو الفرج القاضي وأبو بكر الأبهري المالكيان القياس أولى من خبر الواحد المسند والمرسل وما نعلم هذا القول عن مسلم يرى قبول خبر الواحد قبلهما
وقسموا القياس بثلاثة أقسام فقسم هو قسم الأشبه والأولى وهو إن قالوا إذا حكم في أمر كذا بحكم كذا فأمر كذا أولى بذلك الحكم وذلك نحو قول أصحاب الشافعي إذا كانت الكفارة واجبة في قتل الخطأ وفي اليمين التي ليست غموسا فقاتل العمد وحالف اليمين الغموس أولى بذلك وأحوج إلى الكفارة وكقول المالكي والشافعي إذا فرق بين الرجل وامرأته لعدم الجماع فالفرقة بينهم العدم النفقة التي هي أوكد من الجماع أولى وأوجب وكقول الحنفي والشافعي والمالكي إذا لزمت المظاهر بظهر الأم الكفارة فالمظاهر بفرج أمه أولى
وقسم ثان وهو قسم المثل وهو نحو قول أبي حنيفة ومالك إذا كان الواطىء في نهار رمضان عمدا تلزمه الكفارة فالمتعمد للأكل مثله في ذلك وإذا كان الرجل يلزمه في ذلك الكفارة فالمرأة الموطوءة باختيارها عامدة في وجوب الكفارة عليها مثل الرجل وكقول من قال من التابعين ومن بعدهم إذا كان ظهار الرجل من امرأته يوجب عليه الكفارة فالمرأة المظاهرة من زوجها في وجوب الكفارة عليها مثل الرجل
وكقول الشافعي إذا وجب غسل الإناء من ولوغ الكلب فيه سبعا فهو من الخنزير كذلك
وكقول المالكيين إذا وجب على الزاني الذي ليس محصنا جلد مائة وتغريب عام فقاتل العمد إذا عفي له عن دمه مثله وكقول الحسن إذا ورثت المطلقة ثلاثا في المرض فهو في وجوب الميراث له منها إن ماتت كذلك أيضا
والقسم الثالث قسم الأدنى وهو نحو قول مالك وأبي حنيفة إذا وجب القطع في مقدار ما في السرقة وهو عضو يستباح فالصداق في النكاح مثله وكقول أبي حنيفة إذا كان خروج البول والغائط وهما نجسان ينقض الوضوء فخروج الدم وهو نجس متى خرج من الجسد أيضا كذلك وكقول الشافعي إذا كان مس الذكر ينقض

الوضوء فمس الدبر الذي هو عورة مثله كذلك وكقول المالكي إذا كان قول أف عمدا في الصلاة يبطلها فالنفخ فيها عمدا كذلك
قال أبو محمد فهذه أقسام القياس عند المتحذلقين القائلين به
وذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة وقالوا لا يجوز الحكم البتة في شيء من الأشياء كلها إلا بنص كلام الله تعالى أو نص كلام النبي صلى الله عليه و سلم أو بما صح عنه صلى الله عليه و سلم من فعل أو إقرار أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها متيقن أنه قاله كل واحد منهم دون مخالف من أحد منهم أو بدليل من النص أو من الإجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا والإجماع عند هؤلاء راجع إلى توقيف من رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا بد من لا يجوز غير ذلك أصلا وهذا هو قولنا الذي ندين الله به ونسأله عز و جل أن يثبتنا فيه ويميتنا عليه بمنه ورحمته
آمين
وشغب أصحاب القول بالقياس بأشياء موهوا بها ونحن إن شاء الله تعالى ننقض كل ما احتجوا به ونحتج لهم بكل ما يمكن أن يعترضوا به ونبين بحول الله تعالى وقوته بطلان تعلقهم بكل ما تعلقوا به في ذلك ثم نبتدىء بعون الله عز و جل بإيراد البراهين الواضحة الضرورية على إبطال القياس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
فما شغبوا به أن قالوا قال الله عز و جل { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } فوجب إذ منع من قول { لهمآ } للوالدين أن يكون ضربهما أو قتلهما ممنوع لأنهما أولى من قول { أف } وقال تعالى { وإذ قال موسى لقومه ياقوم ذكروا نعمة لله عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من لعالمين } قالوا فوجب أن ما فوق القنطار وما دونه داخل كل ذلك في حكم القنطار في المنع من أخذه
وقال تعالى { ونضع لموازين لقسط ليوم لقيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } قالوا فعلمنا أن ما دون مثقال حبة وما فوقها داخلان في حكم مثقال حبة الخردل أنه تعالى يأتي بها وقال تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قالوا فعلمنا أن ما فوق مثقال الذرة وما دونها يرى أيضا
وقال تعالى { ومن أهل لكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في لأميين سبيل ويقولون على الله لكذب وهم يعلمون }

قالوا فعلمنا أن ما فوق القنطار والدينار وما دونهما في حكم القنطار والدينار وقال تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بلباطل وتدلوا بها إلى لحكام لتأكلوا فريقا من أموال لناس بلإثم وأنتم تعلمون } قالوا فعلمنا أن ما عدا الأكل من اللباس وغيره حرام إذا كان بالباطل وقال تعالى { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا } فعلمنا أن قتلهم لغير الإملاق حرام كما هو خشية الإملاق قالوا وقول الناس لا تعط فلانا حبة فإنه مفهوم منه أن ما فوق الحبة وما دونها داخل كل ذلك في حكم الحبة قالوا ومن ادعى من هذه الآي فهم ما عدا ما فيها من غيرها فهو خارج عن المعقول وعن اللغة
قالوا وأنتم توافقوننا في كل ما قلنا في هذه الآيات وهذا الفصل وتقرون معنا بأن ما عدا هذه المنصوصات فإنه داخل في حكمها قالوا وهذا إقرار منكم بالقياس وترك لمذهبكم في إبطاله
قال أبو محمد قال الله عز و جل { أم للإنسان ما تمنى } وكل ما ذكروا فلا حجة لهم فيه أصلا بل هو أعظم حجة عليهم لأنه ينعكس عليهم في القول بدليل الخطاب فإنهم على ما ذكرنا في بابه في هذا الديوان يقولون إن ما عدا المنصوص فهو مخالف للمنصوص فيلزمهم على ذلك الأصل أن يقولوا ههنا إن ما عدا { أف } فإنه مباح وما عدا الدينار والقنطار والأكل ومثقال الخردلة والذرة وخشية الإملاق بخلاف حكم ذلك فقد ظهر تناقضهم وهدم مذاهبهم بعضها لبعض ثم نعود فنقول وبالله تعالى التوفيق أما قول الله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما وخفض لهما جناح لذل من لرحمة وقل رب رحمهما كما ربياني صغيرا } فلو لم يرد غير هذه اللفظة لما كان فيها تحريم ضربهما ولا قتلهما
ولما كان فيها إلا تحريم قول { أف } فقط
ولكن لما قال الله تعالى في الآية نفسها { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما وخفض لهما جناح لذل من لرحمة وقل رب رحمهما كما ربياني صغيرا }

اقتضت هذه الألفاظ من الإحسان والقول الكريم وخفض الجناح والذل والرحمة لهما والمنع من انتهارهما وأوجبت أن يؤتى إليهما كل بر وكل خير وكل رفق فبهذه الألفاظ وبالأحاديث الواردة في ذلك وجب بر الوالدين بكل وجه وبكل معنى والمنع من كل ضرر وعقوق بأي وجه كان لا بالنهي عن قول { أف } وبالألفاظ التي ذكرنا وجب ضرورة أن من سبهما أو تبرم عليهما أو منعهما رفده في أي شيء كان من غير الحرام فلم يحسن إليهما ولا خفض لهما جناح الذل من الرحمة
ولو كان النهي عن قول { أف } مغنيا عما سواه من وجوه الأذى لما كان لذكر الله تعالى في الآية نفسها مع النهي عن قول { أف } النهي عن النهر والأمر بالإحسان وخفض الجناح والذل لهما معنى فلما لم يقتصر تعالى على ذكر الأف وحده بطل قول من ادعى أن بذكر الأف علم ما عداه
وصح ضرورة أن لكل لفظة من الآية معنى غير سائر ألفاظها ولكنهم جروا على عادة لهم ذميمة من الاقتصار على بعض الآية والإضراب عن سائرها تمويها على من اغتر بهم ومجاهرة لله تعالى بما لا يحل من التدليس في دينه
كما فعلوا في ذكرهم في الاستنباط قول الله تعالى { وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا } وأضربوا عن أول الآية في قوله تعالى { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى لرسول ترى أعينهم تفيض من لدمع مما عرفوا من لحق يقولون ربنآ آمنا فكتبنا مع لشاهدين } وأول الآية مبطل للاستنباط
وكما فعل من فعل منهم في قول الله تعالى { وإذا قرىء لقرآن فستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } وأضربوا عما بعدها من قوله تعالى { وذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون لجهر من لقول بلغدو ولآصال ولا تكن من لغافلين }

قال أبو محمد ومن البرهان الضروري على أن نهي الله تعالى عن أن يقول المرء لوالديه ليس نهيا عن الضرب ولا عن القتل ولا عما عدا الأف أن من حدث عن إنسان قتل آخر أو ضربه حتى كسر أضلاعه وقذفه بالحدود وبصق في وجهه فشهد عليه من شهد ذلك كله فقال الشاهد إن زيدا يعني القاتل أو القاذف أو الضارب قال لعمرو يعني المقتول أو المضروب أو المقذوف لكان بإجماع منا ومنهم كاذبا آفكا شاهد زور مفتريا مردود الشهادة فكيف يريد هؤلاء القوم بنا أن نحكم بما يقرون أنه كذب
فكيف يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب ونحن نعوذ بالله العظيم من أن نقول إن نهي الله عز و جل عن قول للوالدين يفهم منه النهي عن الضرب لهما أو القتل أو القذف فالذي لا شك فيه عند كل من له معرفة بشيء من اللغة العربية أن القتل والضرب والقذف لا يسمى شيء من ذلك فبلا شك يعلم كل ذي عقل أن النهي عن قول ليس نهيا عن القتل ولا عن الضرب ولا عن القذف وأنه إنما هو نهي عن قول فقط
وأما ذكره تعالى القنطار في آية الصداق وآية وفاء أهل الكتاب فما فهمنا قط أن ما عدا القنطار فهو حكم القنطار من هاتين الآيتين لكن لما قال تعالى { لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون }
قال أبو محمد فبهذه الآية حرم على الزوج أن يأخذ مما أعطى زوجته شيئا وسواء قل أو كثر إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله أو تطيب نفسها كما قال تعالى { وآتوا لنسآء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } لولا هذه الآية وما في معناها من سائر الآيات والأحاديث التي فيها تحريم الأموال جملة وتحريم العود في الهبات لما كان في آية القنطار مانع مما عدا القنطار أصلا

وبرهان عن ذلك أنه لو شهد شاهدان لزيد أن له على عمرو قنطارا وكان في علمهما الصحيح أنه له عليه قنطارين أو أكثر من قنطار أو أقل من قنطار لكانا شاهدي زور كذابين آفكين وما علمنا في طبيعة بشر أحدا يفهم من قول القائل أخذ لي عمرو قنطارا أنه آخذ له أكثر من قنطار ومدعي هذا مفتر على اللغة ومكابر للحس داخل في نصاب الموسوسين مبطل للحقائق ويقال له لعله تعالى إذا ذكر سبع سموات إنما أراد بها خمس عشرة أو أكثر من ذلك وهذا هو بطلان الحقائق وفساد العقل على الحقيقة
وأما الآية التي فيها ذكر الدينار والقنطار في ائتمان أهل الكتاب فقد أخبرنا تعالى أنهم يقولون أو من قال منهم { ومن أهل لكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في لأميين سبيل ويقولون على الله لكذب وهم يعلمون } ففي هذا استجازة أهل الكتاب لخون أماناتنا قلت أو كثرت وقد علمنا بضرورة العقل والمشاهدة وعلم الناس قبل نزول هذه الآية المذكورة أن في أهل الكتاب وفي المسلمين أوفياء يفون بالقليل والكثير وغدرة يغدرون بالقليل والكثير لأن هذا من صفات الناس وإن في الناس من يفي بالقليل تصنعا ويخون الكثير رغبة وأن فيهم من يغدر بالقليل خسة نفس واستهانة ويفي بالكثير مخافة الشهرة أو انقطاع رزقه إن كان لا يعيش في مكسبة إلا بائتمان الناس إياه وهذا كله موجود مشاهد معلوم بالحس
فإن قالوا فما فائدة الآية إذن قيل لهم وبالله تعالى التوفيق الفائدة فيها عظيمة فأول ذلك الأجر العظيم في تلاوتها في التصديق أنها من عند الله عز و جل
وأيضا فالتنبيه لنا على التفكر في عظيم القدرة في ترتيبه لنا طبائع الناس فمنهم الوفي الكافر والخائن الكافر وأيضا فائتمانهم على المال فإن ذلك مباح لنا إذا قدرنا فيهم الأمانة وإبطال قول من منع من الوصية إليهم بالمال وهذا مثل قوله تعالى { أفلا ينظرون إلى لإبل كيف خلقت } ومثل قوله تعالى { ونزلنا من لسمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب لحصيد } وقد علمنا ذلك قبل نزول القرآن ولكنه تنبيه ووعظ وتحريك إلى اكتساب الأجر بالاعتبار والفكرة في قدرة الله عز و جل وذكره تعالى القنطار ههنا كذكره السبعين استغفارة في قوله تعالى { ستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر لله لهم ذلك بأنهم كفروا بلله ورسوله ولله لا يهدي لقوم لفاسقين }

وقد سبق في علم الله تعالى أنه سيبين مراده من ذلك أنه تعالى لا يقبل استغفاره لهم أصلا وقد قلنا غير مرة إن مثل هذا السؤال فاسد وأنه تعالى لا يسأل عما يفعل ونحن نسأل عن كل فعلنا وقولنا
وأما قوله تعالى { ونضع لموازين لقسط ليوم لقيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } وقوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } فإنما علمنا عموم ذلك كله فيما دون الذرة وما فوقها من قوله تعالى { ووضع لكتاب فترى لمجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما لهذا لكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } وبقوله تعالى { فستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فلذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها لأنهار ثوابا من عند لله ولله عنده حسن لثواب } وبقوله تعالى { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } فهذه الآيات بينت أن ما فوق الذرة والخردلة وما دونها محسوب كل ذلك ومجازى به وكذلك قوله تعالى { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في لسماوات أو في لأرض يأت بها لله إن لله لطيف خبير } فإنما علمنا العموم في ذلك من قول الله تعالى { وما من دآبة في لأرض إلا على لله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } فشمل تعالى جميع أرزاق الحيوان في هذه الآية فدخل في ذلك ما هو دون الخردلة وما فوقها
وقد أجاب أبو بكر بن داود عن هذا السؤال أن قال إن الذي هو فوق الذرة ذرة وذرة وهكذا ما زاد لأنه زاد على الذرة بعض ذرة فذاك البعض إذا أضيف إلى أبعاض الذرة جاء من ذلك مقدار الذرة وأما ما دون مثقال الذرة فحكمه مأخوذ من غير هذا المكان
قال علي وهذا جواب صحيح ضروري والذي نعتمد عليه عموما في جميع هذا الباب فهو الذي قلنا آنفا وأن المرجوع إليه في كل ما جرى هذا المجرى نصوص أخر

أو إجماع متيقن أو ضرورة المشاهد بالحواس والعقل فقط فإن لم نجد نصا ولا إجماعا ولا ضرورة اقتصرنا على ما جاء به النص وقفنا حيث وقف ولا مزيد وإلا فإن ذكره تعالى لما ذكر من هذه المقادير وهذه الأحوال في هذه الآيات كذكره تعالى أخبار بعض الأنبياء عليهم السلام في مكان وذكره تعالى لهم في مكان آخر بأكمل مما ذكرهم به في غيرها ولا يسأل عما يفعل
وأما قوله عز و جل { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بلباطل وتدلوا بها إلى لحكام لتأكلوا فريقا من أموال لناس بلإثم وأنتم تعلمون } فإنما علمنا أن ما عدا الأكل حرام بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وبآيات أخر وأحاديث أخر فبالحديث المذكور حرم التصرف في أموال الناس بغير ما أمر الله تعالى به بالأكل وغير الأكل ولو تركنا والآية المذكورة ما حرم بها شيء غير الأكل ولكان ما عدا الأكل موقوفا على طلب الدليل فيه إما بمنع وإما إباحة من غيرها ولما وجب أن تحكم فيما عدا الأكل من الآية لا بتحريم ولا بتحليل كما يقولون معنا إن الله حرم الأكل على الصائم ولم يحل عليه تملك الطعام ولا ما عدا الأكل من بيه وهبة وغير ذلك فأي فرق بين الأكل المحرم على الصائم وبين الأكل المحرم على الناس في أموالهم وكما أباحوا هم ونحن الأكل من بيت الأب والأم والصديق والأقارب المنصوصين فهلا أباحوا أخذ ما وجدوا للأقارب ما عدا الأكل قياسا على الأكل المباح أهلا حرموا على الصائم تملك الطعام وبيعه قياسا على ما صح من تحريم الأكل عليه كما زعموا أنهم إنما حرموا تملك الأموال بالظلم والباطل قياسا على تحريم الله تعالى أكلها بالباطل فإذ لم يفعلوا ذلك فقد تركوا القياس الذي يقرون أنه حق فظهر تناقضهم والحمد لله رب العالمين
وحتى لو لم يرد نص جلي في تحريم الأموال جملة لكان الإجماع على تحريمها كافيا ولعلمنا حينئذ أن اسم الأكل موضوع على أخذ منقول عن موضوعه المختص له في اللغة كما تقول العرب أكلتنا السنة أي أفنت أموالنا وكما قال الشاعر فإن قومي لم تأكلهم الضبع يريد لم تفنهم

وأما قوله تعالى { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا } فإنما حرم قتلهم جملة لغير الإملاق من آيات أخر وهي قول الله تعالى { قد خسر لذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم لله فترآء على لله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } وبقوله تعالى { ولا تقتلوا لنفس لتي حرم لله إلا بلحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في لقتل إنه كان منصورا } وبقوله تعالى { وإذا لموءودة سئلت بأى ذنب قتلت } وبقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام
وأما قوله تعالى { يولج لليل في لنهار ويولج لنهار في لليل وسخر لشمس ولقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم لله ربكم له لملك ولذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } فإنما أخبر عز و جل في موضع آخر على أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع وما كان هذا فبالضرورة نعلم أنها لا تملك شيئا
وهكذا الحكم في كل ما موهوا به فإن الله تعالى قد بين لنا مراده ولو لم يرد غير النصوص التي ذكرنا لوجب ألا نتعدى البتة إلى ما لم يذكر بها وللزم ألا نحكم بها أصلا إلا فيما وردت فيه ومن تعدى هذا فإنه متعد لحدود الله تعالى { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } نعوذ بالله من ذلك
وأما قول الناس لا تعط فلانا حبة فإنما يعلم مراد القائل في ذلك أمجدا قال ذلك أم هازلا أم مقتصرا على الحبة أم لأكثر منها بما يشهده من حال الأمر في امتناعه وتسهله وأكثر ذلك فهذا القول من قائله لا يتأتى مجردا البتة
ولا بد ضرورة من أن يقول لا تعطه البتة شيئا ولا حبة وربما زاد لا قليلا ولا كثيرا فهذا هو المعهود من تخاطب الناس فيما بينهم ومن ادعى غير هذا فهو مجاهر مدع على العقل ما ليس فيه بل هو مخالف لموجب العقل ولمقتضى اللغة على الحقيقة وبالله تعالى نعتصم

فإن ذكروا قول الله تعالى { أم لهم نصيب من لملك فإذا لا يؤتون لناس نقيرا } فقد قال تعالى في آية أخرى { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية لإنفاق وكان لإنسان قتورا } فنص تعالى على الإمساك والإمساك على عمومه يقتضي النقير وغير النقير وأقل من النقير وأكثر منه
واحتجوا في ذلك أيضا بقول الله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بلمعروف وتنهون عن لمنكر وتؤمنون بلله ولو آمن أهل لكتاب لكان خيرا لهم منهم لمؤمنون وأكثرهم لفاسقون } وبقوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } قالوا فلم يخص الله تعالى ما قال أولو الأمر منا بتوقيف من النبي صلى الله عليه و سلم مما قالوه بقياس
قال أبو محمد هذا الاحتجاج منهم جمع الشناعة والإثم لأن الله تعالى لم يأمر قط أولي الأمر منا أن يقولوا بآرائهم ولا بقياساتهم ولا أن يقولوا ما شاؤوا وإنما أمرهم الله تعالى أن يقولوا ما سمعوا أو يتفقهوا في الدين الذي أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه و سلم وينذروا بذلك قومهم وهذا بين في قوله تعالى { وعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون } وفي قوله تعالى { لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون } وفي قوله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } وفي قوله تعالى { إنما يأمركم بلسوء ولفحشآء وأن تقولوا على لله ما لا تعلمون }
قال أبو محمد ومن قال بقياسه فقد تعدى حدود الله وقفا ما لا علم به وأخبر عن الله تعالى بما لا يعلم أحد ما عند الله تعالى إلا بإخبار من الله تعالى بذلك وإلا فهو باطل وقد بينا فيما خلا أن قول الله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } إنما هو جميع أولي الأمر لا بعضهم ولم يجمعوا قط على القول بالقياس فكيف نكون نحن مأمورين باتباعهم فيما افترقوا فيه

وهذا ضد أمر الله تعالى في القرآن وبرهان قاطع وهو أن الله تعالى قال { يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا } وحدود الله تعالى هي كل ما حد وبين فصح أنه ليس لأحد أن يتعدى في شيء من الدين ما حده الله تعالى في القرآن وعلى لسان رسوله صلى الله عليه و سلم بالوحي فبطل أن يحمل أولوا الأمر على تعدي حدود الله تعالى لأنه باطل فقد اتفقنا أنهم لا يجمعون على باطل وكل ما لم يكن من حدود الله تعالى ووحيه فهو من عند الله ضرورة لا بد من ذلك وقد قال تعالى { أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا }
فصح بهذه الآية أنه لا يمكن أن يكون إجماع أبدا إلا على ما جاء من عند الله تعالى بالوحي الذي لا يعلم ما عند الله تعالى إلا به والذي قد انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فبطل بهذه النصوص يقينا أن يجمعوا على غير نص صحيح
واحتجوا بقول الله تعالى في آية الكلالة { يستفتونك قل لله يفتيكم في لكلالة إن مرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ثنتين فلهما لثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ لأنثيين يبين لله لكم أن تضلوا ولله بكل شيء عليم } قالوا فأنتم تقولون إن الميراث ههنا إنما هو بعد الدين والوصية قالوا وليس هذا في الآية فإنما قلتموه قياسا على سائر آيات المواريث التي فيها أنها بعد الوصية والدين
قال أبو محمد وهذا خطأ عظيم ونعوذ بالله تعالى من أن نثبت الميراث في مواريث الإخوة بعد الوصية والدين من طريق القياس وما أثبتنا ذلك إلا بنص النبي صلى الله عليه و سلم إذ كان يقدم إلى الجنازة فيسأل صلى الله عليه و سلم أعليه دين فإن قيل له لا صلى عليه وإن قيل له نعم سأل صلى الله عليه و سلم أعليه وفاء فإن قيل له نعم صلى عليه وإن قالوا لا قال صلى الله عليه و سلم صلوا على صاحبكم ولم يصل هو عليه وبقوله صلى الله عليه و سلم إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين أو كلاما هذا معناه وقوله صلى الله عليه و سلم إن صاحبكم مرتهن بدينه وبأمره صلى الله عليه و سلم جملة بالوصية لمن عنده شيء يوصي فيه وبأمره صلى الله عليه و سلم بالوصية بالثلث فدون
وقال صلى الله عليه و سلم في الوصية بالثلث والنهي عن الوصية بأكثر إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة أو كما قال صلى الله عليه و سلم فعم صلى الله عليه و سلم الورثة كلهم ولم يخص أخا ولا أختا من غيرهما فصح ضرورة ألا ميراث لأحد إلا بعد الدين ثم الوصية فسقط تمويههم بذكر الآية المذكورة

ثم نعكس عليهم هذا السؤال المذكور بعينه فنقول لهم إذا فعلتم أنتم ذلك في آية الكلالة قياسا على سائر المواريث فيلزمكم أن توجبوا الإطعام في كفارة القتل لمن عجز عن الصيام والرقبة قياسا على كفارة الظهار وقياسا على كفارة الواطىء في نهار رمضان ولا تفرقوا بين الأمرين فقد ذكر الله تعالى في كلتا الآيتين عتق الرقبة ثم الصيام لشهرين متتابعين ثم ذكر تعالى في أحدهما تعويض الإطعام من الصيام فافعلوا ذلك في المسكوت عنه من الآية الأخرى لا سيما وأنتم قد قستم أو بعضكم المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار على المنصوص عليه من أن تكون مؤمنة في قتل الخطأ فما الذي جعل قياس الرقبة في الظهار على التعويض في القتل حقا وجعل قياس التعويض بالإطعام من الصيام في كفارة قتل الخطأ على التعويض بالإطعام من الصيام في كفارة الظهار باطلا ولولا التخليط والموق ونعوذ بالله من الخذلان
واحتج بعضهم بأن قال إن ثبات العشرين منا للمائتين من الكفار منسوخ بالقياس على نسخ ثبات المائة منا للألف من الكفار
قال أبو محمد وهذا تخليط وكذب وعكس الخطأ على الخطأ وما نسخ قط ثبات المائة للألف ولا ثبات العشرين للمائتين وقد بينا هذه المسألة في باب الكلام في النسخ من ديواننا هذا وبالجملة لا يحل لمسلم أن يقول في آية ولا حديث بالنسخ إلا عن نص صحيح لأن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه و سلم واجبة فإذا كان كلامهما منسوخا فقد سقطت طاعته عنا وهذا خطأ ومن ادعى سقوط طاعة الله تعالى وسقوط طاعة نبيه صلى الله عليه و سلم في مكان ما من الشريعة فقوله مطروح مردود ما لم يأت على صحة دعواه بنص ثابت فإن أتى به فسمعا وطاعة وإن لم يأت به فهو كاذب مفتر إلا أن يكون ممن لم تقم عليه الحجة فهو مخطىء معذور باجتهاده وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى { يأيها لذين آمنوا لا تقتلوا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من لنعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ لكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا لله عما سلف ومن عاد فينتقم لله منه ولله عزيز ذو نتقام } وهذا عمدة ما موهوا به في إثبات القياس مع آية الاعتبار ومع قوله تعالى { فقلنا ضربوه ببعضها كذلك يحيي لله لموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون }

قال أبو محمد وهذا من أطرف ما شغبوا به من الجرأة على التمويه بكلام الله تعالى ووضعه في غير موضعه فهذا عظيم جدا نعوذ بالله من الخذلان وما فهم أحد قط له عقل أن للقياس في هذه الآية مدخلا أو طريقا أو نسبة بوجه من الوجوه وما هذه الآية إلا نص جلي أمر تعالى ذوي عدل من المؤمنين أن يحكما في الصيد المقتول بما يشبهه من النعم فهذا نص لا قياس وإنما كان يكون قياسا لو قالوا كما أمرنا تعالى إذا قتلنا الصيد المحرم علينا قتله أن نجزيه بمثله من النعم
فكذلك إذا قتلنا شيئا من النعم حراما علينا لملك غيرنا له فواجب علينا أن نجزيه بمثله من الصيد وأيضا فكما قاسوا ملك الله تعالى الصيود فأوجبوا الجزاء على قاتلها مخطئا وخالفوا القرآن في ذلك قياسا على ملك الناس فواجب عليهم على أصلهم الفاسد أن يقيسوا ملك الناس من النعم ومن الصيد إذا قتله فيلزموه أن يجزيه بمثله إن كان صيدا فمن النعم وإن كان من النعم فمثله من الصيد
فهذا حقيقة القياس الذي إن قالوه كفروا وإن تركوا القياس وتناقضوا ووفقوا في تركهم له وأيضا فإن كانت هذه الآية متيحة للقياس فينبغي ألا يكون إلا حتى يحكم فيه ذوا عدل منا أو يكون عدل ذلك صياما
فهكذا هو الحكم في الآية وأما الآية المذكورة فلا نسبة بينها وبين القياس البتة وإنما فيها أن الصيد يكون مثلا للنعم وهذا أمر لا ننكره فالعالم كله متماثل في بعض أوصافه وإنما أنكرنا أن نحكم في الديانة شيء لم يأت فيه ذلك الحكم من الله تعالى بمثل الحكم المنصوص فيما يشبهه فهذا هو الباطل والخطأ والحرام الذي لا يحل وبالله تعالى نتأيد
واحتج أيضا بعضهم بقول الله تعالى { يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا } وبقوله تعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما } قالوا فقستم واجد الثمن للماء والثمن للرقبة وإن لم يكن عنده رقبة ولا ماء على من عنده الرقبة والماء فلم تجيزوا لهما التيمم ولا الصيام
قال أبو محمد وهذا من ذلك التمويه المعهود ويعيذنا الله تعالى أن نقول بالقياس في شيء من الدين وليس ما ذكروا قياسا ولكنه نص جلي بلا تأويل فيه البتة لأن الله تعالى إنما قال في آية كفارة قتل الخطأ والعود للظهار بعد إيجاب الرقبة

{ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما } ولم يقل تعالى فمن لم يجد رقبة ولكنه تعالى أطلق الوجود فكل وجود يتوصل به إلى عتق الرقبة فإنه مانع من الصيام فالواجب اتباعه لأنه موافق لظاهر الآية الذي لا يجوز خلافه وهكذا القول في كفارة الواطىء في نهار رمضان وأما التيمم لمن لم يكن له ماء وعنده ثمن يبتاع به الماء فإن أصحابنا قالوا ما ذكر هؤلاء ورأوا واجبا على من وجد ماء للشراء أن يبتاعه بقيمته في الوقت لا بأكثر
وقال غيرهم بأكثر من قيمته ما لم يجحف به
وقال الحسن البصري يبتاعه بكل ما يملك إن لم يبع منه بأقل
قال أبو محمد ولعل من حجة أصحابنا أن يقولوا إن قوله تعالى { يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } يقتضي بعموم هذا اللفظ واجده بالابتياع والاستيهاب كما يقول القائل أمر كذا موجود في السوق فيقولوا إن واجده بالابتياع والاستيهاب واجد للماء
قال أبو محمد وأما نحن فلا يجوز عندنا بيع الماء البتة بوجه من الوجوه ولا بحال من الأحوال لنهي النبي صلى الله عليه و سلم عن بيع الماء فهذا عندنا على عمومه وقولنا هذا هو قول إياس بن عبد الله المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وغيره
فلا يجوز ابتياع الماء للوضوء البتة ولا للغسل لأنه منهي عن ابتياعه وهو غير واجد للماء فحكمه التيمم إلا أن يتطوع عليه صاحب الماء بأن يهبه إياه فذلك جائز وهو حينئذ واجد للماء مالك له ففرضه التطهر به وأما من اضطر إلى شرب الماء وخشي الهلاك من العطش ولم يجد من يتطوع له بماء يحيي به رمقه ففرض عليه إحياء نفسه كيف أمكن بغلبة أو بأخذه سرا مختفيا بذلك أو بابتياعه فإذا لم يقدر على غير البيع فابتاعه فهو حينئذ جائز له والثمن حرام على البائع وهو باق على ملك المبتاع المضطر وهو بمنزلة من اضطر إلى ميتة أو لحم خنزير فلم يجده مع ذلك إلا بثمن ففرض عليه أن يبتاعه لإحياء نفسه

وكذلك ما يبذل من المال في فدى الأسرى وفي الرشوة لدفع المظلمة فهذا كله باب واحد وهو مباح للمعطي وحرام على الآخذ لأن المعطي مضطر والآخذ آكل مال بالباطل عاص لله تعالى نعوذ بالله
ثم نعكس عليهم اعتراضهم هذا فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق إن كان هذا عندهم قياسا فيلزمهم أن يقولوا بقول الحسن في ابتياع الماء بكل ما يملك لأنه واجد له فلا يسعه التيمم مع وجود الماء كما يقولون فيمن لم يجد رقبة إلا بكل ما يملك وهو قادر على اكتساب ما يقوم بقوته وقوت عياله بعد ذلك فإنه لا يجزيه عندهم إلا ابتياع الرقبة بملكه كله فإن لم يقولوا في الماء كذلك فقد تناقضوا وتركوا القياس الذي يزعمون أنه دين وهذا ما لا انفكاك منه
واحتجوا بقوله تعالى { ليس على لأعمى حرج ولا على لأعرج حرج ولا على لمريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند لله مباركة طيبة كذلك يبين لله لكم لآيات لعلكم تعقلون } قالوا ولم يذكر تعالى بيوت الأولاد فوجب إباحة الأكل من بيوت الأولاد قياسا على الإباحة من بيوت الآباء
قال أبو محمد وهذا في غاية الفساد والكذب ومعاذ الله أن تكون الإباحة للأكل من بيوت الأولاد قياسا على إباحة ذلك من بيوت الآباء والأقارب وما أبحنا الأكل من بيوت الأولاد إلا بنص جلي وهو قول رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أطيب ما أكل أحدهم من كسبه وإن ولد أحدكم من كسبه فبهذا أبحنا الأكل من بيوت الأولاد ولكن يلزمهم إذا فعلوا ذلك قياسا بزعمهم على بيوت الآباء أن يسقطوا الحد على الابن الواطىء أمة أبيه
كما أسقطوا الحد عن الأب إذا وطىء أمة ولده ولزمهم أن يسووا في جميع الأحكام بين الأبناء والآباء وسائر القرابات كما فعلوا ذلك قياسا على الأكل وإلا فقد تناقضوا وتركوا القياس واحتجوا بقول الله تعالى { لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمانهن وتقين لله إن لله كان على كل شيء شهيدا } بقوله تعالى { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو لتابعين غير أولي لإربة من لرجال أو لطفل لذين لم يظهروا على عورات لنسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى لله جميعا أيها لمؤمنون لعلكم تفلحون } قالوا فأدخلتم من لم يذكر في الآيتين المذكورتين من الأعمام والأخوال في حكم من ذكر فيهما

قال أبو محمد وهذا ليس قياسا بل هو نص جلي لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعائشة إنه عمك فليلج عليك وقال صلى الله عليه و سلم لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم فأباح لكل ذي محرم أن يسافر معها وإذا سافر معها فلا بد له من رفعها ووضعها ورؤيتها فدخل ذو المحارم كلهم بهذا النص في إباحة رؤية المرأة فبطل ظنهم أن ذلك إنما هو قياس وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بقول الله تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما } قالوا فأدخلتم بنات البنين وإن سفلن وبنات البنات وإن سفلن والجدات وإن علون وعمات الآباء والأجداد وخالاتهم وعمات الأمهات والجدات وخالاتهن وإن بعدن في التحريم وإن لم يذكرن في آية التحريم
قالوا وهذا قياس وكذلك أدخلتم تحريم ما نكح الأجداد وإن علوا وبنو البنين وإن سفلوا قياسا على تحريم ما نص عليه من نكاح نساء الآباء وحلائل الأبناء
قال أبو محمد وهذه دعوى فاسدة بل هذا نص جلي وبنو البنين وبنو البنات وإن سفلوا وبنات البنين وبنات البنات وإن سفلن فإنه يقع عليهن في اللغة بنص القرآن اسم البنين والبنات وإن سفلن
قال الله تعالى { يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس لتقوى ذلك خير ذلك من آيات لله لعلهم يذكرون } فجعلنا بنين له وبنو البنين بنون بالنص والجد والجدة وإن بعدا فاسم الأب والأم يقع عليهما كما قال تعالى { يابني آدم لا يفتننكم لشيطان كمآ أخرج أبويكم من لجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا لشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } يعني آدم وحواء وهكذا القول فيمن سفل من أولاد الإخوة والأخوات ومن علا من الأعمام والأخوال والعمات والخالات فمن كنت من ولد أخيه فهو عمك وعمتك وأنت ابن أخيه وأخيها ومن كنت من ولد أخته فهو خالك وخالتك وأنت ابن أخته وأختها وإنما فرقنا بين أحكام بعض من يقع عليه الاسم الواحد في المواضع التي فوق النص أو الإجماع المنقول المتيقن بينهم فيها وهذا أيضا الذي ذكروا إجماع والإجماع لا يجوز خلافه

ثم نقول لهم إذا فعلتم ذلك بزعمكم قياسا فيلزمكم أن تسووا أيضا قياسا بين كل من ذكرنا في الإنكاح والمواريث ووجوب الإنفاق وهم لا يفعلون ذلك فقد نقضوا أصلهم وأقروا بترك القياس وهكذا تكون الأقوال الفاسدة وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بقول الله تعالى في المطلقة ثلاثا { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود لله وتلك حدود لله يبينها لقوم يعلمون } قالوا فقستم وفاة هذا الزوج الثاني وفسخ نكاحه عنها على علاقة لها في كونها إذا مسها في ذلك حلالا المطلق ثلاثا قالوا لنا بل لم تقنعوا بذلك حتى قلتم إن كانت ذمية طلقها مسلم ثلاثا فتزوجها ذمي فطلقها بعد أن وطئها لم تحل بذلك لمطلقها ثلاثا ولا تحل إلا بموته عنها أو بفسخ نكاحه منها
قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق أننا أبحنا لها الرجوع إليه بالوفاة وبالفسخ لوجهين أحدهما الإجماع المتيقن والثاني النص الصحيح الذي عنه تم الإجماع وهو قول رسول الله صلى الله عليه و سلم للقرظية المطلقة ثلاثا أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك
قال علي فهذا الحديث أعم من الآية وزائد على ما فيها فوجب الأخذ به ووجب أن كل ما كان بعد ذوق العسيلة مما يبطل به النكاح فهي به حلال رجوعها إلى الزوج المطلق ثلاثا لأنه صلى الله عليه و سلم إنما جعل الحكم الرافع للتحريم ذوق العسيلة في النكاح الصحيح فإذا ارتفع بذلك التحريم فقد صارت كسائر النساء فإذا خلت من ذلك الزوج بفسخ أو وفاة أو طلاق كان لها أن تنكح من شاءت من غير ذوي محارمها ولم يشترط النبي صلى الله عليه و سلم بعد ذوق العسيلة طلاقا من فسخ من وفاة وأيقنا أنه صلى الله عليه و سلم لم يبحها للزوج الأول وهي بعد في عصمة الزوج الثاني ولا خلاف بين أحد في ذلك
وأما طلاق الذمي وسائر الكفار فليس طلاقا لأن كل ما فعل الكافر وقال غير اللفظ بالإسلام فهو باطل مردود إلا ما أوجب إنفاذه النص أو الإجماع المتيقن المنقول أو أباحه له النص أو الإجماع كذلك فإذا لفظ بالطلاق فهو لغو لأنه لا نص ولا إجماع في جواز طلاقه فليس مطلقا وهو بعد في عصمته لصحة نكاحهم بالنص من إقرار

النبي صلى الله عليه و سلم للكفار لما أسلموا مع نسائهم على نكاحهم معهن ولأنه صلى الله عليه و سلم من ذلك النكاح خلق وقد علمنا أنه صلى الله عليه و سلم مخلوق من أصح نكاح ولا يحل لمسلم أن يمر بباله غير هذا ولم يمنع تعالى في الآية من إباحة رجعتها بعد وفاة الزوج أو فسخ نكاحه وإنما ذكر تعالى الطلاق فقط وعم رسول الله صلى الله عليه و سلم بإجمال لفظه الطلاق وغيره وقد كان يلزم من قال بذلك الخطاب منهم ألا يبيحها إلا بعد الطلاق لا بعد الفسخ والوفاة فهذه الآية حجة عليهم لا لهم وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا أيضا بقوله تعالى { يأيها لذين آمنوا إذا نكحتم لمؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا } قالوا فقستم الكافرات في ذلك على المؤمنات
قال أبو محمد وهذا خطأ وقد بينا في باب مفرد من كتابنا هذا لزوم شريعة الإسلام لكل كافر ومؤمن مستويا بقوله تعالى { وأن حكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم وحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل لله إليك فإن تولوا فعلم أنما يريد لله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من لناس لفاسقون } فهذا لازم في كل حكم حاشا ما فرق النص والإجماع المتيقن فيه بين أحكامنا وأحكامهم وما كان كرامة لنا فإنه ليس لهم فيه حظ لقول الله تعالى { قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون } والصغار لا يجتمع مع الكرامة أصلا
وأيضا فالأمة كلها مجمعة على أن حكم العدة في الطلاق وسقوطها على الذمية كحكمها على المسلمة والإجماع لا يجوز خلافه
وأيضا فإن الآيات التي أوجب الله تعالى فيها العدد على المطلقات معلومة محصورة لا خلاف بين المسلمين أن المراد بها الممسوسات وأصل الناس كلهم على البراءة من وجوب الأحكام عليهم حتى يلزمهم الحكم نص أو إجماع وإلا فلا يلزم أحدا حكم إلا أن يلزمه إياه نص أو إجماع فبقيت الذمية المطلقة غير الممسوسة لم يأت قط بإيجاب عدة عليها فلم يجز لأحد أن يلزمها عدة لم يأت بها نص ولا إجماع ووجب المتعة لها ونصف الصداق بإيجاب الله تعالى ذلك لكل مطلقة فرض لها صداق المتعة خاصة لكل مطلقة وهي إحدى المطلقات فبطل ظن هؤلاء القوم والحمد لله رب العالمين

واحتجوا بما في القرآن من الآيات التي فيها خطاب النبي صلى الله عليه و سلم وحده مثل قوله تعالى { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم لصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود لذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن لله أعد للكافرين عذابا مهينا } ومثل قوله تعالى { وآخرون عترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى لله أن يتوب عليهم إن لله غفور رحيم } وما أشبه ذلك
قالوا فقلتم هي لازمة لنا ومباحة كلزومها النبي صلى الله عليه و سلم وإباحتها له
قال أبو محمد وهذا من التخليط ما هو لأن النص حكم علينا بذلك إذ يقول { لقد كان لكم في رسول لله أسوة حسنة لمن كان يرجو لله وليوم لآخر وذكر لله كثيرا } وبقوله صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتي وبغضبه صلى الله عليه و سلم على من تنزه عن أن يفعل مثل فعله فبطل تمويههم بأن هذا قياس وصح وجوب كل شريعة خوطب بها صلى الله عليه و سلم علينا ما لم ننه عن ذلك كقول النبي صلى الله عليه و سلم في الوصال لست كهيئتكم
فلو قال قائل إن الذين تعلقوا به مما ذكروا هو حجة عليهم في إبطال القياس لكان حقا لنص النبي صلى الله عليه و سلم على أنه ليس كهيئتنا ولا كأحدنا ولا مثلنا وإذ ليس مثلنا والقياس عند القائلين به إنما هو قياس الشيء على مثله لا على ما ليس مثله
فقد بطل القياس ههنا فيلزمهم ألا يحكموا على الناس بشيء خوطب به النبي صلى الله عليه و سلم وحده وإن فعلوا ذلك خرجوا من الإسلام فصح أنه لا مدخل لهذه الآيات ولا لهذا المعنى في القياس البتة وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى { هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار }
قال أبو محمد وهذه هي قاعدتهم بظنهم في القياس وما كانوا أبعد قط من القياس منهم في هذه الآية وما فهم قط ذو عقل من قول الله تبارك وتعالى { هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار } تحريم مد بلوط بمدي بلوط وما للقياس مجال على هذه الآية أصلا بوجه من الوجوه ولا علم أحد قط في اللغة التي بها نزل القرآن أن الاعتبار هو القياس وإنما أمرنا تعالى أن نتفكر في عظيم قدرته في خلق السموات والأرض وما أحل بالعصاة كما قال تعالى في قصة إخوة يوسف عليه السلام { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي لألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق لذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فلم يستح هؤلاء القوم أن يسموا القياس اعتبارا وعبرة على جاري عادتهم في تسمية الباطل باسم الحق ليحققوا بذلك باطلهم

وهذا تمويه ضعيف وحيلة واهية وقد قال تعالى { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل لله بها من سلطان إن يتبعون إلا لظن وما تهوى لأنفس ولقد جآءهم من ربهم لهدى أم للإنسان ما تمنى } فأبطل الله تعالى كل تسمية قام بصحتها برهان إما من لغة مسموعة من أهل اللسان وإما منصوصة في القرآن وكلام النبي صلى الله عليه و سلم وما عدا ذلك فباطل
وهل هذه الطريقة التي سلكوا من التمويه والغش بقلع الأسماء عن مواضعها وتحريف الكلم عن مواضعه إلا كمن سمى من النخاسين أواريهم بأسماء المدن ثم يحلف بالله لقد جاءت هذه الدابة أمس من بلد كذا تدليسا وغشا وأهل القياس جارون على هذه الطريقة في تسميتهم القياس عبرة واعتبارا
ونسألهم في أي لغة وجدوا ذلك وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي لألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق لذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فليت شعري أي قياس في قصة يوسف عليه السلام أترى أنه أبيح لنا بيع إخوتنا كما باعه إخوته أو ترى أن من باعه إخوته يكون ملكا على مصر ويغلو الطعام في أيامه
أو ترى إذ قال الله تعالى { هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار } أنه أمرنا قياسا على ذلك أن نخرب بيوتنا بأيديهم وأيدينا قياسا على ما أمرنا الله تعالى أن نعتبر به من هدم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين أما سمعوا قول الله تعالى { وإن لكم في لأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين ومن ثمرات لنخيل ولأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون }
أفيجوز لذي مسكة عقل أن يقول إن العبرة ههنا القياس وإن معنى هذه الآية { وإن لكم في لأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين } لقياسا أما يرى كل ذي حس سليم أن هذه الآية

مبطلة للقياس لما قص تعالى عليه أنه يخرج من بين فرث حرام ودم لبنا حلالا وأننا نتخذ من تمر النخيل والأعناب مسكرا حراما خبيثا ورزقا حلالا وهما من شيء واحد فظهر أن تساوي الأشياء لا يوجب تساوي حكمها وصح أن معنى العبرة التعجب فقط هذا أمر يدريه النساء والصبيان والجهال حتى حدث من كابر الحس وادعى أن الاعتبار القياس مجاهرة بالباطل تالله ما قدرنا أن عاقلا يرضى لنفسه بهذه الخساسة وبهذا الكذب في الدين وبعاجل هذه الفضيحة نعوذ بالله
والقوم كالفريق يتعلق بما وجد ولو لم يكن في إبطال القياس إلا هذه الآية لكفى لأن أولها قوله تعالى { هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار } فنص الله تعالى كما نسمع على أنه أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم وأن المؤمنين لم يظنوا قط ذلك وأن الكفار لم يحتسبوا قط ذلك فثبت يقينا بالنص في هذه الآية أن أحكام الله عز و جل جارية على خلاف ما يحتسب الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم والقياس إنما هو يحتسبه القائسون لا نص فيه ولا إجماع كظن المالكي أن علة الربا الإدخار في المأكولات في الجنس وظن الحنفي أنها الوزن أو الكيل في الجنس وظن الشافعي أنها الأكل في الجنس وهذه كلها ظنون واحتسابات فصح أن أحكام الله تعالى تأتي بخلاف ما يقع في النفوس فهذه الآية أبين شيء في إبطال القياس والحمد لله رب العالمين
وقد قوى بعضهم احتجاجهم بما ذكرنا في قوله { لمؤمنين } بما روي عن ابن عباس من قوله في دية الأصابع ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان عقلها سواء وإن اختلفت منافعها
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن ابن عباس إنما أراد بقوله هلا اعتبرتم أي هلا تبينتم ذلك بالأصابع فاستبنتم لأن العبارة عن الشيء هو ما يتبين به الشيء أي هلا تبينتم أن اختلاف المنافع لا يوجب اختلاف الدية أو هلا فكرتم وعجبتم في الأصابع

ورأيتم أن اختلاف منافعها لا يوجب اختلاف دياتها ولا اختلاف أحكامها كما أن الأسنان أيضا كذلك وهذا نص جلي من ابن عباس على إبطال القياس والعلل الموجبة عند القائلين بالقياس لاستواء الأحكام لأنهم يقولون إن الدية إنما هي عوض عن الأعضاء المصابة فيقيسون فقد السمع على فقد البصر في الدية لأن المنفعة بذلك متساوية فأبطل ابن عباس ذلك ورد إلى نص ولم يجد الأصابع أصلا للأسنان يقاس عليه ولا جعل الأسنان أصلا للأصابع يقاس عليه بل سوى بين كل ذلك تسوية واحدة وهذا هو ضد القياس لأن القياس عند القائلين به إنما هو رد الفرع إلى الأصل وليس ههنا أصل وفرع بل النص ورد أن الأصابع سواء وأن الأسنان سواء ورودا مستويا فبطل تمويههم الذي راموا به تصحيح أن القياس يسمى عبرة
ولقد ناظرني كبيرهم في مجلس حافل بهذا الخبر فقلت له إن القياس عند جميع القائلين به وأنت منهم إنما هو رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه أو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع بل الخلاف موجود في كليهما وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الأصابع وبين دية الأضراس وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك فبطل ههنا رد المختلف فيه إلى المجمع عليه والنص في الأصابع والأسنان سواء ثم من المحال الممتنع أن يكون عند ابن عباس نص ثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم في التسوية بين الأصابع وبين الأضراس ثم يفتي هو بذلك قياسا
فقال لي وأين النص بذلك عن ابن عباس فذكرت له الخبر الذي حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ثنا محمد بن بكر ثنا سليمان بن الأشعث السجستاني ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا شعبة بن الحجاج ثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الأصابع سواء الأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر
فانقطع وسكت
وزاد بعضهم جنونا فاحتج في إثبات القياس بقول الله تعالى { وقال لملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يأيها لملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون }

قال أبو محمد وهذا من الجنون ما هو لأن العبارة إنما هي في اللغة البيان عن الشيء تقول هذا الكلام عبارة عن كذا وعبرت عن فلان إذا بينت عنه ولا مدخل للحكم في شيء من ذلك لشيء لم يذكر اسمه في الشريعة بالحكم في شيء ذكر فيها اسمه فعارضوا بأن قالوا العبور هو الجواز والتجاوز من شيء إلى شيء تقول عبرت النهر
قالوا والقياس تجاوز شيء منصوص إلى شيء لا نص فيه
قال أبو محمد هذا من المكابرة القبيحة لأن هذا من الأسماء المشتركة التي هي مثل ضرب من ضراب الجمل وهو سفادة الناقة و ضرب بمعنى الإيلام بإيقاع جسم على جسم المضروب بشدة و الضرب العمل
وهكذا عبرت الرؤيا فسرتها وعبرت النهر أي تجاوزته فهذان معنيان مختلفان ليس أحدهما من الآخر في ورد ولا صدر ومصدر عبرت النهر إنما هو العبور ومصدر عبرت الرؤيا إنما هو العبارة ومصدر اعتبرت في الشيء إذا فكرت فيه الاعتبار و العبرة الاسم و العبرة والاستعبار التأهب للبكاء والأخذ فيه والعبرى نبات يكون على شطوط الأنهار و العبرانية لغة بني إسرائيل و العبير ضرب من الطيب
فإذا قلنا إن معنى عبرت النهر إنما هو تجاوزته ومعنى عبرت الرؤيا إنما هو فسرتها فقد وضح أن هذا غير هذان ولو أن المعبر للرؤيا تجاوزها لما كان مبينا لها بل يكون تاركا لها آخذا في غيرها كما فعل عابر النهر إذا تجاوزه إلى البر والاعتبار أيضا معنى ثالث غير هذين بلا شك فخلط هؤلاء القوم وأتوا بالسفسطة المجردة وهو أن يأتي بألفاظ مشتركة تقع على معاني شتى فيخلط بها على الناس ليوهم أهل العقل أشياء تخرجهم عن نور الحق إلى ظلمة الباطل وقد حذر الأوائل من هذا الباب جدا وأخبروا أنه أقوى الأسباب في دخول الآفات على الأفهام وفي إفساد الحقائق وقد نبهنا نحن عليه في مواضع كثيرة من كتابنا هذا ومن سائر كتبنا وقد بينا ذلك في كتاب التقريب ولم نبق فيه غاية وبالله تعالى التوفيق
ثم مع ذلك لم يقنعوا بهذا الباب من الباطل حتى زادوا عليه زيادة كثيرة وهو أنهم سموا القياس عبرة جرأة وتمويها والتسمية في اللغة والكلام المستعمل بيننا كله لا تخلو من وجهين لا ثالث لهما

أحدهما اسم سمع من العرب والعرب لا تعرف القياس في الأحكام في جاهليتها لأنهم لم يكن لهم شريعة كتابية قبل محمد صلى الله عليه و سلم فبطل أن يكون للقياس عندهم اسم
والقسم الثاني اسم شرعي أوقعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم على بعض أحكام الشريعة كالصلاة والزكاة والإيمان والكفر والنفاق وما أشبه ذلك وتعالى الله ورسوله عن أن يقيسا فبطل أن يكون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم سميا القياس عبرة فهذان القسمان من الأسماء لازمان لكل متكلم بهذه اللغة ولكل مسلم وأما الأسماء التي يتفق عليها أقوام من الناس التفاهم في مرادهم فلذلك لهم مباح بإجماع إلا أنهم ليس لهم أن يلبسوا بذلك على الناس
وهم في أعظم إثم وحرج إن سموا ما يخالفهم فيه غيرهم باسم واقع على معنى حقيقي ليلزموا خصومهم قبول ما خالفهم فيه تمويها على الضعفاء وعدوانا كمن سمى الخمر عسلا يستحلها بذلك لأن العسل حلال فبطل أن يسمي القياس عبرة أو اعتبارا وعلمنا أن أصحاب القياس الذي أحدثوا هذه البدعة هم الذين أحدثوا له هذا الاسم كما أنذر النبي صلى الله عليه و سلم بقوم يأتون في آخر الزمان يسمون الخمر بغير اسمها ليستحلوها بذلك فقد فعل أصحاب القياس ذلك بعينه وسموا الباطل عبرة واعتبارا لهم ليصبح لهم باطلا بذلك لأن العبرة حق { يريدون أن يطفئوا نور لله بأفواههم ويأبى لله إلا أن يتم نوره ولو كره لكافرون } وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بآبدة أنست ما قبلها وهو أن بعضهم استدل على صحة القياس بقول الله تعالى واصفا لأمر آدم عليه السلام إذ تكشفت عورته عند أكل الشجرة فقال تعالى { فدلاهما بغرور فلما ذاقا لشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق لجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما لشجرة وأقل لكمآ إن لشيطآن لكما عدو مبين }
قال أبو محمد إنما شرطنا أن نتكلم فيما يعقل وأما الهذيان فلسنا منه في شيء ولا ندري وجه القياس في تغطية آدم عورته بورق الجنة وليت شعري لو قال لهم خصمهم مجاوبا لهم بهذا الهذيان إن هذه حجة في إبطال القياس بماذا كانوا ينفكون منه وهل كان يكون بينه وبينهم فرق
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام إذ قال { إن لله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما لذين آمنوا فيعلمون أنه لحق من ربهم وأما لذين كفروا فيقولون ماذآ أراد لله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا لفاسقين }

قال أبو محمد وهذه كالتي قبلها وما يعقل أحد من إحياء الله عز و جل الطير قياسا ولا أنه يوجب أن يكون الأرز بالأرز متفاضلا حراما وأن الاحتجاج بمثل هذا مما ينبغي المسلم أن يخاف الله عز و جل فيه وما بين هذا وبين من احتج في إثبات القياس وفي إبطاله بقول الله تعالى { قل أعوذ برب لناس } فرق ولكن من لم يبال بما تكلم سهلت عليه الفضائح وليس العار عارا عند من يقلده واحتجوا بقول الله تعالى { مثل ما ينفقون في هذه لحياة لدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم لله ولكن أنفسهم يظلمون } وبقوله تعالى { كأنهن لياقوت ولمرجان }
قال أبو محمد وهذا من نحو ما أوردناه آنفا من العجائب المدهشة بينما نحن في تحريم شيء لم يذكر تحريمه في القرآن والسنة ولا في الإجماع من أجل شبهه لشيء آخر حرم في النص حتى خرجنا إلى تشبيه الحور العين بالياقوت والمرجان فكل ذي عقل يدري أن الياقوت والمرجان يباع ويدق ويسرق ويخرج من البحر الملح وأنه لا يعقل ولا هو حيوان أفترى الحور العين يفعل بهن هذا كله تعالى الله عن ذلك وقد علم كل مسلم أن الحور العين عاقلات أحياء ناطقات يوطأن ويأكلن ويشربن فهل الياقوت والمرجان كذلك وإنما شبه الله تعالى الحور العين بالياقوت والمرجان في الصفاء فقط ونحن لا ننكر تشابه الأشياء وإنما ننكر أن نحكم المتشابهات بحكم واحد في الشريعة بغير نص ولا إجماع فهذا هو الزور والإفك والضلال وأما تشابه الأشياء فحق يقين
وكذلك شبه الله تعالى بطلان أعمال الكفار ببطلان الزرع بالريح التي فيها الصر فأي مدخل للقياس ههنا أترى من بطل زرعه خالدا في جهنم كما يفعل بالكافر أو ترى الكافر إذا حبط عمله ذهب زرعه في فدانه كما يذهب زرع من أصاب زرعه ريح فيها صر هذا ما لا يقوله أحد ممن له طباخ
وأما الحقيقة فإن هاتين الآيتين تبطلان القياس إبطالا صحيحا لأن الله تعالى مثل الحور العين بالياقوت والمرجان ومثل أعمال الكفار بزرع أصابته ريح فيها صر
ولم يكن تشبيه الحور بالياقوت والمرجان يوجب للياقوت والمرجان الحكم أحكام الحور العين ولا للحور العين الحكم بأحكام الياقوت والمرجان ولا كان شبه عمل الكفار

بالزرع الذاهب يوجب للزرع الحكم بأحكام أعمال الكفار من اللعين والبراءة والوعيد ولا لأعمال الكفار بأحكام الزرع من الانتفاع بتبنه في علف الدواب وغير ذلك
فصح أن تشابه الأشياء لا يوجب لها التساوي في أحكام الديانة ولا شيء أقوى شبها من شيئين شبه الله عز و جل بعضها ببعض فإذا كان الشبه الذي أخبرنا الله تعالى به لا يوجب لذينك المتشابهين حكما واحدا فيما لم ينص فيه فبالضرورة تعلم أن الشبه لا يوجب لذينك المتشابهين حكما واحدا فيما لم ينص فيه فبالضرورة تعلم أن الشبه المكذوب المفترى من دعاوى أصحاب القياس أبعد عن أن يوجب لما شبهوا بينهما حكما واحدا وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بقول الله تعالى { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي لعظام وهي رميم قل يحييها لذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم لذي جعل لكم من لشجر لأخضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون أوليس لذي خلق لسماوات ولأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو لخلاق لعليم }
قال أبو محمد وهذا من عجائبهم وطوامهم ليت شعري ما في هذه مما يوجب القياس أو أن يحكم في ألا يكون الصدق أقل مما يقطع فيه اليد وأن يرجم اللوطي كما يرجم الزاني المحصن ولكاد احتجاجهم بهذه الآية أن يخرجهم إلى الكفر لأنه تعالى لم يوجب أنه يعيد العظام من أجل أنه أنشأها أول مرة ولا أخبر تعالى أن إنشاءه لها أول مرة يوجب أن يعيدها ومن ظن هذا فقد افترى
ومع ذلك فلو كان إنشاء الله تعالى للعظام أو لا يوجب أن يحييها ثانية لوجب ضرورة إذا أفناها أيضا بعد أن أنشأها أولا أن يفنيها ثانية بعد أن أنشأها ثانية وهذا ما لا يقولونه ولا يقول به أحد من المسلمين إلا جهم بن صفوان وحده
ولو كان ذلك أيضا لوجب أن يعيدهم إلى الدنيا ثانية كما ابتدأهم ونشأهم فيها أول

مرة وهذا كفر مجرد لا يقول به إلا أصحاب التناسخ فقبح الله كل احتجاج يفر صاحبه من الانقطاع والإذعان للحق إلى ما يؤدي إلى الكفر فبطل تمويههم بهذه الآية وصح أن معناها هو اقتضاء ظاهرها فقط وهو أن القادر على خلق الأشياء ابتداء قادر على إحياء الموتى
وقد بين الله تعالى نصا إذ يقول { ومن آياته أنك ترى لأرض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت إن لذي أحياها لمحى لموتى إنه على كل شيء قدير } فبين عز و جل أنه إنما بين ذلك قدرته على كل شيء
وإنما عارض الله تعالى بهذا قوما شاهدوا إنشاء الله تعالى للعظام من مني الرجل والمرأة أقروا بذلك وأنكروا قدرته تعالى على إنشائها ثانية وإحيائها فأراهم الله تعالى فساد تقسيمهم لقدرته كما قال في أخرى { أولم يروا أن لله لذي خلق لسماوات ولأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي لموتى بلى إنه على كل شيء قدير } فهذه كتلك وليس في شيء منها أن نحكم لما لا نص فيه بالحكم بما فيه نص من تحريم أو إيجاب أو إباحة أصلا وأن هذا كله باب واحد ليس بعضه مقيسا على بعض ولا أصلا والآخر فرعا وإقدام أصحاب القياس وجرأتهم متناسبة في مذاهبهم وفيما يؤيدونها نعوذ بالله من الخذلان
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى { وهو لذي يرسل لرياح بشرى بين يدي رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به لمآء فأخرجنا به من كل لثمرات كذلك نخرج لموتى لعلكم تذكرون } وبقوله تعالى { يأيها لناس إن كنتم في ريب من لبعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في لأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى لأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } ولقوله تعالى { ولله لذي أرسل لرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به لأرض بعد موتها كذلك لنشور } وبقوله تعالى { ونزلنا من لسمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب لحصيد } إلى قوله { ونزلنا من لسمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب لحصيد } وبقوله تعالى { أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل لذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا }

قال أبو محمد وهذا كله من جنس ما ذكرناه آنفا والمحتج بهذه الآيات في إثبات القياس في الأحكام إما جاهل أعمى لا يدري ما القياس وإما مموه لا يبالي ما قال ولا ما أطلق به لسانه في استدامة حاله ولو كان هذا قياسا لوجب أن يحيي الله الموتى كل سنة في أول الربيع ثم يموتون في أول الشتاء كما تفعل الثمار وجميع النبات وهذا مما لا يقوله إلا ممرو وإنما أخبر تعالى في كل هذه الآيات بأنه يحيي الموتى ويقدر على كل ذلك لا على أن بعض ذلك مقيس على بعض البتة
وذكروا أيضا في ذلك قول الله تعالى { ويقول لإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } وبقوله تعالى { يأيها لناس إن كنتم في ريب من لبعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في لأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى لأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } { يأيها لناس إن كنتم في ريب من لبعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في لأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى لأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج }
قال أبو محمد هذا هو إبطال القياس على الحقيقة لأنه لا سبيل إلى أن يخلق ثانية من نطفة ولا من علقة ولا من مضغة فإنما معنى هذه الآية من الله تعالى علينا وتذكيره لنا بقدرته على ما يشاء لا إله إلا هو
وكذلك الآية التي قبلها أن الإنسان لم يك شيئا ثم خلق ولا سبيل إلى أن يعود لا شيء أبدا بل نفسه عائدة إلى حيث رآها النبي صلى الله عليه و سلم ليلة أسري به ويعود الجسم ترابا ثم يجمعان يوم القيامة فيخلد حيا باقيا أبد الأبد بلا نهاية ولا فناء في نعيم أو عذاب فبطل القياس ضرورة من حيث راموا إثباته تمويها على اغترابهم
وهذه الآيات كلها هي بمنزلة قوله تعالى { أأنتم أشد خلقا أم لسمآء بناها رفع سمكها فسواها } فإنما بين قدرته على ما شاهدنا وعلى ما أخبرنا به مما لم نشاهد وهذا إبطال للقياس ولظنون الجهال لأن الله تعالى نص على تشابه الأشياء كلها بعضها لبعض ولم يوجب من أجل ذلك التشابه أن تستوي في أحكامها وهذا هو نفس قولنا في إبطال القياس في تسوية الأحكام بين الأشياء المشتبهات وبالله التوفيق

ومثل ذلك قوله تعالى { وضرب لهم مثل لحياة لدنيا كمآء أنزلناه من لسماء فختلط به نبات لأرض فأصبح هشيما تذروه لرياح وكان لله على كل شيء مقتدرا } وكقوله تعالى { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب لجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون } الآيات إلى قوله تعالى { كذلك لعذاب ولعذاب لآخرة أكبر لو كانوا يعلمون }
قال أبو محمد ولا شبه أقوى من شبه شهد الله تعالى بصحبته فإذا كان الله تعالى قد شبه الحياة الدنيا بالنبات النابت من الماء النازل من السماء فهي أشبه الأشياء به وشبه تلف جثث أولئك العصاة بالعدل وذلك لا يوجب استواءهما في شيء من الحكم في الشريعة غير الذي نص الله تعالى عليه من البلى بعد الجدة فقط فبطل ظنهم الفاسد والحمد لله رب العالمين
وكذلك أيضا قوله تعالى { محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما }
قال أبو محمد وذلك الزرع يرعى وليس متعبدا ولا جزاء عليه في الآخر والقوم الذين شبهوا به ولا شك أنهم خلاف ذلك وأنهم متعبدون مجازون بالجزاء التام في الآخرة
وأن العجب ليكثر من عظيم تمويههم في الدين وتدليسهم فيه باحتجاجهم بهذه الآيات في القياس وما عقل قط ذو مسكة عقل أنه يجب في هذه الآيات تحريم بيع التبن بالتبن متفاضلا إذا حرم بيع التمر بالتمر متفاضلا وما قائل هذا قريب من الاستخفاف بالقرآن والشرائع ونعوذ بالله من هذا
واحتج بعضهم في إثبات القياس بآبدة أنست ما تقدم وهو أنه قال من الدليل على صحة القياس قول الله تعالى { ولمرسلات عرفا } قال فأشار إلى العرف

قال أبو محمد وهذا دليل على فساد عقل المحتج به في إثبات القياس وقلة حيائه ولا مزيد وبالله تعالى نعوذ من الخذلان ونسأله التوفيق ولا عرف إلا ما بين الله تعالى نصا أنه عرف وأما عرف الناس فيما بينهم فلا حكم له ولا معنى وما عرف الناس مذ نشؤوا إلا الظلم والمكوس
واحتجوا أيضا بأن قالوا قال الله عز و جل { ولبلد لطيب يخرج نباته بإذن ربه ولذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف لآيات لقوم يشكرون } قالوا فإذا جاء النص بجلد قاذف المحصنات وأنتم تجلدون قاذف الرجال المحصنين كما تجلدون قاذف المحصنات من النساء وهذا قياس
قال أبو محمد وهذا ظن فاسد منهم وحاشا لله أن يكون قياسا ونحن نبدأ فنبين بحول الله وقوته من أين أوجبنا جلد قاذف الرجال من نص القرآن والسنة فإذا ظهر البرهان على ذلك لائحا بحول الله وقوته وأنه من النص عدنا إلى بيان أنه لا يجوز أن يكون قياسا وأنه لو استعمل ههنا القياس لكان حكمه غير ما قالوا وبالله تعالى التوفيق فنقول وبالله تعالى نتأيد إن قول الله عز و جل { ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون } عموم لا يجوز تخصيصا إلا بنص أو إجماع فممكن أن يريد الله تعالى النساء المحصنات كما قلتم وممكن أن يريد الفروج المحصنات وهذا غير منكر في اللغة التي بها نزل القرآن وخاطبنا بها الله تعالى قال الله عز و جل { وأنزلنا من لمعصرات مآء ثجاجا } يريد من السحاب المعصرات فقلنا نحن إنه أراد الفروج المحصنات وقلتم أنتم إنه أراد النساء المحصنات فوجب علينا ترجيع دعوانا بالبرهان الواضح فقلنا إن الفروج أعم من النساء لأن الاقتصار بمراد الله تعالى على النساء خاصة تخصيص لعموم اللفظ وتخصيص العموم لا يجوز إلا بنص أو إجماع
وأيضا فإن الفروج هي المرمية لا غير ذلك من الرجال والنساء برهان ذلك ما قاله

تعالى { ولذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } وقال تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن لله خبير بما يصنعون } { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن لله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو لتابعين غير أولي لإربة من لرجال أو لطفل لذين لم يظهروا على عورات لنسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى لله جميعا أيها لمؤمنون لعلكم تفلحون } وقال تعالى { إن لمسلمين ولمسلمات ولمؤمنين ولمؤمنات ولقانتين ولقانتات ولصادقين ولصادقات ولصابرين ولصابرات ولخاشعين ولخاشعات ولمتصدقين ولمتصدقات ولصائمين ولصائمات ولحافظين فروجهم ولحافظات ولذاكرين لله كثيرا ولذاكرات أعد لله لهم مغفرة وأجرا عظيما } وقال تعالى { ومريم بنة عمران لتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من لقانتين } فصح أن الفرج هو المحصن وصاحبه هو المحصن له بنص القرآن
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد بن نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه أنا عبد الرزاق ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال ما رأيت أن شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه
وبه إلى مسلم ثنا إسحاق بن منصور أنا هشام المخزومي هو ابن سلمة ثنا وهيب بن خالد ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه
قال أبو محمد فصح يقينا أن المرمية هي الفروج خاصة وأن المحصنة على الحقيقة هي الفروج إلا ما عداها وصح أن الزنى الواجب فيه الحد هو زنى الفروج خاصة لا زنى سائر الأعضاء ولا زنى النفس دون الفرج فلا حد في النص كما أوردنا في زنى العينين ولا في الرجلين ولا في زنى اللسان ولا في زنى الأذنين ولا في زنى القلب الذي

هو مبعث الأعمال وصح أن من رمى العينين بالزنى أو رمى الرجلين بالزنى أو رمى القلب بالزنى أو رمى الأذنين بالزنى أو رمى اليدين بالزنى أو رمى أي عضو كان بالزنى ما عدا الفرج فليس راميا ولا حد عليه بالنص لأن الفرج إن كذب فهو كله لغو
فصح يقينا أن الرمي الذي يحد فيه الحدود ورد الشهادة والتفسيق إنما رمي الفروج بلا شك بيقين لا مرية فيه فإذ ذلك كذلك فقد صح أن مراد الله تعالى بالحدود ورد الشهادة في الآية المتلوة إنما هي رمي الفروج فقط فصح قولنا بيقين لا مجال للشك فيه وهذا إذ هو كذلك ففروج الرجال والنساء داخلات في الآية دخولا مستويا
ثم نسألهم فنقول لهم أخبرونا عن قول الله تعالى { ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون } إذ قلتم أنه تعالى أراد بهذه اللفظة ههنا النساء فقط هل أراد الله أن يحد قاذف الرجل أم لا ولا بد من إحداهما فإن قالوا لم يرد بقوله تعالى فقد حكموا على أنفسهم أنهم يحكمون بخلاف ما أراد الله تعالى وكفونا أنفسهم
وإن قالوا إن الله تعالى أراد أن يحد قاذف الرجل قلنا لهم إن هذا عجب أن يكون تعالى يريد في دينه وعلمه من عباده أن يحد قاذف الرجل ثم لا يأمرنا إلا بحد قاذف النساء فقط حاشا لله من ذلك فإنه تلبيس لا بيان فإن قالوا اقتصر على النساء ونبهنا بذلك على حكم قاذف الرجال قلنا له هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ولم تأتوا بأكثر من الدعوى الكاذبة التي فيها خالفناكم فإن كانت عندكم حجة من نص جلي على صحة هذه الدعوى وإلا فهي كذب بحت ولستم بصادقين فيها بنص القرآن قالوا الإجماع قد صح على وجوب حد قاذف الرجل
قلنا لهم وأي دليل لكم في الإجماع والإجماع لنا لا لكم لأن الإجماع إنما كان من هذا النص المذكور فهاتوا دليلا على أنه كان عن قياس ولا سبيل لهم إلى دليل ذلك أصلا لا برهاني ولا إقناعي ولا شغبي وظهر بطلان قولهم والحمد لله رب العالمين
ثم نعود إلى إبطال أن يكون حد قاذف الرجل قياسا جملة ولا بد فنقول وبالله تعالى نتأيد إننا وجدنا أحكام الرجال والنساء تختلف في مواضع فالرجال عليهم الجمعات

والجماعات فرضا والنساء لا تلزمهن جمعة ولا جماعة فرضا وقد استووا في حكم سائر الصلاة والزكاة والمرأة لا تسافر في غير واجب إلا مع زوج أو ذي محرم والرجل يسافر حيث شاء دون زوجة ودون ذي محرم والخوف عليه من أن يزني كالخوف عليها من أن تزني ولا فرق لأن زناها لا يكون إلا مع رجل وحكمهن في اللباس مخالف لحكم الرجل
فلا يجوز للرجل لباس القمص والعمائم والسراويل في الإحرام وهذا مباح للنساء واستووا في تحريم الطيب عليهم وعليهن في الإحرام والرجال عليهم الصلاة مع الإمام بمزدلفة صلاة الصبح ومباح للنساء السفر قبل ذلك فاستووا فيما عدا ذلك والجهاد على الرجال ولا جهاد على النساء وشهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل وخصومنا ههنا لا يقبلون النساء أصلا إلا في الأموال مع رجل ولا بد وفي عيوب النساء والولادات فقط
ويقبلون الرجال فيما عدا ذلك ولا يقيسون الرجال عليهن ولا يقيسوهن على الرجال وليس هذا إجماعا ودية المرأة نصف دية الرجل وكثير من الحاضرين من خصومنا ههنا يسوون بينهن وبين الرجال في مقدور محدود من الديات ويفرقون بين أحكامهم وأحكامهن في سائر ذلك ولا يقيسون النساء على الرجال ولا الرجال على النساء وحد المرأة كحد الرجل في القذف والخمر والزنى والقتل والقطع في السرقة وفرق بين الحاضرين من خصومنا في التغريب في الزنى بين الرجال والنساء وفرق آخرون منهم في حد الردة بين الرجال والنساء فرأوا قتل الرجل في الردة ولم يروا قتل المرأة في الردة وتركوا القياس ههنا وللرجل أن ينكح أربعا ويتسرى ولا يحل للمرأة أن تنكح إلا واحدا ولا تتسرى ولم يقيسوا عليهن إلى كثير مثل هذا اكتفينا منه بهذا المقدار
فلما وجدنا أحكام الرجال وأحكام النساء تختلف كثيرا وتتفق كثيرا على حسب ورود النص في ذلك فقط بطل أن يقاس حكم الرجال على النساء إذا اقتصر النص عن ذكرهن أو أن تقاس النساء على الرجال إذا اقتصر النص على ذكرهم
إذ ليس الجمع بين أحكامهن وأحكام الرجال حيث لم يأت النص بالتفريق قياسا على ما جاء النص فيه متساويا بين أحكامهن وأحكامهم أولى من التفريق بين أحكامهن وأحكام الرجال حيث لم يأت النص بالجمع قياسا على ما جاء النص فيه مفرقا بين أحكامهن وأحكامهم وهذا في غاية الوضوح

والحقيقة بلا شك فيها فلو كان القياس حقا لكان قياس قاذف الرجل في إيجاب الحد عليه على قاذف المرأة باطلا متيقنا لا يجوز الحكم به أصلا فارتفع توهمهم جملة والحمد لله رب العالمين
ومن أوضح برهان على أن حد قاذف الرجل ليس عن قياس على قاذف المرأة بالزنى أن بعد أمر الله بجلد قاذف المحصنات بسطر واحد فقط قوله تعالى { ولذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بلله إنه لمن لصادقين } الآيات
فلا خلاف بين أحد من الأمة أنه لا يقاس قاذفة زوجها أن تلاعن على قاذف زوجته أن يلاعن فلو كان القياس حقا لما كان قياس قاذف الرجل على قاذف المرأة أن يجلد الحد أولى ولا أصح من قياس قاذف زوجته أن تلاعنه أيضا ولا يجد أحد فرق بين الأمرين أصلا فصح أن القياس باطل إذ لو كان حقا لاستعمله الناس في الملاعنة وصح أن جلد قاذف الرجل ليس عن قياس وأنه عن نص كما ذكرنا وبالله التوفيق
واحتج بعضهم بقول الله تعالى { هو لذي أنزل عليك لكتاب منه آيات محكمات هن أم لكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه بتغاء لفتنة وبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا لله ولراسخون في لعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا لألباب }
قال أبو محمد وجمجم هذا المحتج ولم يصرح على ههنا أشياء من القرآن مفتقرة إلى القياس
قال أبو محمد وهذا كلام يسيء الظن بمعتقد قائله ولا قول أسوأ من قول من قال إن الله تعالى شبه على عباده فيما أراد منهم وفيما كلفهم وإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يبين تلك الأشياء وتركها مهملة واحتاجوا فيها إلى قياسهم الفاسد
وقد بينا الكلام في باب مفرد في ديواننا هذا وأخبرنا أنه لا يحل لأحد أن يتبع متشابه القرآن ولا أن يطلب معنى ذلك المتشابه وليس إلا الإقرار به وأنه من عند الله تعالى كما قال عز و جل في آخر الآية المذكورة { هو لذي أنزل عليك لكتاب منه آيات محكمات هن أم لكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه بتغاء لفتنة وبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا لله ولراسخون في لعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا لألباب } وأخبر تعالى فيها فقال { هو لذي أنزل عليك لكتاب منه آيات محكمات هن أم لكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه بتغاء لفتنة وبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا لله ولراسخون في لعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا لألباب } فنص تعالى على أن من طلب تأويل المتشابه فهو زائغ القلب مبتغي فتنة

ونحن نبرأ إلى الله من هذه الصفة فثبت بالنصوص ضرورة أن تأويل المتشابه لا يعلمه أحد إلا الله عز و جل وحده فقط لأن ابتغاء معرفته حرام وما حرم ابتغاء معرفته فقد سد الباب دون معرفته ضرورة إذ لا يوصل إلى شيء من العمل إلا بعد ابتغائه فما حرم ابتغاؤه فلا سبيل إلى الوصول إليه وهذا بين لا خفاء فيه وطرق المعارف معروفة محصورة وهي الحواس والعقل اللذان ركبهما الله في المتعبدين من الحيوان وهم الملائكة والجن ومن وضع من ذلك فيه شيء من الإنس ثم ما أمر الله بتعرفه وتعرف حكمه فيه مما جاء من عنده عز و جل وهو القرآن والسنة فقط وهذه كلها طرق أمرنا بسلوكها والاستدلال بها وقد نهينا عن طلب معنى المتشابه فصح أنه لا يوصل إلى معرفة معناه من جهة شيء من الحواس ولا من المعقول ولا من القرآن ولا من السنة فإذا كان الأمر كذلك فلا سبيل لمخلوق إلى معرفته إلا أن الذي صح في الآي المحكمات التي أمرنا الله بتدبرها وبتعلمها وبطلب تأويلها والتفقه فيها
فطاعة القرآن فيما أمر الله تعالى فيه ونهى وطاعة الرسول صلى الله عليه و سلم في الذي أمر فيه ونهى وترك التعدي لهذه الحدود وبطلان ما عداها فبطل القياس ضرورة لأنه غير هذه الحقائق والحمد لله رب العالمين
واحتجوا فقالوا حرم الله تعالى لحم الخنزير فحرمتم شحمه والأنثى منه وهذا قياس
قال أبو محمد وهذا ظن فاسد منهم ومعاذ الله أن نحرم شحم الخنزير وأنثاه بقياس بل بالإجماع الصحيح وبالنص في القرآن ولو كان الشحم كحكم اللحم لوجب إذ حرم على بني إسرائيل الشحم أن يحرم عليهم اللحم فإذا لم يكن ذلك فقد صح أن الشحم لم يحرم من الخنزير قياسا على اللحم
ومن الطرائف أن المحتجين بهذا يقولون أو أكثرهم إن الشحم جنس غير اللحم ويجيزون رطل لحم برطلي شحم حتى إن جمهورهم وهم صحاب أبي حنيفة يرون شحم الظهر غير شحم البطن فيجيزون رطل شحم بطن برطلي شحم الأوز فأين هذيانهم إنه إنما حرم شحم الخنزير قياسا على لحمه
والشافعيون والحنفيون والمالكيون يقولون من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما فإنه لا يحنث ولا خلاف بينهم أن من قال لآخر ابتع لي بهذا الدرهم لحما فابتاع له به شحما فإنه ضامن
فبطل قياسهم البارد إن الشحم من الخنزير مقيس على لحمه ولا

خلاف بينهم أن العظم لا نسبة بينه وبين اللحم ولا يجوز أن يقاس عليه ونحن وهم مجمعون على أن من سحق عظم الخنزير فاستفه فقد عصى الله تعالى فصح ضرورة أنه لم يحرم شحمه قياسا على لحمه ولا أنثاه قياسا على ذكره وبطل تمويههم والحمد لله
وإنما حرم شحم الخنزير وغضروفه ودماغه ومخه وعصبه وعروقه وجلده وشعره وعظمه وعضله وسنه وظلفه وملكه والأنثى منه ولبنها بقول الله تعالى { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } والضمير في لغة العرب راجع إلى أقرب مذكور
وقد أفردنا لذلك بابا في كتابنا هذا وأقرب مذكور إلى الضمير الذي في { يأيها لذين آمنوا إنما لخمر ولميسر ولأنصاب ولأزلام رجس من عمل لشيطان فجتنبوه لعلكم تفلحون } هو الخنزير لا اللحم فالخنزير كله بالنص رجس والرجس كله خبيث محرم بقول الله تعالى { يأيها لذين آمنوا إنما لخمر ولميسر ولأنصاب ولأزلام رجس من عمل لشيطان فجتنبوه لعلكم تفلحون } فرجع الضمير في قوله تعالى إلى الرجس لأنه تعالى لو أراد الأربعة المذكورة في أول الآية لقال فاجتنبوها فلما لم يقل تعالى ذلك ولم يجز أن يكون الضمير راجعا في قوله تعالى { يأيها لذين آمنوا إنما لخمر ولميسر ولأنصاب ولأزلام رجس من عمل لشيطان فجتنبوه لعلكم تفلحون } إلى الشيطان
لأننا غير قادرين على اجتنابه صح ضرورة أنه راجع إلى الرجس وعمل الشيطان فكان الرجس كله محرما وهو من عمل الشيطان محرم مأمور باجتنابه فكل ما كان رجسا فهو باجتنابه والخنزير رجس فكله محرم مأمور باجتنابه وكذلك الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وكل رجس بالنص المذكور وبالله تعالى التوفيق
وإنما قلنا هذا حسما للأقوال وإنما فالضمير راجع إلى عمل الشيطان والرجس بنص الآية من عمل الشيطان فهو مأمور باجتنابه بيقين والخنزير رجس بنص القرآن والخنزير كله حرام والخنزير في لغة العرب التي بها خوطبنا اسم للجنس يقع تحته الذكر والأنثى والصغير والكبير فبطل ما ظنوا أن تحريم الشحم إنما هو جهة القياس وبالله تعالى التوفيق
ثم نقول لهم أخبرونا عن قول الله تعالى { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } ماذا أراد به عندكم اللحم وحده دون الشحم فإن قلتم ذلك فقد أباح الشحم على قولكم وهذا خلاف الإسلام وخلاف قولكم أم أراد به الشحم واللحم والعظم

واللبن فهذا باطل لأن كل ذلك يقع عليه عند أحد اسم لحم فقد حصل قولكم بين كذب وكفر لا بد من إحداهما فإن قالوا حرم اللحم ودل بذلك على الشحم قلنا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين وفي هذا خالفناكم وكذبنا دعواكم فحصلوا في ضلال محض
واحتج بعضهم بأن قال يلزمكم ألا تبيحوا قتل الكفار إلا بضرب الرقاب فقط لقول الله تعالى { فإذا لقيتم لذين كفروا فضرب لرقاب حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا لوثاق فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع لحرب أوزارها ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ولذين قتلوا في سبيل لله فلن يضل أعمالهم }
قال أبو محمد والجواب بأن الله تعالى إنما قال هذا في المتمكن منهم من الكفار وهذا فرض بلا شك ولا يحل خلافه فمن أراد الإمام قتله من الأسارى لم يحل قتله إلا بضرب الرقبة خاصة لا بالتوسيط ولا بالرماح ولا بالنبل ولا بالحجارة ولا بالخنق ولا بالسم ولا بقطع الأعضاء
وأما من لا يتمكن منه فقد قال تعالى { إذ يوحي ربك إلى لملائكة أني معكم فثبتوا لذين آمنوا سألقي في قلوب لذين كفروا لرعب فضربوا فوق لأعناق وضربوا منهم كل بنان } وقال تعالى { فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم } فقتل هؤلاء واجب كيف ما أمكن بالنص المذكور وهذا لا نعلم فيه خلافا وهو ظاهر الآيات المذكورات ويبين أن المراد بالآية التي فيها ضرب رقاب الأسرى فقط قوله تعالى في تلك الآية بعينها { هو لذي أنزل لسكينة في قلوب لمؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود لسماوات ولأرض وكان لله عليما حكيما } فاستثنى الأسرى من جملة قوله تعالى { إذ يوحي ربك إلى لملائكة أني معكم فثبتوا لذين آمنوا سألقي في قلوب لذين كفروا لرعب فضربوا فوق لأعناق وضربوا منهم كل بنان } و { فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم }
وقال بعضهم أيضا يلزمكم ألا تجيزوا أن يبدأ في غسل الذراعين في الوضوء إلا من الأنامل لقول الله تعالى { يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون }
قال أبو محمد وهذا خطأ وقول فاسد لأن الله تعالى لم ينص على أن يبدأ في ذلك من مكان من اليدين بعينه وإنما جعل عز و جل المرافق نهاية موضع الغسل لا نهاية عمل الغسل فكيف ما غسل الغاسل ما بين أطراف الأنامل إلى نهاية المرافق فقد فعل ما أمر به في النص ولا مزيد

واحتج بعضهم بقول الله تعالى { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا لشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بلله وليوم لآخر ومن يتق لله يجعل له مخرجا } قالوا وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة يعني اشتراط العدالة واشترط تعالى الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط فكان ذلك في سائر الأحكام قياسا على الطلاق والرجعة
قال أبو محمد وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم فأول ذلك أن المحتج بهذا إن كان مالكيا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة وهم غير موصوفين بعدالة ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب
وإن كان حنفيا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول والأقارب العدول وأما نحن فلم نأخذ قبول شهادة العدول فيما عدا الطلاق والرجعة والديون قياسا على ذلك ونعوذ بالله من هذا وإنما لزم قبول العدول في كل موضع حاشا ما استثناه النص من قبول شهادة الكفار في الوصية في السفر فقط في قول الله تعالى { يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } فنهانا الله تعالى عن قبول الفاسق ليس في البالغين العقلاء وإلا فاسق أو عدل فوجب علينا التبين في كل شاهد وكل مخبر حتى نعلم أفاسق هو فلا نعمل بخبره ولا بشهادته إذا أنبأنا بها أو نعلم أهو عدل فنعمل بخبره وشهادته فبطل ظن هذا الجاهل
وأما قبول عدلين في سائر الأحكام فقد كان يلزم هذا الجاهل إن التزم القياس أن يقيس جميع الشهادات في السرقة والقذف والخمر والقصاص والقتل على الشهادة في الزنى فلا يقبل في شيء مما ذكرنا إلا أربعة شهداء لا أقل لأن الحدود بالحدود أشبه من الحدود بالطلاق والرجعة والديون والزنى حد وكل ما ذكرناه في السرقة والقذف والخمر حد
وكان يلزمه أيضا أن يقيس على الديون فيقبل في سائر الأشياء رجلا وامرأتين كما جاء النص في الأموال وإلا فلأي معنى وجب أن يقاس على الرجعة والطلاق دون أن يقاس

على الديون فإن ادعى الإجماع قيل له كذبت وجهلت فالحسن البصري لا يقبل في القتل إلا أربعة شهداء عدول وهذا عمر بن الخطاب وعطاء بن أبي رباح يقبلان في الطلاق النساء دون الرجال وعطاء يقبل في الزنى ثماني النسوة وأبو حنيفة يقبل في الطلاق والرجعة والنكاح رجلا وامرأتين ولا يقبل ذلك في الحدود وقول الحسن أدخل في القياس لأن القتل أشبه بالزنى الذي يكون فيه القتل في الإحصان فهو قتل وقتل فالقتل بالقتل أشبه من القتل بالطلاق
وقول عمر وعطاء أشبه بالقياس لأنهما جعلا مكان كل رجل امرأتين وجلد الزنى جلد وجلد القذف والخمر جلد فالجلد بالجلد أشبه من الجلد بالرجعة في النكاح
وهذا ما لا يحل يخيل على من له أدنى حس سليم لا سيما المالكيين الذين يقولون بقياس القتل على الزنى أنه إن عبر عن القاتل أن يجلد مائة سوط ويغرب سنة قياسا على الزاني غير المحصن فهلا قلدوه عليه فيما يقبل عليه من عدد الشهود ولكن هكذا يكون من سلك السبل فتفرقت به عن سبيل الله تعالى
والعجب أن مالكا أجاز في القتل شاهدا واحدا وأيمان الأولياء وهذا قياس على الشاهد واليمين في الأموال فلا أجاز ذلك في الطلاق والنكاح والعتق وغير ذلك وأي فرق بين هذه الوجوه نعوذ بالله من التخليط والآراء والمقاييس الفاسدة في دين الله تعالى
واحتج بعضهم في ذلك بالآية الواردة في تعبير الرؤيا وهذا تخليط ما شئت والرؤيا قتل كل كلام لا يقطع بصحتها وقد تكون أضغاثا والحكم في الدين استباحة للدماء والفروج والأموال وإيجاب العبادات وإسقاط لكل ذلك ولا يجوز الحكم في شيء من ذلك برؤيا أحد دون رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم وإذا كانت هذه الرؤيا التي جعلها هذا المحتج أصلا لتصحيح القياس لا يجوز القطع بها في دين الله تعالى
فالقياس الذي هو فرعها أبعد من ذلك على قضيته الفاسدة التي رضيها لنفسه وأيضا فإن كثيرا من الرؤيا يفسر فيها الشيء بضده فيحمد القيد والسواد ويذم العرس وليس هذا من القياس في ورود ولا صدر ولو كان ذلك في القياس لوجب إذا جاء النص بالأمر أن يفهم منه النهي أو بالنهي أن يفهم منه ضده وهذا عكس الحقائق وبالجملة فهذا شغب فاسد ضعيف لأن الحكم بالقياس عندهم إنما هو أن يحكم المسكوت عنه بحكم المنصوص عليه وهذا هو غير العمل في الرؤيا جملة ومن شبه

دينه بالرؤيا وفيها الأضغاث وما تتحدث به النفس فقد كفى خصمه مؤنته وبالله تعالى التوفيق
وذكروا أيضا قول الله تعالى { ولقد صرفنا للناس في هذا لقرآن من كل مثل فأبى أكثر لناس إلا كفورا } وقوله تعالى { وتلك لأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا لعالمون }
قال أبو محمد صدق الله تعالى وكذب أصحاب القياس وما أنكر ضرب الله تعالى الأمثال إلا كافر بل قد ضرب الله عز و جل الأمثال في إدبار الدنيا بالزرع وفي أعمال الكفار بسراب بقيعة وفي الظالمين بالأمم السالفين فهذا لا يعقله فيغبط به إلا العالمون
ولعمري إن من صرف هذا الأمثال عما وضعها الله تعالى له إلى تحريم القديد بالقديد إلا مثل بمثل أو البتة وإلى أن على المرأة الموطوءة في نهار رمضان عتق رقبة وإلى أن الصداق لا يكون إلا عشرة دراهم أو ربع دينار وإلى أن من لاط حد حد الزنى لجريء على القول على الله تعالى بغير علم
وليت شعري لو ادعى خصمهم عليهم واستحل ما يستحلونه فادعى في هذه الآيات أنها تقتضي ضد مذاهبهم فيما ذكرنا أكان بينه وبينهم فرق ونعوذ بالله من الخذلان
وكما نقول إن الله تعالى ضرب لنا الأمثال وإن أمثاله المضروبة كلها حق لأنه تعالى قال ذلك فيها
فكذلك نقول لا يحل لنا ضرب الأمثال لله تعالى لأنه قال تعالى { فلا تضربوا لله لأمثال إن لله يعلم وأنتم لا تعلمون } والقياس ضرب أمثال الله تعالى بيقين منا ومنهم فهو حرام وباطل لنهي الله تعالى عنا نصا وبالله تعالى التوفيق
فهذا كل ما شغبوا به من القرآن ووضعهوه في غير مواضعه وقد أوردناه وبينا ذلك لكل ذي حس سليم أنه لا حجة لهم في شيء منه وأن أكثره مانع من القول في الدين بغير نص من الله تعالى
واحتجوا من الحديث بما كتب به إلي يوسف بن عبد الله النمري حدثنا سعيد ابن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة بن سوار المدائني عن الليث بن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عبد الملك

بن سعيد الأنصاري عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب قال هششت إلى المرأة فقبلتها وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله أتيت أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أرأيت لو مضمضت بماء وأنت صائم قلت لا بأس
قال ففيم
قال أبو محمد لو لم يكن في إبطال القياس إلا هذا الحديث لكفى لأن عمر ظن أن القبلة تفطر الصائم قياسا على الجماع فأخبره صلى الله عليه و سلم أن الأشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها وأن المضمضة لا تفطر ولو تجاوز الماء الحلق عمدا لأفطر وأن الجماع يفطر والقبلة لا تفطر وهذا هو إبطال القياس حقا
ولا شبه بين القبلة والمضمضة فيمكنهم أن يقولوا إنه صلى الله عليه و سلم قاس القبلة على المضمضة لأنهم لا يرون القياس إلا بين شيئين مشتبهين وبضرورة العقل والحس نعلم أن القبلة من الجماع أقرب شيئا لأنهما من باب اللذة فهما أقرب شبها من القبلة إلى المضمضة
ثم إن الحديث عائد للمالكيين لأنهم يستحبون المضمضة للصائم في الوضوء ويكرهون له القبلة فقد فرقوا بإقرارهم بين ما زعموا أنه عليه السلام سوى بينهما وفي هذا ما فيه فبطل شغبهم بهذا الحديث وعاد عليهم حجة والحمد لله رب العالمين
واحتجوا بما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا إبرهيم بن نصر ثنا الفضل بن دكين ثنا طلحة بن عمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا كنت إماما فقس الناس بأضعفهم
قال أبو محمد طلحة بن عمرو ركن من أركان الكذب متروك الحديث قاله أحمد ويحيى وغيرهما وهذا حديث مشهور من طريق أبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ليس في شيء منه هذه اللفظة البتة إلا من هذه الطريق الساقطة
ولو صحت ما كانت لهم فيه حجة أصلا لأنه ليس هنا شيء مسكوت قيس بمنصوص عليه وإنما أمر صلى الله عليه و سلم الإمام أن يخفف الصلاة على قدر احتمال أضعف من خلفه وليس يخرج من هذا تحريم البلوط بالبلوط متفاضلا والنص قد جاء بإيجاب أن يخفف الإمام الصلاة رفقا بالناس كلهم

فكيف وإنما جاء هذا الخبر بلفظين اقتد بأضعفهم و اقدر الناس بأضعفهم كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا أحمد بن سليمان ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة ثنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب نا قتيبة نا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء
وهكذا رواه أيضا أبو سلمة عن أبي هريرة
واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر نا أبو داود نا قتيبة عن الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
قال أبو محمد وقد قلنا مرارا إننا لا ننكر نقل لفظ إلى معنى آخر إذا صح ذلك بنص آخر أو إجماع ولكن إذا كان عندهم هذا قياسا فإنه يلزمهم أنه متى سمعوا ذكر جحر في أي شيء ذكر أن يقيسوا عليه كل ما في العالم كما جاء النهي عن البول في الجحر فلم يقيسوا عليه غيره
فإذا لم يفعلوا فلا شك أنه إنما انتقل إلى ههنا لفظ الجحر إلى كل ما عداه بالإجماع وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه و سلم للخثعمية وللمستفتية التي ماتت وعليها صوم
وهو حديث مشهور رويناه من طرق ومن بعضها ما حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني أحمد بن عمر الوكيعي ثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن سليمان الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها

قال لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال نعم
قال فدين الله أحق أن يقضى قال الأعمش فقال الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل جميعا ونحن جلوس حين حدث مسلم هذا الحديث فقال سمعنا مجاهدا يذكر هذا الحديث عن ابن عباس
ومنها ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب حدثنا خشيش بن أصرم النسائي عن عبد الرزاق أنا معمر عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رجل يا نبي الله إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه قال أرأيت لو كان على أبيك دين كنت قاضيه قال نعم قال فدين الله أحق
أخبرني محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن أبي بشر هو جعفر بن أبي وحشية قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي صلى الله عليه و سلم فسأله عن ذلك فقال أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه قال نعم
قال فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء
قال أبو محمد وهذا من أعجب ما احتجوا به وأشده فضيحة لأقوالهم وهتكا لمذاهبهم الفاسدة
أما الشافعيون والحنفيون والمالكيون فينبغي لهم أن يستحوا من ذكر حديث الصوم الذي صدرنا به لأنهم عاصون له مخالفون لما فيه من قضاء الصيام عن الميت
فكيف يسوغ لهم أو تواتيهم ألسنتهم بإيجاب القياس من هذا الحديث وليس فيه للقياس أثر البتة ويقدمون على خلافه فيقولون لا يصوم أحد عن أحد
وأما المالكيون والحنفيون فإنهم زادوا إقداما فلا يقولون بقضاء ديون الله تعالى من الزكاة والنذور والكفارات من رأس مال أحد
ويقولون ديون الناس أحق بالقضاء من ديون الله تعالى واقضوا الناس فهم أحق بالوفاء وإن ديون الناس من رأس المال وديون الله تعالى من الثلث إن أوصى بها وإلا فلا تؤدى البتة لا من الثلث ولا من غيره والله إن الجلود لتقشعر من أن يكون الرسول صلى الله عليه و سلم يقول

اقضوا الله فهو أحق بالوفاء و دين الله أحق أن يقضى فيقول هؤلاء المساكين بآرائهم المخذولة تقليدا لمن لم يعصم من الخطأ ولا أتته براءة من الله تعالى بالصواب من أبي حنيفة ومالك وأصحابهما دعوا كلام نبيكم صلى الله عليه و سلم ولا تلتفتوه وخذوا قولنا فاقضوا ديون الناس فدينهم أحق من دين الله تعالى
قال أبو محمد ما نعلم في البدع أقبح من هذا ولا أشنع منه لأن أهل البدع لم يصححوا الأحاديث فهم أعذر في تركها وهؤلاء يقولون بزعمهم بخبر الواحد العدل وأنه حق لا يجوز خلافه وليس لهم في هذه الأسانيد مطعن البتة ثم يقدمون على المجاهرة بخلافها
والذي لا يشك فيه أن من بلغته هذه الآثار
وصحت عنده ثم استجاز خلاف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إتباعا لقول أبي حنيفة ومالك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال لاحق باليهود النصارى
وأما من صحح مثل هذا الإسناد وحكم به في الدين ثم قال في هذه لا يصح فهو فاسق وقاح قليل الحياء بادي المجاهرة نعوذ بالله من كلتي الخطتين فهما خطتا خسف
ثم تركهم كلهم أن يقيسوا الصوم عن الميت وإن أوصى به على الحج عنه إذا أوصى به وهم يدعون أنهم أصحاب قياس فهم أول من ترك القياس في الحديث الذي احتجوا به مع تركهم لحديث الصوم وقياسهم عليه وهم لا يأخذون به
ثم نقول وبالله تعالى التوفيق إنه ليس في هذا الحديث قياس أصلا ولا دلالة على القياس ولكنه نص من الله تعالى أخبر في آية المواريث فقال { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم لربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن لربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن لثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو مرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما لسدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في لثلث من بعد وصية يوصى بهآ أو دين غير مضآر وصية من لله ولله عليم حليم } فعم الله عز و جل الديون كلها
وبضرورة العقل علمنا أن ما أوجبه الله علينا في أموالنا فإنه يقع عليه اسم دين بلا شك ثم بالنصوص علمنا وبضرورة العقل
أن أمر الله أولى بالانقياد له وأحق بالتنفيذ وأوجب علينا من أمر الناس
وكان السائل والسائلة للنبي صلى الله عليه و سلم مكتفين بهذا النص لو حضرهما ذكره فأعلمها للنبي صلى الله عليه و سلم بأن كل ذلك دين وزادهم علما بأن دين الله تعالى أحق بالقضاء من ديون

الناس وهذا نص جلي فأين للقياس ههنا أثر أو طريق لو أن هؤلاء القوم أنصفوا أنفسهم ونظروا لها
ولكن ما في المصائب أشنع من قول من قال إذا أمر النبي صلى الله عليه و سلم بأن يصام عن الميت ويحج عنه وأخبر أنه دين الله تعالى وهو أحق بالقضاء من سائر ديون الناس فترك ذلك واجب فلا يجوز أن يصام عن ميت ولا يستعمل هذا الحديث فيما جاء فيه لكن منه استدللنا على أن بيع العسل في قيره بعسل في قيره لا يجوز أو أن بيع رطل لحم تيس برطلي لحم أرنب لا يجوز أو أن رطل قطن برطلي قطن لا يجوز تبارك الله ما أقبح هذا وأشنعه لمن نظر بعين الحقيقة ونعوذ بالله من الخذلان
واحتجوا بما روى الحديث المشهور أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم يا رسول الله إن امرأتي ولدت ولدا أسود وهو يعرض لنفيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هل لك من إبل قال نعم قال ما ألوانها قال حمر
قال هل فيها من أورق قال إن فيها لورقا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنى ترى ذلك أناه أو كلاما هذا معناه فقال له الرجل لعل عرقا نزعه فقال صلى الله عليه و سلم لعل هذا عرقا نزعه قالوا وهذا قياس وتعليم للقياس
قال أبو محمد وهذا من أقوى الحجج عليهم في إبطال القياس وذلك لأن الرجل جعل خلاف ولده في شبه اللون علة لنفيه عن نفسه فأبطل رسول الله صلى الله عليه و سلم حكم الشبه وأخبره أن الإبل الورق قد تلدها الإبل الحمر فأبطل صلى الله عليه و سلم أن تتساوى المتشابهات في الحكم ومن المحال الممتنع أن يكون من له مسكة عقل يقيس ولادات الناس على ولادات الإبل والقياس عندهم إنما هو رد فرع إلى أصله وتشبيه ما لم ينص بمنصوص وبالضرورة نعلم أنه ليس الإبل أولى الولادة من الناس ولا الناس أولى من الإبل وأن كلا النوعين في الإيلاء والإلقاح سواء فأين ههنا مجال للقياس وهل من قال إن توالد الناس مقيس على توالد الإبل إلا بمنزلة من قال إن صلاة المغرب إنما وجبت فرضا لأنها قيست على صلاة الظهر وإن الزكاة إنما وجبت قياسا على الصلاة
وهذه حماقة لا تأتي بها عضاريط أصحاب القياس لا يرضون بها لأنفسهم فكيف أن يضاف هذا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي آتاه الله الحكمة والعلم دون معلم

للناس وجعل كلامه على لسانه ما أخوفنا أن يكون هذا استخفافا بقدر النبوة وكذبا عليه صلى الله عليه و سلم
ولقد كنا نعجب من إقدام أصحاب القياس في نسبتهم إلى عمر وعلي وعبد الرحمن رضي الله عنهم قياس حد الشارب على حد القاذف ونقول إن هذا استنقاص للصحابة إذ ينسب مثل هذا الكلام السخيف إليهم
حتى أتونا بالثالثة الأثافي والتي لا شوى لها فنسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قاس ولادة الناس على ولادة الإبل فأذكرنا هذا الفعل منهم قول بشر بن أبي حازم الأسدي
غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعقبوا بالصيلم هذا مع أن بعضهم لا يأخذ بهذا الحديث فيما ورد فيه ويروى في التعريض الحد وهو يسمع فيه أن الأعرابي كان يعرض بنفي ولده فلم يزده النبي صلى الله عليه و سلم على أن أراد بطلان ظنه ووجوب الحكم بظاهر المولد والفراش ولم ير عليه حدا أفيكون أعجب ممن يترك الحديث فيما ورد فيه ويطلب فيه ما لا يجده أبدا ومن أن القاتل إذا عفي عنه ضرب مائة سوط ونفي سنة قياسا على الزاني إن هذا العجب ونسأل الله العصمة والتوفيق
واحتجوا أيضا بقول النبي صلى الله عليه و سلم إذ سئل عن الإبل تكون في الرسل كأنها الظباء فيدخل فيها البعير الأجرب فتجرب كلها فقال صلى الله عليه و سلم ومن أعدى الأول
قال أبو محمد وهذا كما قبله وأطم وما فهم قط أحد أن هذا القياس وجها بل فيه إبطال القياس حقا لأنهم أرادوا أن يجعلوا الإبل إنما جربت من قبل الأجرب الذي انتقل حكمه إليها فأبطل رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا الظن الفاسد وأخبر أن كل وارد من قبل الله عز و جل وأنه فعل ذلك بالإبل والنعم ولا فرق
وذكروا ما حدثناه أحمد بن قاسم ثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم ثنا جدي قاسم بن أصبغ ثنا إسماعيل هو ابن إسحاق ثنا علي هو ابن المديني ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثنا هشام هو ابن حسان عن الحسن عن عمران ابن الحصين قال

أسرينا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزاة فلما كان من آخر السحر عرسنا فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس فجعل الرجل يثب دهشا فزعا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
اركبوا
فركب وركبنا فسار حتى ارتفعت الشمس ثم نزل فأمر بلال فأذن قضى حاجاتهم وتوضؤوا فصلينا ركعتين قبل الغداة ثم أقام فصلى بنا فقلنا يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد فقال لا ينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم قالوا فقاس صلى الله عليه و سلم حكم قضاء صلاتين مكان صلاة على الربا
قال أبو محمد وهذا باطل من وجوه أحدها أنه قد تكلم في سماع الحسن بن عمران بن الحصين فقيل سمع منه وقيل لم يسمع منه وأيضا فإنه قد صح من طريق جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال جابر كان على رسول الله صلى الله عليه و سلم دين فقضاني وزادني فهذا أشبه بالربا من صلاتين مكان صلاة إلا أن هذا حلال والربا حرام وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم فيمن جامع عامدا في يوم رمضان أن يصوم مكانه ستين يوما أو ثمانية وخمسين يوما أو تسعة وخمسين يوما فلو كان القياس كما ذكروا لكان هذا عين الربا على أصلهم وأيضا فإن هذا الحديث لا يقول به المالكيون والشافعيون لأنهم لا يرون أن يؤذن للصلاة الفائتة ولا يصلي ركعتا الظهر قبل صلاة الصبح إذا فاتت ولا أقبح من قول من يحتج بخبر ثم هو أول مخالف لنصه وحكمه
والقول الصحيح هو أن هذا الخبر حجة في إبطال القياس لأنهم رضي الله عنهم أرادوا أن يصلوا مكان صلاة صلاتين وقد نهاهم الله تعالى عن تعدي حدوده ومن تعدي الحدود أن يزيد أحد شرعا لم يأمر الله تعالى به والربا في لغة العرب الزيادة فصح بهذا الخبر نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن ربه تعالى عن الزيادة على ما أمر به فقط
وبيقين يدري كل ذي حس أن القول بالقياس زيادة في الشرع على ما أمر الله تعالى به فلما حرم الله تعالى الأصناف الستة متفاضلة في ذاتها زادوا هم ذلك في المأكولات أو المكيلات أو الموزونات أو المدخرات فزيادتهم هذه هي الربا حقا والله تعالى قد نهى عنه فهذا الخبر حجة لو صح في إبطال القياس وإلا فلا نسبة بين الصلاة والبيع وبالله تعالى التوفيق

وأيضا فإن هذا الخبر نص جلي لا مدخل للقياس فيه أصلا ولا بينه وبين شيء من القياس نسبة لأنه اسم الربا يجمع الزيادة في الدين والزيادة في الصلاة بنص هذا الخبر فتحريم الربا مقتضى لتحريم الأمرين وكل ما جاء به النص فصحيح وكل ما أرادوا هم أن يريده مما ليس منصوصا عليه فهو باطل فظهر أن من احتج بهذا الخبر فموه بما ليس مما يريد في شيء بل هو حجة عليه والحمد لله رب العالمين
ثم لو صح لهم نصوصا من القرآن والسنن ووردت باسم القياس وحكمه وهذا لا يوجد أبدا لما كان لهم في شيء من ذلك حجة لأنه كان يكون الحكم حينئذ أن ما قاله الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم فهو الحق وإنما ما يقولونه هم مما لم يقله الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه و سلم فهو الباطل الذي لا يحل القول به
وفي هذا كفاية لمن عقل
وقد أوجب الله تعالى وحرم على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم وفي كتابه ولم يحل لأحد أن يحرم ولا أن يوجب ولا أن يحل ما لم يحله الله تعالى ولا أوجبه ولا حرمه لأن الله تعالى حرم وأوجب وأحل وكل ذلك تعد لحدود الله تعالى
وموهوا أيضا بأن قالوا لو كان العلم كله جلي لاستوى العالم والجاهل في البيان ولو كان العلم كله خفيا لاستوى العالم والجاهل في الجهل به فصح أن بعضه جلي وبعضه خفي فوجب أن يقاس الخفي على الجلي
قال أبو محمد وهذا كلام في غاية الفساد لأنه إذا كان بعضه جليا وبعضه خفيا فالواجب على أصلهم هذا الفاسد أن يستوي العالم والجاهل في تبين الجلي منه وأن يستوي الجاهل والعالم في خفاء الخفي منه عليهما أيضا فبطل العلم على أصلهم الخبيث الظاهر الفساد
وأما نحن فنقول إن العلم كله جلي بين نعني علم الديانة قال تعالى { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ونزلنا عليك لكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } وقال تعالى { بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } فصح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد بين للناس ما نزل إليه والمبين بين والحمد لله رب العالمين لمن يعلم اللغة التي بها خوطبنا

وإنما خفي ما خفي من علم الشريعة على من خفي عليه لإعراضه عنه وتركه النظر فيه وإقباله على وجود الباطل التي ليست طريقة إلى فهم الشريعة أو لنظره في ذلك بفهم كليل إما لشغل بال أو مرض أو غفلة ولو لم يكن علم الدين جليا كله ما أمكن الجهل فهم شيء منه أبدا نعني مما يدعون أنه خفي فلما صح أن العالم ممكن له إقامة البرهان وإيضاح ما خفي على الجاهل حتى يفهمه ويتبين له صح أن العلم كله جلي بين نعني علم الديانة والحمد لله رب العالمين
وموهوا أيضا بما روي من قول نسب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ما حدثناه عن عبد الله بن ربيعة التميمي ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا سليمان بن الأشعري ثنا حفص بن عمر العوضي عن شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله عز و جل قال فإن لم تجد في كتاب الله عز و جل قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله قال اجتهد رأيي ولو آلو قال فضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم في صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله
قال أبو محمد وحدثنا أيضا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ثنا محمد بن بكر ثنا داود ثنا مسدد ثنا يحيى هو القطان عن شعبة بن أبي عون عن الحارث بن عمر عن ناس من أصحاب معاذ عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثه إلى اليمن فذكر معناه
قال أبو محمد هذا حديث ساقط لم يروه أحد من غير هذا الطريق وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يسموا فلا حجة فيمن لا يعرف من هو وفيه الحارث بن عمر وهو مجهول لا يعرف من هو ولم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه
أخبرني أحمد بن عمر العذري ثنا أبو ذر الهروي ثنا زهر بن أحمد الفقيه زنجويه بن النيسابوري ثنا محمد بن إسماعيل البخاري هو جامع الصحيح قال فذكر سند هذا الحديث وقال رفعه في اجتهاد الرأي قال البخاري ولا يعرف الحارث إلا بهذا ولا يصح
هذا كلام البخاري رحمه الله

وأيضا فإن هذا الحديث ظاهر الكذب والوضع لأن من المحال البين أن يكون الله تعالى يقول { حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم } و { وما من دآبة في لأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في لكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } و { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ونزلنا عليك لكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } ثم يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن
ومن المحال البين أن يقول الله تعالى مخاطبا لرسوله صلى الله عليه و سلم { بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } ثم يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه يقع في الدين ما لم يبينه صلى الله عليه و سلم ثم من المحال الممتنع أن يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فاتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا جاء هذا بالسند الصحيح الذي لا اعتراض فيه وقد ذكرنا في باب الكلام في الرأي
ثم يطلق الحكم في الدين بالرأي فهذا كله كذب ظاهر لا شك فيه
وقد كان في التابعين الراوين عن الصحابة رضي الله عنهم خبث كثير وكذب ظاهر كالحارث الأعور وغيره ممن شهد عليه بالكذب فلا يجوز أن تؤخذ رواية عن مجهول لم يعرف من هو ولا ما حاله
ولقد لجأ بعضهم إلى أن ادعى في هذا الحديث أنه منقول نقل الكافة
قال أبو محمد ولا يعجز أحد عن أن يدعي في كل حديث مثل هذا ولو قيل له بل الحديث الذي جاء من طريق ابن المبارك إن أشد الفرق فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحلون الحرام هو من نقل الكافة أكان يكون بينه وبين فرق
ولكن من لم يستح قال ما شاء ولكن الذي لا شك فيه أنه من نقل الكواف كلها نقل تواتر يوجب العلم الضروري فقول الله تعالى { يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }

فهذا هو الذي لا شك في صحته وليس فيه الرد عند التنازع إلا إلى الله تعالى وهو القرآن وإلى الرسول وهو كلامه صلى الله عليه و سلم ولا أذكر القياس في ذلك فصح أن ما عدا القرآن والحديث لا يحل الرد إليه عند التنازع والقياس أصلا ليس قرآنا ولا حديثا فلا يحل الرد إليه أصلا وبالله تعالى التوفيق
مع أن هذا الحديث الذي ذكرنا من طريق معاذ لا ذكر للقياس فيه البتة بوجه من الوجوه ولا بنص ولا بدليل وإنما فيه الرأي والرأي غير القياس لأن الرأي إنما هو الحكم بالأصلح والأحوط والأسلم في العاقبة والقياس هو الحكم بشيء لا نص فيه بمثل الحكم في شيء منصوص عليه وسواء كان أحوط أو لم يكن أصلح أو لم يكن كان أسلم أو أقتل استحسنه القاتل له أو استشنعه
وهكذا القول في قوله صلى الله عليه و سلم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران ليس فيه للقياس أثر لا بدليل ولا بنص ولا للرأي أيضا لا يذكر ولا بدليل بوجه من الوجوه وإنما فيه إباحة الاجتهاد فقط
والاجتهاد ليس قياسا ولا رأيا وإنما الاجتهاد إجهاد النفس واستفراغ الوسع في طلب حكم طلب النازلة في القول والسنة فمن طلب القرآن وتقرأ آياته وطلب في السنن وتقرأ الأحاديث في طلب ما نزل به فقد اجتهد فإن وجدها منصوصة فقد أصاب فله أجران أجر الطلب وأجر الإصابة وإن طلبها في القرآن والسنة فلم يفهم موضعا منهما ولا وقف عليه وفاتت إدراكه فقد اجتهد فأخطأ فله أجر
ولا شك أنها هنالك إلا أنه قد يجدها من وفقه الله لها ولا يجدها من لم يوفقه الله تعالى لها كما فهم جابر وسعد وغيرهما آية الكلالة ولم يفهمها عمر وكما قال عثمان في الأختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية فأخبر أنه لم يقف على موضع حقيقة حكمهما ووقف غيره على ذلك بلا شك ومحال أن يغيب حكم الله تعالى عن جميع المسلمين وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا أيضا بما حدثناه أحمد بن قاسم ثنا أبي قاسم بن محمد ثنا جدي قاسم ابن أصبغ نا محمد بن إسماعيل الترمذي نا سعيد بن أبي مريم أنا سلمة بن علي حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال حض رسول الله صلى الله عليه و سلم على تعلم العلم قبل ذهابه

قال صفوان بن عسال وكيف وفينا كتاب الله ونعلمه أولادنا فغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى عرف ذلك فيه ثم قال أليست التوراة والإنجيل في أيدي اليهود والنصارى فما أغنت عنهم حين تركوا ما فيهما
قال أبو محمد هذا الحديث من أعظم الحجج عليهم في وجوب إبطال القياس لأنه صلى الله عليه و سلم أخبر أن من ترك القرآن والعمل به فقد ترك العلم أو سلك سبيل اليهود والنصارى وأصحاب القياس أهل هذه الصفة لأنهم تركوا القرآن والعمل به وأقبلوا على قياساتهم الفاسدة ونعوذ بالله من الخذلان
ثم يقال لهم إنما تعلقتم بتشبيه النبي صلى الله عليه و سلم فعل من حرم التوفيق من أمته في ذلك بفعل اليهود والنصارى إذ نبذوا كتابهم ونحن نقر بصحة هذا التشبيه وإنما ننكر أن يكون حكم من فعل ذلك من المسملين كحكم من أشبه فعله من اليهود والنصارى
وأما أهل القياس فيلزمهم لزوما ضروريا إذ حكموا للمشتبهين بحكم واحد أن يحكموا فيمن ترك أحكام القرآن منا بما نحكم به في اليهود والنصارى من القتل والسبي للذراري والنساء وأخذ الجزية إن سالموا فإن تمادوا على قياسهم لحقوا بالصفرية الأزارقة وعاد هذا من الحكم عليهم في تركهم لأحكام القرآن والعمل بالقياس وإن جحدوا عن ذلك تناقضوا وتركوا القياس وبالله تعالى التوفيق
فهذا كل ما موهوا به من إيراد الحديث الذي قد أوضحنا بحول الله تعالى وقوته أنه كله حجة عليهم وموجب لإبطال القياس وكل من له أدنى حس يرى أن إيرادهم ما أوردوا لا طريق للقياس فيه ولأنهم يوهمون الضعفاء أننا ننكر تشابه الأسماء ونحن ولله الحمد أعلم بتشابه الأسماء منهم وأشد إقرارا به منهم
وإنما ننكر أن نحكم في الدين للمتشابهين في بعض الصفات بحكم واحد من إيجاب أو تحريم أو تحليل بغير إذن من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه و سلم فهذا أنكرنا وفي هذا خالفنا لا في تشابه الأشياء فلو تركوا التمويه الضعيف لكان أولى بهم
وادعى بعضهم دون مراقبة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على القول بالقياس وهذه مجاهرة لا يعدلها في القبح شيء أصلا وباليقين نعلم أن ما روي قط عن أحد من الصحابة القول بأن القياس حق بوجه من الوجوه لا من طريق تصح ولا من طريق ضعيفة إلا حديثا واحدا نذكره إن شاء الله تعالى بعد فراغنا من ذكر تمويههم بدلائل الإجماع وهو لا يصح البتة

ولو أن معارضا يعارضهم فقال قد صح إجماع الصحابة على إبطال القياس أكان يكون بينه وبينهم فرق في أنها دعوى ودعوى بل إن قائل هذا من إجماعهم على إبطال القياس يصح قوله ببرهان نذكره إن شاء الله تعالى
وهو أنه قد صح بلا شك عند كل أحد من ولد آدم يدري الإسلام والمسلمين من مؤمن أو كافر أن جميع الصحابة مجمعون على إيجاب ما قال الله تعالى في القرآن مما لم يصح نسخه وعلى إيجاب ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى أنه لا يحل لأحد أن يحرم ولا يحلل ولا أن يوجب حكما لم يأت به الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه و سلم في الديانة وعلى أن رسول الله لم يلبس على أمته أمر دينها وأنه صلى الله عليه و سلم قد بينه كله للناس وهذا كله مجمع عليه من جميع الصحابة أولهم عن آخرهم بلا شك
ولولا ذلك ما كانوا مسلمين فإن هذا مجمع عليه بلا شك فهذه المقدمات مبطلة للقياس لأنه عند القائلين به حوادث في الدين لم ينزل الله تعالى فيها حكما في القرآن بينا ولا بين رسول الله صلى الله عليه و سلم ما حكمها بنصه عليها وهذا ما لا يشك مسلم أن الصحابة لو سمعوا قائلا يقول بهذا لبرئوا منه
وأيضا فالصحابة عشرات ألوف روى الحديث منهم ألف وثلاثمائة ونيف مذكورون بأسمائهم وروى الفقه والفتيا منهم عن نحو مائة ونيف وأربعين مسمين بأسمائهم حاشا الجمل المنقول عن أكثرهم أو جميعهم كإقامة الصلاة وأداء الزكاة والسجود فيما سجد بهم إمامهم فيه من سجود القرآن والاشتراك في الهدى والصلاة الفريضة خلف التطوع ومثل هذا كثير وإنما أوردنا بنقل الفتيا من ذكر عنه باسمه أنه أجاز أمر كذا أو نهى عن أمر كذا أو أوجب كذا أو عمل كذا فما منهم أحد روي عنه إباحة القياس ولا أمر به البتة بوجه من الوجوه حاشا الحديث الواحد الذي ذكرنا آنفا وسنذكره إن شاء الله تعالى بإسناده ونبين وهيه وسقوطه
وروي أيضا نحو عشر قضايا فيها العمل بما يظن أنه قياس فإذا حقق لم يصح أنه قياس منها صحيح السند ومنها ساقط السند ويروى عنهم أكثر من ذلك وأصح في إبطال القياس نصا
وأما القول بالعمل التي يقول بها حذاق القياسيين عند أنفسهم ولا يرون القياس جائزا إلا عليها فباليقين ضرورة تعلم أنه لم يقل قط بها أحد من الصحابة بوجه من

الوجوه ولا أحد من التابعين ولا أحد تابعي التابعين وإنما هو أمر حدث في أصحاب الشافعي واتبعهم عليه أصحاب أبي حنيفة ثم تلاهم فيه أصحاب مالك
وهذا أمر متيقن عندهم وعندنا وما جاء قط في شيء من الروايات عن أحد من كل من ذكرنا أصلا لا في رواية ضعيفة ولا سقيمة أن أحدا من تلك الأعصار علل حكما بعلة مستخرجة يجعلها علامة للحكم ثم يقيس عليها ما وجد تلك العلة فيه مما لم يأت في حكمه نص وإذا لا يجوز القياس عند جمهور أصحاب القياس إلا على علة جامعة بين الأمرين هي سبب الحكم وعلامته وإلا فالقياس باطل ثم أيقنوا هم ونحن على أن ليس أحد من الصحابة ولا من تابعيهم ولا من تابعي تابعيهم نطق بهذا اللفظ ولا نبه على هذا المعنى ولا دل عليه ولا علمه ولا عرفه ولو عرفوه ما كتموه فقد صح إجماعهم على إبطال القياس بلا شك
وقد اضطر هذا الأمر وهذا البرهان طائفة من أصحاب القياس إلى الفرار من ذكر العلل وتعليل الأحكام جملة وعن لفظ القياس ولجؤوا إلى التشبيه والتمثيل والتنظير وهو المعنى الذي فروا منه بعينه لأنه لا بد لهم من التعريف بالشبه بين الأمرين الموجب تسوية حكم ما لم ينص عليه مع ما نص عليه منهما فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار وكمحلل الخمر باسم النبيذ وأكثر ما هي هذه الطائفة فمن أصحاب مالك وأحمد ومن لم يقلد أحدا من علماء أصحاب الحديث ومنهم نبذ من أصحاب مالك ويسير من أصحاب أبي حنيفة فكيف يستحل من له علم وورع وفرار عن الكذب أن يدعي الإجماع فيما هذه صفته وفي أمر قد روي عن أصحابه أزيد من عشرين ألف قضية ليس فيها ما يدل على القياس إلا قضية واحدة لا تصح ونحو عشر قضايا يظن أنها قياس وليست عند التحقيق قياسا وهم مجمعون معنا على أنه لم يحفظ قط عن أحد من الصحابة قياس في حياة النبي صلى الله عليه و سلم
فإذ ذلك كذلك فنحن نبرأ إلى الله تعالى من كل دين حدث بعده صلى الله عليه و سلم ولو كان القياس حقا لما أغفل رسول الله صلى الله عليه و سلم بيانه العمل به ثم من الباطل المتيقن أن يكون القياس مباحا في الدين ثم لا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أي شيء نقيس ولا على ما نقيس ولا أين نقيس ولا كيف نقيس فصح أن القياس باطل لا شك فيه
وأما القول والرأي والاستحسان والاختيار فكثير عنهم رضي الله عنهم جدا ولكنه لا

سبيل إلى أن يوجد لأحد منهم أن جعل رأيه دينا أوجبه حكما وإنما قالوا إخبارا منهم بأن هذا الذي يسبق إلى قلوبهم وهكذا يظنون على سبيل الصلح بين المختصمين ونحو هذا مع أن أصحاب القياس قد كفونا ولله الحمد التعلق بهذا الباب لأنهم نعني حذاقهم ومتكلميهم مبطلون للرأي والاستحسان إلا أن يكون قياسا على علة جامعة
وقد أصفق على هذا أكابر المتأخرين من الحنفيين المالكيين وسلكوا في ذلك مسلك الشافعيين وتركوا طرائق أسلافهم في الاعتماد على الرأي والاستحسان وقياس التمثيل المطلوب والتشبيه ولو لم يفعلوا لكان أمرهم أهون مما يظن لأنه لم يبق إلا بالرأي وحده مجردا والاستحسان المطلق فليس رأي زيد أولى من رأي عمرو ولا استحسان زيد أولى من استحسان رأي عمرو
فحصل الدين وأعوذ بالله لو كان ذلك هملا غير حقيقة وحراما حلالا معا وحقا باطلا معا وتخليطا فاسدا
وهذا أبين من أن يغلط فيه من له حس وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بإجماع الأمة على تقديم أبي بكر إلى الخلافة وأن ذلك قياس على تقديم النبي صلى الله عليه و سلم له إلى الصلاة وأن عمر قال للأنصار ارضوا لإمامتكم من رضيه رسول الله صلى الله عليه و سلم لصلاتكم وهي عظم دينكم
قال أبو محمد وهذا من الباطل الذي لا يحل ولو لم يكن في تقديم أبي بكر حجة إلا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد استخلف عليا على المدينة في غزوة تبوك
وهي آخر غزواته عليه السلام
فقياس الاستخلاف على الاستخلاف اللذين يدخل فيهما الصلاة والأحكام أولى من قياس الاستخلاف على الصلاة وحدها
فإن قالوا إن استخلاف النبي صلى الله عليه و سلم أبا بكر هو آخر فعله
قيل لهم وبالله تعالى التوفيق إن عليا لم ينحط فضله بعد أن استخلفه رسول الله صلى الله عليه و سلم على المدينة في غزوة تبوك
بل زاد خيرا بلا شك
فلم يكن استخلاف النبي صلى الله عليه و سلم أبا بكر على الصلاة لأجل نقيصة حدثت في علي لم تكن فيه إذا استخلفه على تبوك
كما لم يكن استخلافه عليه السلام عليا على المدينة في عام تبوك لأنه كان أفضل من أبي بكر فليس استخلاف أبي بكر على الصلاة حاطا لعلي
وإنما العلماء في خلافة أبي بكر على قولين أحدهما أن النبي صلى الله عليه و سلم نص عليه وولاه

خلافته على الأمة وأقامه بعد موته مقامه صلى الله عليه و سلم في النظر عليه ولها وجعله أميرا على جميع المؤمنين بعد وفاته صلى الله عليه و سلم
وهذا هو قولنا الذي ندين الله تعالى به
ونلقاه إن شاء الله تعالى عليه مقرونا منا بشهادة التوحيد
وحجتنا الواضحة في ذلك إجماع الأمة حينئذ جميعا على أن سموه خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولو كانوا أرادوا ذلك أنه خليفة على الصلاة لكان أبو بكر مستحقا لهذا الاسم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم والأمة كلها مجمعة على أنه لم يستحق أبو بكر هذا الاسم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم وأنه إنما استحقه بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم إذ ولي خلافته على الحقيقة
وأيضا فلو كان المراد بتسميتهم إياه خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم على الصلاة لا على الأمة لما كان بهذا الاسم في ذلك الوقت أولى من أبي زهم وابن أم مكتوم وعلي فكل هؤلاء فقد استخلفه النبي صلى الله عليه و سلم على المدينة ولا من عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس وقد استخلفه صلى الله عليه و سلم على مكة ولا من عثمان بن أبي العاص الثقفي فقد استخلفه صلى الله عليه و سلم على الطائف ولا من خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس فقد استخلفه صلى الله عليه و سلم على صنعاء
فلما اتفقت الأمة كلها على أنه لا يسمى أحد ممن ذكرنا خليفة رسول الله لا في حياة النبي صلى الله عليه و سلم ولا بعد موته يسمى بذلك علي إذ ولي الخلافة علمنا ضرورة أنه سمي أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه استخلفه على الخلافة التامة بعد موته في ولاية جميع أمور الأمة وهذا بين
وبالله تعالى التوفيق
ومعنى خليفة فعيلة من مخلوف وهذا الهاء للمبالغة كقولك عقير وعقيرة منقول عن معقورة فهذا قول
والقول الثاني أنه إنما قدمه المسلمون لأنه كان أفضلهم وحكم الإمامة أن يكون في الأفضل
واحتجوا بامتناع الأنصار في أول الأمر وبقول عمر إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه بل بعضه عائد عليهم لأن الأنصار لم يكونوا

ليتركوا رأيهم وهم أهل الدار والمنعة السابقة الذين لم يبالوا بمخالفة أهل المشرق والمغرب وحاربوا جميع العرب حتى أدخلوهم في الإسلام طوعا وكرها إلا لنص من النبي صلى الله عليه و سلم لا لرأي أضافهم النزاع إليهم من المهاجرين
وأما قول عمر فظن منه وقد قال رضي الله عنه إذ بشره ابن عباس عند موته بالجنة والله إن علمك بذلك يا ابن عباس لقليل فخفي عليه شهادة النبي صلى الله عليه و سلم بالجنة مع ما في القرآن من ذلك لأهل الحديبية وهم منهم فهكذا خفي عليه نص النبي صلى الله عليه و سلم على أبي بكر وهذا من عمر مضاف إلى ما قلنا آنفا ومضاف إلى قول يوم مات النبي صلى الله عليه و سلم
والله ما مات رسول الله وإلى قوله يوم أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكتب في مرضه الذي مات فيه
كما حدثنا حمام بن أحمد ثنا عبد الله بن إبراهيم ثنا أبو زيد المروزي ثنا محمد بن يوسف ثنا البخاري ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال لما اشتد برسول الله صلى الله عليه و سلم وجعه قال ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي فقال عمر إن النبي صلى الله عليه و سلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط فقال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع
فخرج ابن عباس يقول إن الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه
وحدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن منصور عن سفيان الثوري سمعت سليمان هو الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث وفيه إن قوما قالوا عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك اليوم ما شأنه هجر
قال أبو محمد هذه زلة العالم التي حذر منها الناس قديما وقد كان في سابق علم الله تعالى أن يكون بيننا الاختلاف وتضل طائفة وتهتدي بهدى الله أخرى
فلذلك نطق عمر ومن وافقه بما نطقوا به مما كان سببا إلى حرمان الخير بالكتاب الذي لو كتبه لم يضل بعده ولم يزل أمر هذا الحديث مهما لنا وشجى في نفوسنا وغصة نألم لها وكنا على يقين من أن الله تعالى لا يدع الكتاب الذي أراد نبيه صلى الله عليه و سلم أن يكتبه فلن يضل بعده دون بيان ليحيا من حي عن بينة إلى أن من الله تعالى بأن أوجدناه

فانجلت الكربة والله المحمود
وهو ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبيد الله بن سعيد ثنا يزيد بن هارون ثنا إبراهيم بن سعد ثنا صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم في مرضه ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر
قال أبو محمد هكذا في كتابي عن عبد الله بن يوسف وفي أم أخرى ويأبى الله والمؤمنون
وهكذا حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام الطرسوسي ثنا يزيد بن هارون ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم بمثله وفيه إن ذلك كان في اليوم الذي بدىء فيه عليه السلام بوجعه الذي مات فيه بأبي هو وأمي
قال أبو محمد فعلمنا أن الكتاب المراد يوم الخميس قبل موته صلى الله عليه و سلم بأربعة أيام كما روينا عن ابن عباس يوم قال عمر ما ذكرنا إنما كان في معنى الكتاب الذي أراد صلى الله عليه و سلم أن يكتبه في أول مرضه قبل يوم الخميس المذكور بسبع ليال
لأنه صلى الله عليه و سلم ابتدأه وجعه يوم الخميس في بيت ميمونة أم المؤمنين وأراد صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين وكانت مدة علته صلى الله عليه و سلم اثني عشر يوما فصح أن ذلك الكتاب كان في استخلاف أبي بكر لئلا يقع ضلال في الأمة بعده صلى الله عليه و سلم فإن ذكر ذاكر معنى ما روي عن عائشة إذ سئلت من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف فإنما معناه لو كتب الكتاب في ذلك
قال أبو محمد فهذا قول ثان وقالت الزيدية إنما استخلف أبو بكر استيلانا للناس كلهم لأنه كان هنالك قوم ينافرون عليا فرأى علي أن قطع الشغب أن يسلم الأمر إلى أبي بكر وإن كان دونه في الفضل
قال أبو محمد وأما أن يقول أحد من الأمة إن أبا بكر إنما قدم قياسا على تقديمه إلى

الصلاة فيأبى الله ذلك وما قاله أحد قط يومئذ وإنما تشبث بهذا القول الساقط المتأخرون من أصحاب القياس الذين لا يبالون بما نصروا به أقوالهم مع أنه أيضا في القياس فاسد لو كان القياس حقا لما بينا قبل ولأن الخلافة ليست علتها علة الصلاة لأن الصلاة جائز أن يليها العربي والمولى والعبد والذي لا يحسن سياسة الجيوش والأموال والأحكام والسير الفاضلة وأما الخلافة فلا يجوز أن يتولاها إلا قرشي صليبة عالم بالسياسة ووجوهها
وإن لم يكن محكما للقراءة
وإنما الصلاة تبع للإمامة وليست الإمامة تبعا للصلاة فكيف يجوز عند أحد من أصحاب القياس أن تقاس الإمامة التي هي أصل على الصلاة التي هي فرع من فروع الإمامة هذا ما لا يجوز عند أحد من القائلين بالقياس
وقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم أكابر المهاجرين وفيهم عمرو وغيره أيام النبي صلى الله عليه و سلم ولم يكن ممن تجوز له الخلافة فكان أحقهم بالصلاة لأنه كان أقرأهم وقد كان أبو ذر وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وابن مسعود أولى الناس بالصلاة إذا حضرت إذا لم يكونوا بحضرة أمير أو صاحب منزل لفضل أبي ذر وزهده وورعه وسابقته وفضل سائر من ذكرنا وقراءتهم ولم يكونوا من أهل الخلافة ولا كان أبو ذر من أهل الخلافة ولا كان أبو ذر من أهل الولايات ولا من أهل الاضطلاع بها
وقد قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي وإنك ضعيف فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وقد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأسامة بن زيد على من هو أفضل منهم وأقرأ وأقدم هجرة وأفقه وأسن وهذه هي شروط الاستحقاق للإمامة في الصلاة وليست هذه شروط الإمارة
وإنما شروط الإمارة حسن السياسة ونجدة النفس والرفق في غير مهانة والشدة في غير عنف والعدل والجود بغير إسراف وتمييز صفات الناس في أخلاقهم وسعة الصدر مع البراءة من المعاصي والمعرفة بما يخصه في نفسه في دينه وإن لم يكن صاحب عبارة ولا واسع العلم ولو حضر عمرو وخالد وأسامة مع أبي ذر وهم غير أمراء ما ساغ لهم أن يؤموا تلك الجماعة ولا أن يتقدموا أبا ذر ولا أبي بن كعب
ولو حضروا في مواضع يحتاج فيها إلى السياسة في السلم والحرب لكان عمرو وخالد وأسامة أحق بذلك من أبي ذر وأبي

ولما كان لأبي ذر وأبي من ذلك حق مع عمرو وخالد وأسامة
وبرهان ذلك استعمال رسول الله صلى الله عليه و سلم خالدا وأسامة وعمرا دون أبي ذر وأبي وأبو ذر وأبي أفضل من عمرو وأسامة وخالد بدرج عظيمة جدا
وقد حضر الصحابة يوم غزوة مؤتة فقتل الأمراء وأشرف المسلمون على الهلكة فما قام منهم أحد مقام خالد بن الوليد كلهم إلا الأقل أقدم إسلاما وهجرة ونصرا وهو حديث الإسلام يومئذ فما ثبت أحد ثباته وأخذ الراية ودبر الأمر حتى انحاز بالناس أجمل انحياز فليست الإمامة والخلافة من باب الصلاة في ورد ولا صدر فبطل تمويههم بأن خلافة أبي بكر كانت قياسا على الصلاة أصلا
فإن قالوا لو كانت خلافة أبي بكر منصوصا عليه من النبي صلى الله عليه و سلم ما اختلفوا فيها
قال أبو محمد فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق هذا تمويه ضعيف لا يجوز إلا على جاهل بما اختلف فيه الناس وهل اختلف الناس إلا في المنصوصات
والله العظيم قسما برا ما اختلف اثنان قط فصاعدا في شيء من الدين إلا في منصوص بين في القرآن والسنة فمن قائل ليس عليه العمل ومن قائل هذا تلقى بخلاف ظاهره ومن قائل هذا خصوص ومن قائل هذا منسوخ
ومن قائل هذا تأويل وكل هذا منهم بلا دليل في أكثر دعواهم كاختلافهم في وجوب الوصية لمن لا يرث من الأقارب والإشهاد في البيع وإيجاب الكتابة وقسمة الخمس وقسمة الصدقات وممن تؤخذ الجزية والقراءات في الصلوات والتكبير فيها والاعتدال والنيات في الأعمال والصوم ومقدار الزكاة وما يؤخذ فيها المتعة في الحج والقرآن والفسخ وسائر ما اختلف الناس فيه وكل ذلك منصوص في القرآن والصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
فعلى هذا وعلى النسيان للنص كان اختلاف من اختلف في خلافة أبي بكر
وأما الأنصار فإنهم لما ذكروا وكان قبل ذلك قد نسوا حتى قال قائلهم منا أمير ومنكم أمير ودعا بعضهم إلى المداولة وبرهان ما قلنا أن عبادة بن الصامت الأنصاري روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الأنصار بايعوه على ألا ينازعوا الأمر أهله وأنس بن مالك الأنصاري روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الأئمة من قريش
فبهذا ونحوه رجعت الأنصار عن رأيهم ولا ذلك ما رجعوا إلى رأي غيرهم ومعاذ

الله أن يكون رأي المهاجرين أولى من رأي الأنصار بل النظر والتدبير بينهم سواء وكلهم فاضل سابق
وقد قال عمر يوم مات النبي صلى الله عليه و سلم والله ما مات رسول الله وهو يحفظ قول الله عز و جل { إنك ميت وإنهم ميتون } فلما ذكر بها خر مغشيا عليه وهكذا عرض للأنصار
وقد روينا ذلك نصا
كما حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان الأسدي نا أحمد بن خالد نا علي بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري فذكر حديث وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فقال رجال أدركناهم فذكر باقي الحديث وفيه أن أبا بكر قال وقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وأنت قاعد إن الأئمة من قريش والناس برهم تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم قال صدقت أو قال نعم
قال أبو محمد ومن أعاجيب أهل القياس أنهم في هذا المكان يحتجون بأن إمامة أبي بكر كانت قياسا لا نصا ثم نسوا أنفسهم أو تناسوا عمدا فإذا أرادوا إثبات التقليد للمصاحب قالوا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر
قال أبو محمد وهذا اعجب ما شئت منه فإن كان هذا الحديث صحيحا فقد صح النص من رسول الله صلى الله عليه و سلم على خلافة أبي بكر بعده ثم على خلافة عمر بعد أبي بكر وبطل قولهم إن بيعة أبي بكر كانت قياسا على صلاته بالناس وإن كان هذا الحديث لا يصح فلم احتجوا به في تقليد الإمام من الصحابة أفيكون أقبح من هذه المناقضات بما يبطل بعضه بعضا ولكن إنما شأن القوم نصر المسألة التي يتكلمون فيها بما أمكن من حق أو باطل أو ضحكة أو بما يهدم عليهم سائر مذاهبهم ليوهموا من بحضرتهم من المغرورين بهم أنهم غالبون فقط فإذا تركوها وأخذوا في غيرها لم يبالوا أن ينصروها أيضا بما يبطل قولهم في المسألة التي تركوا وهكذا أبدا ونعوذ بالله من الخذلان

واحتجوا بأن أبا بكر قاتل أهل الردة مع جميع الصحابة قياسا على منع الصلاة واحتجوا في ذلك بما روي من قوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة حتى إن بعض أصحاب القياس قال على هذا عول أبو بكر لا على الآية التي في براءة
قال أبو محمد وهذا من الجرأة واستحلال الكذب ونسب الضلال إلى أبي بكر بحيث لا مرمى وراءه ومن نسب هذا إلى أبي بكر فقد نسب إليه الضلالة وقد أعاذه الله من ذلك وبيان كذبهم في هذا الاعتراض أوضح من كل واضح لأن أبا بكر لم يقل لأقاتلنهم لأنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة وإنما قال لأقاتلن المفرقين بين الصلاة والزكاة وإنما فعل ذلك بلا شك وقوفا عند إلزام الله تعالى لنا وللمسلمين قديما وحديثا إذ يقول تعالى { فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم } فلم يبح الله تعالى لنا ترك سبيلهم إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فهذا الذي حمل أبا بكر على قتالهم لا ما يدعونه من الكذب المفضوح من القياس الذي لا طريق له ههنا
وصدق أبو بكر في إيجابه قتال من فرق بين الصلاة والزكاة لأن نص الله تعالى عليهما سواء وليست إحداهما أصلا والأخرى فرعا فيجب قياس الفرع على الأصل
وهذا تخليط ما شئت منه ولو اتعظوا بهذا القول من أبي بكر فلم يفرقوا ما ساوى النص بينه لكان أولى بهم لكنهم لم يفعلوا بل قالت طائفة منهم الزكاة تجزىء إلا بنية والصلاة تلزم العبد والزكاة لا تلزمه وإن كان ذا مال
وأما في سائر النصوص فلا يبالون أن يقولوا في بعض النص هذا مخصوص وفي بعضه هذا عموم وفي بعضه هذا واجب وفي بعضه هذا ندب ومثل هذا لهم كثير
وقد عارض الصحابة أبا بكر بقول النبي صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله

قال أبو محمد ونسبوا رضي الله عنهم الآية التي ذكرنا آنفا في براءة وكلهم قد سمعها لأنها في سورة براءة التي قرئت على الناس كلهم في الموسم في حجة أبي بكر سنة تسع
وفي الجملة أيضا أبو هريرة وابن عمر وكلاهما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الأمر بقتال الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة كما حدثنا ابن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي ثنا عبد الملك بن الصباح عن شعبة عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله
قال مسلم وحدثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع نا روح عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
قال أبو محمد فلولا هذه النصوص من القرآن وكلام النبي صلى الله عليه و سلم ما ترك الصحابة الحديث الذي تعلقوا به ولكن ليس كل أحد يحضره في كل حين ذكر كل ما عنده واحتجوا بإجماع الأمة على استخلاف إمام إذا مات إمام ولا نص على المستخلف
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن النص قد صح بطاعة أولي الأمر منا وجاءت الآثار الصحاح عن النبي صلى الله عليه و سلم بوجوب الطاعة للأئمة ولزوم البيعة وهذا ما يوجب استخلاف إمام إذا مات الإمام فهو نص صحيح على وجوب الاستخلاف لمن يوثق بدينه ويقوم بأمور المسلمين من قريش نصوصا بينة على وجوب العدل على الإمام والرفق بالرعية والنصح لهم فصفات الإمام منصوصة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بينة واضحة
فمن كانت فيه تلك الصفات فقد نص على تقديمه وإفراده بالأمر ما عدل
كالأمر بالعتق ولا حاجة بنا إلى تسمية المعتق وإيجاب الأضحية والنسك ولا حاجة بنا إلى

صفة لونها وهكذا جمع الشريعة وليت شعري أي مدخل للقياس في هذا إن هذا الأمر كان ينبغي لكل ذي عقل أن يستحي من الاحتجاج بمثله
واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا نبي بعدي قالوا لنا فقولوا إنه يكون بعده رسول لأنه أخبر بأنه لا يكون بعده نبي ولم يقل لا رسول بعدي
قال أبو محمد وهذا جهل مظلم ممكن أتى بهذا لأن هذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه و سلم وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فلو قال عليه السلام لا رسول بعدي لأمكن أن يقول بعده نبي لكن إذ قال لا نبي بعدي فقد صح أنه لا رسول بعده لأن كل رسول فهو نبي بلا شك
ولا سبيل إلى وجود رسول ليس نبيا فبطل هذا التمويه الضعيف على أن هذا كله لو صح لهم كما ادعوه ومعاذ الله من ذلك لما كان من شيء منه دليل على قياس التين على البر ولا على وجوب القياس في الشرائع فكيف وكل ما أوتوا به عليهم هو لا لهم والحمد لله رب العالمين
وقد حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي عن المختار بن فلفل عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم إن النبوة والرسالة قد انقطعت فجزع الناس فقال قد بقيت مبشرات وهن جزء من النبوة
قال أبو محمد واحتجوا بأن الحائض إنما أمرت بالتيمم إذ عدمت الماء في السفر قياسا على الجنب
قال أبو محمد هذا تمويه ضعيف ومعاذ الله أن نأمر الحائض بذلك قياسا بل بالنص وهو قوله تعالى إذ أمر باعتزال الحيض حتى يطهرن { ويسألونك عن لمحيض قل هو أذى فعتزلوا لنسآء في لمحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم لله إن لله يحب لتوابين ويحب لمتطهرين } فأمرهن الله تعالى بالطهور جملة وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فالتراب طهور والماء طهور بالنص وفسر الإجماع أن التراب لا يستعمل ما دام يوجد الماء لغير المريض أو من أوجبه له النص فدخلت الحائض في هذا النص ولقد كان ينبغي لمن فرق بين الحائض والجنب فيما أباح لها من قراءة القرآن ومنعه الجنب من ذلك أن يعلم أنه ترك القياس

واحتجوا أيضا بإيجاب الزكاة في الجواميس وأنه إنما وجب ذلك قياسا على البقر
قال أبو محمد وهذا شغب فاسد لأن الجواميس نوع من أنواع البقر وقد جاء النص بإيجاب الزكاة في البقر والزكاة في الجواميس لأنها بقر واسم البقر يقع عليها
ولولا ذلك ما وجدت فيها زكاة وكذلك البخت والمهاري والفوالج هي أنواع من الإبل وكذا الضأن والماعز يقع عليها اسم الغنم
وقد قال بعض الناس البخت ضأن الإبل والجواميس ضأن البقر وقد رأينا الحمر المريسية وحمر الفجالين وحمر الأعراب المصامدة نوعا واحدا وبينها من الاختلاف أكثر مما بين الجواميس وسائر البقر وكذلك جميع الأنواع
واحتجوا بأن الناس قاسوا على ذي الحليفة وأنهم قاسوا ذات عرق على قرن
قال أبو محمد وهذا كذب وباطل لأن الحديث في توقيت ذات عرق لأهل العراق مشهور ثابت مسند لا يجهله من له بصر بالحديث
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم القاضي ومحمد بن معاوية قال ابن إسحاق ثنا أبو سعيد الأعرابي ثنا سليمان بن الأشعث ثنا هشام بن بهرام وقال ابن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن عبد الله عمار ثنا أبو هاشم محمد بن علي قال بهرام ثنا المعافى بن عمران وقال أبو هاشم عن المعافى بن عمران ثم اتفقا عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقت لأهل العراق ذات عرق
قال أبو محمد هشام بن بهرام ثقة والمعافى ثقة جليل وأفلح بن حميد كذلك وأما قياسهم على ذي الحليفة فهذيان لا يدرى ما هو ولا ماذا قيس عليه والمواقيت مختلفة فمنها ذو الحليفة على عشر ليال ومنها الجحفة على ثلاث ليال ومنها قرن على أكثر من ليلة ومنها يلملم على ليلة فعلى أي هذا يقاس إن هذا الأمر لا يفهمه إلا ذو لب
واحتجوا بما روي من قول ابن عمر فعدل الناس بصاع من شعير مدين من بر
قال أبو محمد وهذا من طرائف ما احتجوا به لأن المحتج بهذا إن كان مالكيا أو شافعيا فهو مخالف لهذا الإجماع عنده ومن أقر على نفسه بأنه مخالف للإجماع فأقل ما عليه اعترافه بأنه مخالف للحق ثابت على الباطل غير تائب عنه وهذا فسق مجرد

ومن أعجب العجب احتجاج المرء بما لا يراه حجة ولكن هذا غير بديع منهم فهذا أبو حنيفة يحتج أن الخيار لا يكون إلا ثلاثة أيام لا أكثر بحديث المصراة فإذا قيل له فهذا الذي تحتج به أتأخذ به قال لا
وهذا مالك احتج في تضمين القائد والسائق ما تجنيه الدابة المسوقة والمقودة بأن عمر غرم بني سعد بن ليث نصف دية رجل من جهينة أصاب أصبعه رجل من بني سعد بن ليث كان يجري فرسه فمات الجهني فإذا سئل أتبدي المدعى عليهم في هذا المكان كما فعل عمر قال لا يجوز ذلك وإذا قيل له أتغرم المدعى عليهم بغير أن يحلف المدعون كما فعل عمر في هذا المكان قال لا يجوز ذلك وإذا قيل له أتقتصر في هذا المكان على نصف الدية كما فعل عمر قال يجوز ذلك وإذا قيل له أتجعل ما جنى الذي يجري فرسه على عاقلته في هذا المكان كما فعل عمر قال لا يجوز ذلك ثم يجعل هذا الحديث نفسه حجة في تضمين القائد والسائق قياسا على الراكب وهذا عجب عجيب
ثم تلاه في ذلك ابن الجهم فاحتج أنه لا يجزئه من ذبح الهدي أو الأضحية ليلا بالنهي عن حصاد الليل وجذاذه فإذا قيل له أتمنع من حصاد الليل وجذاذه قال لا فهو يخالف ما أقر أنه حجة فيما ورد فيه ويحتج به فيما ليس منه في ورد ولا صدر
ثم تلاه في ذلك ابن أبي زيد فاحتج في مخالفته نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن الصلاة على القبر بصلاته صلى الله عليه و سلم على قبر المسكينة السوداء رضي الله عنها
فإذا سئل أتأخذ بصلاته صلى الله عليه و سلم على قبر المسكينة السوداء قال لا
قال أبو محمد وهذا كثير منهم جدا كاحتجاج المالكيين في شق زقاق الخمر وكسر أوانيها بالحديث الوارد في إحراق رجل الغال فإذا قيل لهم أتحرقون رجل الغال قالوا لا
وقد رأيت لرجل منهم يدعى الأبهر ويكنى بأبي جعفر احتجاجا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم بحديث رواه إن الصداق لا يكون أقل من عشرة دراهم
ومثل هذا من نوادرهم كثير وحسبنا الله ونعم الوكيل
ثم نرجع إلى ما احتجوا به من قول ابن عمر فعدل الناس بصاع من شعير نصف صاع بر فأول ذلك أن ابن عمر الذي يروون عنه هذا القول لا يرضى به ولا يقول به

حدثنا أحمد بن محمد الجسور ثنا أحمد بن مطرف نا عبد الله بن يحيى نا أبي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر الزاهد نا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع بن عمران بن حدير عن أبي مجلز قال قلت لابن عمر إن الله تعالى قد أوسع والبر أفضل من التمر قال إن أصحابي سلكوا طريقا فأنا أحب أن أسلكه
حدثنا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن حسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا ابن اجهم نا معاذ بن المثنى نا مسدد نا إسماعيل بن إبراهيم نا محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض بن سعد قال ذكرت لأبي سعيد الخدري صدقة الفطر فقال لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاع زبيب أو صاع أقط فقلت له أو مدين من قمح قال لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها
قال أبو محمد أفيكون أعجب ممن يدعى الإجماع على قول يقول به ابن عمر إن الصحابة على خلاف ذلك الإجماع كما ذكرنا وإنه لا يخرج البر أصلا اتباعا لطريق أصحابه ثم يقول أبو سعيد تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها فأين الإجماع لولا الجنون وقلة الدين
ومن طرائف الدهر قول الطحاوي ههنا إنما أنكر أبو سعيد المقوم لا القيمة فيكون أعجب من هذه المهاجرة وهو يذكر أنه قال أبو سعيد وقد ذكر القيمة لا أقبلها ولا أعمل بها فهل ضمير المؤنث راجع إلى القيمة وهذا ما لا يشك فيه ذو بصر بشيء من مخاطبات الناس ولكن الهوى يعمي ويصم
حدثنا أحمد بن عمر العذري ثنا عبد الله بن حسين بن عقال ثنا إبراهيم بن محمد الدينوري ثنا محمد بن أحمد بن الجهم ثنا موسى بن إسحاق الأنصاري ثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أم المؤمنين قالت كان الناس يعطون زكاة رمضان نصف صاع فأما إذا وسع الله تعالى على الناس فإني أرى أن يتصدق بصاع

فصح بما ذكرنا أن قول ابن عمر وعائشة فعدل الناس بذلك مدين من بر إنما هو على الإنكار لفعل من فعل ذلك وبرهان هذا ثبات ابن عمر وعائشة على صاع صاع لا على ما ذكروا من عمل الناس فلو كان عمل الناس عندهما حقا لما وسعهما خلافه فبطل تمويههم وبالله تعالى التوفيق
مع أن عائشة لم تقل نصف صاع من بر ولعلها عنت من لا يجد أكثر من نصف صاع شعير إلا أنه لا شك أن ما حكته من فعل الناس في ذلك لم يكن عندها حجة ولا عملا مرضيا ولكن كقولها إذا أمرت هي وأمهات المؤمنين أن يخطر على حجرهن بجنازة سعد فأنكر الناس ذلك فقالت ما أسرع الناس إلى إنكار ما لا علم لهم به
وقالوا وقد وجدنا مسائل مجمع عليها ولا نص فيها فصح أنها قياس
قال أبو محمد قد ذكرنا هذه المسألة في باب الإجماع من ديواننا هذا وتكلمنا عليها وبيناها بعون الله تعالى غاية البيان وأرينا البراهين الضرورية على أن ذلك لا يجوز البتة وأنها إنما هي أحوال كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقر بها وقد علمها
ومن ذلك القراض وليس ههنا شيء يقاس عليه جواز القراض بل القياس يمنع من جوازه لأنه إجازة إلى غير أجل وعلى غير عمل موصوف وبأجرة فاسدة وربما لم يأخذ شيئا فضاع عمله وربما أخذ قليلا أو كثيرا وهكذا القول في سائر الإجماعيات من المسائل
مع أن قولهم إنها عن قياس خبر كاذب ودعوى بلا دليل والبرهان قد قام على أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد بين جميع واجبات الإسلام وحلاله وحرامه فكل ما أجمع عليه فعن الرسول وبيانه بلا شك هذا هو اليقين إذ لا يجوز إجماع الناس على شريعة لم يأت بها نص فبطل أن يكون قياس وبالله تعالى التوفيق
واعترضوا ههنا على من أجاب من أصحابنا في هذه المسألة بأن قال الناس مختلفون في القياس بلا شك فكيف يجوز أن يجمعوا على ما اختلفوا فيه وهذا تخليط ظاهر
قال أبو محمد وهذا جواب صحيح عياني لا مجال للشك فيه فاعترض بعض أصحاب القياس فيه بأن قال لنا إنكم تجيزون الإجماع عن سنن كثيرة أتت في أخبار الآحاد وقد علمتم أن أخبار الآحاد مختلف في قبولها وهذا هو الذي أنكرتم
قال أبو محمد وهذا تمويه ضعيف منحل ظاهر الانحلال لأننا لم ندع إجماع الناس

على ما اختلفوا عليه من قبول خبر الواحد وإنما قلنا ونقول إن الأمة كلها مجمعة على قبول ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم لا خلاف بين أحد ممن ينتمي إلى الإسلام في ذلك من جميع الفرق أولها عن آخرها ثم اختلفوا في الطريق المؤدية إلى معرفة صحة ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلنا نحن خبر الواحد العدل من جملة ذلك
وقال آخرون ليس من جملة ذلك ثم تأتي سنن قلنا نحن صحت عندنا من طريق من الآحاد وقال من خالفنا إنما صحت عندنا من طريق التواتر ولو لم تأت إلا من طريق الآحاد فقط ما أخذنا بها
فهذه الصفة النقل هو الذي اتفق الناس كلهم من المسلمين على قبوله وأجمعوا على الأخذ به كإجماع الناس على أن في خمس من الإبل شاة وعلى أن فيما سقي بالنضح من القمح والشعير نصف العشر وسائر ما أجمعوا عليه من آيات النبوة التي جاءت من طريق الكافة وجاءت أيضا من طريق الآحاد وليس هكذا أمر القياس الذي ادعوه
ولكنا لا ننكر أن تأتي مسائل تستوي في حكم القياس على أصولهم وقد صح بها نص أو إجماع أيضا فأخذنا نحن بها لأن النص أتى بها أو لأنها إجماع ولم نبال وافقت القياس أو خالفته
وأيضا فإن من ينكر القياس ينكره على كل حال وبكل وجه وفي كل وقت وليس في فرقة من فرق المسلمين أحد ينكر الخبر جملة بوجه من الوجوه بل كلها مجمعة بلا خلاف عن أن الديانة لا تعرف إلا بالخبر وإنما أنكرت طوائف خبر الواحد وقالت بخبر التواتر
وقال آخرون بالخبر المشتهر وقال آخرون بخبر الواحد العدل فالفرق بين ما أنكرنا وبين ما نظروه به بين واضح وبالله تعالى التوفيق
واحتجوا بإيجاب التحرير على المسيء قالوا وهذا قياس
قال أبو محمد وهذا من ذلك المرار ليت شعري على أي شيء قيس التعزير إن كانوا إنما قالوا به قياسا وأما نحن فإنما قلنا به للنص الوارد في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا يجلد أحد في غير حد أكثر من عشر جلدات وأما السجن فإنما هو منع المسجون من الأذى للناس أو من الفرار بحق لزمه وهو قادر على أدائه فقط وهذا وقع تحت قوله

تعالى { يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد } وله حد لا يتجاوز وهو توبة المسجون وإقلاعه أو خروجه عما لزمه من الحق أو موته إن فعل به ذلك قصاصا
واحتجوا أيضا بالتوجه إلى القبلة عند المعاينة فإذا غبنا عنها فبالاجتهاد
قال أبو محمد وهذا من ذلك التخليط وليس ههنا شيء قيس عليه ذلك بوجه من الوجوه ولا هو أيضا موكول إلى الرأي ولا إلى الاستحسان ولكنه نص من الله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في لسمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر لمسجد لحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن لذين أوتوا لكتاب ليعلمون أنه لحق من ربهم وما لله بغافل عما يعملون } فأما وصولنا إلى معرفة جهة القبلة فبالدليل الذي أنكروه علينا ولم يعرفوا ما هو وظنوه قياسا وهذه مسألة يلوح فيها لمن له أدنى حس الفرق بين الدليل والقياس لأن جهة طلب القبلة ليس قياسا أصلا ولا ههنا شيء يقاس عليه ولا هو موكول إلى رأي كل إنسان فيستقبل أي جهة شاء ولا إلى استحسانه فصح أنه يتوصل إلى ذلك بدليل ليس رأيا ولا قياسا ولا استحسانا وإنما كان يكون قياسا إذا خفيت عنا الكعبة توجهنا إلى بيت المقدس قياسا عليها لأنها قد كانت أيضا قبلة أو إلى المدينة وهذا كفر من قائله وهذا نحو قولكم لما حرم البر بالبر نسيئة حرمنا التبن بالتبن نسيئة وإنما الدليل على جهتها مطالع الكواكب والشمس ومعرفة نسبة العرض من الطول
وقالوا أيضا قد أسقطتم الزكاة عن الثياب قياسا على سقوطها عن الحمير وتركتم أخذ الزكاة من الثياب بعموم قول الله تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم } وقوله تعالى { وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وركعوا مع لراكعين }
قال أبو محمد وكذبوا في ذلك ما شاؤوا ومعاذ الله أن نترك أخذ الزكاة من الثياب قياسا على الحمير ولكن لما كانت الآيتان المذكورتان لم ينص عز و جل فيهما على مقدار ما يؤخذ في الزكاة ولا متى يؤخذ لم يحل لأحد العمل بما لم يبين له إذ لا يدري أيأخذ الأقل أو الأكثر أو كل يوم أو كل شهر أو كل سنة أو مرة من الدهر ووجب عليه طلب بيان الزكاة في نص آخر فوجدناه صلى الله عليه و سلم قد قال إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام قال هذا في حجة الوداع بعد نزول { وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وركعوا مع لراكعين } بيقين وبعد نزول { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم } بيقين لا شك فيه عند أحد من

المسلمين لأن هاتين الآيتين نزلتا في صدر الهجرة فوجب بهذا النص ألا يؤخذ من مال أحد شيء إلا بنص على ما أخذه باسمه فما نص صلى الله عليه و سلم في واجب أخذه في الزكاة وجب قبوله وما لم ينص على وجوبه فلا يحل أخذه لأحد فهكذا سقطت الزكاة عن الثياب والعروض كلها على كل حال
وأيضا فقد قال صلى الله عليه و سلم ليس فيما دون خمسة أوسق من حب أو تمر صدقة ودون في لغة العرب بمعنى غير وبمعنى أقل قال تعالى { من ورآئهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما تخذوا من دون لله أوليآء ولهم عذاب عظيم } يريد من غير الله فوجب بهذا الحديث أن لا يؤخذ شيء من غير التمر والحب إلا ما جاء النص على وجوب أخذه بعينه واسمه وليس حمل لفظه دون على بعض ما تقتضيه أولى من حملها على كل ما تقتضيه
وأيضا فإن سقوط الزكاة عن الثياب المتخذة لغير التجارة إجماع لا خلاف فيه من أحد والإجماع الانقياد وكان يلزمهم وهو الموجبون لاستعمال القياس والتدين به أن يوجبوا الزكاة في الثياب قياسا على وجوبها في القمح والتمر والذهب والفضة لأن هذا كله موات لا حيوان فالثياب بالذهب والفضة والقمح والتمر أشبه منها بالحمير وليت شعري ما الذي أوجب عندهم قياس الثياب على الحمير دون أن يقيسوها على الغنم والإبل فيوجبوا فيها الزكاة لأن الثياب لا تكون إلا من جلود أو نبات إلا من شذ كالحرير وهو أيضا من حيوان فقياسها على ما هي مأخوذة منه أولى من قياسها على ما لا شبه بينها وبينه
هذا إن كان القياس حقا بل ههنا قياس هو أقرب وأشبه على أصولهم وهو قياس المنتقاة على الثياب المتخذة للتجارة وكما أوجب المالكيون الزكاة في غير السائمة قياسا على السائمة وكما قالوا يجمع بين الذهب والفضة في غير التجارة كما يجمع بينهما في التجارة وبين سائر العروض المتخذة للتجارة فبطل تمويههم والحمد لله رب العالمين
واحتجوا أيضا بوجوب الزكاة في الذهب وقالوا هو قياس على الفضة
قال أبو محمد وهذا في الفساد كالذي قبله لأن الخبر في زكاة الذهب ووجوب حق الله تعالى فيه أشهر من أن يجهله ذو علم بالآثار ثم اختلف العلماء فقالت طائفة بيان المأخوذ منه مرجوع فيه إلى الإجماع إذ لم يصح فيه أثر فما أجمع المسلمون على

وجوب تزكيته من الذهب قلنا به وما اختلفوا فيه لم نوجبه إلا بنص وما اتفقوا فيه ثم اختلفوا لم نزل عن إجماعهم إلا بنص وبالله التوفيق
وقالت طائفة بل في المقدار الذي يجب فيه الزكاة من المذهب نص صحيح فالواجب الوقوف عنده بهذا نقول واحتجوا أيضا بتسويتنا في حديث عتق الشقص واشتراط مال العبد بأننا سوينا بين العبد والأمة في ذلك وهذا خطأ بل النص قد جاء في ذلك بلفظ مملوك وهذا اسم يقع على الأمة كوقوعه على العبد
وأيضا فإن لفظة العبد واقعة على الجنس وقولنا عبيد يقع على الذكور والإناث لأنك تقول عبد وعبدة بلا خوف من أهل اللغة ولهم علينا في خاصتنا اعتراض ننبه عليه وهو أن أصحابنا لا يجوزون المزارعة ونحن نجيزها وهذا الاعتراض علينا على أصحابنا في المساقاة فإنهم يقولون إن الشروط فاسدة بقوله صلى الله عليه و سلم كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل فأنتم إذا أجزتم المساقاة والمزارعة على النصف فكلم مقال
لفعله صلى الله عليه و سلم في خيبر فلم أجزتموها بالثلث والربع وقد جاء النهي نصا عن ذلك فهل هذا إلا قياس الثلث والربع على النصف
قال أبو محمد ومعاذ الله أن نقول قياسا وما قلنا ذلك اتباعا للإجماع فإن الأمة كلها بلا خلاف من أحد منها مساوية بين النصف وبين سائر الأجزاء يقينا فمن مانع من كل ذلك قاطع على أن حكم كل ذلك سواء مبيح لكل ذلك قاطع على أن كل ذلك سواء فقد صح الإجماع يقينا على أن حكم النصف وسائر الأجزاء سواء ثم وجدنا النص قد جاء بالمساقاة والمزارع على النصف فوجب القول به وصح بالإجماع أن حكم سائر الأجزاء كحكم النصف والنصف حلال فسائر الأجزاء حلال وهذا برهان متيقن لا يجوز خلافه
وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فإن المتعاقدين على النصف والنصف فقد تعاقدا على ما دون النصف بدخول ذلك في النصف فإذا اقتصر أحدهما على بعض ماله أن يعاقد عليه مع سائره فذلك جائز له بالنص المجيز له أن يعاقد على ما دون النصف مع قوله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا لذي بيده عقدة لنكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا لفضل بينكم إن لله بما تعملون بصير } فتجافيه عن بعض ماله أن يشترطه فضل منه

واحتجوا بقيم المتلفات ومهر المثل ومقدار المتعة والنفقات وإن كل ذلك لا نص فيه قالوا فوجب الرجوع إلى القياس
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه البتة ولا للقياس هنا مدخل أصلا لأنه ليس ههنا شيء آخر منصوص عليه يقيسون عليه هذه الأشياء وهذا هو القياس عندهم فبطل تمويههم إن هذا القياس وما هو إلا نص جلي لا داخلة فيه وهو قول الله تعالى { لشهر لحرام بلشهر لحرام ولحرمات قصاص فمن عتدى عليكم فعتدوا عليه بمثل ما عتدى عليكم وتقوا لله وعلموا أن لله مع لمتقين } فهل في البيان أكثر من هذا وهل هذا إلا نص على كل قصة وجب فيها ضمان المثل
فأي معنى للقياس فيمن أتلف الآخر ثوبا قيمته دينار فقضى عليه بثوب مثله فإن لم يوجد فمثله من القيمة في سوق البلد الذي وقع فيه الغصب أو الذي وقع فيه الحكم
وكذلك امرأة وجب لها مهر مثلها بالنص فعلم مقدار ما تطيب به نفس مثلها في المعهود الذي أحالنا الله تعالى عليه على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم
وكذلك نص الرسول صلى الله عليه و سلم على أن للأزواج والأقارب والمماليك النفقة والكسوة بالمعروف وساوى في ذلك بين الأقارب وبين من ذكرنا وأحالنا على المعروف والمعروف هو غير المنكر فهو ما تعارفه الناس في نفقات من ذكرنا وما فيه مصالحهم من كسوة معروفة لأمثالهم وإسكان وغير ذلك مما لا قوم للمعاش إلا به مما لا جوع فيه ولا عري ولا عطش ولا برد ولا شهرة ولا اتضاع ولا إسراف ولا تبذير ولا تقصير ولا تقتير فهذا هو المنكر وضده هو المعروف فأين القياس ههنا وعلى أي شيء قاسوا ما ذكرنا فإذ ليس ههنا شيء يقاس عليه ما ذكرنا البتة فقد بطل أن يكون قياسا وبطل تمويههم في ذلك
واحتجوا أيضا بأروش الجراحات والجنايات والديات
قال أبو محمد وهذا في التمويه كالذي قبله وقولنا في ذلك إن كل ما أوجبه من ذلك نص وقف عنده وما لم يوجبه نص فهو ساقط لا يقضى به للنص الوارد إن دماءنا وأموالنا علينا حرام وما تيقن أنه أجمع عليه واختلف في مقداره وجب من ذلك أقل ما قيل فقط وما عدا ذلك فتحكم في الدين لا يحل
وأي شيء في معرفة مقدار شبع الناس في الجمهور في أقواتهم في ذلك البلد مما يكون

فيه للقياس معنى وكذلك ما اتفقوا على وجوبه في المتعة وهل شيء من هذا يوجب تحريم البلوط بالبلوط متفاضلا إن انطلاق اللسان بمثل هذا لعظيم ونعوذ بالله من نصر الباطل والتمادي عليه
فهذا كل ما احتجوا به من دلائل الإجماع فقد بينا بحول الله وقوته أنه عائد عليهم ومبطل للقياس والحمد لله كثيرا كما هو أهله
واحتجوا أيضا بأحاديث وردت عن الصحابة رضي الله عنهم كرسالة منسوبة إلى عمر رضي الله عنه ذكروا أنه كتب بها إلى أبي موسى وكقول ابن عباس ولا أرى كل شيء إلا مثله ولو لم يعتبروا ذلك إلا بالأصابع أرأيت من ادهن وعن سعد أينقض الرطب إذا يبس وعن معمر بن عبد الله أخشى أن يضارع وعن أبي سعيد فأيما أولى التمر أو الورق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا سكر هذى وعن علي وزيد في الجد وعن علي لو كان هذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قاتل حمزة
وعن ابن عباس قد أمر الله بالتحكيم بين الزوجين وفي أرنب قيمتها ربع درهم وعن علي في احتجاجه بمحو اسمه من الصحيفة بمحو النبي صلى الله عليه و سلم اسمه يوم الحديبية من الصحابة وعن علي وعمر في قتل الجماعة بالواحد وبالقطع في السرقة
قال أبو محمد هذا كل ما يحضرنا ذكره مما يمكنهم أن يتعلقوا به ونحن إن شاء الله تعالى نذكر كل ما يحضرنا ذكر كل ذلك بأسانيده ونبين بعون الله عز و جل أنه لا حجة لهم في شيء منه لو صح فكيف وأكثر ذلك لا يصح
فأما رسالة عمر فحدثنا بها أحمد بن عمر العذري نا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي نا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني نا يحيى بن محمد بن صاعد نا يوسف بن موسى القطان نا عبيد الله بن موسى نا عبيد الله بن موسى نا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري فذكر الرسالة وفيها الفهم الفهم يعني فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأمثال والأشكال فقس الأمور عند ذلك ثم اعمد إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى الله عز و جل وذكر باقي الرسالة
وحدثناها أحمد بن عمر نا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي نا القاضي أحمد بن

محمد الكرخي نا محمد بن عبد الله العلاف نا أحمد بن علي بن محمد الوراق نا عبد الله بن سعد نا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نا سفيان عن إدريس بن يزيد الأودي عن سعيد بن أبي موسى الأشعري بن أبي بردى عن أبيه قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى فذكر الرسالة وفيها الفهم فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في الكتاب ولا السنة ثم قس الأمور بعضها ببعض ثم انظر أشبهها بالحق وأحبها إلى الله تعالى فاعمل به
وفيها أيضا المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجريا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة وذكر باقيها
قال أبو محمد وهذا لا يصح لأن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف وأبوه مجهول وأما السند الثاني فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهولون وهو أيضا منقطع فبطل القول به جملة
ويكفي من هذا أنه لا حجة في قول أحد دون النبي صلى الله عليه و سلم وكم قصة خالفوا فيها عمر
وأيضا فلا يخلو من أن تكون صحيحة أو غير صحيحة فإن كانت غير صحيحة فهو قولنا ولا حجة علينا فيها وإن كانت صحيحة تقوم بها الحجة فقد خالف أبو حنيفة ومالك والشافعي والحاضرون من خصومنا المحتجين بها ما فيها فأجازوا شهادة المجلود في الخمر والزنى إذا تاب
وأجاز مالك والشافعي شهادة المجلود في حد القذف إذا تاب وهذا خلاف ما في رسالة عمر وإن ادعوا إجماعا كذبهم الأوزاعي فإنه لا يجيز شهادة مجلود في شيء من الحدود أصلا كما في رسالة عمر التي صححوا
وأجازوا شهادة الأخ لأخيه والمولى لذي ولائه ولم يجعلوهما ظنينين في ولاء وقرابة وردوا شهادة الأب العدل لابنه وجعلوه ظنين في قرابة وليس إجماعا لأن عثمان البتي وغيره يجيز شهادته له وردوا شهادة العبد وهو مسلم
وكل هذا خلاف ما في رسالة عمر ومن الباطل المحال أن تكون حجة علينا في القياس ولا تكون حجة عليهم فيما خالفوها فيه ويكفي في هذا إقرارهم بأنها حق وحجة ثم خلافهم ما فيها فقد أقروا بأنهم خالفوا الجن والحجة ونحن لا نقر بها
ولله الحمد

والصحيح عن عمر غير هذا من إنكار القياس مما سنذكره في هذا الباب إن شاء الله تعالى
وأما الرسالة التي تصح عن عمر فهي غير هذه وهي التي حدثنا بها عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني نا أحمد بن شعيب النسائي نا محمد بن بشار نا أبو عامر العقدي نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه عمر أن اقض بما في كتاب الله تعالى فإن لم يكن في كتاب الله فسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقض بما قضى الصالحون فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولم يقض به الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك والسلام
قال أبو محمد وهذا ترك الحكم بالقياس جملة واختيار عمر لترك الحكم إذا لم يجد المرء تلك النازلة في كتاب ولا سنة ولا إجماع فسقطت الرواية عن عمر في الأمر بالقياس لسقوط راويها
ولوجه ثان ضروري مبين لكذب تلك الرسالة وأنها موضوعة بلا شك وهو اللفظ الذي فيها ثم اعمد لأشبهها بالحق وأقربها إلى الله عز و جل وأحبها إليه تعالى فاقض به
قال أبو محمد وهذا باطل موضوع وما يدري القايس إذا شبهت الوجوه أيها أحب إلى الله عز و جل أو أيها أقرب إليه وهذا ما يقطعون به ولا يقطع به أحد له حظ من علم
ثم قوله اعمد إلى أشبهها بالحق ولا نعلم إلا حقا أو باطلا فما أشبه الحق فلا يخلو من أن يكون حقا أو باطلا فالباطل لا يحل الحكم به وإن كان حقا فلا يجوز أن يقال في الحق إنه أشبه طبقته ونظرائه بالحق ولكن يقال في الحق إنه حق بلا شك ولا يجوز أن يقال فيه يشبه الحق فصح أن القياس باطل بلا شك وبطلت تلك الرسالة بلا شك
وبالله تعالى التوفيق
فإن قال قائل افتقطعون في خبر الواحد العدل أنه حق إذا قضيتم به أم تقولون إنه باطل أم تقولون إنه يشبه الحق وهذا نفس ما دخلتم علينا
قال أبو محمد والجواب وبالله التوفيق إن خبر الواحد العدل المتصل وشهادة العدلين حق عند الله عز و جل مقطوع به إلا أننا نحن نقول إن كل خبر صح مسندا

بنقل من اتفق على عدالته فهو حق عند الله بخلاف الشهادات وقال غيرنا إن كل شخص من أشخاص الأخبار وأشخاص الشهادات إما حق عند الله فهو حق مطلق وإما باطل عند الله فهو باطل مطلق
ولا يجوز أن يقال إنه يشبه الحق ولا إنه أشبه بالحق من غيره ولسنا نوقفهم في هذه المراجعة على مذهبهم في أشخاص القياس وإنما نتكلم على ما رووا عن عمر من لفظ أشبهها بالحق فعلى هذه اللفظة تكلمنا وفسادها بينا لنرى بعون الله كذب الرواية في ذلك عن عمر
وأما ولا أحسب كل شيء إلا مثله فحدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد الأشقر ثنا أحمد بن علي القلانسي ثنا مسلم ثنا قتيبة ثنا حماد وهو ابن زيد عن عمر بن دينار عن طاوس عن ابن عباسأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه قال ابن عباس واحسب كل شيء مثله
قال أبو محمد ولا حجة لهم في هذا لأن كثيرا من أصحاب القياس لا يقولون بهذا ولا يرون غير الطعام داخلا في حكم الطعام في ذلك بل يرون ما عدا الطعام جائز بيعه قبل أن يستوفى وهذا قول المالكيين فمن المحال أن يحتج امرؤ بشيء يقر أنه خطأ لا يجوز أن يؤخذ به
وأيضا فإن ابن عباس لم يقطع بصحة ظنه في ذلك وإنما أخبر أنه يحسب كل شيء مثل الطعام في ذلك وهذا هو الذي قلنا عنهم رضي الله عنهم إنهم لا يقطعون برأيهم فيما رأوه وإنما هو ظن لا يثبتونه دينا وليس حكم القياس عند القائلين به من باب الحسبان الذي ذكره ابن عباس في هذا الحديث فصح يقينا أنه لا مدخل للقياس في هذا الحديث فاحتجاجهم به باطل وبالله تعالى التوفيق
وأما لو لم تعتبروا ذلك إلا بالأصابع فحدثناه حمام بن أحمد ثنا محمد بن أبي مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو يعقوب الدبري ثنا عبد الرزاق ثنا مالك عن داود بن الحصين عن أبي غطفان أن مروان أرسله إلى ابن عباس يسأله ماذا جعل في الضرس قال فيه خمس من الإبل قال فردني إلى ابن عباس فقال أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس فقال ابن عباس لو أنك لا تعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء

قال أبو محمد وهذا لا مدخل للقياس فيه البتة بل هو إبطال للتعليل جملة لأن مروان علل الدية بأنها عرض من العضو المصاب فينبغي أن تكون دية العضو الأفضل أكثر وهذه هي علل أصحاب القياس على الحقيقة فأراه ابن عباس بطلان هذا وتناقضه في قوله بأن الأصابع منافعها متفاضلة وديتها سواء
وهذا إبطال العلل على الحقيقة وفي إبطال العلل إبطال للقياس إذ لا قياس إلا على علة جامعة عند حذاق القائلين به فهذا الحديث مبطل للقياس كما ذكرنا وراد إلى النص وألا يتعقب بتعليل وبالله تعالى التوفيق وبرهان واضح فيما ذكرنا هو أن القياس بلا خلاف إنما هو أن يحكم لما نص فيه بالحكم فيما نص أو فيما اختلف فيه بالحكم فيما اجتمع عليه وليس في الأصابع إجماع فيقاس عليه الأضراس بل الخلاف موجود فيها كما هو في الأضراس وليس في الأصابع نص دون الأضراس بل الخلاف موجود فيها كما هو في الأضراس وليس في الأصابع نص دون الأضراس بل النص فيهما جميعا فبطل أن تكون الأصابع أصلا يقاس عليه الأضراس
فأما الخلاف في كل ذلك فكما حدثنا حمام بن أحمد ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الديري ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني يحيى بن سعيد هو الأنصاري قال قال ابن المسيب قضى عمر بن الخطاب فيما أقبل من الفم أعلى الفم وأسفله خمس قلانص وفي الأضراس بعير بعير
وقال عبد الرزاق أيضا عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب جعل في الإبهام خمس عشرة وفي السبابة والوسطى عشرا عشرا وفي البنصر تسعا وفي الخنصر سبعا
فبطل أن يكون ههنا إجماع في الأصابع يقاس عليه أمر الأسنان والأضراس
وأما النص فإن عبد الله بن ربيع ثنا قال حدثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود السجستاني ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث التنوري ثنا شعبة حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء
فصح أن النص عند ابن عباس في الأضراس كما هو في الأصابع بأصح إسناد وأجوده وشعبة لم يسمع قتادة حديثا إلا فقه على سماعه إلا حديثا واحدا في الصلاة

فبطل أن يكون ابن عباس أراد بقوله ولو لم تعتبروا ذلك بالأصابع قياسا البتة وبالله تعالى التوفيق
نعم قد روى التسوية أيضا بين الأضراس والأسنان وبين الأصابع عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مسندا وفي كتاب عمرو بن حزم أيضا فبطل ما ظنوه بيقين والحمد لله رب العالمين
وأما أرأيت لو ادهن فحدثناه حمام بن أحمد حدثنا ابن مفرج حدثنا ابن الأعرابي حدثنا الديري حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن جعفر بن يرقان قال كان أبو هريرة يتوضأ مما مست النار فبلغ ذلك ابن عباس فأرسل إليه أرأيت لو أخذت دهنة طيبة فدهنت بها لحيتي أكنت متوضئا قال أبو هريرة يا ابن أخي إذا حدثت بالحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم فلا تضرب له الأمثال جدلا
قال أبو محمد وليس ههنا للقياس مدخل البتة بوجه من الوجوه وابن عباس قد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه شاهده أكل شيئا مما مست النار فلم يتوضأ وهذا الحديث عنه مشهور فلم يترك ابن عباس الوضوء مما مست النار قياسا لكن اتباعا للنص وإنما عارض أبا هريرة بأمر الدهن في هذا الحديث ليعلم أيطرد أبو هريرة قوله أم لا يرى الوضوء من الدهن فقط فإنما هو استفهام عن مذهب أبي هريرة في الدهن أيوجب الوضوء أم لا ليس في هذا الحديث شيء غير هذا البتة ولكن في قول أبي هريرة إذا حدثت بالحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم فلا تضرب له الأمثال جدلا إبطال صحيح للقياس لأن القياس ضرب أمثال في الدين لم يأذن بها الله تعالى
وقد نهى أبو هريرة عن ذلك وأمره باتباع الحديث والتسليم له فهذا الحديث عليهم لا لهم والصحيح عن ابن عباس إبطال القياس على ما ذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى
وأما أينقص الرطب إذا يبس فحدثناه أحمد بن محمد الجسور نا أحمد بن سعيد بن حزم نا عبيد الله بن يحيى نا أبي عن مالك بن أنس عن عبد الله بن زيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت
قال له سعد أيتهما أفضل فقال البيضاء فنهاه عن ذلك وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال صلى الله عليه و سلم أينقص الرطب إذا يبس جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج9.وج10. كتاب : الإحكام في أصول الأحكام المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي

ج9.وج10. كتاب : الإحكام في أصول الأحكام المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي فقالوا نعم فنهاه عن ذلك قال أبو محمد فأول هذا إن هذا خبر لا...